وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٢] (٤٧١) - (وَحَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ، قَالَ حَامِدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٣٧.
(٢) "المفهم" ٢/ ٧٩.
[ ١١ / ٧٠ ]
عَازِبٍ، قَالَ: "رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ، فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعَهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ) هو: حامد بن عُمَر بن حفص بن عمر بن عُبيد اللَّه بن أبي بكرة الثقفيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، قاضي كِرْمان، وقيل: إن حفصًا جدّه هو ابن عبد الرحمن بن أبي بكرة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٣) (خ م) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٤٩.
[تنبيه]: "البكراويّ" بفتح الموحّدة، وسكون الكاف: نسبة جدّه الأعلى أبي بكرة الصحابيّ -﵁-، وقد سبق بيان هذا (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ الْجَحْدَرِيُّ) البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضاح بن عبد اللَّه تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (هِلَالُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ) ويقال: ابن حميد، ويقال: ابن عبد اللَّه، ويقال: ابن عبد الرحمن، ويقال: ابن مِقْلاص الْجُهَنيّ مولاهم، أبو عمر، ويقال: أبو أمية، ويقال: أبو الجهم الكوفيّ الصيرفيّ الْجِهْبِذ الوَزّان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عبد اللَّه بن عَكيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعروة بن الزبير، وأبي بِشْر.
ورَوَى عنه مِسْعرٌ، وإسرائيل، وشيبان، وحجاج بن أرطاة، وأبو عوانة، وشريك، وابن عيينة، وعُمر بن عبيد الطَّنافسيّ، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: لا بأس به، ثنا حامدٌ، ثنا سفيان، قال: كان هلال الوزّان شيخًا قد كَبِرَ، وكان يكتب على البيدر في كل شهر بعشرة دراهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكنه فَرَّق بين هلال بن عبد الرحمن، وهلال بن مِقْلاص، وهلال بن أبي حميد، وأشار البخاريّ إلى أن هلال بن أبي حميد
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٧.
[ ١١ / ٧١ ]
أصحّ، وقال: قال وكيع: هلال بن حميد، ومرَّةً: هلال بن عبد اللَّه، ولا يصحّ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط هذا برقم (٤٧١)، وحديث (٥٢٩): "لعن اللَّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور. . . "، و(٢٩٧١): "ما شبعَ آل محمد يومين من خبز. . . ".
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى) الأنصاريّ المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٢] مات بوقعة الْجَماجم سنة (٨٣) (ع) تقدّم في "المقدّمة" ١/ ١.
٦ - (الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ) -﵄-، تقدّم قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان جمع بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وهلال، كما أسلفناه آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من هلال.
شرح الحديث:
(عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) -﵄- أنه (قَالَ: "رَمَقْتُ الصَّلَاةَ) أي أطلت النظر، يقال: رَمَقَه بعينه رَمْقًا، من باب نظر: أطال النظر إليه (^١).
وقال الصنعانيّ -﵀-: "رمقت الصلاة": أي نظرتها نظر تعرّف، وإخبار لجملتها وتفصيلها، وهي تقال على المحسوسات حقيقةً، وعلى المعقولات مجازًا عن تيقّن معرفتها. انتهى (^٢).
وقال ابن الملقّن -﵀-: معنى "رمقتُ" هنا: المبالغة في النظر، وشدّة التتبّع لأفعاله، وأقواله -ﷺ-، ففيه الحثّ على استحباب مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به، فإن تعارض القول والفعل، فعلى أيهما يعتمد؟ فيه خلاف
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٩.
(٢) "العدّة حاشية العمدة" ٢/ ٣٣٠.
[ ١١ / ٧٢ ]
للأصوليين، ليس هذا موضعه. انتهى (^١).
وقوله: (مَعَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-) متعلّق بحال مقدّر من "الصلاة"، أي حال كونها كائنة معه -ﷺ- (فوَجَدْتُ قِيَامَهُ) حَكَى ابن دقيق العيد -﵀- عن بعض العلماء أنه نَسَبَ هذه الرواية إلى الوهم، ثم استبعده؛ لأن توهيم الراوي الثقة على خلاف الأصل، ثم قال في آخر كلامه: فليُنْظَر ذلك من الروايات، ويحقق الاتحاد، أو الاختلاف من مخارج الحديث. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: وقد جمعتُ طرقه، فوجدت مداره على ابن أبي ليلى، عن البراء، لكن الرواية التي فيها زيادة ذكر القيام من طريق هلال بن أبي حميد، عنه، ولم يذكره الْحَكَم عنه، وليس بينهما اختلاف في سوى ذلك، إلا ما زاده بعض الرواة عن شعبة، عن الحكم، من قوله: "ما خلا القيام والقعود"، وإذا جُمِع بين الروايتين ظهر من الأخذ بالزيادة فيهما، أن المراد بالقيام المستثنى: القيام للقراءة، وكذا القعود المراد به: القعود للتشهد. انتهى (^٢).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث استثناء لم يُذكر في رواية مسلم، ونصّه: "قال: كان ركوع النبيّ -ﷺ-، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريبًا من السواء".
قال في "الفتح": قوله: "ما خلا القيامَ، والقعودَ" بالنصب فيهما، قيل: المراد بالقيام الاعتدال، وبالقعود الجلوس بين السجدتين، وجزم به بعضهم، وتَمَسّك به في أن الاعتدال والجلوس بين السجدتين لا يطوَّلان.
وردّه ابن القَيِّم في كلامه على "حاشية السنن"، فقال: هذا سوء فهم من قائله؛ لأنه قد ذَكَرهما بعينهما، فكيف يستثنيهما؟ وهل يحسن قول القائل: جاء زيد وعمرو وبكر وخالد إلا زيدًا وعمرًا؟ فإنه متى أراد نفي المجيء عنهما كان تناقضًا. انتهى.
وتُعُقِّب بأن المراد بذكرها إدخالها في الطمأنينة، وباستثناء بعضها إخراج المستثنى من المساواة.
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٣/ ٩٨ - ٩٩.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٣٧.
[ ١١ / ٧٣ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التعقّب فيه نظرٌ لا يخفى، بل ردّ ابن القيّم: هو الوجه السديد، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وقال بعض شيوخ شيوخنا: معنى قوله: "قريبًا من السواء" أن كل ركن قريب من مثله، فالقيام الأول قريب من الثاني، والركوع في الأولى قريب من الثانية، والمراد بالقيام والقعود اللذين استُثْنِيا الاعتدال والجلوس بين السجدتين، ولا يخفى تكلُّفه.
واستُدِلّ بظاهره على أن الاعتدال ركن طويلٌ، ولا سيما قوله في حديث أنس الآتي: "حتى يقول القائل: قد نسي"، وفي الجواب عنه تعسُّفٌ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل هو تعسّف بارد بعيد عن مدلول الحديث، فتبصّر.
(فَرَكْعَتَهُ) المراد به الركوع (فَاعْتِدَالَهُ) أي استواءه قائمًا (بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ) أي الرجوع من موضع صلاته إلى موضع حاجته، قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على أنه -ﷺ- كان يجلس بعد التسليم شيئًا يسيرًا في مصلّاه. انتهى (^٢).
وكان جلوسه -ﷺ- بعد التسليم حتى ينصرف النساء قبل أن يراهنّ الرجال، فقد أخرج البخاريّ -﵀- في "صحيحه" عن أم سلمة -﵂-، قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سلّم قام النساء حين يقضي تسليمه، ويمكث هو في مَقَامه يسيرًا قبل أن يقوم، قال: نَرَى -واللَّه أعلم- أن ذلك كان لكي ينصرف النساء قبل أن يدركهنّ أحد من الرجال.
وقوله: (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ") منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ "وَجدتُ".
والمراد أن مقدار قيامه -ﷺ-، وركوعه، وسجوده، واعتداله، وجلوسه بين السجدتين، وكذا جلوسه بعد التسليم من الصلاة، إلى أن ينصرف إلى حاجته متقارب، وفيه إشعار بأن فيها تفاوتًا، لكنه لم يُعَيِّنه، وهو دالّ على تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين؛ لِمَا عُلِم من عادته -ﷺ- من تطويل الركوع
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٢٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٨٨.
[ ١١ / ٧٤ ]
والسجود، وأن القول بأن الاعتدال ركن قصير قول ضعيفٌ، بل باطلٌ، وكذا الجلوس بين السجدتين.
وقال النوويّ -﵀-: فيه دليل على تخفيف القراءة، والتشهد، وإطالة الطمأنينة في الركوع والسجود، وفي الاعتدال عن الركوع وعن السجود، ونحو هذا قول أنس -﵁- في الحديث الآتي بعده: "ما صَلّيت خلف أحد أوجز صلاةً من صلاة رسول اللَّه -ﷺ- في تمام".
وقوله: "قريبًا من السواء" يدُلّ على أن بعضها كان فيه طول يسير على بعض، وذلك في القيام، ولعله أيضًا في التشهد.
(واعلم): أن هذا الحديث محمول على بعض الأحوال، وإلا فقد ثبتت الأحاديث السابقة بتطويل القيام، وأنه -ﷺ- كان يقرأ في الصبح بالستين إلى المائة، وفي الظهر بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، وأنه كان تقام الصلاة، فيذهب الذاهب إلى البقيع، فيقضي حاجته، ثم يرجع، فيتوضأ، ثم يأتي المسجد، فيدرك الركعة الأولى، وأنه قرأ "سورة المؤمنين"، حتى بلغ ذكر موسى وهارون، وأنه قرأ في المغرب بـ ﴿الطُّورِ﴾، وبـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وفي "صحيح البخاريّ" بـ "الأعراف"، وأشباه هذا، وكلُّه يدلُّ على أنه -ﷺ- كانت له في إطالة القيام أحوال بحسب الأوقات، وهذا الحديث الذي نحن فيه جَرَى في بعض الأوقات، وقد ذكره مسلم في الرواية الأخرى، ولم يذكر فيه القيام، وكذا ذكره البخاريّ، وفي رواية للبخاريّ: "ما خلا القيام والقعود"، وهذا تفسير الرواية الأخرى. انتهى كلام النوويّ -﵀-، وهو تحقيقٌ جيّد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء بن عازب -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٩/ ١٠٦٢ و١٠٦٣ و١٠٦٤] (٤٧١)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٩٢ و٨٠١ و٨٢٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٤)، و(الترمذيّ) فيها (٢٧٩ و٢٨٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٧ - ١٩٨)،
[ ١١ / ٧٥ ]
و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٠ و٢٨٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٧٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٢٢ - ١٢٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام ابن دقيق العيد -﵀-: هذا الحديث يدلّ على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس -﵁- يعني الذي بعده بلفظ: "كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائمًا حتى يقول القائل: قد نسي" أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نصّ فيه، فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف، وهو قولهم: لم يُسَنّ فيه تكرير التسبيحات، كالركوع والسجود، ووَجْهُ ضعفه أنه قياس في مقابلة النصّ، وهو فاسدٌ، وأيضًا فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع، فتكرير "سبحان ربي العظيم" ثلاثًا يجيء قدر قوله: "اللهم ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه"، وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول، كما أخرجه مسلم، من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى، وأبي سعيد الخدريّ، وعبد اللَّه بن عباس -﵃- بعد قوله: "حمدًا كثيرًا طيبًا ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ"، زاد في حديث ابن أبي أوفى: "اللهم طَهِّرني بالثلج. . . إلخ"، وزاد في حديث الآخَرَين: "أهلَ الثناء والمجد. . . إلخ"، وقد ثبت أن النبيّ -ﷺ- أثنى على رجل زاد من عند نفسه في الاعتدال ذكرًا (^١).
ومن ثَمّ اختار النوويّ جواز تطويل الركن القصير بالذكر، خلافا للمرجَّح في المذهب، واستَدَلَّ لذلك أيضًا بحديث حذيفة -﵁- في مسلم، أنه -ﷺ- قرأ
_________________
(١) هو: ما يأتي برقم (٦٠٠) عن أنس -﵁-، أن رجلًا جاء، فدخل الصفّ، وقد حَفَزَه النفَسُ، فقال: الحمد للَّه حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما قضى رسول اللَّه -ﷺ- صلاته، قال: "أيكم المتكلم بالكلمات؟ " فأرمّ القوم، فقال: "أيكم المتكلم بها؟ فإنه لم يقل بأسًا"، فقال رجل: جئت وقد حَفَزني النفسُ فقلتها، فقال: "لقد رأيت اثني عشر ملكًا يبتدرونها أيُّهُم يرفعها".
[ ١١ / ٧٦ ]
في ركعة بالبقرة، أو غيرها، ثم ركع نحوًا مما قرأ، ثم قام بعد أن قال: "ربنا لك الحمد" قيامًا طويلًا قريبًا مما ركع، قال النوويّ: الجواب عن هذا الحديث صَعْبٌ، والأقوى جواز الإطالة بالذكر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا من إنصاف النوويّ -﵀-، وإيثاره النصّ على مذهبه، فقد ثبت في مذهبه أنهم قالوا ببطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وهكذا ينبغي لمقلّدي الأئمة أن يتّبعوا النصوص وإن خالفت نصّ إمامهم؛ لأن نصوص الكتاب والسنة مضمون فيها الحقّ والصواب، لا يتطرّق إليها خلاف ذلك بوجه من الوجوه، بخلاف نصوص الأئمة، فإنها عُرْضة للخطأ والزلل، فالواجب على العاقل أن يتمسّك بالنصوص حيثما كانت، وعند من كانت، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقد أشار الشافعيّ في "الأُمّ" إلى عدم البطلان، فقال في ترجمة "كيف القيام من الركوع": ولو أطال القيام بذكر اللَّه، أو يدعو، أو ساهيًا، وهو لا ينوي به القنوت، كرهت له ذلك، ولا إعادة، إلى آخر كلامه في ذلك.
فالعجب ممن يُصَحِّح مع هذا بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال، وتوجيهُهُم ذلك أنه إذا أطيل انتفت الموالاة مُعْتَرَضٌ بأن معنى الموالاة أن لا يتخلَّل فصلٌ طويلٌ بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصحّ نفي كونه منها، واللَّه أعلم.
وأجاب بعضهم عن حديث البراء -﵁- أن المراد بقوله: "قريبًا من السواء" ليس أنه كان يركع بقدر قيامه، وكذا السجود والاعتدال، بل المراد أن صلاته كانت قريبًا معتدلةً، فكان إذا أطال القراءة أطال بقية الأركان، وإذا أخفّها أخفّ بقية الأركان، فقد ثبت أنه قرأ في الصبح بـ "الصافات"، وثبت في "السنن" عن أنس -﵁- أنهم حَزَرُوا في السجود قدر عشر تسبيحات، فيُحْمَل على أنه إذا قرأ بدون "الصافات"، اقتصر على دون العشر، وأقلُّه كما ورد في "السنن" أيضًا ثلاث تسبيحات. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضح بما سبق مما قاله محقّقو الشافعيّة،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
[ ١١ / ٧٧ ]
كالنوويّ، وابن دقيق العيد، وصاحب "الفتح" أن قول من قال: إن الاعتدال ركنٌ قصير ضعيفٌ، بل باطلٌ؛ لمنابذته الأحاديث الصحيحة، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: الحديث الذي ورد في ثلاث تسبيحات في الركوع والسجود، هو: ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه عن عون بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه، وذلك أدناه، وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده، وذلك أدناه" (^١).
وهو حديث ضعيفٌ؛ للانقطاع، قال الترمذيّ: حديث ابن مسعود ليس إسناده بمتصل، عون بن عبد اللَّه بن عتبة، لم يلق ابن مسعود -﵁-. انتهى.
وقال أبو داود بعد إخراجه: هذا مرسل -أي منقطع- عون لم يُدرك ابن مسعود -﵁-. انتهى.
قال الترمذيّ -﵀-: والعمل على هذا عند أهل العلم، يَستحِبّون أن لا يَنقُص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات، ورُوي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه قال: أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ لكي يدرك مَن خلفه ثلاث تسبيحات، وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: غَلَبَ عَلَى الْكُوفَةِ (^٣) رَجُلٌ قَدْ سَمَّاهُ، زمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ، فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَكَانَ يُصَلِّي، فَإِذَا رَفَعَ
_________________
(١) حديث ضعيف؛ للانقطاع، أخرجه أبو داود برقم (٨٨٦)، والترمذيّ برقم (٢٤٢)، وابن ماجه برقم (٨٩٠).
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "على أهل الكوفة".
[ ١١ / ٧٨ ]
رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"، قَالَ الْحَكَمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ، قَالَ شُعْبَةُ: فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
٤ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والبراء -﵁-، تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الحكم، عن ابن أبي ليلى، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْحَكَمِ) بن عُتيبة: أنه (قَالَ: غَلَبَ) بالبناء للفاعل (عَلَى الْكُوفَةِ) وفي نسخة: "على أهل الكوفة"، وهي المدينة المعروفة، وقد تقدّم الكلام عليها
[ ١١ / ٧٩ ]
قريبًا (رَجُلٌ) بالرفع على الفاعليّة لـ "غلب"، وقوله: (قَدْ سَمَّاهُ) هذا قول شعبة، والضمير المرفوع للحكم، والمنصوب لـ "رجلٌ"، أي سمّى الحكم أي عيّن اسم ذلك الرجل، ويأتي في الرواية التالية تسميته بمطر بن ناجية (زَمَنَ ابْنِ الْأَشْعَثِ) بنصب "زمن" على الظرفيّة، وهو متعلّق بـ "غَلَب".
و"ابن الأشعث" هذا هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الْكِنديّ، الأمير متولّي سِجِستان، بعثه الحجاج على سِجِستان، فثار هناك، وأقبل في جمع كبير، وقام معه علماء وصلحاء للَّه تعالى، لِمَا انتَهَك الحجاج من إماتة وقت الصلاة، ولجوره وجبروته، فقاتله الحجاج، وجَرَى بينهما عِدّة مُصافّات، وينتصر ابن الأشعث، ودام الحرب أشهرًا، وقُتِل خلق من الفريقين، وفي آخر الأمر انهزم جمع ابن الأشعث، وفَرّ هو إلى الملك رُتْبِيل ملتجئًا إليه، فقال له علقمة بن عمرو: أخاف عليك، وكأني بكتاب الحجاج قد جاء إلى رُتْبيل يُرْغِبه ويُرْهِبه، فإذا هو قد بَعَث بك، أو قتلك، ولكن ها هنا خمسمائة مقاتل، قد تبايعنا على أن ندخل مدينة نَتَحَصَّن بها، ونقاتل حتى نُعْطَى أمانًا، أو نموت كرامًا، فأبى عليه، وأقام الخمسمائة حتى قَدِمَ عُمارة بن تميم، فقاتلوه حتى أَمَّنَهم، ووَفَى لهم، ثم تتابعت كتب الحجاج إلى رُتْبيل بطلب ابن الأشعث، فبَعَثَ به إليه على أن تَرْك له الْحمل (^١) سبعة أعوام، وقيل: إن ابن الأشعث أصابه السِّلّ فمات، فقُطِع رأسه، ونَفِذ إلى الحجاج، وقيل: إن الحجاج كَتَب إلى رُتْبيل: إني قد بعثت إليك عُمَارة في ثلاثين ألفًا يطلبون ابن الأشعث، فأبى أن يُسَلِّمه، وكان مع ابن الأشعث عُبيد بن أبي سُبيع، فأرسله إلى رُتْبيل، فَخَفّ على رتبيل، واختَصّ به، قال لابن الأشعث أخوه القاسم: لا آمن غَدْر رُتبيل، فاقتله، يعني عُبيدًا، فَهَمّ به، فَفَهِم ذلك، وخاف، فوَشَى به إلى رُتبيل، وخَوَّفه من غائلة الحجاج، وهَرَب سرًّا إلى عُمَارة، فاستعجل في ابن الأشعث ألف ألف درهم، فكَتَب بذلك عمارة إلى الحجاج، فكتب: أن أعط عُبيدة، ورُتبيل ما طَلَبا، فاشترط أمورًا، فأعطيها، وأرسل إلى ابن الأشعث، وإلى ثلاثين من أهل بيته، وقد هيأ لهم القيود والأغلال، فقَيَّدهم،
_________________
(١) هكذا النسخة، ولعل المعنى ترك حمل الجزية إلى الحجّاج، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٨٠ ]
وبَعَث بهم إلى عُمارة، وسار بهم، فلما قَرُب ابن الأشعث من العراق ألقى نفسه من قصر خراب أنزلوه فوقه، فهلك، فقيل: ألقى نفسه والحرّ معه الذي هو مقيَّد معه، والقيد في رجلي الاثنين فهَلَكا، وذلك في سنة أربع وثمانين (^١).
(فَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، والأصحّ أنه لا يصحّ سماعه من أبيه، وهو أحد الأعلام من ثقات الكوفيين، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢. (أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) أي أن يؤمّ أبو عبيدة الناسَ في الصلاة (فَكَانَ) أبو عبيدة (يُصَلِّي) أي بالناس (فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَامَ قَدْرَ مَا أَقُولُ) بنصب "قدر" على الظرفيّة متعلّق بـ "قام"، "وما" مصدريّة، أي قدر قولي ("اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) بنصب "ملء" على الحال، أي مالئَ السماوات، ويجوز رفعه على أنه نعت لـ "الحمد" (وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) بالبناء على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، أي بعد ما ذُكر (أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ) بنصب "أهل" على المدح، أو النداء، ويجوز رفعه خبرًا لمحذوف، أي أنت أهل الثناء، و"الثناءُ": الحمد، و"المجد": العظمة (لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ") بفتح الجيم على المشهور، ومعناه: الحظّ والغنى، أي لا ينفع صاحب الحظ والغنى غناه، وقيل: بكسر الجيم، أي لا ينفع صاحب الاجتهاد اجتهاده (مِنْكَ الْجَدُّ") "من" هنا بمعنى البدل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزخرف: ٦٠]، أي بدلكم، والمعنى هنا: أي لا ينفع ذا الغنى غناه بدل طاعتك، وسيأتي تمام شرح هذه الألفاظ بعد باب -إن شاء اللَّه تعالى- (قَالَ الْحَكَمُ) بن عتيبة (فَذكَرْتُ ذَلِكَ) أي هذا الوصف لصلاة أبي عُبيدة (لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ) أي عبد الرحمن (سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ) -﵄- (يَقُولُ: كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية السابقة: "فوجدت قيامه"، والظاهر أنه أراد بالصلاة هنا القيام، حيث عطف عليه قوله: (وَرُكُوعُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) قال في "العمدة": "إذا"
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٤/ ١٨٣ - ١٨٤ للحافظ الذهبيّ -﵀-.
[ ١١ / ٨١ ]
للوقت المجرّد منسلخًا عنه معنى الاستقبال. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: "إذا" هنا بمعنى "وقت" معطوف على اسم "كان"، والتقدير: ووقتُ رفع رأسه، وكون "إذا" للوقت المجرد عن معنى الشرط قول لبعض النحاة، فقد أعربوها مبتدأ، وخبرًا، ومفعولًا به، وغير ذلك، كما ذكر ابن هشام في "مغنيه" (^٢). (وَسُجُودُهُ، وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) "ما" موصولة عطف على اسم "كان" أيضًا، والمراد: الجلوس بين السجدتين (قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ) بالنصب على أنه خبر "كان"، وفيه إشعار بأن في هذه الأفعال المذكورة تفاوتًا، فبعضها كان أطول من بعض.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج الراوي عن الحكم (فَذَكَرْتُهُ) أي ما أخبره به الحكم عن ابن أبي ليلى (لِعَمْرِو بْنِ مُرَّةَ) الجمليّ المراديّ، تقدّم في الباب الماضي (فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ ابْنَ أَبِي لَيْلَى، فَلَمْ تَكُنْ صَلَاتُهُ هَكَذَا) يعني أنه يخالف هذا الوصف الذي رواه عن البراء بن عازب عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، ولعله رآه في وقت لم يتمكّن من إتمام ذلك؛ لعذر طرأ عليه، أو كان له اجتهاد يراه، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، أَنَّ مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى الْكُوفَةِ، أَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد:
خمسة، وكلهم تقدّموا في الباب الماضي، والحَكم في الحديث الماضي.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٩٧.
(٢) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ١٧٦ - ١٨٧.
[ ١١ / ٨٢ ]
وقوله: (مَطَرَ بْنَ نَاجِيَةَ) هو: الرياحيّ، من بني يربوع، من تميم، وكان من الشجعان، ظهر في أيام الحجاج بن يوسف الثقفيّ، ومات بعد (٨٢ هـ) (^١).
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده" (٤/ ٢٨٥) فقال:
(١٨٠٥٠) حدّثنا إسماعيل -يعنى ابن علية- أخبرنا شعبة، عن الحكم بن عُتيبة، أنّ (^٢) مَطَرَ بن ناجية استَعْمَل أبا عبيدة بن عبد اللَّه على الصلاة، أيام ابن الأشعث، فكان إذا رفع رأسه من الركوع، قام قدرَ ما أقول، أو وَقَدْ قال: قدر قوله: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا مُعْطِي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ"، قال الحكم: فحدَّثت ذاك عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: حدَّثني البراء بن عازب، قال: كان ركوع رسول اللَّه -ﷺ-، وإذا رَفَع رأسه من الركوع، وسجوده، وما بين السجدتين قريبًا من السواء. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٥] (٤٧٢) - (حَدَّثَنَا (^٣) خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ (^٤): قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة، كلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
ومن لطائف الإسناد أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٦٢) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فبغداديّ.
_________________
(١) راجع: "معجم الأعلام" (ص ٨٤٦).
(٢) وقع في "النسخة "ابن" بدل "أنّ"، وهو غلط بلا شكّ.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٤) وفي نسخة: "حتى يقول الناس".
[ ١١ / ٨٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: إِنِّي لَا آلُو) بهمزة ممدودة، بعد حرف النفي، ولام مضمومة، بعدها واوٌ: أي لا أقصّر (أَنْ) بالفتح مصدريّة (أُصَلِّيَ بِكُمْ، كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِنَا) فيه تصريح من أنس -﵁- بأنه يصف صلاة رسول -ﷺ- بالفعل (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: "قال ثابت" (فَكَانَ أَنَسٌ) -﵁- (يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "لم أركم" (تَصْنَعُونَهُ) فيه إشعارٌ بأن من خاطبهم كانوا يُخلّون بتطويل الاعتدال، ولا يُطيلون الجلوس بين السجدتين، ولكن السنّة إذا ثبتت لا يُبالي من تمسّك بها بمخالفة من خالفها، قاله في "الفتح" (^١). وقوله: (كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ) جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، وهو ما وقع جوابًا عن سؤال مقدّر، والتقدير هنا: ما الشيء الذي كان يصنعه أنس -﵁-، فأجاب بقوله: كان إذا رفع رأسه (مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ) أي قام، فقوله: (قَائِمًا) حال مؤكّدة لعاملها، وهو "انتصب"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، قال ابن مالك -﵀- في "خلاصته":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ "لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا"
(حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ) وفي بعض النسخ: "حتى يقول الناس"، وهو بنصب "يقولَ" على أن "حتّى" بمعنى "إلى"، و"أن" مضمرة بعدها وجوبًا، أي إلى أن يقول القائل.
ومعنى الحديث: أنه يُطيل القيام، حتى يقول القائل: إنه قد نسي ما بعده، ويحتمل أن يكون القول بمعنى الظنّ؛ لأنه قد يأتي بمعناه.
[تنبيه]: قال التوربشتيّ -﵀-: نُصِبَ "يقول" بـ "حتى"، وهو الأكثر، ومنهم من لا يُعْمل "حتى" إذا حسن "فَعَلَ" موضع "يفعل"، كما يحسن في هذا الحديث حتى قالوا: قد نسي، وأكثر الرواة على ما علمنا على النصب، وكان تركه من حيث المعنى أتمّ وأبلغ. انتهى.
وقال ابن هشام الأنصاريّ -﵀-: لا ينتصب الفعل بعد "حتى" إلا إذا كان مستقبلًا، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن التكلّم، فالنصب واجبٌ، نحو:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢٨٨.
[ ١١ / ٨٤ ]
﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ الآية [طه: ٩١]، وإنا كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصّةً فالوجهان، نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال، لا بالنظر إلى زمن قصّ ذلك علينا، وكذلك لا يرتفع الفعل بعد "حتى" إلا إذا كان حالًا، ثم إن كانت حاليّته بالنسبة إلى زمن التكلّم فالرفع واجبٌ، كقولك: سرتُ حتى أدخلُ البلدَ، إذا قلت ذلك وأنت في حالة الدخول، وإن كانت حاليّته ليست حقيقيةً، بل محكيّةً رُفع، وجاز نصبه إذا لم تقدّر الحكاية، نحو: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ الآية قرأ نافع بالرفع بتقدير: حتى حالتهم حينئذ أن الرسول والذين آمنوا معه يقولون كذا وكذا.
(واعلم): أنه لا يرتفع الفعل بعد "حتى" إلا بثلاثة شروط:
[أحدها]: أن يكون حالًا، أو مؤوّلًا بالحال كما مثّلنا.
[والثاني]: أن يكون مسبَّبًا عما قبلها، فلا يجوز: سرتُ حتى تطلعُ الشمس؛ لأن طلوع الشمس لا يتسبّب عن السير.
[والثالث]: أن يكون فضلةً، فلا يصحّ في نحو: سيري حتى أدخلها؛ لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر. انتهى كلام ابن هشام -﵀- (^١).
وإلى القاعدة المذكورة لـ "حتى" أشار ابن مالك -﵀- في "الخلاصة" حيث قال:
وَبَعْدَ "حَتَّى" حَالًا أَوْ مُؤَوَّلَا … بِهِ ارْفَعَنَّ وَانْصِبِ الْمُسْتَقْبَلَا
(قَدْ نَسِيَ) أي ترك النزول للسجود، وأهمله، و"نَسِيَ" -بفتح أوله، وكسر ثانيه- من باب رَضِيَ نَسْيًا -بالفتح- ونِسْيًا، ونِسيانًا، ونِسَاوَةً بكسرهنّ، ونَسْوةً: ضدّ حَفِظَهُ، أفاده في "القاموس"، و"اللسان" (^٢)، وفي "المصباح": نَسِيتُ الشيءَ أَنْسَاهُ نِسْيانًا مشترك بين معنيين: أحدهما: ترك الشيء على ذُهُول وغَفْلَة، وذلك خلافُ الذكر له، والثاني: الترك على تعمّد، وعليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي لا تقصدوا الترك والإهمال،
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٢٥٠.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ٤/ ٣٩٥، و"لسان العرب" ١٥/ ٣٢٢.
[ ١١ / ٨٥ ]
ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، ونَسِيتُ ركعةً: أهملتها ذُهُولًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المناسب هنا الترك ذُهُولًا، كما لا يخفى، واللَّه تعالى أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "قد نسي": أي نسي وجوب الْهُويّ إلى السجود، قاله الكرمانيّ، ويَحْتَمِلُ أن يكون المراد أنه نسي أنه في صلاة، أو ظنّ أنه وقت القنوت حيث كان معتدلًا، أو وقت التشهّد حيث كان جالسًا، ووقع عند الإسماعيليّ من طريق غندر، عن شعبة، عن ثابت: "قلنا: قد نَسِي من طول القيام"، أي لأجل طول قيامه. انتهى.
(وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ) أي تلبّث، يقال: مَكَثَ مَكْثًا، من باب نصر: أقام، وتلبّثَ، فهو ماكثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا، فهو قَرِيبٌ لغةٌ، وقرأ السبعة قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتمكّث في أمره: إذا لم يَعْجَلْ فيه، أفاده الفيّوميّ (^٢). (حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: قَدْ نَسِيَ) أي ترك ما بعده من أجزاء الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٠٦٥] (٤٧٢)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٨٠٠ و٨٢١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦٢ و٢٢٦ و٢٤٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٨٥ و١٩٠٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٩)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٤.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٧.
[ ١١ / ٨٦ ]
(المسألة الثالثة): قال في "المرعاة": هذا الحديث نصّ صريح في تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، وقد ترك الشافعيّة والحنفيّة هذه السنّة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من عالم، وفقيه، وإمام، ومنفرد، وصغير، وكبير، والأعظم من ذلك أنهم إذا رأوا من يُطيل الاعتدال من الركوع، والجلوس من بين السجدتين شغبوا عليه، وجهّلوه، وسفّهوه، وتركوا الاقتداء به.
قال بعض الحنفيّة معتذرًا عن أمثال هذا الحديث: إن فيها مبالغة الراوي.
قال: قال شيخنا ردًّا عليه: كلَا ثم كلّا، فإن الصحابة -﵃- كانوا لا يبالغون من عند أنفسهم في وصف صلاته -ﷺ-، وحكاية أفعاله في الصلاة وغيرها، ولا يُقصّرون، بل يَحكونها على حسب ما رأوا، فحمله على مبالغة الراوي باطلٌ مردود عليه.
وحَمَل بعضهم حديث أنس -﵁- هذا على ابتداء الأمر حين كان يُطوّل صلاته، قال: ثم أمر بالتخفيف بعده.
وهذا ادّعاء محضٌ لا دليل على كون ما في هذا الحديث لابتداء الأمر، فلا يُلتفت إليه.
وقال بعضهم: كانت هذه الإطالة في صلاة النافلة.
وهذا الحمل أيضًا يَحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، بل يردّه إطلاق ما رُوي عن ثابت، قال: "كان أنس يَنعتُ لنا صلاة النبيّ -ﷺ-، فكان يُصلّي، فإذا رفع رأسه من الركوع قال حتى نقول: قد نسي"، أخرجه البخاريّ.
وقال بعضهم: لم يَذكُر هذه الصفة إلا أنس من بين الصحابة -﵃- الذين رووا صفة صلاته -ﷺ-.
وتُعُقّب بأنه لم ينفرد به أنس -﵁-، بل وافقه البراء بن عازب -﵄- كما تقدّم، وحُذيفة بن اليمان -﵄-، عند المصنّف، ولفظه: "ثم ركع، فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع اللَّه لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه" (^١).
_________________
(١) سيأتي للمصنف -﵀- برقم (٧٧٢) عن حذيفة -﵁- قال: صلَّيت مع النبيّ -ﷺ- ذات =
[ ١١ / ٨٧ ]
ولو سُلّم أنه لم يذكر هذه الصفة غير أنس لا يضرّ من قال بمشروعيّتها، فكم من صفة من صفات الصلاة تفرّد بذكرها بعض الصحابة، وقد أخذ بها الأئمة، وعملوا بها، وعدُّوها من سنن الصلاة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن تطويل الاعتدال، والجلوس بين السجدتين ثابت بهذه الأحاديث، ولكن لا بدّ أن نعلم أن أحوال النبيّ -ﷺ- مختلفة في التطويل، والإيجاز، فكان تارة يُطوّل، وتارة يُوجز، على حسب ما يراه من أحوال المأمومين، فكذلك يكون الاقتداء به -ﷺ-، فمن يصلّي وحده يطّول كيف شاء، ومن يصلّي بالناس يراعي أحوالهم، فهذا هو الحقّ الأبلج، والمنهج الأبهج، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٦] (٤٧٣) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ (^٣)، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَا صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَمَامٍ، كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَقَارِبَةً، وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺإِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ).
_________________
(١) = ليلة، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها يقرأ مترسلًا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ، ثم ركع، فجعل يقول: "سبحان ربي العظيم"، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: "سمع اللَّه لمن حمده"، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: "سبحان ربي الأعلى"، فكان سجوده قريبًا من قيامه.
(٢) "المرعاة" ٣/ ١٨٥.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٤) وفي نسخة: "حدّثنا بهز بن أسد".
[ ١١ / ٨٨ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، مشهور بكنيته، صدوقٌ، من صغار [١٠]، مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبثٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمّاد) بن سلمة بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، وتغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فقد تفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وأما حماد بن سلمة، فقد علّق له البخاريّ، بل قيل: أخرج له حديثًا واحدًا في "كتاب الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت من روى عن ثابت، وثابت من أثبت الناس في أنس -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: مَا) نافية (صَلَّيْتُ خَلْفَ أَحَدٍ، أَوْجَزَ صَلَاةً) منصوب على التمييز (مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَمَامٍ) أي مع تمامها بأركانها وسننها، وآدابها، فـ "في" بمعنى "مع" (كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَقَارِبَةً) أي في طولها، وقصرها، فإذا طوّل القيام طوّل الركوع والسجود، وغيرهما، وإذا أوجز في القيام أوجز فيها (وَكَانَتْ صَلَاةُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (مُتَقَارِبَةً، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- (مَدَّ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ) أي طوّل فيها تطويلًا زائدًا، وذلك ليدرك الناس الجماعة؛ لكثرتهم في عهده (وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) بفتح الهمزة، والهاء فعل
[ ١١ / ٨٩ ]
ماض مبنيّ للفاعل، قال ابن الأثير -﵀-: أوهم في صلاته: أي أسقط منها شيئًا، يقال: أوهمتُ الشيءَ: إذا تركته، وأوهمت في الكلامِ والكتابِ: إذا أسقطت منه شيئًا، ووَهَمَ إلى الشيءِ -بالفتح- يَهِمُ وَهْمًا: إذا ذهب وَهْمُهُ إليه، ووَهِمَ -يعني بكسر الهاء- يوْهَم وَهَمًا: إذا غَلِطَ. انتهى (^١).
والمعنى هنا: أنه يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانًا نقول فيه أنه أسقط الركعة التي ركعها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام، أو نسي أنه في صلاة، قال ابن الملك: ويقال: أوهمته: إذا أوقعته في الغلط، وعلى هذا يكون أُوهِم على صيغة المجهول، أي أُوقِعَ عليه الغلط، ووقَفَ سَهْوًا. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله ابن الملك يحتاج إلى ثبوته روايةً، وأيضًا ركيك من حيث المعنى، فتنبّه.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "قد أوهم" كذا صوابه بفتح الهمزة والهاء، فعلٌ ماض مبنيّ للفاعل، ومعناه: تَرَكَ، قال ثعلبٌ: يقال: أوهمتُ الشيءَ أُوهِمه: إذا تركته كلّه، ووَهِمْتُ في الحساب وغيره أَوْهَمُ: إذا غَلِطتَ، ووَهَمْتُ -أي بفتح الهاء- إلى الشيء أَهِمُ وَهْمًا: إذا ذهب وَهْمُك إليه، وأنت تريد غيره. انتهى (^٢).
(ثُمَّ يَسْجُدُ، وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ) أي أسقط ما بعد ذلك، وتركه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- بهذا السياق من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٠٦٦] (٤٧٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١٢٦٣١ و١٣٠٨٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٦٩ و١٥٧١ و١٥٧٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٢) "المفهم" ٢/ ٨١.
[ ١١ / ٩٠ ]