وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤١] (٦٣٦) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جَمِيل بن طَرِيف الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، يقال: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) عن (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، مولى سلمة بن الأكوع المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ المشهور، شهد بيعة الرضوان، ومات -﵁- سنة (٦٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٨٧) من رباعيّات الكتاب، وهو من ثلاثيّات البخاريّ -﵀-، فإنه رواه عن شيخه المكيّ بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة -﵁-.
[ ١٤ / ٥٩ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبغلانيّ، وقد دخل المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، كان شجاعًا، راميًا، وكان يَسبق الفرس شَدًّا على قدميه، فلما قُتل عثمان -﵁- خرج من المدينة، فسكن الرَّبَذَة، وتزوّج بها امرأةً، فولدت له أولادًا، فلم يزل بها حتى قبل أن يموت بليال، فنزل المدينة، فمات بها، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ) أي ساعة تغرُب، وهذا يدلّ على تأهّبه لها قبل وقتها، ومُراقبة وقتها، قاله القرطبيّ -﵀- (^١). (وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ) أي استترت بما يحجبها عن الأبصار، يعني به غيبوبة جِرْم الشمس، قاله القرطبيّ -﵀- (^٢).
ولفظ أبي عوانة من طريق صفوان بن عيسى، عن يزيد بن أبي عُبيد: "كان يصلي المغرب ساعة غربت الشمس، حين يغيب حاجبها".
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "إذا غربت الشمس، وتوارت بالحجاب" اللفظان بمعنًى، وأحدهما تفسيرٌ للآخر، وفي هذين الحديثين (^٣) أن المغرب تُعَجّل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه، وقد حُكِي عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه، ولا أصل له، وأما الأحاديث السابقة في تأخير المغرب إلى قريب سقوط الشفق، فكانت لبيان جواز التأخير، كما سبق إيضاحه، فإنها كانت جواب سائل عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول اللَّه -ﷺ- المتكررة التي واظب عليها، إلا لعذر، فالاعتماد عليها، واللَّه أعلم. انتهى (^٤).
ومما يدلّ على استحباب تعجيل صلاة المغرب، ما أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد صحيح، عن مَرْثَد بن عبد اللَّه الْيَزنيّ، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٦٣.
(٣) يعني حديث سلمة -﵁- هذا، وحديث رافع -﵁- بعده.
(٤) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٥ - ١٣٦.
[ ١٤ / ٦٠ ]
أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ على مِصْرَ، فأخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: سغِلنا، قال: أما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا تزال أمتي بخير، أو قال: على الفطرة، ما لم يؤخروا المغرب، إلى أن تشتبك النجوم"؟ (^١).
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "كنّا نصلّي مع النبيّ -ﷺ- المغرب إذا توارت بالحجاب"، قال في "الفتح": قوله: "إذا توارت بالحجاب": أي استترت، والمراد الشمس، قال الخطابيّ: لم يذكرها اعتمادًا على أفهام السامعين، وهو كقوله في القرآن: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾. انتهى.
وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، بلفظ: "إذا غربت السْمس، وتوارت بالحجاب"، فدلّ على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاريّ، وقد صرَّح بذلك الإسماعيليّ، ورواه عبد بن حميد، عن صفوان بن عيسى، وأبو عوانة، والإسماعيليّ، من طريق صفوان أيضًا عن يزيد بن أبي عبيد، بلفظ: "كان يصلي المغرب ساعةَ تَغْرُب الشمس، حين يغيب حاجبها"، والمراد حاجبها الذي يبقى بعد أن يغيب أكثرها، والرواية التي فيها "توارت" أصرح في المراد.
قال: واستُدِلّ بهذه الأحاديث على ضعف (^٢) حديث أبي بَصْرَة -بالموحدة، ثم المهملة- رفعه في أثناء حديث: "ولا صلاة بعدها حتى يُرَى الشاهد، والشاهد النجم". انتهى (^٣).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قوله: "توارت" الضمير يعود إلى غير مذكور، وهو الشمس، وقرينة صلاة المغرب يدلّ عليه، وهو كقوله تعالى في قصّة سليمان ﵇: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١) فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣١ - ٣٢]، فحذف ذكر الشمس؛ لدلالة العشيّ عليها.
_________________
(١) حديث صحيح، صححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
(٢) دعوى ضعفه فيه نظر؛ لأنه أخرجه مسلم، وسيأتي في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.
(٣) "فتح الباري" ٢/ ٤٣.
[ ١٤ / ٦١ ]
والمعنى بتواريها بالحجاب تواري قُرصها عن أعين الناظرين بما حجبها عنها من الأرض. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ١٤٤١] (٦٣٦)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٦١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤١٧)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٤)، و(ابن ماجه) فيها (٦٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٦٢ و١٠٦٣ و١٠٦٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الحافظ ابن رجب -﵀- ما حاصله: هذا الحديث، ومثله حديث جابر -﵁- يعني الآتي لمسلم (٦٤٦): "والمغرب إذا وجبت"، أي يصلي المغرب إذا غربت الشمس يدلان على أن مجرّد غيبوبة القرص يدخل به وقت صلاة المغرب، كما يُفطر به الصائم، وهذا إجماع من أهل العلم، حكاه ابن المنذر وغيره.
قال العلماء: ولا عبرة ببقاء الحمرة الشديدة في السماء بعد سقوط قرص الشمس، وغيبوبته عن الأبصار، ومنهم من حكى رواية عن أحمد باعتبار غيبوبة هذه الحمرة، وبه قال الماورديّ من الشافعيّة، ولا يصحّ ذلك.
وأما إن بقي شيء من شُعاعها على الجدران، أو الجبال، فلا بدّ من ذهابه، وحكى الطحاويّ عن قوم أنهم اعتبروا مع مغيب الشمس طلوع النجم،
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٥١ - ٣٥٢.
[ ١٤ / ٦٢ ]
ولم يسمّهم، والظاهر أنه قول طائفة من أهل البدع، كالروافض، ونحوهم، ولم يقل ذلك أحدٌ من العلماء المعتدّ بهم.
ورَوَى أبو نعيم الفضل بن دُكين: ثنا إسرائيل، عن طارق، عن سعيد بن الْمُسيّب، قال: كَتَبَ عمر إلى أمراء الأمصار: لا تصلّوا المغرب حتى تشتبك النجوم، وهذا إنما يدلّ على استحباب ذلك، وقد رُوي عن عمر خلاف ذلك موافقةً لجمهور الصحابة -﵃-.
والأحاديث، والآثار في كراهة التأخير حتى يطلع النجم كثيرة جدًّا، ومن أجودها ما روى محمد بن إسحاق، حدّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرْثد بن عبد اللَّه، قال: لَمّا قَدِم علينا أبو أيوب غازيًا، وعقبة بن عامر يومئذ على مصر، فأَخَّر المغرب، فقام إليه أبو أيوب، فقال له: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: شُغِلنا، قال: أما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قول: "لا تزال أمتي بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم وصحّحه.
وقد خولف ابن إسحاق في إسناده، فرواه حيوة بن شُريح، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، عن أبي أيوب، قال: "كنّا نصلي المغرب حين تجب الشمس" (^١)، ورواه ابن لَهِيعة، عن يزيد، ورفعه إلى النبيّ -ﷺ-، وقال أبو زرعة: حديث حيوة أصحّ.
وأخرج الإمام أحمد معناه من حديث السائب بن يزيد، عن النبيّ -ﷺ-، وأخرجه ابن ماجه من حديث العباس بن عبد المطّلب، عن النبيّ -ﷺ-.
وقد رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخّر ليلة المغرب حتى طلع نجمان، فأعتق رقبتين كفّارةً لتأخيره، ذكر هذا كله الحافظ ابن رجب -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق من الأدلّة أن تعجيل صلاة المغرب هو المستحبّ، وقد تقدّم أن هذا مجمع عليه، ولا اعتداد بمن خالف في ذلك، وسيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- الكلام على حديث: "ولا صلاة بعدها
_________________
(١) رواه الطبراني في "الكبير" ٤/ ١٧٦.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٥٢ - ٣٥٤.
[ ١٤ / ٦٣ ]
حتى يطلُع الشاهد"، في "باب الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها"، فإن للعلماء أقوالًا في تأويله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٣] (٦٣٧) - (وَحَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا (^٢) الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو النَّجَاشِيِّ، قَالَ: سَمِعتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ: كنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا، وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْن مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٢.
٢ - (الْوَلِيدُ بْن مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (أَبُو النَّجَاشِيِّ) -بفتح النون، وتخفيف الجيم، وبالشين المعجمة- عطاء بن صُهيب -بضم الصاد المهملة- الأنصاريّ، ثقةٌ [٤] (خ م س ق) تقدم في "المساجد" ٣٤/ ١٤١٧.
٥ - (رَافِعُ بْنُ خَدِيج) -بفتح الخاء المعجمة، وكسر الدال المهملة، وبالجيم- ابن عديّ الحارثيّ الأوسيّ الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، أول مشاهده أحُدٌ، ثم الخندق، مات -﵁- سنة (٣ أو ٧٤) وقيل: قبل ذلك (ع) تقدم في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤٨٩.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٤ / ٦٤ ]
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع إلى آخره.
٣ - (ومنها): أنه مما اتّفق عليه الشيخان، فإن البخاريّ -﵀- رواه أيضًا عن محمد بن مهران شيخ المصنّف بسنده.
٤ - (ومنها): أنه ما بين رازيّ، وهو شيخه، وشاميينِ، وهما: الوليد، والأوزاعيّ، ومدنيينِ، وهما أبو النجاشيّ، ورافع -﵃- أجمعين، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن أبي النجاشيّ، عطاء بن صُهيب أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ) -﵁- (يَقُولُ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا) أي يسلّم من الصلاة، ويرجع إلى أهله (وَإِنَّهُ) الواو للحال (لَيُبْصِرُ) بضمّ أوله، مبنيًّا للفاعل، من الإبصار، واللام للتأكيد، والجملة حال من "أحدُنا" وقوله: (مَوَاقِعَ نَبْلِهِ) منصوب على المفعوليّة لـ "يُبْصِرُ"، وهو جمع موقع، وهو موضع الوقوع، و"النَّبْلُ" -بفتح النون، وسكون الموحّدة، آخره لام-: السهام العربيّة، وهي مؤنّثة، ولا واحد لها من لفظها، بل الواحد سَهْمٌ، فهي مفردة اللفظ مجموعة المعنى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "وإنه لَيُبْصِر مواقع نبله": أي المواضع التي تَصِلُ إليها سهامه إذا رَمَى بها، و"النبل" -بفتح النون، وسكون الموحّدة-: هي السهام العربية، وهي مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، قاله ابن سِيدَهْ، وقيل: واحدها نَبْلةٌ، مثل تَمْرٍ وتَمْرة.
ورَوَى أحمد في "مسنده" من طريق عليّ بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا: "كنا نصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- المغرب، ثم نرجع فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا"، وإسناده حسن.
ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ منها يقع والضوء باقٍ. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٩١.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٠.
[ ١٤ / ٦٥ ]
وقال النوويّ -﵀-: معناه أنه يُبَكِّر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس، حتى ننصرف، ويرمى أحدنا النبل عن قوسه، ويبصر موقعه؛ لبقاء الضوء.
وقال في "العمدة": معنى الحديث أنه يُبَكِّر بالمغرب في أول وقتها بمجرد غروب الشمس، حتى ينصرف أحدنا، ويرمي النبل عن قوسه، ويبصر موقعه لبقاء الضوء.
قال: ودلّ الحديث المذكور على أنه -ﷺ- صلى المغرب عند غروب الشمس، وبادر بها بحيث إنه لَمّا فَرَغ منها كان الضوء باقيًا.
وهو مذهب الجمهور، وذهب طاووس، وعطاء، ووهب بن منبه إلى أن أول وقت المغرب حين طلوع النجم، واحتجُّوا في ذلك بحديث أبي بَصْرَة (^١) الغفاريّ -﵁- قال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- العصر بالْمَحْمَض (^٢)، فقال: "إن هذه الصلاة عُرِضت على من كان قبلكم، فَضَيَّعوها، فمن حافظٌ عليها كان له أجره مرتين، ولا صلاة بعدها حتى يَطْلُع الشاهد"، والشاهد النجم، أخرجه مسلم، والنسائيّ، والطحاويّ.
وأجاب الطحاويّ عنه بأن قوله: "ولا صلاة بعدها حين يرى الشاهد"، يَحْتَمِل أن يكون هو آخر قول النبيّ -ﷺ- كما ذكره الليث، ولكن الذي رواه غيره تأوَّل أن الشاهد هو النجم، فقال ذلك برأيه، لا عن النبيّ -ﷺ- على أن الآثار قد تواترت عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يصلي المغرب إذا توارت الشمس بالحجاب. انتهى (^٣).
_________________
(١) و"أبو بَصْرَة" -بفتح الباء الموحدة، وسكون الصاد المهملة- واسمه حُمَيل -بضم الحاء المهملة، وفتح الميم، وسكون الياء، آخر الحروف، وقيل: جَمِيل بالجيم، والأول أصح. انتهى. "عمدة القاري" ٥/ ٥٥.
(٢) و"الَمَحْمَض" -بفتح الميمين، وسكون الحاء المهملة، وفي آخره ضاد معجمة- وهو الموضع الذي تَرْعَى فيه الإبل الحمض، وهو ما حَمُضَ، ومَلُح، وأمرَّ من النبات، كالرمث، والأثل، والطرفاء، ونحوها، والخلة من النبت ما كان حُلْوًا، تقول العرب: الخلة خبز الإبل، والحمض فاكهتها. انتهى. "العمدة" ٥/ ٥٥.
(٣) "عمدة القاري" ٥/ ٥٥.
[ ١٤ / ٦٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي الكلام على حديث أبي بَصْرة الغفاريّ -﵁-، في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
[تنبيه]: حديث رافع بن خديج -﵁- هذا قد تقدّم للمصنّف في "باب استحباب التبكير بالعصر" بسياق آخر، ونصّه:
(٦٢٥) حدّثنا محمد بن مِهْران الرازيّ، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا الأوزاعيّ، عن أبي النجاشيّ، قال: سمعت رافع بن خديج يقول: "كنا نصلي العصر مع رسول اللَّه -ﷺ- ثم تنحر الجزور، فتقسم عشر قِسَم، ثم تطبخ، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مغيب الشمس".
حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى بن يونس، وشعيب بن إسحاق الدمشقيّ قالا: حدّثنا الأوزاعيّ، بهذا الإسناد، غير أنه قال: "كنا ننحر الجزور على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، بعد العصر"، ولم يقل: كنا نصلي معه. انتهى، ولتُراجع شرحه، ومسائله هناك، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث رافع بن خَدِيج -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٣٩/ ١٤٤٢ و١٤٤٣] (٦٣٧)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٥٩)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٨٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٤٢٢)، وفوائد الحديث تقدّمت.
(المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف ألفاظ هذا الحديث، واختلاف رواته:
(اعلم): أنه رُوي معنى هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة -﵃- في صلاتهم مع النبيّ -ﷺ- المغرب، إلا أنه لم يخرّج في "الصحيحين" من غير هذه الطريق، قاله ابن رجب -﵀- (^١).
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٤٨.
[ ١٤ / ٦٧ ]
أخرج أبو داود بإسناد صحيح، عن أنس بن مالك، قال: "كنا نصلي المغرب مع النبيّ -ﷺ-، ثم نرمي، فيرى أحدنا موضع نبله".
وأخرج النسائيّ بإسناد صحيح أيضًا عن حسان بن بلال، عن رجل من أسلم، من أصحاب النبيّ -ﷺ: "أنهم كانوا يصلون مع نبيّ اللَّه -ﷺ- المغرب، ثم يرجعون إلى أهاليهم إلى أقصى المدينة، يرمون، ويُبصرون مواقع سهامهم".
وروى الإمام أحمد، عن هشيم، عن أبي بشر، عن عليّ بن بلال، عن ناس من الأنصار، قالوا: "كنا نصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- المغرب، ثم ننصرف، فنترامى، حتى نأتي ديارنا، فما يخفى علينا مواقع سهامنا".
ورواه عن أبي عوانة، قال: حدثنا أبو بشر، عن علي بن بلال الليثيّ، قال: صليت مع نفر من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، فحدثوني أنهم: "كانوا يصلون المغرب، مع رسول اللَّه -ﷺ-، ثم ينطلقون يترامون، لا يخفى عليهم مواقع سهامهم، حتى يأتون ديارهم في أقصى المدينة".
وأخرج أحمد، وابن خزيمة في "صحيحه" من حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- قال: "كنا نصلي مع رسول اللَّه -ﷺ- المغرب، ثم نأتي بني سَلِمَة، ونحن نبصر مواقع النبل".
وأخرجه أحمد من رواية عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: "كنا نصلي مع النبيّ -ﷺ- المغرب، ثم نرجع إلى منازلنا، وهي ميل، وأنا أبصر مواقع النبل".
وعند الطبراني في "المعجم الكبير" من حديث زيد بن خالد -﵁- قال: "كنا نصلي مع النبيّ -ﷺ- المغرب، ثم ننصرف، حتى نأتي السوق، وإنَّا لنرى مواضع النبل".
وعن كعب بن مالك -﵁-: "كان النبيّ -ﷺ- يصلي المغرب، ثم يرجع الناس إلى أهليهم ببني سَلِمة، وهم يُبصِرون مواقع النبل حين يرمى بها"، قال أبو حاتم: صحيح مرسلٌ.
قال ابن رجب -﵀-: وهذا كلّه يدلّ على شدّة تعجيل النبيّ -ﷺ- لصلاة المغرب، ولهذا كانت تُسمّى صلاة البصر، كما أخرجه الإمام أحمد، من رواية أبي طَرِيف الهذليّ -﵁- قال: كنت مع النبيّ -ﷺ- حين جاء خبر أهل الطائف،
[ ١٤ / ٦٨ ]
فكان يصلي بنا صلاة البصر، حتى لو أن رجلًا رَمَى لرأى موقع نبله (^١).
قال أحمد بن حنبل: صلاة البصر المغرب (^٢).
وعن أم حبيبة بنت أبي سفيان نحوه، ذكره أبو عليّ الطوسيّ في "الأحكام".
قال في "العمدة": فإن قلت: وردت أحاديث تدلّ على تأخيره إلى قرب سقوط الشفق، قلت: هذه لبيان جواز التأخير. انتهى (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٤) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنَا (^٥) شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي (^٦) أَبُو النَّجَاشِيِّ، حَدَّثَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ، بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٢ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ) ابن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن راشد الدّمَشقيّ الأمويّ مولى رَمِلة بنت عثمان، أصله من البصرة، ثقةٌ رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد" ٣٤/ ١٤١٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) يعني أن شُعيب بن إسحاق حدّث عن الأوزاعي، بنحو حديث الوليد، عنه المتقدّم.
[تنبيه]: شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعيّ هذه لم أجد من ساقها تامّةً، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٤٨ - ٣٥١.
(٢) وفسّر بعضهم صلاة البصر بصلاة الفجر، قال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (١/ ٤٤٦ - ٤٤٧): الأظهر أن صلاة البصر صلاة الفجر. انتهى.
(٣) "عمدة القاري" ٥/ ٥٥ - ٥٦.
(٤) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٥) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٦) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٦٩ ]