وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٤] (٥٣٣) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَن بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِي، يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ، حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ -ﷺ- (^١): إِنَّكُمْ قَدْ كثَرْتُمْ، وَإِنِّي سَمِعْتُ (^٢) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ تَعَالَى -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ- يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ"، ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: "مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) بن حسّان المصريّ، يُعرف بابن التستريّ، صدوقٌ تُكلّم في بعض سماعه، قال الخطيب: بلا حجة [١٠] (ت ٢٤٣) (خ م س ق) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٤.
٢ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "مسجد رسول اللَّه -ﷺ-".
(٢) وفي نسخة: "قد سمعتُ".
[ ١٢ / ١٥٩ ]
٣ - (بُكَيْر) بن عبد اللَّه بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ) بن النعمان بن زيد بن عامر بن سَوّاد بن كعب، وهو ظَفَر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاريّ الظفريّ، أبو عمرو، ويقال: أبو عمر المدنيّ، ثقة عالم بالمغازي [٤].
رَوَى عن أبيه، وجابر بن عبد اللَّه، ومحمود بن لبيد، وجدته رُمَيثة، ولها صحبة، وأنس، والحسن بن محمد بن الحنفية، وعبيد اللَّه الخولانيّ، وعلي بن الحسين بن عليّ، وغيرهم.
وروى عنه ابنه الفضل، وبُكير بن عبد اللَّه بن الأشج، وعبد الرحمن بن سليمان بن الْغَسِيل، وزيد بن أسلم، وعُمارة بن غَزِيّة، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقة، وقال ابن سعد: كان راويةً للعلم، وله علم بالمغازي والسيرة، أَمَره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في مسجد دمشق، فيحدّث الناس بالمغازي، ومناقب الصحابة، ففعل، وكان ثقةً كثير الحديث، عالِمًا، وكَنَاه ابن حبان أبا محمد، وقال البزار: ثقةٌ مشهورٌ، وقال عبد الحق في "الأحكام": هو ثقةٌ عند أبي زرعة، وابن معين، وقد ضعَّفه غيرهما، وقد رَدّ ذلك عليه ابن القطان، وقال: بل هو ثقة عندهما وعند غيرهما، ولا أعرف أحدًا ضعّفه، ولا ذكره في الضعفاء. انتهى.
تُوُفّي سنة عشرين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: توفي سنة (١٩)، وقيل: مات سنة (٦) وقيل: سنة (٢٧)، وقيل: سنة (٢٩).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣) وأعاده بعده، وحديث (٢٢٠٥): "إن فيه شفاء"، وأعاده بعده.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ) هو: عبيد اللَّه بن الأسود، ويقال: ابن الأسد الْخَوْلانيّ، ربيب ميمونة أم المؤمنين -﵂-، ثقةٌ [٣].
رَوَى عنها، وعن زيد بن خالد الجهنيّ، وابن عباس -﵃-.
وروى عنه بُسْر بن سعيد، وعاصم بن عمر بن قتادة، ومحمد بن طلحة بن يزيد بن رُكَانة.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ١٢ / ١٦٠ ]
[تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: المراد بقوله: "رَبيب ميمونة -﵂-" أنها رَبّته، فقيل: كان مولاها، لا أنه ابن زوجها.
قال المنذريّ: وكذا وقع في "رجال الموطأ" لابن الْحَذّاء، وأفاد أن الذي سَمَّى أباه الأسود هو الليث بن سعد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ (^١)، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٥٣٣) وأعاده بعده، وحديث (٢١٠٦): "إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"، وأعاده بعده.
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، استُشهِد في ذي الحجة بعد عيد الأضحى سنة (٣٥)، وعمره (٨٠) سنة، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقيان تقدّما في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد صيغ أدائهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٣ - (ومنها): ما قاله في "الفتح": في هذا الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق: بكير، وعاصم، وعبيد اللَّه، وثلاثة من أوله مصريون، وثلاثة من آخره مدنيون، وفي وسطه مدنيّ سكن مصر، وهو بكير، فانقسم الإسناد إلى مصريّ ومدنيّ. انتهى (^٢).
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ويُلقّب بذي النورين؛ لأنه تزوّج بنتي رسول اللَّه -ﷺ-: رُقيّة، وأم كلثوم -﵄-، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) قال في "التهذيب": له عندهم حديثُ: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير"، وعند الشيخين: "من بَنَى مسجدًا"، وعند أبي داود في الوضوء. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٣/ ٧.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٤٨.
[ ١٢ / ١٦١ ]
شرح الحديث:
عن عَاصِمِ بن عمر بن قتادة (أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ الْخَوْلَانِيَّ) -بفتح الخاء المعجمة، وسكون الواو-: نسبة إلى خَوْلان بن عمرو بن مالك بن الحارث بن مُرّة بن أُدَد بن يَشْجُب بن عُريب بن زيد بن كَهْلان بن سَبَأ، وبعض خولان يقولون: خولان بن عمرو بن الحاف بن قُضاعة، وهكذا قال ابن الكلبيّ، واسم خولان: أفكل، وهي قبيلة نزلت الشام، ينسب إليها جماعة من العلماء، قاله في "اللباب" (^١).
(يَذْكُرُ أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) -﵁- (عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ) أي في عثمان -﵁-، وقد وقع بيان ذلك في رواية محمود بن لبيد الأنصاريّ التالية، قال: لما أراد عثمان بناء المسجد، كَرِهَ الناس ذلك، وأحبوا أن يدعوه على هيئته، أي في عهد النبيّ -ﷺ-.
وقال البغويّ في "شرح السنة": لعل الذي كَرِهَ الصحابة من عثمان بناؤه بالحجارة المنقوشة، لا مجرد توسيعه. انتهى.
قال الحافظ: ولم يَبْنِ عثمان المسجد إنشاءً، وإنما وَسّعه وشَيَّده، فيؤخذ منه إطلاق البناء في حقّ من جدّد كما يُطلَق في حقّ من أنشأ، أو المراد بالمسجد هنا بعض المسجد، من إطلاق الكل على البعض. انتهى.
وتعقّبه العينيّ كعادته بما هو ظاهر التعسّف، فتأمله بالإنصاف.
(حِينَ بَنَى) أي حين أراد عثمان -﵁- أن يبني، كما أوضحته الرواية التالية، والمراد به توسيعه، وتشييده، لا أنه أنشأ بناءه (مَسْجِدَ الرَّسُولِ -ﷺ-) كذا هو في معظم النسخ، وفي بعضها: "مسجد رسول اللَّه -ﷺ-".
[تنبيه]: كان بناء عثمان -﵁- للمسجد النبويّ سنة ثلاثين على المشهور، وقيل: في آخر سنةٍ من خلافته، ففي "كتاب السير" عن الحارث بن مسكين، عن ابن وهب، أخبرني مالك، أن كعب الأحبار كان يقول عند بنيان عثمان المسجد: لَوَدِدت أن هذا المسجد لا يُنْجَزُ، فإنه إذا فُرخ من بنيانه، قُتِل عثمان، قال مالك: فكان كذلك.
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٧٢.
[ ١٢ / ١٦٢ ]
قال الحافظ -﵀-: ويمكن الجمع بين القولين بأن الأول كان تاريخ ابتدائه، والثاني تاريخ انتهائه. انتهى (^١).
(إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ) هذا مقول لقول مقدّر حال من فاعل "سمع"، أي سمعه يقول: "إنكم قد أكثرتم"، ومفعول "أكثرتم" محذوف؛ للعلم به، أي أكثرتم الكلام في الإنكار عليّ فيما فعلته من بناء المسجد.
(وَإِنِّي سَمِعْتُ) وفي نسخة: "قد سَمِعْتُ" (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ) جملة حالية من المفعول ("مَنْ بَنَى مَسْجدًا للَّهِ تَعَالَى) التنكير فيه للتعميم، فيدخل فيه الكبير والصغير، ووقع في رواية أَنس -﵁- عند الترمذيّ: "صغيرًا أو كبيرًا".
وزاد ابن أبي شيبة في حديث الباب من وجه آخر، عن عثمان -﵁-: "ولو كَمَفْحَص قَطَاة"، وهذه الزيادة أيضًا عند ابن حبّان، والبزّار، من حديث أبي ذرّ -﵁-، وعند أبي مسلم الكجيّ من حديث ابن عباس، وعند الطبرانيّ في "الأوسط" من حديث أنس وابن عمر -﵄-، وعند أبي نعيم في "الحلية" من حديث أبي بكر الصدِّيق، ورواه ابن خزيمة من حديث جابر بلفظ: "كمَفَحص قَطاة، أو أصغر".
وحَمَلَ أكثر العلماء ذلك على المبالغة؛ لأن المكان الذي تَفْحَص القَطاة عنه؛ لتَضَع فيه بيضها، وترقُد عليه لا يكفي مقداره للصلاة فيه، وتؤيده رواية جابر هذه.
وقيل: بل هو على ظاهره، والمعنى أن يزيد في مسجد قدرًا يُحتاج إليه، تكون تلك الزيادة هذا القدر، أو يشتركَ جماعةٌ في بناء مسجد، فتقع حصّة كل واحد منهم ذلك القدر.
وهذا كلّه بناءٌ على أن المراد بالمسجد ما يَتبادر إلى الذهن، وهو المكان الذي يُتَّخذ للصلاة فيه.
فإن كان المراد بالمسجد موضع السجود، وهو ما يَسَع الجبهة، فلا يحتاج إلى شيء مما ذُكِر، لكن قوله: "بَنَى" يُشْعِر بوجود بناء على الحقيقة، ويؤيده قوله في رواية أم حبيبة: "مَن بَنَى للَّه بيتًا"، أخرجه سمويه في "فوائده"
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٤٩.
[ ١٢ / ١٦٣ ]
بإسناد حسن، وقوله في رواية عُمر: "مَن بنى مسجدًا يُذكَرُ فيه اسم اللَّه"، أخرجه ابن ماجه، وابن حبّان، وأخرج النسائيّ نحوه من حديث عمرو بن عَبَسَة، فكل ذلك مشعر بأن المراد بالمسجد المكان المتَّخَذ، لا موضع السجود فقط.
لكن لا يَمتنع إرادة الآخر مجازًا؛ إذ بناء كل شيء بحسبه، وقد شاهدنا كثيرًا من المساجد في طُرُق المسافرين يحوطونها إلى جهة القبلة، وهي في غاية الصغر، وبعضها لا تكون أكثر من قدر موضع السجود.
ورَوَى البيهقيّ في "الشعب" من حديث عائشة نحو حديث عثمان، وزاد: "قلت: وهذه المساجد التي في الطُّرُق؟ قال: نعم"، وللطبرانيّ نحوه من حديث أبي قِرْصَافة، وإسنادهما حسن، قاله في "الفتح" (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ بُكَيْرٌ) هو ابن عبد اللَّه بن الأشجّ الراوي عن عاصم بن عمر (حَسِبْتُ) بكسر السين المهملة، ومضارعه يَحْسَب بفتحها، وتُكسر أيضًا في لغة، قال الفيّوميّ -﵀-: حَسِبْتُ زيدًا قائمًا أَحْسَبُهُ، من باب تَعِبَ في لغة جميع العرب، إلا بني كِنَانة، فإنهم يكسرون المضارع مع كسر الماضي أيضًا على غير قياسٍ، حِسْبَانًا بالكسر: بمعنى ظننتُ. انتهى (^٢).
وأما حَسَبَ المالَ حَسْبًا: إذا أحصى عدده، فإنه من باب نصر (^٣)، ولا يُناسب هنا، فافهم.
(أَنَّهُ) أي عاصم بن عمر (قَالَ) أي زاد في روايته قوله: (يَبْتغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ) أي يطلب بذلك رضي اللَّه تعالى.
قال في "الفتح": قوله: "قال بكير: حَسِبْتُ أنه" أي شيخه عاصمًا بالإسناد المذكور، قوله: يبتغي به وجه اللَّه" أي يطلب به رضا اللَّه، والمعنى بذلك الإخلاصُ، وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث، ولم أَرَها إلا من طريقه هكذا، وكأنها ليست في الحديث بلفظها، فإن كلَّ مَن رَوَى حديث
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٤٩.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٣٤.
(٣) راجع: "مختار الصحاح" ص ٨١.
[ ١٢ / ١٦٤ ]
عثمان -﵁- من جميع الطرق إليه لفظهم: "من بنى للَّه مسجدًا"، فكأن بُكيرًا نسيها، فذكرها بالمعنى مُتردِّدًا في اللفظ الذي ظنه، فإن قوله: "للَّه" بمعنى قوله: "يبتغي به وجه اللَّه"؛ لاشتراكهما في المعنى المراد، وهو الإخلاص. انتهى.
[فائدة]: قال ابن الجوزيّ -﵀-: مَن كَتَبَ اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص. انتهى.
قال في "الفتح": ومن بناه بالأجرة لا يحصل له هذا الوعد المخصوص؛ لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر في الجملة.
ورَوى أصحاب "السنن" وابن خزيمة، والحاكم، من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "إن اللَّه يُدخل بالسهم الواحد ثلاثةً الجنةَ: صانعه الْمُحْتَسِبَ في صنعته، والرامي به، والممدّ به"، فقوله: "المحتَسِب في صنعته" أي مَن يَقْصِد بذلك إعانة المجاهد، وهو أعم من أن يكون متطوعًا بذلك، أو بأجرة، لكن الإخلاص لا يحصل إلا من المتطوع.
وهل يحصل الثواب المذكور من جَعَل بقعة من الأرض مسجدًا، بأن يكتفي بتحويطها من غير بناء، وكذا من عَمَد إلى بناء كان يملكه فوقفه مسجدًا، إن وَقَفنا مع ظاهر اللفظ فلا، وإن نظرنا إلى المعنى فنعم، وهو المتَّجِهُ.
وكذا قوله: "بَنَى" حقيقةٌ في المباشرة بشرطها، لكن المعنى يَقتَضي دخول الَامر بذلك أيضًا، وهو المنطبِق على استدلال عثمان -﵁-؛ لأنه استَدَلّ بهذا الحديث على ما وقع منه، ومن المعلوم أنه لم يباشر ذلك بنفسه. انتهى. وهو بحثٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
(بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ") قال في "الفتح": إسناد البناء إلى اللَّه مجاز، ومثله في "العمدة".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أنه لا مجاز هنا، بل هو كسائر الصفات التي تنسب إلى اللَّه تعالى على الوجه اللائق به -﷿-، مثل نسبة الخلق، والرِّزْق، والمنع، والعطاء، والقبض، والبسط، والرفع، والخفض، ونحو ذلك، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
[ ١٢ / ١٦٥ ]
وإبراز الفاعل فيه لتعظيم ذكره -جَلّ اسمه- أو لئلا يُتَوَهَّم عوده على باني المسجد.
وقوله: "في الجنة" متعلّق بـ "بنى"، أو بمحذوف صفة لـ "بيتًا".
(وَقَالَ ابْنُ عِيسَى فِي رِوَايَتِهِ: مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ) يعني أن أحمد بن عيسى شيخه الثاني قال في روايته: "بَنَى اللَّه له مثله في الجنّة"، بدل قول هارون بن سعيد: "بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة".
قال في "الفتح": قوله: "مثلَهُ" صفة لمصدر محذوف أي بَنَى بِناءً مثلَهُ، ولفظ "المثل" له استعمالان:
أحدهما: الإفراد مطلقًا، كقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ [المؤمنون: ٤٧]، والآخر: المطابقة كقوله تعالى: ﴿أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنيةً متعددةً، فيحصُل جواب مَن استشكَل التقييد بقوله: "مثله" مع أن الحسنة بعشمرة أمثالها؛ لاحتمال أن يكون المراد بَنَى اللَّه له عشرة أبنية مثله، والأصل أن ثواب الحسنة الواحدة واحد بحكم العدل، والزيادة عليه بحكم الفضل.
وأما مَن أجاب باحتمال أن يكون -ﷺ- قال ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ففيه بُعْدٌ.
وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة عليه.
ومن الأجوبة المرضيَّة أيضًا أن المثلية هنا بحسب الكميّة، والزيادة حاصلة بحسب الكيفية، فكم من بيت خير من عشرة، بل من مائة، أو أن المقصود من المثلية أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره، مع قطع النظر عن غير ذلك، مع أن التفاوت حاصل قطعًا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة؛ إذ موضع شبر فيها خير من الدنيا وما فيها، كما ثبت في "الصحيح".
وقد رَوى أحمد من حديث واثلة بلفظ: "بَنى اللَّه له في الجنة أفضل منه"، وللطبرانيّ من حديث أبي أمامة بلفظ: "أوسع منه"، وهذا يُشعر بأن المثلية لم يُقْصَد بها المساواة من كل وجه.
[ ١٢ / ١٦٦ ]
وقال النوويّ: يَحْتَمِل أن يكون المراد أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن المراد بالمثل هنا -واللَّه أعلم- تماثل العمل والجزاء في الجنس، فيكون الجزاء من جنس العمل، لا التماثُل في الكم والكيف، وهذا توضحه نصوص أخرى وردت في هذا المعنى، كحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "من أعتق رقبةً أعتق اللَّه بكلّ عضو منه عضوًا منه من النار". متّفقٌ عليه.
وكحديثه أيضًا مرفوعًا: "من نفّس عن مؤمن كربةً من كُرب الدنيا، نفّس اللَّه عنه كربةً من كُرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر اللَّه عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا في الدنيا ستره اللَّه في الدنيا والآخرة، واللَّه في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". رواه مسلم.
وبهذا المعنى وردت أحاديث كثيرة، فمن بنى للَّه مسجدًا بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة، ولا يُراد به المثليّة في الكميّة والكيفيّة، وإنما هو في مسمّى البناء من جنس عمله.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما قوله: "مثله" فليس المراد أنه على قدره، ولا على صفته في بنيانه، ولكن المراد -واللَّه أعلم- أنه يوسّع بنيانه بحسب توسعته، ويحكم بنيانه بحسب إحكامه، لا من جهة الزخرفة، ويكمل انتفاعه بما يُبنى له في الجنّة بحسب كمال انتفاع الناس بما بناه لهم في الدنيا، ويشرُف على سائر بنيان الجنة كما تشرف المساجد في الدنيا على سائر البنيان، وإن كان لا نسبة لما في الدنيا إلى ما في الآخرة، كما قال النبيّ -ﷺ-: "واللَّه ما في الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يَجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبّابة- في اليمّ، فلينظر بم ترجع"، رواه مسلم.
وقد دلّ على ما قلناه ما أخرجه أحمد من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبيّ -ﷺ- قال: "من بنى للَّه مسجدًا في الدنيا، فإن اللَّه -﷿- يبني له بيتًا أوسع
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٥٠.
[ ١٢ / ١٦٧ ]
منه في الجنّة" (^١). انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عثمان بن عفّان -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخرجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ١١٩٤ و١١٩٥] (٥٣٣)، وسيأتي في "كتاب الزهد والرقائق" -إن شاء اللَّه تعالى-، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٥٠)، و(الترمذيّ) فيها (٣١٨)، و(ابن ماجه) في "المساجد" (٧٣٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٦١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٠٩)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (١/ ٤٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٥٦ و١١٥٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٧٤ و١١٧٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤٦١ و٤٦٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من بنى للَّه مسجدًا.
٢ - (ومنها): بيان أهميّة الإخلاص للَّه تعالى في جميع أعمال العبد.
٣ - (ومنها): فضل عثمان -﵁- فإنه قد صحّ أن النبيّ -ﷺ- أمره أن يوسّع المسجد لَمّا ضاق بأهله، وضَمِنَ له بيتًا في الجنّة (^٣)، فلهذا -واللَّه أعلم- أدخل -﵁- هدم المسجد، وتجديد بنائه على وجه هو أتقن من البنيان الأول مع التوسعة فيه في قوله: "من بنى مسجدًا للَّه بنى اللَّه له مثله في الجنّة"، فرضي اللَّه عنه، وعن الصحابة أجمعين.
_________________
(١) حديث حسن، رواه أحمد في "المسند" ٣/ ٤٩٠.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٣) حديث صحيح، أخرجه الترمذيّ (٣٦٣٦)، والنسائيّ (٣٦٠٨).
[ ١٢ / ١٦٨ ]
٤ - (ومنها): أن فيه بشرى لباني المسجد للَّه تعالى بدخوله الجنة؛ إذ المقصود بالبناء له أن يُسكنه، وهو لا يسكنه إلا بعد الدخول.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا (^١) عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ، فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ عَلَى هَيْئَتِهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ، بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٣ - (الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَد) بن الضحّاك بن مسلم الشيبانيّ، أبو عاصم النبيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ) الأنصاريّ المدنيّ، صدوقٌ رُمي بالقدر، وربّما وَهِمَ، هو عبد الحميد بن جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم بن رافع بن سنان الأنصاريّ الأوسيّ، أبو الفضل، ويقال: أبو حفص، ويقال: إن رافع بن سنان جدّه لأمه.
رَوى عن أبيه، وعن عمّ أبيه عمر بن الحكم، ووهب بن كيسان، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والأسود بن العلاء بن جارية، وغيرهم.
وروى عنه ابن المبارك، وخالد بن الحارث، وأبو خالد الأحمر، وعبد اللَّه بن حُمران، وهُشيم، ووكيع، وأبو عاصم النبيل، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ ليس به بأس، سمعت يحيى بن سعيد يقول: كان سفيان يُضَعِّفه من أجل القدر، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقة، ليس به بأس، كان يحيى بن سعيد يضعفه، قلت ليحيى: فقد روى عنه، قال: قد روى عنه، وكان يضعفه، وكان يرى القدر، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: كان يحيى بن سعيد
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرني".
[ ١٢ / ١٦٩ ]
يوثقه، وكان الثوريّ يضعفه، قلت: ما تقول أنت فيه؟ قال: ليس بحديثه بأس، وهو صالح، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن المدينيّ، عن يحيى بن سعيد: كان سفيان يَحْمِل عليه، ما أدري ما كان شأنه وشأنه؟، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن عديّ: أرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يُكْتَب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، مات بالمدينة سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، وقال الفضل بن موسى: كان ممن خرج مع محمد بن عبد اللَّه بن حسن، وقال ابن حبان: ربما أخطأ، وقال الساجيّ: ثقةٌ صدوق، ضعفه الثوريّ لذلك، ونقل ابن خلفون توثيقه عن ابن نُمير، وقال النسائيّ في "كتاب الضعفاء": ليس بقويّ.
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعين، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٥ - (أَبُوهُ) جعفر بن عبد اللَّه بن الحكم الأنصاريّ، والد عبد الحميد، ثقة [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٢/ ١٨٧.
٦ - (مَحْمُودُ بْن لَبِيدٍ) بن عقبة بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأوسيّ الأنصاريّ الأشهليّ، أبو نعيم المدنيّ، وأمه أم منظور بنت محمد بن مسلمة.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ- أحاديث، ولم تصحّ له رؤية، ولا سماع منه، وعن عمر، وعثمان، وشداد بن أوس، ورافع بن خَدِيج، وقتادة بن النعمان، وأبي سعيد الخدريّ، ورُفيدة امرأة صحابية، وجماعة.
ورَوَى عنه الزهريّ، وعاصم بن عمر بن قتادة، وجعفر بن عبد اللَّه بن الحكم، ومحمد بن إبراهيم التيميّ، وصالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وحصين بن عبد الرحمن الأشهليّ، وبكير بن الأشج، والمسيّب بن عبد اللَّه بن أبي أمامة بن ثعلبة، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين، فيمن وُلد على عهد النبيّ -ﷺ-، وقال: سمع من عُمر، وتُوُفّي بالمدينة سنة ست وتسعين، وكان ثقةً، قليل الحديث، قال الواقديّ: مات وهو ابن تسع وتسعين سنةً، وقال ابن أبي عاصم وغيره: مات سنة سبع وتسعين، وقال ابن أبي خيثمة تبعًا للَّهيثم بن عديّ: مات في خلافة ابن الزبير، زاد ابن أبي خيثمة: وقد قيل: سنة ست وتسعين.
[ ١٢ / ١٧٠ ]
قال الحافظ -﵀-: على مقتضى قول الواقديّ في سنّه يكون له يوم مات النبيّ -ﷺ- ثلاث عشرة سنةً، وهذا يُقَوّي قول مَن أثبت له الصحبة، وقد قال البخاريّ: قال أبو نعيم: حدّثنا عبد الرحمن بن الغَسِيل، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد: "أسرع النبيّ -ﷺ- حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ".
وذكره مسلم في الطبقة الثانية من التابعين، وقال يعقوب بن سفيان: ثقةٌ، قال ابن عبد البرّ: قول البخاري أولى، يعني في إثبات صحبته، وكذا ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال الترمذيّ: رأى النبيّ -ﷺ-، وهو غلام صغير. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يترجّح عندي ما قاله في "التقريب": صحابيّ صغير، وجُلُّ روايته عن الصحابة -﵃-.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده في "كتاب الزهد والرقائق".
وقوله: (أَرَادَ بِنَاءَ الْمَسْجِدِ) أي النبويّ.
وقوله: (فَكَرِهَ النَّاسُ ذَلِكَ) أي بناءه.
وقوله: (فَأَحَبُّوا أَنْ يَدَعَهُ) أي يترك المسجد.
وقوله: (عَلَى هَيْئَتِهِ) أي حالته وصفته التي كان عليها في عهد النبيّ -ﷺ-، والخليفتين -﵄-.
وقوله: ("مَنْ بَنَى مَسْجِدًا للَّهِ) قال القرطبيّ -﵀-: أي مخلصًا في بنائه للَّه تعالى، كما قال في الرواية الأخرى: "يبتغي به وجه اللَّه".
وقوله: (بنى اللَّه له في الجنّة مثله") هذه المثليّة ليست على ظاهرها، ولا من كلّ الوجوه، وإنما يعني أنه بنى له بثوابه بناءً أشرف وأعظم وأرفع، وكذلك في الرواية الأخرى -﵀-: "بنى اللَّه له بيتًا في الجنّة"، ولم يسمّه مسجدًا، وهذا البيت هو -واللَّه أعلم- مثلُ بيت خديجة -﵂- الذي قال فيه: "إنه بيت من قصب، لا صخب فيه ولا نصب"، يريد من قصب الزمرّد والياقوت، ويعتضد هذا بأن أُجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدّق بالثمرة: "إنها تربى حتى تصير مثل الجبل"، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولَمّا فَهِمَ عثمان -﵁- هذا المعنى تأنّق في بناء المسجد، وحسّنه، وأتقنه، وأخلص للَّه فيه؛ رجاء أن يُبنى له في الجنّة قصرٌ متقنٌ مُشَرَّفٌ مرفَّع، وقد فعل اللَّه تعالى له ذلك، وزيادة -﵁-. انتهى كلام القرطبيّ -﵀-.
[ ١٢ / ١٧١ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إنما جزم القرطبيّ: بأن اللَّه تعالى فعل لعثمان ذلك؛ اعتمادًا على ما صحّ أن النبيّ -ﷺ- ضمن له الجنّة، وبشّره بها، واللَّه تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.