وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٤] (٦٣٨) - (وَحَدَّثَنَا (^١) عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ، وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: "مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ"، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فِي النَّاسِ، زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الصَّلَاةِ (^٢) "، وَذَاكَ (^٣) حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التُّجِيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "للصلاة".
(٣) وفي نسخة: "وذلك".
[ ١٤ / ٧٠ ]
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ فقيه حجة، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق أم المؤمنين، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والقول.
٤ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة.
٧ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- الصدّيقة بنت الصدّيق حبيبة رسول اللَّه -ﷺ-، بنت حبيبه -﵄-، أفقه نساء الأمة، ومن الفقهاء السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂- (قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي أخّرها حتى اشتدّت عَتَمَةُ الليل، وهي ظلمته، قاله النوويّ -﵀- (^١)، وقال في "المصباح": أَعْتَمَ: إذا دخل في العَتَمَة، مثل أصبح: إذا دخل في الصباح. انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٧.
[ ١٤ / ٧١ ]
و"العَتَمَةُ" محرَّكَةً: ثلثُ الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: عبارة عن وقت صلاة العشاء الآخرة، وقيل: هي بقية الليل، أفاده في "العمدة" (^١).
(لَيْلَةً) منصوبٌ على الظرفيّة متعلّق بـ "أعتم" (مِنَ اللَّيَالِي) متعلّق بصفة لـ "ليلةً" (بِصَلَاةِ الْعِشَاءِ) متعلق بـ "أَعتم"، أي دَخَلَ بصلاة العشاء العَتَمَةَ، أي أخّر أداءها.
قال القرطبيّ -﵀-: هذا يدلّ على أن غالب أحواله -ﷺ- تقديمها؛ رفقًا بهم؛ لئلا يشقّ عليهم، كما بيّنه في آخر الحديث.
وقال الخطّابيّ -﵀-: إنما أخّرهم ليقلّ حظّ النوم، وتطول مدّة الصلاة، فيكثر أجرهم؛ لأنهم في صلاة ما داموا ينتظرونها.
وقال بعض الحكماء: النوم المحمود مقدار ثمان ساعات. انتهى (^٢).
وقوله: (وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى) بالبناء للمفعول، أي يسمّيها الناس (الْعَتَمَةَ) فيه إشارة إلى أن هذا الاسم مشهور بينهم، وفي "المصنّف": حدّثنا وكيع، حدّثنا شريكٌ، عن أبي فزارة، عن ميمون بن مِهْرَان، قال: قلت لابن عمر: من أول من سمّاها العتمة؟ قال: الشيطان، أفاده في "العمدة" (^٣).
وسيأتي حديث النهي عن تسمية العشاء بالعتمة آخر الباب -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي من حجرته إلى المسجد (حَتَّى قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- (نَامَ النِّسَاءُ) بالكسر، ومثله النِسْوَة، بكسر النون أيضًا، أفصح من النُّسوة بضمها، اسمان لجماعة إناث الأناسيّ، الواحدة امرأة من غير لفظ الجمع، أفاده في "المصباح".
(وَالصِّبْيَانُ) بكسر الصاد، وتضم: جمع صَبِيّ، وهو من لدن يُولد إلى أن يُفْطَم، قاله في "اللسان"، وقال في "القاموس": الصَّبِيّ مَن لم يُفْطَم بعد، جمعه أصْبِيَةٌ، وَأصْبٍ، وَصِبْوَة -بالكسر- وصَبْيَة، بالفتح، وصِبْيَةٌ، وصُبْوانٌ، وصُبْيَانٌ بكسر الثلاثة، وتضم. انتهى بإيضاح.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٦٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٦٤.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٦٣.
[ ١٤ / ٧٢ ]
وأراد عمر -﵁- النساء والصبيان الحاضرين في المسجد، لا النائمين في بيوتهم، وإنما خَصّ هؤلاء بالذكر؛ لأنهم مَظِنّة قلة الصبر على النوم، ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال.
قال النوويّ -﵀-: قوله: "نام النساء والصبيان": أي مَن ينتظر الصلاة منهم في المسجد، وإنما قال عمر -﵁-: "نام النساء والصبيان"؛ لأنه ظنَّ أن النبيّ -ﷺ- إنما تأخر عن الصلاة ناسيًا لها، أو لوقتها. انتهى (^١).
(فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي من حجرته إلى المسجد (فَقَالَ لِأَهْلِ الْمَسْجِدِ، حِينَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: "مَا) نافيةٌ (يَنْتَظِرُهَا) أي صلاة العشاء في هذه الساعة (أَحَدٌ) بالرفع على الفاعليّة (مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرُكُمْ") أي غير أهل المدينة، فقوله: "غيركم" بالرفع صفة لـ "أحدٌ"، ووقع صفة لنكرة؛ لأنه لا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة، لِتَوغّلِهِ في الإبهام، اللهم إلا إذا أضيف إلى المشتهر بالمغايرة، ويجوز أن يكون بدلًا من لفظ "أحد"، ويجوز أن ينتصب على الاستثناء، قاله في "العمدة" (^٢).
ثم بيّن سبب عدم انتظار غير أهل المدينة لهذه الصلاة بقوله: (وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ فِي النَّاسِ) وفي رواية للبخاريّ: "قال: ولا تُصلَّى يومئذ إلا بالمدينة"، ولفظ النسائيّ: "ولم يكن يومئذ أحذ يصلي غيرُ أهل المدينة".
والمراد به أنها لا تُصَلَّى بالهيئة المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه صرَّح الداوديّ؛ لأن مَنْ كَانَ بمكة من المستضعفين لم يكونوا يصلون إلا سِرًّا، وأما غير مكة والمدينة من البلاد، فلم يكن الإسلام دخلها، قاله في "الفتح" (^٣).
زاد في رواية البخاريّ: "وكانوا يصلّون فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول"، قال في "الفتح": قوله: "وكانوا" أي النبيّ -ﷺ- وأصحابه، وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء؛ لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك، وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائيّ، من رواية
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٧.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٦٤.
(٣) راجع: ٢/ ٦٧.
[ ١٤ / ٧٣ ]
إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ، عن الزهريّ، ولفظه: "ثم قال: صَلُّوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل"، وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس: "إنه أخّر الصلاة إلى نصف الليل"، معارضة؛ لأن حديث عائشة محمول على الأغلب من عادته -ﷺ-. انتهى (^١).
(زَادَ حَرْمَلَةُ) بن يحيى (فِي رِوَايَتِهِ)، وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) مفعول به لـ "زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه، وقوله: (وَذُكِرَ لِي) بالبناء للمفعول مقولُ "قال" (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا) هو بتاء مثناة من فوقُ مفتوحة، ثم نون ساكنة، ثم زاء مضمومة، ثم راء: أي تُلِحُّوا عليه، ونقل القاضي عن بعض الرواة أنه ضبطه "تُبْرِزُوا" -بضم التاء، وبعدها باء موحدة، ثم راء مكسورة، ثم زاي- من الإبراز، وهو الإخراج، والرواية الأولى هي الصحيحة المشهورة التي عليها الجمهور.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "أن تُبْرِزوا" رواه الرازيّ بالباء، وتقديم الراء، وضمّ التاء، وكسر الراء، من الإبراز، وهو الإخراج، ورواه سائر الرواة: "تَنْزُرُوا" بفتح التاء، وبالنون، وتقديم الزاي، وضمّها، وهو الصحيح، ومعناه الإلحاح عليه في الخروج، وهذا إنما قاله -ﷺ- مؤدّبًا لهم، ومعلِّمًا لَمّا صاح عمر -﵁-: "نام النساء والصبيان"، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) بالنصب على المفعوليّة لـ "تنزُروا" (عَلَى الصَّلَاةِ") وفي نسخة: "للصلاة" (وَذَاكَ) وفي نسخة: "وذلك" أي قول النبيّ -ﷺ-: "وما كان لكم أن تنزُروا. . . إلخ" (حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) أي بقوله: "نام النساء والصبيان".
[تنبيه]: قول ابن شهاب -﵀-: "وذُكر لي. . . إلخ"، مرسلٌ؛ لم يذكر من ذكره له، قال الحافظ الرشيد العطّار -﵀-: هكذا هو في كتاب مسلم، وقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، والنسائيّ في "سننه"، فلم يذكرا هذه الزيادة التي في آخره من قول الزهريّ، ولا أعلم الآن من أسندها من الرواة، واللَّه ﷿
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٦٠.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٦٦.
[ ١٤ / ٧٤ ]
أعلم. انتهى كلام العطّار (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦] (٦٣٨)، و(البخاريّ) في "مواقيت الصلاة" (٥٦٦ و٥٦٩)، وفي "الأذان" (٨٦٢) وفي (٨٦٤)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٤٨٢)، وفي "المواقيت" (٥٣٥ و٥٣٦)، وفي "الكبرى" (٣٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٩٩ و٢١٥ و٢٧٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٥ و١٠٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤١٨ و١٤١٩ و١٤٢٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء.
٢ - (ومنها): مشروعية الإعلام للإمام؛ ليخرج إلى الصلاة.
٣ - (ومنها): مشروعيّة تنبيه الصغير للكبير إذا ظنّ أنه غفل عن الصلاة.
٤ - (ومنها): أنه استَدَلَّ به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء.
قال في "الفتح": ولا دلالة فيه؛ لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدًا متمكنًا، أو لاحتمال أن يكون مضطجعًا لكنه توضأ، وإن لم ينقل، اكتفاءً بما عُرِف من أنهم لا يصلون على غير وضوء.
٥ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من اهتمامهم بصلاة الجماعة؛ حتى يحضر النساء والصبيان.
_________________
(١) راجع: "قرّة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ١/ ١٣٣.
[ ١٤ / ٧٥ ]
٦ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: إن التأخير المذكور في هذا الحديث وما بعده كلُّه تأخير لم يَخرُج به عن وقت الاختيار، وهو نصف الليل، أو ثلث الليل على الخلاف المشهور الذي قدّمنا بيانه في أول المواقيت. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد قدّمنا أن الراجح أن نصف الليل هو آخر وقت العشاءء، فلا وقت لها بعده، وإن قال به الجمهور؛ لحديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، مرفوعًا: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٥] (. . .) -وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الزُّهْرِيِّ: وَذُكِرَ لِي، وَمَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصرىّ، ثقةٌ فقيهٌ نَبِيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الْفَهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمامٌ مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْل) -بالضمّ- ابن خالد بن عَقِيل -بالفتح- الأيليّ أبو خالد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، سكن المدينة، ثمّ الشام، ثم مصر [٦] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد ابن شهاد الماضي، وهو: عن عروة، عن عائشة -﵂-.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٧ - ١٣٨.
[ ١٤ / ٧٦ ]
وقوله: (مِثْلَهُ) أي مثل حديث يونس، يعني أن الليث بن سعد حدّث عن ابن شهاب، مثل حديث يونس عنه، لكنه لم يذكر كلام الزهريّ الأخير.
[تنبيه]: رواية الليث هذه ساقها البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
(٥٦٦) حدّثنا يحيى بن بكير، قال: حدّثنا الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة أخبرته، قالت: أعتم رسول اللَّه -ﷺ- ليلةً بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: "ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالُوا جَمِيعًا: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ (^١) أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَعْتَمَ النَّبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي"، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: "لَوْلَا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي").
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (ح د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْر) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "ابنة".
[ ١٤ / ٧٧ ]
٤ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٥ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصّيصيّ الأعور، أبو محمد، ترمذيّ الأصل، نزل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٦ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجّاج بن أبي يعقوب يوسف بن حجّاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) (م د) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عَمِي فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٩ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، كان يدلّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
١٠ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ) الصنعانيّ الأَبناويّ، ثقة [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمر، وأبي هريرة، ووهب بن مُنَبِّه، وعبد اللَّه بن سعد بن خيثمة الأنصاريّ، وعمر بن عبد العزيز، وطاووس، وصفية بنت شيبة، وفاطمة بنت عبد الملك بن مروان، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق.
ورَوَى عنه مجاهد، وهو أكبر منه، ونافع مولى ابن عمر، وهو من أقرانه، وعمرو بن شعيب، وبُدَيل بن ميسرة، وصدقة بن يسار، وجرير بن حازم، وابن جريج، وأبو الْعُمَيس، وإبراهيم بن عمر بن كيسان الصنعانيّ، وآخرون.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وكذا قال النسائي، والعجلي. وقال الدُّورِيُّ: هو الذي روى عنه ابن جريج، وجرير بن حازم، ليس مغيرة غيره.
وقال عُبَيد بن عمير، عن نافع: سألني عمر بن عبد العزيز عن زكاة
[ ١٤ / ٧٨ ]
العسل؟ فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه زكاة، فقال: عَدْلٌ مَرْضِيٌّ، فكتب إلى الناس بذلك.
وقال الآجريّ عن أبي داود: المغيرة بن حكيم: أحد الآخذين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج البخاريّ في التعاليق، والمصنّف هذا الحديث فقط، والترمذيّ، والنسائيّ، وله حديثان، حديث الباب، وحديث: "لا يُقطَعُ الوادي إلا شَدًّا".
١١ - (أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، أمها حبيبة بنت خارجة، وتُوُفّي أبوها، وهي حَمْلٌ، ثقة [٢] (بخ م س ق) تقدمت في "الحيض" ٢١/ ٧٩٢.
[فائدة]: وقع السؤال عن "أم كلثوم" هل يُمْنَع عجزه من الصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنويّ، كما منع في "أبي هريرة"، و"أبي بكرة" للتأنيث اللفظيّ؟.
فأجاب الشيخ محمد الدمياطيّ الخُضَريّ في "حاشيته" على "ألفية ابن مالك" بالفرق بينهما بأن العلة الثانية، وهي التأنيث في "هريرة" تامة مستقلّة به قبل التركيب وبعده، فانضمّت لجزء العلمية الحاصلة بعد التركيب، ومنعته، بخلاف "كلثوم"، فإن فيه جزء كل من العلمية والتأنيث المعنويّ؛ لأنه مدلولٌ لمجموع الجزأين، لا للعجز وحده، فالظاهر أن لا يُمْنَعَ، وهو الجاري على ألسنة المحدثين كما في الدمامينيّ على "المغني"؛ لِتَجَزُّئِ كل من العلتين فيه. انتهى (^١).
١٢ - (عَائِشَةُ) -﵂- ذُكرت قبله.
وقوله: (أَعْتَمَ النَّبِيُّ -ﷺ-) أي أخّر العشاء الأخيرة إلى عَتَمة الليل، وهي ظلمته.
وقوله: (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي.
وقوله: (حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ) قال النوويّ: أي كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بدّ من هذا التأويل، لقوله -ﷺ-: "إنه لوقتها"، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف الليل؛ لأنه لم يقل أحد من العلماء أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك" ٢/ ١٠٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٣٩.
[ ١٤ / ٧٩ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بل الأدلة الصحيحة قاضيةٌ بأنَّ ما بعد النصف ليس وقتًا لها، فلا بدّ من التأويل المذكور؛ جمعًا بين الأدلة، فتبصر، واللَّه أعلم.
وقوله: ("إِنَّهُ لَوَقْتُهَا) قال القرطبيّ -﵀-: يعني الأفضل، ولهذا وشبهه قال مالك: إن تأخير العشاء أفضل، وقيل عنه: تعجلها أفضل أخذًا بالتخفيف، ولأن التعجيل كان غالب أحوال رسول اللَّه -ﷺ-، وقد اختار بعض أصحابنا تقديمها إذا اجتمعوا، وتأخيرها إذا أبطئوا؛ أخذًا بحديث جابر -﵁- الآتي. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله هذا البعض هو الحقّ؛ لقوّة دليله، وسيأتي تحقيق ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي") قال النوويّ -﵀-: معناه إنه لوقتها المختار، أو الأفضل، ففيه تفضيل تأخيرها، وأن الغالب كان تقديمها، وإنما قدَّمها للمشقة في تأخيرها، ومن قال بتفضيل التقديم، قال: لو كان التأخير أفضل لواظب عليه، ولو كان فيه مشقة، ومن قال بالتأخير قال: قد نَبَّه على تفضيل التأخير بهذا اللفظ، وصَرَّح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، ومعناه -واللَّه أعلم- أنه خَشِي أن يواظبوا عليه، فيفرض عليهم، ويتوهموا إيجابه، فلهذا تركه كما ترك صلاة التراويح، وعَلَّل تركها بخشية افتراضها، والعجز عنها، وأجمع العلماء على استحبابها؛ لزوال العلة التي خيف منها، وهذا المعنى موجود في العشاء، قال الخطابيّ وغيره: إنما يستحب تأخيرها؛ لتطول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة في صلاة. انتهى (^١).
وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٧] (٦٣٩) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ نَافِعٍ،
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٣٨.
[ ١٤ / ٨٠ ]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ، نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا (^١) حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: "إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ، وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي، لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَلَّى).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ذُكر في السند الماضي.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتَمِر بن عبد اللَّه السَّلَمي، أبو عَتَّاب الكوفي، ثقة ثبت [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (الْحَكَمُ) بن عُتَيبَةَ، أبو محمد الكِنْدِي الكوفي، ثقة ثبت فقيه، ربما دلّس [٥] (ت ١١٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (نَافِع) مولى ابن عمر العدويّ، أبو عبد اللَّه المدني، ثقة ثبت فقيه مشهور [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٧ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، مات (٧٣) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وأنه اتفق الأئمة بالتخريج لهم، إلا شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن زهيرًا نسائيّ، ثم بغداديّ، وإسحاق مروزيّ، ثم نيسابوريّ، وجريرًا كوفيّ، ثم رازيّ، ومنصورًا والحكم كوفيان، ونافعًا وابن عمر مدنيان.
_________________
(١) وفي نسخة: "علينا".
[ ١٤ / ٨١ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) -﵄- أنه (قَالَ: مَكَثْنَا) -بفتح الكاف، وضمها- قال في "المصباح": مَكَثَ مَكْثًا، من باب قَتَلَ: أقام، ولَبِثَ، فهو ماكِثٌ، ومَكُثَ مُكْثًا، فهو مَكِيثٌ، مثل قَرُبَ قُرْبًا، فهو قريبٌ، لغة، وقرأ السبعة: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] باللغتين، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أمكثه، وتَمَكَّث في أمره، إذا لم يَعْجَل فيه. انتهى: أي لَبِثنا في المسجد (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي (نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) جملة فعليّةٌ في محلّ نصب على الحال من فاعل "مَكَثَ".
(لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) أي لأجل صلاة العشاء الآخرة، قال النوويّ -﵀-: فيه دليل على جواز وصف العشاء بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه؛ خلافًا لما حُكِيَ عن الأصمعيّ من كراهة هذا، وقد سبق بيان المسألة. انتهى (^١).
(فَخَرَجَ إِلَيْنَا) وفي نسخة: "فخرج علينا"، أي من الحجرة الشريفة (حِينَ ذَهَبَ) أي مضى (ثُلُثُ اللَّيْلِ، أَوْ) للشك من الراوي (بَعْدَهُ) أي بعد الثلث (فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ) أي لا نعلم سبب تأخّره إلى ذلك الوقت، هل شيء يتعلّق بأهله؟، كمرض، أو نحو ذلك.
لكن بيّن سببه الإمام أحمد في روايته، فقد أخرج الحديث من رواية أفلح، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-، أن رسول اللَّه -ﷺ- أخَّر ليلةً العشاء، حتى رقدنا، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا، وإنما حبسنا لوفد جاءه، ثم خرج، فذكر الحديث (^٢).
فتبيّن بهذا أن سبب تأخّره هو اشتغاله بالوفد.
وأخرج الإمام أحمد أيضًا من رواية الأعمش، عن أبي سفيان، عن
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) راجع: "المسند" ٢/ ١٢٦.
[ ١٤ / ٨٢ ]
جابر -﵁- قال: جهّز رسول اللَّه -ﷺ- جيشًا ليلةً حتى ذهب نصف الليل، أو بلغ ذلك، ثم خرج، فقال: "قد صَلَّى الناس، ورقدوا، وأنتم تنتظرون هذه الصلاة، أما إنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها" (^١).
(أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟) كأن ينزل عليه وحي (فَقَالَ) -ﷺ- (حِينَ خَرَجَ) من الحجرة إلى المسجد ("إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً، مَا) نافية (يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ) بالرفع على البدل لـ "أهلُ"، وبالنصب على الاستثناء، والأول المختار، قاله القاري -﵀-، قال في "الخلاصة":
وَاسْتَثْنِ مَجْرُورًا بِغَيْرٍ مُعْرَبَا … بِمَا لِمُسْتَثْنًى بِإلا نُسِبَا
وقد بَيَّن قبله حكم المستثنى بـ "إلا" بقوله:
مَا اسْتَثْنَتِ "إلَّا" مَعْ تَمَامٍ يَنْتَصِبْ … وَبَعْدَ نَفْيٍ أَوْ كَنَفْيٍ انْتُخِبْ
إتْبَاعُ مَا اتَّصَلَ وَانْصِبْ مَا انْقَطَعْ … وَعَنْ تَمِيمٍ فِيه إبدَالٌ وَقَعْ
يعني أن انتظار هذه الصلاة من بين سائر الأمم من خصوصياتكم التي اختصكم اللَّه بها، فكلما زدتم يكون الأجر أكمل، مع أن الوقت يقتضي الاستراحة، فالمثوبة على قدر المشقة، قاله القاري -﵀-.
وفيه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه، أو جرى منه ما يَظُنُّ أنه يشقّ عليهم أن يعتذر إليهم، ويقول: لكم في هذا مصلحة من جهة كذا، أو كان لي عذر، أو نحو هذا، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
(وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي) "يَثْقُلَ": بالياء، وهكذا عند المصنّف، والنسائيّ، والضمير يعود إلى التأخير، أو الفعل، أي لولا أن يثقل التأخير، أو هذا الفعلُ، وعند أبي داود: "تثقل" بالتاء، أي الصلاة في هذه الساعة (لَصَلَّيْتُ بِهِمْ) أي دائمًا (هَذِهِ السَّاعَةَ") قال الطيبيّ -﵀-: أي لَزِمت على صلاتها في مثل هذه الساعة.
وفيه تصريح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقّة، والثقل على الأمة، وقد تقدم بيان اختلاف العلماء في الأفضل من التقديم والتأخير، وترجيح القول بأفضلية تأخير العشاء إذا لم تكن مشقة، قريبًا فراجعه.
_________________
(١) راجع: "المسند" ٣/ ٣٦٧.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ١٣٩.
[ ١٤ / ٨٣ ]
(ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ) الظاهر أن الأذان تقدّم قبل خروجه، وهو الذي يدلّ عليه قول عمر -﵁-: "الصلاة"، في حديث عائشة -﵂- المتقدّم، ويَحْتَمِل أن يكون تقدير الكلام، فأمر المؤذن بالأذان، فأذّن، ثم بالإقامة، فأقام (وَصَلَّى) أي العشاء، ولفظ النسائيّ: "ثم صلّى"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٧ و١٤٤٨] (٦٣٩)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٠)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣٧)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١١٦)، (وابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٨ و١٢٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٣ و٣٤٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٩٩ و١٥٣٦)، و(البزّار) في "مسنده" (٣٧٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٨٣ و١٠٨٤ و١٠٨٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢١ و١٤٢٢)، وفوائد الحديث، تعرف مما سبق، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في استحباب تعجيل العشاء وتأخيرها:
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في ذلك، فقالت طائفة: تأخيرها أفضل، كان ابن عباس يرى أن تأخيرها أفضل، ويقرأ: ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الآية [هود: ١١٤]، ورَوَينا عن ابن مسعود أنه كان يؤخر العشاء، وقال مالك: أما العشاء فتؤخر بعد غيبوبة الشفق أحبّ إليّ.
وكان الشافعيّ يقول: وأُحِبّ أن يؤخرها الإمام ساعةً لا يبلغ فيها المشقة على الناس.
وقال أصحاب الرأي: أحب إلينا أن يؤخرها ما بينه وبين ثلث الليل.
وقال أبو ثور كنحو قول الشافعي.
[ ١٤ / ٨٤ ]
ومن حجة من يقول بهذا القول الأخبار الثابتة عن النبيّ -ﷺ-، فمن ذلك حديث جابر بن سمرة -﵁- الآتي: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يؤخر العشاء الآخرة".
وحديث أبي بَرْزَة الأسلميّ -﵁- مرفوعًا: "وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة"، متفق عليه، وهذا لفظ البخاريّ.
وحديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء، والسواك لكل صلاة"، رواه أحمد، وأصحاب السنن بإسناد صحيح.
وقال آخرون: تعجيلها أفضل، وقال قائل ذلك بعد أن يغيب البياض؛ لأنهم مجمعون على دخول الوقت إذا غاب البياض.
واحتَجّ من رأى تعجيل العشاء بعد دخول الوقت أفضل بالأخبار التي وردت في تعجيل الصلوات في أوائل أوقاتها، وبحديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- لما سئل عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر العشاء، قال: "كان إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، متّفق عليه.
وقال: إن الأخبار التي رُويت عن رسول اللَّه -ﷺ- في تأخير العشاء دالّة على أنه إنما فَعَل ذلك ليلة واحدة؛ لعارض عَرَض له، شَغَله ذلك عنه، فأخّر العشاء في تلك الليلة، وذكر أخبارًا تدل على ما قال، فمنها حديث ابن عمر -﵄- المذكور هنا: "أن النبيّ -ﷺ- شُغِل عنها ليلة، فأخّرها، حتى رقدنا. . . " الحديث (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي أن التأخير هو الأفضل إلا لأجل المشقة، بأن كان إمام جماعة يشُقّ عليهم التأخير، فيكون في حقه التقديم أفضل، وهو الذي كان عليه النبيّ -ﷺ-، حيث إنه بيّن أن تأخيرها هو الأولى، فقال في حديث عائشة -﵂-: "إنه لوقتها لولا أن أشُقّ على أمتي"، رواه مسلم، وقال في حديث جابر بن سمرة -﵁-: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يؤخر العشاء الآخرة"، رواه مسلم، وفي حديث أبي برزة -﵁-: "وكان يَستحبّ أن يؤخر العشاء"، متّفقٌ عليه، وقال: "لولا أن أشُقّ على أمتي لأمرتهم بتأخير العشاء"
_________________
(١) راجع: "الأوسط" ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٣.
[ ١٤ / ٨٥ ]
الحديث، وهو حديث صحيح رواه أحمد، وأصحاب السنن، وفي حديث ابن عبّاس -﵄- الآتي: "لولا أن يشقّ على أمتي لأمرتهم أن يصلّوها هكذا"، متّفقٌ عليه.
فهذه الأحاديث الصحيحة، نصوص صريحة، بيّنة المبنى، واضحة المعنى، لا تقبل التأويل، تدلّ دلالةً واضحة كالشمس في رابعة النهار على أن تأخير العشاء لمن لا يشقّ عليه هو الأفضل.
وبهذا تجتمع الأدلة بدون إهمال لبعضها، وأما ما ورد من أفضلية أول الوقت على العموم، فأحاديث الباب خاصّة، فتقدم عليه، كما بيّنه العلامة الشوكانيّ -﵀- (^١).
والحاصل أن التأخير لمن لا يشُقّ عليه هو الأفضل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا (^٢) ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا، حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ اللَّيْلَةَ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله.
وقوله: (شُغِلَ) بالبناء للمفعول، قال الجوهريّ: يقال: شُغِلتُ عنك بكذا، على ما لم يُسمّ فاعله.
وقوله: (عَنْهَا لَيْلَةً) الضمير للعشاء، أي عن أدائها في أول وقتها.
وقوله: (حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ رَقَدْنَا، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا) وفي رواية عائشة -﵂- المتقدّم: "نام أهل المسجد".
_________________
(١) راجع: "نيل الأوطار" ٢/ ٦٤.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٨٦ ]
قال القرطبيّ -﵀-: يعني به نوم الجالس المحتبي، وخطرات السنات، لا نوم المستغرق، كما قال في الحديث الآخر: "كان أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ينامون حتى تَخفق رؤوسهم، ثم يصلّون، ولا يتوضّؤون"، رواه مسلم، وأبو داود، والترمذيّ. انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: هذا محمول على نوم لا ينقض الوضوء، وهو نوم الجالس ممكِّنًا مقعده، وفيه دليل على أن نوم مثل هذا لا ينقض، وبه قال الأكثرون، وهو الصحيح في مذهبنا، وقد سبق إيضاح هذه المسألة في آخر "كتاب الطهارة". انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٤٩] (٦٤٠) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسًا عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ، مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ"، قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ، وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٢ - (بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ الْعَمِّيُّ) أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد (٢٠٠) وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ١٣٩.
[ ١٤ / ٨٧ ]
الناس في ثابت، وتغيّر بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنس) بن مالك بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو والترمذيّ، والنسائيّ، وحمّاد علّق له البخاريّ، بل قيل: أخرج له حديثًا واحدًا في "الرقاق".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن حمّادًا أثبت الناس في ثابت، وثابتٌ ألزم الناس لأنس -﵁-، لزمه أربعين سنة.
٥ - (ومنها): أن أنسًا -﵁- خدم النبيّ -ﷺ- عشر سنين، ودعا له بطول العمر، والأموال والأولاد، فاستجيب له، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَابِتٍ) الْبُنَانيّ (أَنَّهُمْ) أي التابعون الذين حضروا مجلس أنس -﵁- (سَأَلُوا أَنَسًا) -﵁- (عَنْ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية النسائيّ: "سئل أنس: هل اتّخذ النبيّ -ﷺ- خاتمًا؟ قال: نعم"، وعند ابن حبّان: "قالوا لأنس بن مالك: هل كان لرسول اللَّه -ﷺ- خاتم؟ "، وعند أبي عوانة: "أنهم سألوا أنس بن مالك عن خاتم رسول اللَّه -ﷺ-: هل كان لرسول اللَّه -ﷺ- خاتم؟ قال: نعم".
و"الخاتم": حَلْيٌ للأصبع، كما في "القاموس"، وفي "المصباح": حلقة ذات فَصٍّ من غيرها، فإن لم يكن لها فَصّ، فهي فَتَخَةٌ، بفاء وتاء مثناة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة. انتهى.
وفيه لغات: الخاتَم بفتح التاء، وكسرها، والخَاتَام، والْخِيْتَامُ بفتح
[ ١٤ / ٨٨ ]
الخاء، وكسرها، والخَتَمُ مُحَرَّكَةً، والخَاتِيَام، وجمعه خَوَاتِم، وخَوَاتِيم، قاله المجد.
وقد نظم الحافظ العراقيّ -﵀- لغاته، بقوله [من البسيط]:
خُذْ عَدَّ نَظْمِ لُغَاتِ الْخَاتَمِ انْتَظَمَتْ … ثَمَانِيًا مَا حَوَاهَا قَبْلُ نَظَّامُ
خَاتَامُ خَاتَمُ خَتْمٌ خَاتِمٌ وَخِتَا … مٌ خَاتِيَامٌ وَخَيْتُومٌ وَخَيْتَامُ
وَهَمْزُ مَفْتُوحِ تَاءٍ تَاسِعٌ وَإِذَا … سَاغَ الْقِيَاسُ أَتَمَّ الْعَشْرَ خَأْتَامُ
قال المرتضى -﵀-: ولم يذكر الناظم خَتَمًا محركة، وقد ذكره صاحب "القاموس" وابن سيده، وابن هشام في "شرح الكعبية". انتهى (^١).
أي فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغةً (^٢).
وقد بَيَّن سبب اتخاذه -ﷺ- الخاتم فيما أخرجه الشيخان من طريق قتادة، عن أنس -﵁- قال: "كتب النبيّ -ﷺ- كتابًا -أو أراد أن يكتب- فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه محمد رسول اللَّه، كأني أنظر إلى بياضه في يده".
(فَقَالَ) أنس -﵁- (أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) جملة مستأنفة، أتى بها أنس -﵁- لبيان كونه شاهد النبيّ -ﷺ- لابسًا خاتمًا في تلك الليلة.
(الْعِشَاءَ) ولفظ النسائيّ: "صلاة العشاء الآخرة" (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي (إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ) أي نصفه (أَوْ كَادَ) من باب تَعِبَ: أي قارب (يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ) كون خبر "كاد" بدون "أن" هو الغالب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وقد يقترن بها بقلّة، كقوله [من الخفيف]:
كَادَتِ النَّفْسُ أَنْ تَفِيضَ عَلَيْهِ … إِذْ فَدَا حَشْوَ رَيْطَةٍ وَبُرُودِ
وهذا بعكس "عسى"، فإن الغالب فيها اقتران خبرها بـ "أن"، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَكَوْنُهُ بِدُونِ "أَنْ" بَعْدَ "عَسَى" … نَزْرٌ وَ"كَادَ" الأَمْرُ فِيهِ عُكِسَا
قال القرطبيّ -﵀-: وهذا كقوله في حديث ابن عمرو: "ووقتُ العشاء إلى
_________________
(١) "تاج العروس" ٨/ ٢٦٦.
(٢) تقدّم ذكر هذه الأبيات، وإنما أعدت؛ لطول العهد به.
[ ١٤ / ٨٩ ]
نصف الليل"، فكلاهما حجة لِمَا صار إليه ابن حبيب من أن آخر وقت العشاء الآخرة نصف الليل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن أرجح المذاهب أن آخر وقت العشاء هو نصف الليل، لا وقت لها بعده؛ لظاهر النصوص، وقد تقدّم القائلون بهذا القول، وهو أيضًا مذهب الإمام البخاريّ -﵀-، فقد ترجم في "صحيحه" بقوله: "باب وقتُ العشاء إلى نصف الليل".
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد ذكر قول من قال بامتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر ما نصّه: والأحاديث كلّها تدلّ على ذلك، مثل أحاديث صلاة جبريل بالنبيّ -ﷺ- عند مغيب الشفق في اليوم الأول، وفي الثاني إلى ثلث الليل، وقوله: "الوقت ما بين هذين".
ومثلُ حديث بُريدة -﵁- الذي فيه أن سائلًا سأل النبيّ -ﷺ- عن وقت الصلاة، فأمره أن يشهد معه الصلاة، فصلى بهم في أول مرّة العشاء لَمّا غاب الشفق، وفي الثانية إلى ثلث الليل، وقال: "ما بين هذين وقتٌ"، وقد أخرجه مسلم، وأخرج نحوه من حديث أبي موسى -﵁-.
وأخرج أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄- أن النبيّ -ﷺ- قال: "وقتُ العشاء إلى نصف الليل".
قال: وهذا كلّه يدلّ على أن ما بعد ذلك ليس بوقت، والمراد أنه ليس بوقت اختيار، بل وقت ضرورة، وذهب الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن الوقت بالكليّة يخرُج بنصف الليل، أو ثلثه، ويبقى قضاءً، وقد قال الشافعيّ: إذا ذهب ثلث الليل لا أراها إلا فائتةً، وحمله عامّة أصحابه على فوات وقت الاختيار خاصّةً. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره ابن رجب بعد ذكر الأدلة أن ما بعد النص ليس بوقت تحقيق نفيس، وأما قوله بعده -﵀-: "والمراد أنه ليس بوقت اختيار. . . إلخ"، فمحلّ نظر؛ لأنه نقض لما بناه أوّلًا.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦٦.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٤١٠ - ٤١١.
[ ١٤ / ٩٠ ]
فالحقّ أن ما بعد النص ليس وقتًا أصلًا، وإنما هو قضاء، وقد مرّ البحث مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم.
(ثُمَّ جَاءَ) أي النبيّ -ﷺ- من بيته إلى المسجد (فَقَالَ) أي بعد أن صلّى، ففي رواية النسائيّ: "فلما أن صلى أقبل النبيّ -ﷺ- علينا بوجهه، ثم قال: إنكم لن تزالوا في صلاة. . . " ("إِنَّ النَّاسَ) أي الذين لم يحضروا المسجد (قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ) أي في ثوابها وأجرها المستمرّ (مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ") "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة انتظاركم الصلاة (قَالَ أَنَسٌ) -﵁- (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ) "الوبيص" بفتح الواو، وكسر الموحّدة، آخره صاد مهملة: البَرِيق واللَّمَعَانُ (مِنْ فِضَّةٍ) فيه جواز لبس خاتم الفضّة، وهو إجماع المسلمين، قاله النوويّ (^١). (وَرَفَعَ) أي أنس -﵁-، ولفظ ابن حبّان: "ورفع أنس يده اليسرى"، ومثلة لأبي نعيم في "مستخرجه" (إِصْبَعَهُ) فيه عشر لغات: تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، فيكون تسعة، والعاشرة أصبُوع، وأفصحهنّ كسر الهمزة، وفتح الموحّدة (الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في الأصول "بالخنصر"، وفيه محذوف، تقديره: مشيرًا بالخنصر، أي أن الخاتم كان في خنصر اليد اليسرى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٤٩ و١٤٥٠ و١٤٥١] (٦٤٠)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧٢ و٦٠٠)، و"الأذان" (٦٦١ و٨٤٧)، و"اللباس" (٥٨٦٩)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٩)، و"الكبرى" (١٥١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٨٢ و١٨٩ و٢٠٠ و٢٦٧)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٥٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٠ و١٠٧١)، و(أبو
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٣٩ - ١٤٠.
[ ١٤ / ٩١ ]
نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٣ و١٤٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٧٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قريب نصف الليل وقد تقدم تمام البحث فيه قريبًا.
٢ - (ومنها): بيان جواز اتخاذ الخاتم من الفضة للرجال، قال القاضي عياض -﵀-: أجمع العلماء على جواز اتخاذ الخواتم من الورق -وهي الفضة- للرجال، إلا ما رُوي عن بعض أهل الشام من كراهة لبسه إلا لذي سلطان، وهو شاذ مردود، وأجمعوا على تحريم خاتم الذهب على الرجال، إلا ما رُوي عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من إباحته، ورُوي عن بعضهم كراهته، قال النوويّ -﵀-: هذان النقلان باطلان.
وحَكَى الخطابيّ: أنه يكره للنساء التختم بالفضة؛ لأنه من زِيِّ الرجال، ورُدَّ عليه ذلك، قال النوويّ: الصواب أنه لا يكره لها ذلك، وقول الخطابيّ ضعيف، أو باطل، لا أصل له.
٣ - (ومنها): بيان مشروعيّة لبس الخاتم في اليد اليسرى، قال القرطبيّ -﵀-: وهو الأفضل، والأحسن عند مالك، وسيأتي الكلام على ذلك. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أن في قوله: "فاتخذ خاتمًا من فضة، نقشه: محمد رسول اللَّه" جواز نقش الخاتم، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم اللَّه -تعالى- فيه؛ بل فيه: كونه مندوبًا، وهو قول مالك، وابن المسيّب، وغيرهما، وكرهه ابن سيرين، وأما نهيه -ﷺ- أن ينقش أحد على نقش خاتمه، فلأنه إنما نَقَشَ فيه ذلك ليختم به كُتُبَهُ إلى الملوك، فلو نُقِش على نقشه لدخلت المفسدة، وحصل الخلل، قاله في "العمدة" (^٢).
٥ - (ومنها): استحباب انتظار الصلاة بعد الصلاة، وفيه فضل عظيم، وسماه النبيّ -ﷺ- الرّباط.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٦٧.
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ٣٠.
[ ١٤ / ٩٢ ]
٦ - (ومنها): بيان مشروعية إقبال الإمام على المأمومين عند إرشادهم، أو بيان فضل العبادة لهم؛ ليكون صوته مسموعًا للجميع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً، حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ (^٢) مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ، فَصَلَّى، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ فِي يَدِهِ مِنْ فِضَّةٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو زْيدٍ، سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ) العامريّ الْحَرَشيّ الْهَرَويّ البصريّ، كان يبيع الثياب الهروية، ثقةٌ، من صغار [٩] (ت ٢١١) وهو أقدم شيخ للبخاريّ وفاةً.
رَوَى عن شعبة، وقُرّة بن خالد، وهشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وعلي بن المبارك، وعبد القدوس بن حبيب الشاميّ.
ورَوَى عنه البخاريّ، ورَوَى له هو ومسلم، والترمذيّ بواسطة محمد بن عبد الرحيم البزار، وحجاج بن الشاعر، وبندار، وعبد بن حُميد، وعبد اللَّه بن إسحاق الجوهريّ، ومحمد بن إسحاق الصغاني، وأحمد بن سفيان النسائيّ، وإبراهيم الجوزجاني، وزيد بن أخرم الطائي، وأبو داود الحرانيّ، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: شيخ ثقةٌ، لم أسمع منه شيئًا، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال البخاريّ وغيره: مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "قريبًا".
[ ١٤ / ٩٣ ]
الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٠) وحديث (١٠١٨): "أمرنا بالصدقة، قال: كنا نحامل. . . ".
٣ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدُوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس، رأس [٤] (١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) تقدم.
وقوله: (نَظَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) أي انتظرناه، يقال: نظرته، وانتظرته بمعنى واحد.
وقوله: (حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في بعض الأصول "قريبٌ" بالرفع، وفي بعضها "قريبًا"، وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب: حتى كان الزمانُ قريبًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما أشار إليه النوويّ -﵀- أن "قريبٌ" رُوي بالرفع والنصب، ووجه الرفع أن "كان" تامّة، أي إلى أن جاء قريبٌ من نصف الليل، ووجه النصب أنها ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى الزمان المفهوم من السياق.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ (^١) الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ: "ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ").
_________________
(١) وفي نسخة: "عبد اللَّه بن صبّاح".
[ ١٤ / ٩٤ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّبَّاحِ) بن عبد اللَّه الهاشميّ العطار البصريّ الْمِرْبدِيّ، مولى بني هاشم، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن معتمر بن سليمان، ومحبوب بن الحسن، ويزيد بن هارون، وبَدَل بن الْمُحَبَّر، وسعد بن عامر الضبعيّ، وأبي قتيبة، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعبد العزيز العميّ، وعبيد اللَّه بن عبد المجيد، وغيرهم.
ورَوَى عنه الجماعة، سوى ابن ماجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن أبي الدنيا، وأبو بكر البزار، وابن خزيمة، وابن أبي عاصم، ويحيى بن محمد بن صاعد، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صالحٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال أبو بكر بن أبي عاصم: مات سنة خمسين ومائتين، وقال السراج: مات سنة (٢٥١)، وقال ابن حبان: مات سنة خمس وخمسين ومائتين.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط (^١).
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ) أبو عليّ الحنفيّ البصريّ، صدوقٌ [٩].
رَوَى عن عكرمة بن عمار، وإسرائيل، وإسماعيل بن مسلم، ورَباح بن أبي معروف، وسَلْم بن زَرِير، وسَلِيم بن حيان، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه بن دينار، وقرة بن خالد، وابن أبي ذئب، ومالك بن مِغْوَل، ومالك بن أنس، وهمام، وغيرهم.
ورَوَى عنه علي ابن المدينيّ، وأبو خيثمة، وأبو موسى، وبندار، وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وأحمد بن سعيد الدارميّ، وعبد اللَّه بن الصباح العطار، وحجاج بن الشاعر، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، والذُّهْليّ، وآخرون.
_________________
(١) هكذا ثبت في "برنامج الحديث"، ولكن نقل في "تهذيب التهذيب" عن "الزهرة": روى عنه البخارىّ ستة أحاديث، ومسلم وثلاثةً. انتهى، فليُنظر.
[ ١٤ / ٩٥ ]
وقال الدارميّ، عن ابن معين، وأبو حاتم: ليس به بأسٌ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجليّ، والدارقطنيّ، وابن قانع، وضعفه العُقَيليّ، ورَوَى عن ابن معين أنه قال: ليس بشيء، ولم يثبت هذا عن ابن معين.
وقال ابن حبّان، والْكُدَيميّ: مات سنة تسع ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٦٤٠) و(٦٨٢) و(٧٠٦) وأعاده في "كتاب الفضائل"، و(١١٨٠) و(١٢٢٦) و(١٥٣٦) وأعاده بعده، و(١٨٠٧).
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد قرّة بن خالد السابق، وهو: عن قتادة، عن أنس بن مالك.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) الفاعل ضمير عبيد اللَّه بن عبد المجيد.
[تنبيه]: رواية عبيد اللَّه بن عبد المجيد هذه ساقها أبو نعيم، في "مستخرجه" (٢/ ٢٣٦) فقال:
(١٤٢٤) حدّثنا محمد بن علي بن حُبيش، ثنا القاسم بن زكريا، ثنا الحسن بن يونس، ومحمد بن حسان الأزرق، قالا: ثنا عمرو بن الهيثم، عن قُرّة بن خالد (ح) قال: وحدّثنا القاسم بن زكريا، ثنا يزيد بن عمرو بن البراء، ثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، حدّثنا عبد اللَّه بن الصباح، ثنا عبيد اللَّه بن عبد المجيد، ثنا قُرّة بن خالد، عن قتادة، عن أنس، قال: "انتظرنا النبيّ -ﷺ- حتى كان قريبًا من نصف الليل، فجاء النبيّ -ﷺ-، فصلى لنا، وكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه، حلقة فضة".
قال: لفظ عبيد اللَّه بن عبد المجيد، عن ابن حبيش. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٢] (٦٤١) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: كُنْتُ أَنَا
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٩٦ ]
وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ نُزُولًا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلُّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَا وَأَصْحَابِي، وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ، حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ، حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ، أُعْلِمُكُمْ، وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ (^١) غَيْرُكُمْ"، أَوْ قَالَ: "مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيُّ) عبد اللَّه بن برّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) وهو ابن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (بُرَيْد) بن عبد اللَّه بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ يُخطئ قليلًا [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل: غير ذلك، وقد جاوز (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس بن سُليم بن حضّار الأشعريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
_________________
(١) وفي نسخة: "يصلي هذه الصلاة الساعة".
[ ١٤ / ٩٧ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي عامر، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب، أحد التسعة الذين روى عنهم الأئمة الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكنى، سوى بُريد، وكنيته أبو بردة، كجدّه.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، بريد، عن أبي بُردة، عن أبي موسى -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد اللَّه بن قيس الأشعريّ -﵁- أنه (قَالَ: كُنْتُ أَنَا) أكّد الضمير المتّصل بالمنفصل؛ ليعطف عليه ما بعده، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي السَّفِينَةِ) كان قدومهم عند فتح خيبر لَمّا قَدِم جعفر بن أبي طالب من الحبشة، وقيل: إن أبا موسى قدم على النبيّ -ﷺ-، وهو بمكة قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قَدِمَ الثانية صحبةَ جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا هناك بجعفر، ثم قَدِموا صحبته، وذلك سنة سبع من الهجرة، عند فتح خيبر، أفاده في "الفتح" (^١).
(نُزُولًا) جمع نازل، كشُهُود جمع شاهد (فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ) "البقيع" -بفتح الباء الموحّدة، وكسر القاف، وسكون الياء، آخر الحروف، وبالعين المهملة- وهو من الأرض: المكانُ الْمُتَّسِع، ولا يسمى بقيعًا إلا وفيه شجرٌ، أو أصولها.
و"بُطحان" -بضم الباء الموحّدة، وسكون الطاء المهملة، وبالحاء المهملة- غير منصرف، أحد أودية المدينة المشهورة، وهي ثلاثة: بطحان، والعقيق، وقَنَاة (^٢)، وقال ابن قرقول: "بطحان" بضم الباء، يرويه المحدثون
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٧٠٠ "كتاب المغازي" رقم (٤٣٨٦ - ٤٣٩٠).
(٢) راجع: "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٧٧.
[ ١٤ / ٩٨ ]
أجمعون، وحَكَى أهل اللغة فيه بَطِحان -بفتح الباء، وكسر الطاء- ولذلك قَيَّده أبو المعالي في "تاريخه"، وأبو حاتم، وقال البكريّ: بفتح أوله، وكسر ثانيه، على وزن فَعِلان لا يجوز غيره، قاله في "العمدة" (^١).
وقال في "النهاية": "بَطْحان" بفتح الباء: اسم وادي المدينة، والبطحانيّون منسوبون إليه، وأكثرهم يضمّون الباء، ولعله الأصحّ. انتهى (^٢).
(وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من "نزولًا"، والرابط الواو (فَكَانَ يَتَنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) بنصب "رسولَ" على المفعوليّة، مقدّمًا على الفاعل، وهو "نفرٌ" (عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) ظرف متعلّق بـ "يتناوب"، وكذا قوله: (كُلَّ لَيْلَةٍ) وقوله: (نَفَرٌ) بالرفع فاعل "يتناوب"، و"النفر" بفتحتين: جماعةُ الرجال، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: إلى سبعة، ولا يقال: نفرٌ فيما زاد على العشرة، قاله الفيّوميّ (^٣). (مِنْهُمْ) أي من أصحابه الذين قَدِموا معه (قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ -﵁- (فَوَافَقْنَا) بلفظ المتكلّم، فقوله: (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) منصوب على المفعوليّة، وقوله: (أَنَا وَأَصْحَابِي) توكيد للفاعل، وهو لفظ "نا" (وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ) جملة حاليّة من "رسولَ اللَّه -ﷺ-" وجاء تفسير بعض الشغل المذكور فيما رواه الطبرانيّ في "معجمه" من وجه صحيح، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أنه كان في تجهيز جيش، أفاده في "الفتح" (^٤).
(حَتَّى أَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ) أي أَخَّرها عن أول وقتها، وفيه دلالةٌ على أن تأخير النبيّ -ﷺ- إلى هذه الغاية لم يكن قصدًا، ومثله قوله في حديث ابن عمر -﵄- الماضي: "شُغِلَ عنها ليلةً"، وكذا قوله في حديث عائشة -﵂- الماضي أيضًا: "أعتم النبيّ -ﷺ- بالصلاة ذات ليلةٍ" كلُّ ذلك يدلّ على أن ذلك لم يكن من شأنه، والفيصل في هذا حديث جابر﵁-: "كانوا إذا اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا أبطئوا أَخَّرَ"، متّفقٌ عليه (^٥).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٦٥.
(٢) "النهاية" ١/ ١٣٥.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦١٧.
(٤) "الفتح" ٢/ ٥٨.
(٥) راجع: "الفتح" ٢/ ٥٨.
[ ١٤ / ٩٩ ]
(حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ) -بتشديد الراء-، على وزن افعالّ، كاحمارّ، ومعناه: انتصف، وعن سيبويه: كثرت ظلمته، وابْهَارَّ القمرُ: كثر ضوؤه، ذكره في "الموعب"، وفي "المحكم": ابهارَّ الليلُ: إذا تراكمت ظلمته، وقيل: إذا ذهبت عامّته، وفي "كتاب الواعي": ابْهِيرَارُ الليلِ: طلوعُ نجومه، وفي "الصحاح": ابهارّ الليلُ ابهيرارًا: إذا ذهب معظمه وأكثره، وابهارّ علينا الليل: أي طال، قاله في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "حتى ابهارّ الليل" -بالموحّدة، وتشديد الراء-: أي طلعت نجومه، واشتَبَكَت، والباهر الممتلئ نورًا، قاله أبو سعيد الضرير، وعن سيبويه: ابهارّ الليل: كَثُرَت ظلمته، وابهارّ القمرُ: كثر ضوؤه، وقال الأصمعيّ: ابهارّ: انتصف، مأخوذ من بُهْرَة الشيء: وهو وسطه، ويؤيِّده أن في بعض الروايات: "حتى إذا كان قريبًا من نصف الليل"، كما سبق في حديث أنس -﵁-، وفي "الصحاح": ابهارّ الليل: ذهب معظمه وأكثره، وعند مسلم من رواية أم كلثوم، عن عائشة -﵂-: "حتى ذهب عامة الليل". انتهى ببعض تصرّف (^٢).
وقال ابن رجب -﵀-: وقيل: معنى ابهارّ: استنار الليل باستهام طلوع نجومه بعد أن يذهب فَحمة الليل وظلمته بساعة، وهذا بعيدٌ. انتهى (^٣).
(ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) أي من حجرته إلى المسجد (فَصَلَّى بِهِمْ) أي صلّى العشاء إمامًا لهم (فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ) أي انتهى منها، وسلم (قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ: "عَلَى رِسْلِكُمْ) -بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح-: أي تأنَّوْا (أُعْلِمُكُمْ) بضمّ الهمزة، وكسر اللام المخفّفة، من الإعلام، أو بتشديد اللام، من التعليم، ثُمّ يَحْتَمل أن يكون مجزومًا على أنه جواب الأمر، ويَحْتَمل أن يكون مرفوعًا، على أنه جملة مستأنفة، ذكرت تعليلًا لأمره بالتأني (وَأَبْشِرُوا) بقطع الهمزة، ووصلها، أمرٌ من بَشَرَ، أو من أبشر إبشارًا: يقال: بَشَرتُ الرجل، من باب نصر، وأبشرته، وبَشَّرته بالتشديد، ثلاث لغات،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٦٥.
(٢) راجع: "الفتح" ٢/ ٥٨.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٧٧.
[ ١٤ / ١٠٠ ]
بمعنى، ويقال: بَشَرته بمولود، فأبشر إبشارًا: أَيْ سُرّ، أفاده في "العمدة" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن المناسب هنا هو المعنى اللازم؛ لأن المراد به حصول السرور لهم، واللَّه تعالى أعلم.
(أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) بفتح همزة "أنّ"؛ لوقوعها في موضع المفعول، وقد تنازعه كل من "أُعلمكم"، على أنه مفعول ثان له، و"أبشروا" على أنه مفعوله أيضًا بحذف الخافض، أي أبشروا بأن من نعمة اللَّه. . . إلخ، وقوله: (أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ) بفتح همزة "أنه"؛ لوقوعها في موضع اسم "أن" الأولى، وخبرها قوله: "من نعمة اللَّه".
ولفظ البخاري: "أبشروا إن من نعمة اللَّه عليكم أنه ليس أحدٌ. . . إلخ"، فقال في "الفتح": بكسر همزة "إن"، ووهِمَ من ضبطه بالفتح، وأما قوله: "أنه ليس أحد" فهو بفتح "أنّه" للتعليل". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ووهِمَ. . . إلخ" إن أراد أن الرواية بالكسر، فمسلّم، وإن أراد غير ذلك، فلا وهم، كما ذكرت وجهه آنفًا.
وأيضًا قوله: "بفتح أنه للتعليل"، غير صحيح؛ لأنه اسم "أن" الأولى مؤخّرًا من خبرها، كما أسلفته آنفًا، وقد تعقّبه العينيّ في هذا، وأصاب.
وقد ذكر العينيّ وجهًا آخر، فقال: قوله: "إن من نعمة اللَّه" كلمة "من" للتبعيض، وهو اسم "إنّ"، وقوله: "أنه" بالفتح؛ لأنه خبره. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الذي أسلفته أولى مما قاله العينيّ؛ لأن ما سُبك من "أنّ" و"أَنْ" أحقّ بكونه مسندًا إليه؛ لكونه بمنزلة الضمير، كما هو معروف في محلّه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ) منصوب على الظرفيّة، وفي نسخة: "هذه الصلاةَ الساعة" (غَيْرُكُمْ").
قال ابن رجب -﵀-: يَحْتَمل أنه أراد به أهل الأديان، أو أراد به المسلمين. انتهى (^٤).
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٦٥.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٨.
(٣) "عمدة القاري" ٥/ ٦٥.
(٤) "فتح الباري" ٤/ ٣٧٧.
[ ١٤ / ١٠١ ]
(أَوْ) للشكّ من الراوي، والظاهر أنه أبو موسى -﵁- (قَالَ) -ﷺ- ("مَا) نافيةٌ (صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ"، لَا) نافية (نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ) الظاهر أن الفاعل ضمير النبيّ -ﷺ- (قَالَ أَبُو مُوسَى) -﵁- (فَرَجَعْنَا) أي من عند النبيّ -ﷺ- إلى رحالنا (فَرِحِينَ) منصوب على الحال (بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) الجارّ الأول متعلّق بـ "فرحين"، و"ما" موصولة، والعائد محذوف، أي بالذي سمعناه، والثاني بـ "سمعنا".
[تنبيه]: وقع في "صحيح البخاريّ" لغير الكشميهني بلفظ "فَرْحَى"، على وزن فَعْلَى، قال الكرمانيّ: إما جمع فَرِيح على غير قياس، وإما مؤنث الأَفْرَح، وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلَت، قال العينيّ: بل هو جمع فَرْحَان، كعَطْشان يُجْمَع على عَطْشَى، وسَكْران على سَكْرى، ويُرْوَى: "فرجعنا فَرَحًا" بفتح الراء، مصدرًا، بمعنى الفَرِحين، وهو نحوُ: الرجالُ فَعَلُوا، وعلى الوجهين أعني فَرْحَى وفَرَحًا نُصِب على الحال من الضمير الذي في "رجعنا".
[فإن قلت]: المطابقة بين الحال وذي الحال شرط في الواحد، والتثنية، والجمع، والتذكير، والتأنيث، وفي رواية " فَرَحًا" غير موجود.
[قلت]: الفَرَح مصدر في الأصل، ويستوي فيه هذه الأشياء. انتهى (^١).
وسبب فَرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عُظْمَى مستلزمة للمثوبة الحسنى، مع ما انضاف إلى ذلك من تجمُّعهم فيها خلف رسول اللَّه -ﷺ-، قاله في "الفتح" (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٢] (٦٤١)، و(البخاريّ) (٥٦٧)، و(أبو
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٦٥.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٩.
[ ١٤ / ١٠٢ ]
يعلى) في "مسنده" (٧٣٠٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٥)، واللَّه تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه استُدِلّ بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء، ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت؛ لما في الانتظار من الفضل، لكن قال ابن بطال: ولا يصلح ذلك الآن للأئمة؛ لأنه -ﷺ- أمر بالتخفيف، وقال: "إن فيهم الضعيفَ، وذا الحاجة"، فتَرْكُ التطويل عليهم في الانتظار أولى.
وقد رَوَى أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن خزيمة، وغيرهم، من حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-: صلَّينا مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة العتمة، فلم يَخْرُج حتى مضى نحوٌ من شطر الليل، فقال: "إن الناس قد صَلَّوا، وأخذوا مضاجعهم، وإنكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتم الصلاة، ولولا ضُعْفُ الضَّعِيف، وسُقْمُ السَّقِيم، وحاجة ذي الحاجة، لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل"، وسيأتي في حديث ابن عباس -﵄- التالي: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها كذلك"، وللترمذيّ، وصححه، من حديث أبي هريرة -﵁-: "لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه".
قال الحافظ -﵀-: فعلى هذا مَن وجد به قُوّةً على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يَشُقَّ على أحد من المأمومين، فالتأخير في حقه أفضل.
وقد قَرَّر النوويّ ذلك في "شرح مسلم"، وهو اختيار كثير من أهل الحديث، من الشافعية وغيرهم، واللَّه أعلم.
ونقل ابن المنذر، عن الليث، وإسحاق: أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث، وقال الطحاويّ: يستحب إلى الثلث، وبه قال مالك، وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في "الإملاء"، وصححه النوويّ، وجماعة، وقالوا: إنه مما يُفْتَى به على القديم.
وتُعُقِّب بأنه ذكره في "الإملاء"، وهو من كتبه الجديدة، والمختار من
[ ١٤ / ١٠٣ ]
حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم أن الأرجح استحباب التأخير لمن لا يشقّ عليه، وأما إذا شقّ عليه، أو على المأمومين، فالتقديم أفضل، وبهذا تجتمع الأدلةُ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): جواز الحديث بعد صلاة العشاء، إذا كان في خير، وإنما نُهي عن الكلام في غير الخير.
٣ - (ومنها): أن التأني في الأمور مطلوب.
٤ - (ومنها): أن التبشير لأحد بما يَسُرّه محبوب؛ لأن فيه إدخال السرور في قلب المؤمن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀-: المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٣] (٦٤٢) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ، إِمَامًا وَخِلْوًا؟، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ الْعِشَاءَ (^٣)، قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ، وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: الصَّلَاةَ، فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ، قَالَ (^٤): "لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَذَلِكَ"، قَالَ: فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً، كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ، ثُمَّ صَبَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ، مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ، وَلَا يَبْطِشُ بِشَيْءٍ، إِلَّا كَذَلِكَ،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥٨.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "بالعشاء".
(٤) وفي نسخة: "فقال".
[ ١٤ / ١٠٤ ]
قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَتَئِذٍ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً، كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَتَئِذٍ، فَإِنْ شَقَّ (^١) عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا، أَوْ عَلَى النَّاسِ فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ، فَصَلِّهَا وَسَطًا، لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب أيضًا.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم في الباب أيضًا.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وعبد الرزّاق، فصنعانيّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن ابن عبّاس -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وبحر الأمة، وحبرها -﵁-، وآخر من مات من الصحابة بالطائف، مات سنة (٦٨)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: فإن شقّ".
[ ١٤ / ١٠٥ ]
شرح الحديث:
عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ) أي ابن أبي رباح (أَيُّ حِينِ أَحَبُّ إِلَيْكَ) "أَيُّ" اسم استفهام مبتدأ، مضاف إلى "حين"، وخبره قوله: "أحب إليك" (أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ) "أن" بفتح الهمزة مصدريّة، و"أصلي" صلتها، ومتعلقه محذوف، تقديره "فيه"، و"أن" وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف جر مقدَّر، أي لصلاتي، وتقدير الكلام: أيُّ وقت أحبُّ إليك لصلاتي العتمةَ فيه.
(الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ: الْعَتَمَةَ) أي يسمّونها بها، وهي بفتحات، والمراد بها هنا العشاء، وتقدم الخلاف في معناها. (إِمَامًا) حال من فاعل "أصلي"، وهو المُقْتَدَى به في الصلاة.
قال الفيوميّ -﵀-: الإمام: الخليفة، والعالِمُ المقتدَى به، ومن يُؤْتَمّ به في الصلاة، ويُطْلَق على الذكر، والأنثى، قال بعضهم: وربما أنث إمام الصلاة بالهاء، فقيل: امرأة إمامة، وقال بعضهم: الهاء فيها خطأ، والصواب حذفها؛ لأن الإمام اسم لا صفة. انتهى (^١).
(وَخِلْوًا؟) وفي رواية النسائيّ: "أو خِلْوًا" بـ "أو"، وهو بكسر الخاء وسكون اللام: أي منفردًا (قَالَ) عطاء (سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄- يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-) أي أبطأ، وتأخر (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلةً من الليالي، فـ "ذات" مقحمةً (الْعِشَاءَ) بالعشاء (قَالَ: حَتَّى رَقَدَ نَاسٌ) أي ناموا، ويقال: رَقَدَ، رَقْدًا، ورُقَادًا، بالضم: نام، ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخُصّه بنوم الليل، والأول هو الحقّ، ويشهد له المطابقة في قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]. قاله في "المصباح".
والمراد بالناس: هم الحاضرون في المسجد.
(وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا، وَاسْتَيْقَظُوا) يعني أن النوم والاستيقاظ تكرّر منهم؛ لطول الانتظار (فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) -﵁- (فَقَالَ: الصَّلَاةَ) منصوب بفعل مقدّر، أي صلّ الصلاة، وفي رواية النسائيّ: "الصلاةَ الصلاةَ" بالتكرار،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٣.
[ ١٤ / ١٠٦ ]
والتكرار للتأكيد، ويَحْتمل أن يكون منصوبًا على الإغراء، وعامله محذوفٌ وجوبًا؛ لكون المُغْرَى به مكرَّرًا، كما قال في "الخلاصة":
وَكَمُحَذَّرٍ بِلا "إيَّا" اجْعَلَا … مُغْرًى بِهِ فِي كُلِّ مَا قَدْ فُصِّلَا
بعد بيان حكم المحذَّر بقوله:
إيِّاكَ وَالشَّرَّ وَنَحْوَهُ نَصَبْ … مُحَذِّرٌ بِمَا اسْتِتَارُهُ وَجَبْ
وَدُونَ عَطْفٍ ذَا لإيَّا انْسُبْ وَمَا … سِوَاه سَتْرُ فِعْلِهِ لَنْ يَلْزَمَا
إلا مَعَ الْعَطْفِ أوِ التَّكْرَار … كَالضَّيْغَمَ الضَّيْغَمَ يَا ذَا السَّارِي
أي الزم الصلاة، وزاد في رواية البخاريّ: "نام النساء، والصبيان".
(فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-) أي من حجرته إلى المسجد (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآنَ) أي كأني أشاهده في الوقت الذي أحدثكم فيه، وهذا قاله ابن عباس -﵄- تأكيدًا لكلامه، وأنه ما نَسِيَ الواقعة، بل استحضرها في ذهنه، حتى كأنها مشاهَدَةٌ له حين التحديث بها.
و"الآن" منصوب على الظرفية، متعلق بـ "أنظر"، وهو ظرف للوقت الحاضر الذي أنت فيه ويلزم دخول الألف واللام، وليس ذلك للتعريف؛ لأن التعريف تمييز للمشترِكات، وليس لهذا ما يَشْرَكُهُ في معناه.
قال ابن السَّرَّاج: ليس هو آنَ، وآنّ، حتى يدخل عليه الألف، واللام للتعريف، بل وُضِعَ مع الألف واللام للوقت الحاضر، مثل "الثُّرَيَّا"، "والذي"، ونحوِ ذلك، قاله في "المصباح".
والجملة في محل نصب حال من محذوف، أي أخبركم به حال كوني مُشَبِّهًا نفسي ناظرةً إليه في الوقت الحاضر.
(يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً) وكأنه اغتسل قبيل خروجه، والجملة حال من الضمير في "إليه"، ويَحْتَمِل أن تكون حالًا من "نبي اللَّه"، و"ماءً" تمييز محوَّل عن الفاعل.
(وَاضِعًا يَدَهُ) حال أيضًا، إما مترادف، أو متداخل (عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ) أي على جانب رأسه، وإنما وضع يده عليه ليعصر ما فيه من الماء (قَالَ) وفي نسخة: "فقال"، أي قال -ﷺ- حين خرج إليهم، مبيِّنًا استحباب تأخير العشاء ("لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي) "لولا" حرف امتناع لوجود، و"أن يشُقّ" في تأويل
[ ١٤ / ١٠٧ ]
المصدر مبتدأ خبره محذوف وجوبًا، لقيام جواب "لولا" مقامه، وهو قوله: (لَأَمَرْتُهُمْ) أي لولا خوف المشقة على أمتي في تأخير صلاة العشاء إلى هذا الوقت لأمرتهم (أَنْ يُصَلُّوهَا) في تأويل المصدر مجرور بباء مقدرة قياسًا، أي بصلاتها (كَذَلِكَ") أي في حالٍ مشابهٍ لهذا، وهو كونها مؤخَّرة إلى هذا الوقت، ولفظ البخاريّ: "أن يصلّوها هكذا"، وفي رواية النسائيّ: "أن لا يصلّوها إلا هكذا"، وفي رواية له: "إنه الوقت، لولا أن أشق على أمتي"، واللَّه أعلم.
[فائدة]: وقع في رواية الطبرانيّ من طريق طاوس في هذا الحديث بمعناه، قال: وذهب الناس إلا عثمان بن مظعون في ستة عشر رجلًا، فخرج النبيّ -ﷺ-، فقال: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم"، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ) ابن جريج (فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً) أي طلبت منه التثبيت، يقال: اسْتَثْبَتَ في أمره: إذا شاور، وفحص عنه، قاله في "اللسان" (كيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ؟ كَمَا أَنْبَأَهُ) أي أخبره (ابْنُ عَبَّاسٍ) -﵄- (فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ) أي فَرَّق، من التبديد، وهو التفريق (بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ) أي تفريقًا قليلًا (ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ) أي جانبه (ثُمَّ صَبَّهَا) بالصاد المهملة، ثم الموحّدة المشدّدة، وللبخاريّ: "ثم ضمّها" بالضاد المعجمة، والميم، وصوّب القاضي عياض الأول، قال: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد، وقال الحافظ: ورواية البخاري، أيضًا مُوَجَّهة، بأنّ ضم الأصابع صفة للعاصر، فلا اختلاف بين المعنيين.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "ثم صبّها"، هكذا هو في أصول روايتنا، قال القاضي: وضبطه بعضهم: "قَلَبَها"، وفي البخاريّ: "ضمّها"، والأول هو الصواب بدليل لفظ الحديث. انتهى (^٢).
(يُمِرُّهَا) بضم أوله، من الإمرار رباعيًّا، وللنسائيّ: "يَمُرّ بها" من المرور ثلاثيًّا، والجملة حال من "أطراف الأصابع"، وقوله: (كَذَلِكَ) أي على مثل تلك الحال من الصبّ، والجارّ والمجرور: متعلِّق بحال مقدر، أي حال كون
_________________
(١) ٢/ ٦٢.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٠٦، و"شرح النوويّ" ٥/ ١٤١.
[ ١٤ / ١٠٨ ]
الإمرار كائنًا كذلك (عَلَى الرَّأْسِ) متعلّقٌ بـ "يُمِرّ" (حَتى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ) "إبهامه" مرفوع على الفاعلية، و"طَرَفَ الأذن" منصوب على المفعولية (مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ) بضم، فسكون: ما بين لَحْظِ العين إلى أصل الأذن، والجمع: أَصْداغ، مثل: قُفْل، وأقْفَال، ويُسَمَّى الشعر الذي تَدَلَّى على ذلك الموضع صُدْغًا، قاله في "المصباح" (وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ) أي جانب اللحية، وفي رواية النسائيّ: "وناحية الجَبِين": و"الجبينُ": ناحية الجبهة من مُحَاذَاة النَّزَعَةِ إلى الصُّدْغ، وهما جبينان، عن يمين الجبهة، وشمالها، قاله الأزهريّ، وابن فارس، وغيرهما؛ فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جُبُن، بضمتين، مثل بَرِيد، وبُرُد، وأجْبِنَةٌ، مثل أسْلِحَةٍ، قاله في "المصباح".
(لَا يُقَصِّرُ) من التقصير بالقاف؛ أي لا يبطئ. قال في "الفتح": ووقع عند الكشميهنيّ: "لا يَعُصُر" بالعين، والأولى أصوب. انتهى. (وَلَا يَبْطِشُ) من بابي نصر، وضرب، أي لا يستعجل.
وقال النوويّ: قوله: "ولا يقصّر، ولا يبطِش" هكذا هو في "صحيح مسلم"، وفي بعض نسخ البخاريّ، وفي بعضها: "ولا يعصر"، بالعين، وكلّه صحيح. انتهى (^١).
وقوله: (بِشَيْءٍ) متعلّق بـ "يقصّر"، و"يبطِش" على سبيل التنازع، وللنسائيّ: "شيئًا" بالنصب (إِلَّا كَذَلِكَ) أي إلا مثل ما وصفه ابنُ عباس لعطاء، وعطاءٌ لابن جريج.
قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَتَئِذٍ؟) أي ليلة إذ أعتم النبيّ -ﷺ- بالعشاء (قَالَ) عطاء (لَا أَدْرِي) هكذا قال عطاء، وقد تقدّم في حديث عائشة -﵂-: "حتى ذهب عامّة الليل"، وفي حديث ابن عمر -﵄-: "حين ذهب ثلث الليل، أو بعده"، وفي حديث أنس -﵁-: "إلى شطر، أو كاد يذهب شطر الليل".
(قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ) بصيغة اسم التفضيل، وهو خبر مقدّم لقوله: (أَنْ أُصَلِّيَهَا) و"أن" مصدريّة (إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخَّرَةً) حال كـ "إمامًا"، فهما حالان
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ١٤٢.
[ ١٤ / ١٠٩ ]
مترادفان، أو متداخلان (كَمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَتَئِذٍ) أي ليلة إذ أعتم بالعشاء (فَإِنْ شَقَّ) وفي نسخة: "قال: فإن شقّ" (عَلَيْكَ ذَلِكَ) أي صلاتها مؤخّرةً (خِلْوًا، أَوْ) شقّ ذلك (عَلَى النَّاسِ) الذين يريدون أن يصلّوها (فِي الْجَمَاعَةِ، وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ) حال من الناس (فَصَلِّهَا وَسَطًا) أي بين التعجيل والتأخير، كما بيّنه بقوله (لَا مُعَجَّلَةً، وَلَا مُؤَخَّرَةً) فيه أن عطاءً يرى استحباب تاخير العشاء إذا لم يشقّ على الناس، وهذا هو الأرجح من أقوال العلماء، كما تقدّم البحث فيه مستوفًى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٤] (٦٤٢)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٧١)، و"التمنّي" (٧٢٣٩)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣١ و٥٣٢)، وفي "الكبرى" أيضًا (١٥٣١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١١٣)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٩٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٧٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٣٢ و١٥٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٤٢٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التأخير بصلاة العشاء، وقد مرّ تفصيل مذاهب العلماء في ذلك قريبًا.
٢ - (ومنها): بيان حرص السلف -رحمهم اللَّه تعالى- في طلب الأوْلَى والأفضل من الأوقات لإيقاع أفضل الطاعات بعد الشهادتين، وهي الصلاة فيه.
٣ - (ومنها): أنه ينبغي لمن استُفْتِيَ أن يذكر الجواب مقرونًا بدليله.
[ ١٤ / ١١٠ ]
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للسائل أن يتثبت في نقل العلم، ويُشَدِّد في الأخذ؛ ليكون على بصيرة.
٥ - (ومنها): أن النوم لا ينقض الوضوء، وهذا محمول على نوم الممكِّن مقعدته على الأرض؛ توفيقًا بين هذا وبين النصوص الدالة على أن النوم ينقض الوضوء، كما تقدم البحث عنه مُسْتَوْفًى في "كتاب الطهارة".
٦ - (ومنها): بيان فضيلة صلاة العشاء، حيث إنها خُصّت بها هذه الأمة، كما سبق آنفًا في حديث الطبرانيّ: "ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٤] (٦٤٣) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم قبل باب.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٥ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ، إلا في عكرمة، فمضطرب فيه، وتغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
[فإن قلت]: كيف أخرج المصنّف لسماك بن حرب في الأصول، وقد وُصف بالتغيّر؟.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٤ / ١١١ ]
[قلت]: إن صاحبي "الصحيحين" يُخرجان للمختلطين ما تأكّدا أنهم حفظوه، ولم يختلطوا فيه، وذلك يُعرف بأحد أمرين:
[الأول]: أن يكون الراوي عنهم ممن روى قبل اختلاطهم.
[والثانى]: أن يوافقهم غيرهم فيه، بأن تابعهم عليه، أو يروى بمعنى ما رووا، وما هنا من هذا الصنف؛ لأن حديث سماك عن جابر قد أخرج له المصنّف وغيره في الباب أحاديث بمعناه، فأحاديث الباب كلها تشهد له.
والحاصل أن حديث جابر بن سمُرة -﵄- من رواية سماك عنه محفوظ، لم يؤثّر فيه تغيّره.
وقد ذكرت ضابط أحاديث المختلطين التي تُقبل منهم في منظومتي "عمدة المحتاط في معرفة من رُمي بالاختلاط" مع بيان معنى الاختلاط، فقلت:
الاخْتِلَاطُ لُغَةً قَدْ فُسِّرَا … بِأَنَّهُ فَسَادُ عَقْلٍ قَدْ عَرَا
وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ فَسَادُ عَقْلِ … وَفَقْدُ ضَبْطِ قَوْلِهِ وَالْفِعْلِ
بِسَبَبٍ كَمَوْتِ حِبٍّ أَوْ مَرَضْ … أَوْ خَرَفٍ أَوْ فَقْدِ مَالٍ قَدْ عَرَضْ
وَحُكْمُهُ رَدُّ رِوَايَتِهِ إِنْ … بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ أَتَتْ إِنْ لَمْ تَبِنْ
مِمَّنْ رَوَى قَبْلُ وَهَكَذَا ذَكَرْ … ابْنُ الصَّلَاحِ وَاقْتَفَاهُ مَنْ أَثَرْ
وَالْحَقُّ مَا الْبُسْتِيُّ قَالَهُ لَدَى … كِتَابِهِ الصَّحِيحِ حَيْثُ أَرْشَدَا
بِأَنَّ مَا أُخِذَ عَنْهُمْ قَبْلُ أَوْ … قَدْ وَافَقُوا الثِّقَاتِ فِيهِ إِذْ رَوَوْا
يُقْبَلُ إِذْ هُمُ عُدُولٌ فَوَجَبْ … قَبُولُهُمْ وَغَيْرُ هَذَا يُجْتَنَبْ
وَذَا هُوَ الْحَقُّ لِمَنْ أَمْعَنَ فِي … نَظَرِهِ وَالسَّبْرِ لِلْمُؤَلَّفِ
سَلَكَهُ الشَّيْخَانِ فِيمَا صَنَعَا … لَدَى الصَّحِيْحَيْنِ وَنِعْمَ مَصْنَعَا
قَدْ أَخْرَجَا لِبَعْضِ مَنْ خَلَطَ عَنْ … طَرِيقِ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ فِي الْوَهَنْ
إِذْ وَافَقُوا الثِّقَاتِ فِيمَا نَقَلُوا … فَرَاجِعِ الْكُتْبَ تَجِدْ مَا مَثَّلُوا
٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
[ ١٤ / ١١٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، كالسند التالي، وهو (٨٨) من رباعيّات الكتاب، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، و"سماك" علّق له البخاريّ، وأخرج له الباقون.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أبي بكر بن أبي شيبة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُؤَخِّرُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الصلوات نَحْوًا من صلاتكم، وكان يؤخِّر العتمة بعد صلاتكم شيئًا"، فدلّ على أن المراد بإطلاق التأخير هنا هو التأخير قليلًا، وذلك إلى ثلث الليل، كما بيّن في الروايات الآخرى، ففي حديث أبي برزة الأسلميّ -﵁- الآتي: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سمرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٤ و١٤٥٥] (٦٤٣)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٣٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٩ و٩٣ و٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٧ و١٥٣٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩٥٩ و١٩٧٤ و٢٠١٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٤ / ١١٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٥] (. . .) (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّى الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كَامِلٍ: يُخَفِّفُ).
هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حُسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من (٨٠) سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد اللَّه اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف -﵀-، كسابقه، وهو (٨٩) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ) أي مشابهًا لما تصلّونه من حيث الوقت.
وقوله: (وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا) أي تأخيرًا قليلًا من الوقت الذي تصلّون فيه.
وقوله: (وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلَاةَ) بضم حرف المضارعة، وكسر الخاء المعجمة، وتشديد الفاء بمعنى يُخفّف بفاءين في الرواية الأخرى، قال في "اللسان": وأخفّ الرجل، فهو مُخِفُّ، وخَفِيفٌ وخِفٌّ: أي خفّت حاله، ورَقّت، وإذا كان قليل الثِّقَل. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٦] (٦٤٤) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ،
[ ١٤ / ١١٤ ]
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ، أَلَا إِنَّهَا الْعِشَاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عُمر الْعَدنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ، [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٤ - (ابْنُ أَبِي لَبِيدٍ) -بفتح اللام- مولى الأخنس بن شَرِيق، أبو المغيرة المَدني، نزيل الكوفة، ثقة، رُمِي بالقدر [٦].
رَوَى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والمطّلب بن عبد اللَّه بن حنطب، ويحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، وعبد اللَّه بن سُليمان بن يسار.
وروى عنه ابن إسحاق، وإبراهيم بن أبي يحيى، ومحمد بن عمرو بن علقمة، والسفيانان، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد عن أبيه: مَدَنِيٌّ قَدِمَ الكوفة، ما أعلم به بأسًا، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق في الحديث، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الحميديّ عن سفيان: وكان من عباد أهل المدينة.
وقال الدَّرَاوَرْدِيّ: كان يُرْمَى بالقدر، فلم يُصَلِّ عليه صفوان بن سُلَيم، وقال ابن عديّ: أما في الروايات، فلا بأس به، وقال ابن سعد: كان من العباد المنقطعين، وكان يقول بالقدر، وكان قليل الحديث، وقال العجليّ: ثقة، وقال الساجيّ: كان صدوقًا، غير أنه اتُّهِمَ بالقدر، وقال العقيليّ: يخالف في بعض حديثه، وكان من المجتهدين في العبادة، وذكره ابن حبّان في "الثقات".
قال الواقدي: مات في خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومائة.
[ ١٤ / ١١٥ ]
أخرج له الجماعة إلا الترمذيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث، هذا الحديث برقم (٦٤٤) وأعاده بعده، وحديث (٧٣٨): "كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشرة"، و(١١٥٦): "يصوم حتى نقول: قد صام. . . ".
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى زهير وابن أبي لبيد فما أخرج لهما الترمذيّ، وابن أبي عمر فما أخرج له البخاريّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب -﵄- أنه (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَا) ناهيةٌ (تَغْلِبَنَّكُمُ) فعل مضارع مؤكد بالنون الثقيلة، يقال: غَلَبَهُ على كذا: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، قاله الطيبيّ -﵀-.
(الْأَعْرَابُ) بفتح الهمزة: أهل البدو من العرب، واحده أعرابيّ، بالفتح أيضًا، وهو الذي يكون صاحب نُجْعَةٍ، وارتِيَادٍ لِلْكَلِأ، قال الأزهريّ: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين، وظَعَنَ بِظَعْنهم، فهم: أعْرَاب، ومن نزل بلاد الرِّيف، واستوطن المُدُن، والقُرَى العربية، فهم عَرَبٌ، وإن لم يكونوا فُصَحَاء.
ويقال: سُمُّوا عَرَبًا؛ لأن البلاد التي سَكَنُوهَا تسمى العَرَبَاتَ، ويقال: العَرَبُ العَارِبَةُ: هم الذين تكلموا بلسان يَعْرُب بن قحطان، وهو اللسان القديم، والعرب المستعربة: هم الذين تكلموا بلسان إسماعيل بن إبراهيم -عليهما الصلاة والسلام- وهي لغات الحجاز، وما والاها، قاله في "المصباح".
(عَلَى اسْمِ صَلَاِتِكُمْ) وفي رواية النسائيّ: "على اسم صلاتكم هذه"،
[ ١٤ / ١١٦ ]
فاسم الإشارة نحتٌ، أو بدلٌ من "صلاتكم"، والإشارة إلى العشاء (أَلا) أداة استفتاح وتنبيه (إِنَّهَا) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد "ألا" الاستفتاحيّة (الْعِشَاءُ) أي سمّاها اللَّه تعالى في كتابه بهذا الاسم، فلا تتعرضوا لما هو من عادتهم، من تسميتها بالعَتَمة، فتَغْصِبَ منكم اسمَ العشاء التي سماها اللَّه تعالى به.
والمعنى: أنه لا ينبغي العدول عما في كتاب اللَّه تعالى من تسميتها عشاء، إلى ما ألِفَهُ الأعراب من تسميتها عَتَمَةً، ولعل حكمةَ العدول عنه قُبْحُ لفظه؟ إذ العتمة شدة الظلام، والصلاة هي النور الأعظم، فلا يليق أن يوضع لها لفظ يدل على نقيضها، قاله القاري -﵀- (^١).
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام -﵀-: المعنى فيه: أن العادة أن العُظَماء، إذا سَمَّوا شيئًا باسم، فلا يليق العدول عنه إلى غيره؛ لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه، وذلك لا يليق، واللَّه ﷿ سماها في كتابه العشاء، في قوله: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، فيَقْبُح بعد تسمية ذي الجلال والإكرام العدولُ إلى غيره. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: قال الأزهريّ: أرباب النَّعَم في البادية يُريحون الإبل، ثم يُنيخونها في مراحها حتى يُعْتِموا، أي يدخلوا في عَتَمَة الليل، وهي ظلمته، وكانت الأعراب يُسمُّون صلاة العشاء صلاة العَتَمة؛ تسميةً بالوقت، فنهاهم عن الاقتداء بهم، واستَحَبّ لهم التمسّك بالاسم الناطق به لسان الشريعة. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": ونَقَل القرطبيّ عن غيره إنما نُهِي عن ذلك؛ تنزيهًا لهذه العبادة الشرعية الدينية عن أن يُطْلَق عليها ما هو اسم لفِعْلة دنيوية، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت، ويسمونها العتمة.
وذكر بعضهم أن تلك الحلبة إنما كانوا يَعتمدونها في زمان الْجَدْب؛
_________________
(١) "المرقاة شرح المشكاة" ٢/ ٣٢٥.
(٢) "ازهر الربى في شرح المجتبى" للسيوطيّ -﵀- ١/ ٢٧٠.
(٣) "النهاية" ٣/ ١٨٠.
[ ١٤ / ١١٧ ]
خوفًا من السُّؤَّال والصعاليك، فعلى هذا فهى فِعْلة دنيوية مكروهة، لا تُطْلَق على فِعْلة دينية محبوبة.
ومعنى الْعَتْم في الأصل تأخير مخصوص، وقال الطبريّ: الْعَتَمة بقية اللبن، تُغْبَق (^١) بها الناقة بعد هويّ من الليل، فسُمِّيت الصلاة بذلك؛ لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة.
وروى ابن أبي شيبة، من طريق ميمون بن مهران، قال: قلت لابن عمر: مَن أول مَن سَمَّى صلاة العشاء العتمة؟ قال: الشيطان. انتهى (^٢).
وقال السنديّ -﵀- ما حاصله: الاسمُ الذي ذكره اللَّه تعالى في كتابه لهذه الصلاة اسمُ العشاء، والأعراب يسمونها العتمةَ، فلا تُكثِروا استعمالَ ذلك الاسم؛ لما فيه من غلبة الأعراب عليكم، بل أكثروا استعمال اسم العشاء؛ موافقة للقرآن، فالمراد النهي عن إكثار اسم العتمة، لا عن استعماله أصلًا، فاندفع ما يتوهم من التنافي بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى التي سبقت في الباب، وغيرها.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره العلامة السنديّ -﵀- من الجمع بين الأحاديث بحمل النهي على إكثار الاستعمال، حسنٌ جدًا، وهو الذي يدلّ عليه تعبيره بقوله: "لا تغلبنكم"، فإن الغلبة تكون بإكثار الاستعمال، لا بالاستعمال أحيانًا للحاجة، مثل أن يُعرّفها لمن لا يعرف إلا اسم العَتَمَة، كما سبق في قوله: "التي تسمّونها العتمة"، واللَّه تعالى أعلم.
(وَهُمْ) أي الأعراب، ولفظ النسائيّ: "فإنهم" بالفاء التعليليّة (يُعْتِمُونَ) من الإعتام رباعيًّا، يقال: أعْتَمَ الرجل: إذا دخل في العَتَمَة وهي الظلمة، كأصبح: إذا دخل في الصباح، أفاده في "المصباح".
(بِالإِبِلِ") بحلب الإبل، وللنسائيّ: "على الإبل"، فـ "على" بمعنى اللام،
_________________
(١) غبق الإبلَ والغنم، من بابي نصر، وضرب: حلبها بالعشيّ، أفاده في "لسان العرب" ١٠/ ٢٨١.
(٢) "الفتح" ٢/ ٥٤.
[ ١٤ / ١١٨ ]
للتعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي يؤخرون الوقت لأجل حِلاب الإبل، في الظلام.
وقال السنديّ -﵀-: أي يؤخرون الصلاة، ويدخلون في ظلمة الليل بسبب الإبل، وحلبها. انتهى.
وقيل: كانوا يؤخرون الحلاب إلى الظلمة، وشممون ذلك الوقتَ العَتَمَةَ، فهو من باب تسمية الشيء باسم وقته، أي لا تُطلقوا هذا الاسم على العشاء؛ لئلا يغلب مصطلَحُهُم على ما جاء في كتاب اللَّه ﷿ تعالى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بحديث الباب:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ" بعد ذكر حديث ابن عمر -﵄- هذا من رواية مسلم -﵀- ما نصّه: كذا رواه ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، وابنُ أبي لبيد كان يُتّهم بالقدر، وقال العقيليّ: كان يُخالف في بعض حديثه، وتابعه عليه ابنُ أبي ليلى، عن أبي سلمة، وابنُ أبي ليلى ليس بالحافظ، ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبيّ -ﷺ- مرسلًا، وقيل: عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة مرفوعًا، وأخرجه ابن ماجه، وليس بمحفوظ، وفيه أيضًا: عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبيّ -ﷺ-، وفي إسناده جهالة. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: رواية المصنّف لا طعن فيها، وابن أبي لبيد وثقه جماعة، وإنما تكلموا فيه للقدر، ولم يتكلموا في روايته، وأما قول العقيليّ، فلم يتابعه عليه غيره، وأما المخالفة المذكورة في الروايات المذكورة فلا يُلتفت إليها؛ لأن أسانيدها ضعيفة.
والحاصل أن رواية المصنّف -﵀- صحيحة دون شكّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٦٤.
[ ١٤ / ١١٩ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ١٤٥٦ و١٤٥٧] (٦٤٤)، و(أبو داود) في "الأدب" (٤٩٨٤)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٤١ و٥٤٢)، و"السنن الكبرى" (١٥٢٢ و١٥٢٣)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٠٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٥١ و٢١٥٢)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٠ و١٩ و٤٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٤١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٨٨ و١٠٨٩ و١٠٩٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٢٩ و١٤٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٣٧٢)، و(البغوي) في "شرح السنّة" (٣٧٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان النهي عن تسمية العشاء بالعتمة؛ حملًا على كثرة الاستعمال، أو حملًا على التنزيه، وتقدم أنه محمول على كثرة استعماله حتى يغلب على الاسم الشرعيّ، أو محمول على التنزيه.
٢ - (ومنها): أن الاسم الذي سماها اللَّه تعالى به في كتابه هو العشاء، حيث قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
٣ - (ومنها): أن الأسماء الشرعية إذا خالفت الأسماء العرفية ينبغي أن تقدم عليها.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للمسلم أن لا يُقَلِّد الجاهلية حتى في الأسماء، بل يتبع الشرع في جميع أموره، فإن للشارع حكمةً في اختيار الأسماء وغيرها، فلا ينبغي العدول عنه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في كراهة تسمية العشاء بالعتمة:
قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "باب ذكر العشاء، والْعَتَمَة، ومن رآه واسعًا".
قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرحه": مراده أن العشاء الآخرة تُسمّى العشاء، وتُسمّى الْعَتَمة، وأنه يجوز تسميتها بالعتمة من غير كراهة، وإن كان تسميتها بالعشاء أفضل؟ اتّباعًا لقول اللَّه ﷿: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور:
[ ١٤ / ١٢٠ ]
٥٨]، وهذا قول كثير من العلماء، أو أكثرهم، وهو ظاهر كلام أحمد، وقول أكثر أصحابه، وكذا قال الشافعيّ في "الأمّ": أحبُّ إليّ أن لا تُسمّى العشاء الآخرة عتمةً، وهو قول كثير من أصحابه، أو أكثرهم.
ومنهم من قال: يكره أن تسمّى عتمةً، وهو وجه ضعيفٌ لأصحابنا، وقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن عمر، وكان يكرهه كراهة شديدةً، ويقول: أول من سقاها بذلك الشيطان، وكرهه أيضًا ابنه سالم، وابن سيرين.
قال: وقد حمله -يعني حديث: "لا تغلبنّكم الأعراب. . . إلخ"- بعض أصحابنا على كراهة نفي الكمال دون الكراهة، وحمله بعضهم على كراهة هجران اسم العشاء، وغلبة اسم العتمة عليها كفعل الأعراب، وتسميتها في كتاب اللَّه بالعشاء، لا يدلّ علىكراهة تسميتها بغيره، كما أن اللَّه تعالى سمّى صلاة الصبح صلاة الفجر، ولا يُكره تسميتها صلاة الصبح. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
وقال في "الفتح": واختَلَف السلف في ذلك، فمنهم من كرهه، كابن عمر راوي الحديث، ومنهم من أطلق جوازه، نقله ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره، ومنهم من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر، عن مالك، والشافعيّ، واختاره.
وقال أيضًا بعد ذكره أنه ورد تسميتها بالعتَمَة في حديث ابن عمر، وأبي برزة، وعائشة -﵃- ما نصّه: وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم، فصار مَن عَرَفَ النهي عن ذلك يَحتاج إلى ذكره؛ لقصد التعريف.
قال النوويّ وغيره: يُجْمَع بين النهي عن تسميتها عَتَمَةً وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين:
[أحدهما]: أنه استَعْمَل ذلك لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه، لا للتحريم.
[والثاني]: بأنه خاطب بالعَتَمَة مَن لا يعرف العشاء؛ لكونه أشهر عندهم من العشاء، فهو لقصد التعريف، لا لقصد التسمية.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٦٣ - ٣٦٥.
[ ١٤ / ١٢١ ]
ويَحْتَمِل أنه استَعْمل لفظ العتمة في العشاء؛ لأنه كان مشتهرًا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب، فلو قال: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء" لتوهموا أنها المغرب.
قال الحافظ: وهذا ضعيف؛ لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث: "لو يعلمون ما في الصبح والعشاء"، فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة، وبالعتمة تارةً من تصرف الرواة.
وقيل: إن النهي عن تسمية العشاء عَتَمَةً نسخ الجواز.
وتُعُقّب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور، وفي كل من القولين نظر؛ للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ، ولا بُعْد في أن ذلك كان جائزًا، فلما كَثُر إطلاقهم له نُهُوا عنه؛ لئلا تغلب ألسنة الجاهلية على السنّة الإسلامية (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتها أن الأرجح أنه يجوز إطلاق اسم العتمة على العشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، كحديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "لو يعلمون ما في الصبح والعتمة لأتوهما ولو حبوًا"، متّفقٌ عليه، وغير ذلك، وأيضًا فان الصحابة الذين رووا النهي استعملوا التسمية المذكورة، فدلّ على جواز ذلك، لكن الأولى اجتنابه؛ لحديث ابن عمر -﵄- المذكور في الباب، وبهذا تجتمع الأدلّة دون تخالف وتعارض، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): أنه ورد النهي أيضًا عن تسمية المغرب بالعشاء:
قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "باب من كِره أن يقال للمغرب: العشاء".
قال الزين ابن الْمُنِّير -﵀-: عَدَلَ البخاريّ -﵀- عن الجزم كأن يقول: باب كراهية كذا؛ لأن لفظ الخبر لا يقتضي نهيًا مطلقًا، لكن فيه النهي عن غلبة الأعراب على ذلك، فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضي المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانًا، بل يجوز أن يُطلَق على وجه لا يُتْرَك له التسمية
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ٤٦.
[ ١٤ / ١٢٢ ]
الأخرى، كما ترك ذلك الأعراب وقوفًا مع عادتهم، قال: وإنما شُرع لها التسمية بالمغرب؛ لأنه اسم يُشعِر بمسماها، أو بابتداء وقتها، وكَرِه إطلاق اسم العشاء عليها؛ لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى، وعلى هذا لا يكره أيضًا أن تسمى العشاء بقيد، كأن يقول: العشاء الأولى، ويؤيِّده قولهم: العشاء الآخرة، كما ثبت في الصحيح.
ونَقَلَ ابن بطال عن غيره أنه لا يقال للمغرب: العشاء الأولى، ويَحتاج إلى دليل خاصّ، أما من حديث الباب فلا حجة له، قاله في "الفتح".
ثمّ أخرج البخاريّ بسنده عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال: "لا تغلبنَّكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب"، قال: "وتقول الأعراب: هي العشاء"، وأخرجه أحمد، وابن خزيمة.
قال الطيبيّ -﵀-: يقال: غلبه على: غصبه منه، أو أخذه منه قهرًا، والمعنى: لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء، والعشاء بالعتمة، فيَغْصِبَ منكم الأعراب اسمَ العشاء التي سماها اللَّه بها، قال: فالنهي على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم.
وقال غيره: معنى الغلبة أنكم تسمونها اسمًا، وهم يسمونها اسمًا، فإن سميتموها بالاسم الذي يسمونها به وافقتموهم، وإذا وافق الخصم خصمه: صار كأنه انقطع له حتى غلبه، ولا يحتاج إلى تقدير غصب، ولا أخذ.
وقال التوربشتيّ -﵀-: المعنى: لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم، فيَغْلِبَ مصطلحُهم على الاسم الذي شرعته لكم. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد استدلّ بحديث ابن مغفّل -﵁ هذا من كره تسمية المغرب العشاء، وهو قول أصحاب الشافعيّ وغيرهم، وقال أصحابنا -يعني الحنابلة-: لا يُكره ذلك، واستدلُّوا بأن العشاء تسمّى العشاء الآخرة، كما قال النبيّ -ﷺ-: "أيّما امرأة أصابت بَخُورًا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة"، رواه مسلم، فهذا يدلّ على أن المغرب العشاء الأولى.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥٢.
[ ١٤ / ١٢٣ ]
وأجاب بعضهم بأن وصف العشاء بالآخرة؛ لأنها آخر الصلوات، لا لأن قبلها عشاء أخرى.
وقد حُكي عن الأصمعيّ أنه أنكر تسميتها العشاء الآخرة، ولا يُلتَفت إليه.
وفي "صحيح مسلم" عن عليّ -﵁- أن النبيّ -ﷺ- العصر يوم الأحزاب بين العشاءين: المغرب والعشاء.
قال أصحابنا -يعني الحنابلة-: وحديث ابن مُغفَّل -﵁- يدلّ على أن تسميتها بالمغرب أفضل، ونحن نقول بذلك، ومن متأخّريهم من قال: حديث ابن مغفَّل إنما يدلّ على النهي عن أن يغلب اسم العشاء على المغرب، حتى يُهجَر اسم المغرب، أو يقِلّ تسميتها بذلك، كما هي عادة الأعراب، فأما إذا لم يغلب عليها هذا الاسم فلا يتوجّه النهي حينئذ إليه.
وقد تقدّم أنها تُسمّى صلاة البصر أيضًا، فإذا سُمّيت بذلك من غير أن يُهجر تسميتها بالمغرب، ويَغلب تسميتها بذلك جاز. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر الأقوال وأدلّتها أن الأرجح جواز تسمية المغرب بالعشاء؛ لصحّة الأحاديث بذلك، لكن الأولى تسميتها بالمغرب؛ لحديث عبد اللَّه بن مغفّل -﵁-، كما سبق القول في تسمية العشاء بالعتمة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَغْلِبَنَكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا في كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ").
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ١٢٤ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الإِبِلِ) أي إن الأعراب تؤخّر حلب إبلها إلى شدّة الظلام، فمن ثمّ يسمّون العشاءَ العتمة، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.