وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٧] (٤٧٤) - (حَدَّثَنَا (^١) أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: (ح) (^٢) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا (^٣) أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَحْنِي ظَهْرَهُ، حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَبْهَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخِرُّ مَنْ وَرَاءَهُ سُجَّدًا).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو: أحمد بن عبد اللَّه بن يونس بن عبد اللَّه بن قيس، نُسب لجدّه التميميّ الْيَرْبوعيّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُديج، وهو أبو خيثمة المذكور بعد التحويل الْجُعفيّ الكوفي، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه عن أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ مكثرٌ عابدٌ، اختلط في آخره [٣] (ت ١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ، صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٦.
٦ - (الْبَرَاءُ) بن عازب -﵄-، تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: تأخير "قال" عن الحاء.
(٣) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٩١ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه يحيى، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ ابن صحابيّ، عن صحابيّ ابن صحابيّ، كلاهما من الأنصار، ثم من الأوس، وكلاهما سكن الكوفة، قاله في "الفتح" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ.
[فإن قلت]: قد سبق آنفًا أن سماع زهير عن أبي إسحاق بعدما اختلط، فلماذا أخرجه المصنّف من طريقه؟.
[قلت]: لم ينفرد به زهير عنه، بل تابعه سفيان الثوريّ، فرواه عنه، كما في السند التالي، وشعبة عند النسائيّ (٨٢٩)، وهما ممن أخذ عنه قبل اختلاطه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ) الْخَطميّ، منسوب إلى خَطْمَة -بفتح المعجمة، وإسكان الطاء- بطنٌ من الأوس، وكان عبد اللَّه المذكور أميرًا على الكوفة في زمن ابن الزبير، ووقع في رواية للبخاريّ أن أبا إسحاق قال: سمعت عبد اللَّه بن يزيد يخطب، وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب -﵄-، لكنه سمع هذا عنه بواسطة، قاله في "الفتح".
(قَالَ) أي عبد اللَّه بن يزيد (حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ) بن عازب -﵄- (وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ) الظاهر أنه من كلام عبد اللَّه بن يزيد، وعلى ذلك جَرَى الحميديّ في "جمعه"، وصاحب "العمدة"، لكن رَوَى عبّاس الدُّوريّ في "تاريخه" عن يحيى بن معين أنه قال: قوله: هو غير كذوب إنما يريد عبدَ اللَّه بن يزيد الراويَ
_________________
(١) ٢/ ٢١٣.
[ ١١ / ٩٢ ]
عن البراء، لا البراء، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-: غير كذوب، يعني أن هذه العبارة إنما تَحْسُنُ في مشكوك في عدالته، والصحابة كلُّهم عدول، لا يحتاجون إلى تزكية.
وقد تعقبه الخطابيّ، فقال: هذا القول لا يوجب تُهْمَةً في الراوي، إنما يوجب حقيقة الصدق له، قال: وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي، والعمل بما رَوَى، كان أبو هريرة -﵁- يقول: سمعت خليلي الصادق المصدوق -ﷺ-، وقال ابن مسعود -﵁-: حدَّثني الصادق المصدوق -ﷺ-.
وقال القاضي عياض، وتبعه النوويّ: لا وَصْمَ في هذا على الصحابة؛ لأنه لم يُرِد به التعديل، وإنما أراد به تقوية الحديث؛ إذ حدَّث به البراء، وهو غير مُتَّهَمٍ، ومثل هذا قول أبي مسلم الخولانيّ: حدَّثني الحبيب الأمين، وقد قال ابن مسعود، وأبو هريرة -﵄-، فذكرهما، قال: وهذا قالوه تنبيهًا على صحة الحديث، لا أنّ قائله قَصَد به تعديل راويه، وأيضًا فتنزيه ابن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته، ولم يُنَزِّه عن ذلك عبد اللَّه بن يزيد، لا وجه له، فإن عبد اللَّه بن يزيد معدود في الصحابة. انتهى كلامه.
وقد علمتَ أنه أخذ كلام الخطابيّ، فبسطه، واستَدْرَك عليه الإلزام الأخير، وليس بوارد؛ لأن يحيى بن معين لا يُثْبت صحبة عبد اللَّه بن يزيد، وقد نفاها أيضًا مصعب الزبيريّ، وتوقف فيها أحمد بن حنبل، وأبو حاتم، وأبو داود، وأثبتها ابن الْبَرْقيّ، والدارقطنيّ، وآخرون.
وقال النوويّ -﵀-: معنى الكلام: حدثني البراء، وهو غير مُتَّهَمٍ كما علمتم، فَثِقُوا بما أخبركم به عنه.
وقد اعتَرَض بعض المتأخرين على التنظير المذكور، فقال: كأنه لم يُلِمّ بشيء من علم البيان؛ للفرق الواضح بين قولنا: فلان صدوق، وفلان غير كذوب؛ لأن في الأول إثبات الصفة للموصوف، وفي الثاني نفي ضدّها عنه، فهما مفترقان، قال: والسرّ فيه أن نفي الضدّ كأنه يقع جوابًا لمن أثبته يخالف إثبات الصفة. انتهى.
والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الإثبات بالمطابقة، وفي النفي بالالتزام، لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين؛ لأن
[ ١١ / ٩٣ ]
كلًّا منهما يَرِد عليه أنه تزكية في حقّ مقطوع بتزكيته، فيكون من تحصيل الحاصل، ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدّم، من أن المراد بكلّ منهما تفخيم الأمر، وتقويته في نفس السامع.
وذكر ابن دقيق العيد: أن بعضهم استَدَلّ على أنه كلام عبد اللَّه بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه: سمعت عبد اللَّه بن يزيد، وهو يخطب، يقول: حدثنا البراء، وكان غير كذوب، قال: وهو مُحْتَمِلٌ أيضًا.
قال الحافظ -﵀-: لكنه أبعد من الأول، وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق، عن عبد اللَّه بن يزيد، وفيه قوله أيضًا: حدثنا البراء، وهو غير كذوب، أخرجه أبو عوانة في "صحيحه" من طريق محارب بن دثار، قال: سمعت عبد اللَّه بن يزيد على المنبر، يقول، فذكره، وأصله في مسلم -يعني الرواية الآتية بعد حديث- لكن ليس فيه قوله: وكان غير كذوب، وهذا يُقَوِّي أن الكلام لعبد اللَّه بن يزيد، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: ظاهر السياق يقتضي أنه من كلام عبد اللَّه بن يزيد في حقّ البراء، ورجّح ذلك الخطّابيّ وغيره، وقال ابن معين وغيره: إنما هو من قول أبي إسحاق في حقّ عبد اللَّه بن يزيد، وقالوا: إن الصحابة أجلّ من أن يوصفوا بنفي الكذب.
قال: وهذا ليس بشيء، ونفيُ الكذب صفة مدح لا ذمّ، وكذلك نفي سائر النقائص، وقد كان عليّ بن أبي طالب يقول: واللَّه ما كَذَبْتُ، ولا كُذِبْتُ، فنَفَى الكذب عن نفسه، وأشار إلى نفيه عمن أخبره، وهو رسول اللَّه -ﷺ-، وقالت عائشة -﵂- في حقّ عمر، وابن عمر: إنكم لتُحدِّثون عن غير كاذبين، ولا مكذَّبين، ولكنّ السمعَ يُخطئ.
وأبلغ من هذا أن اللَّه ﷿ ينفي عن نفسه النقائص والعيوب، كالظلم، وإرادته، والغفلة، والنسيان، وكذلك نفيه للشريك، والصاحبة، والولد، وليس في شيء من ذلك نقصٌ بوجهٍ ما.
وأيضًا فعبد اللَّه بن يزيد هو الْخَطميّ، وهو معدود من الصحابة، وله
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٢١٣.
[ ١١ / ٩٤ ]
رواية عن النبيّ -ﷺ-، فكيف حَسُنَ نفي الكذب عنه دون البراء، وكلاهما صحابيّ، وإن كان البراء أشهر منه، وأكثر روايةً، واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل من مجموع ما قالوا: أن الأرجح كون قوله: "وهو غير كذوب" من قول عبد اللَّه بن يزيد، والمراد به مجرّد تأكيد الرواية، لا تزكية الصحابيّ، ويُقَوّي ذلك ما جاء من طريق محارب بن دثار، عند أبي عوانة، كما سبق آنفًا.
لكن بقي أن يقال: إن نفي الكذوبيّة لا يستلزم نفي الكاذبيّة، أي إن نفي المبالغة في الكذب لا يستلزم نفي أصل الكذب وقليله، والمطلوب نفي مطلق الكذب، لا نفي المبالغة فيه.
وأجيب بأن المعنى أنه غير كاذب، فهو من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: رَوَى الطبرانيّ في مسند عبد اللَّه بن يزيد هذا شيئًا، يدُلُّ على سبب روايته لهذا الحديث، فإنه أخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بالكوفة، فكان الناس يَضَعُون رؤوسهم قبل أن يَضَع رأسه، ويرفعون قبل أن يرفع رأسه، فذكر الحديث في إنكاره عليهم، قاله في "الفتح" (^٢).
(أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا رَفَعَ) -ﷺ- (رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قال: سمع اللَّه لمن حمده، لم يَحْنِ أحدٌ منَّا"، وفي الرواية الآتية من طريق محارب بن دثار، عن عبد اللَّه بن يزيد: "فإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: سمع اللَّه لمن حمده، لم نزل قيامًا" (لَمْ أَرَ أَحَدًا) أي من الصحابة الذين يصلّون وراءه -ﷺ- (يَحْنِي ظَهْرَهُ) بفتح حرف المضارعة، وسكون الحاء المهملة، وكسر النون، أي يَثْنِي ويَعْطِفُ، يقال: حَنَيتُ الْعُودَ: إذا ثَنَيته، وفي رواية ابن أبي ليلى الآتية: "لا يحنو أحد منا ظهره" بالواو، وهو لغة صحيحة، يقال: حنيت، وحَنَوتُ بمعنى واحد.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٦/ ١٦٣.
(٢) ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
[ ١١ / ٩٥ ]
وجملة "يحني" في محلّ نصب حال من "أحدًا"؛ لأن رأى هنا بصريّة، لا علميّة، فتتعدّى لمفعول واحد، وهو "أحدًا".
[فإن قلت]: صاحب الحال لا يكون غالبًا إلا معرفة، فكيف جاء الحال من "أحدًا"، وهو نكرة؟.
[قلت]: جاز ذلك؛ لوقوعه بعد النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ إِنْ … لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِ امْرُؤٌ عَلَى امْرِئٍ مُسْتَسْهِلَا"
(حَتَّى يَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَبْهَتَهُ) قال الفيّوميّ: الْجَبْهة من الإنسان تُجمَعُ على جباه، مثلُ كلْبَة وكِلابٍ، قال الخليل: هي مُسْتَوَى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (^١). (عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَخُرُّ) من بابي ضرب، ونصر، قال في "القاموس": الْخَرُّ: السقوط، كالْخُرور، أو من عُلْوٍ إلى سُفْل، يَخِرُّ -أي بكسر الخاء- وَيخُرُّ -أي بضمها- انتهى (^٢)، ولم يذكر في "المصباح" إلا الكسر فقط (مَنْ وَرَاءَهُ) "من" بفتح الميم موصولة في محلّ رفع فاعلُ "يخرّ"، والظرف صلتها، وقوله: (سُجَّدًا) حال من "مَن وراءه"، وهو: جمع ساجد، كما قال في "الخلاصة":
وَفُعَّلٌ لِفَاعِلٍ وَفَاعِلَهْ … وَصْفَيْنِ نَحْوُ عَاذِلٍ وَعَاذِلَهْ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٦٧٠١ و١٠٦٨ و١٠٦٩ و١٠٧٠] (٤٧٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٩٠ و٧٤٧ و٨١١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٢٠ و٦٢١ و٦٢٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٨١)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٩٦)،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٩١.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ١٩.
[ ١١ / ٩٦ ]
و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٧١٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٧٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٤ و٢٨٥ و٢٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٠ و١٨٥١ و١٨٥٢ و١٨٥٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٤٦ و١٠٤٧ و١٠٤٨ و١٠٤٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٢٦ و٢٢٢٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٤٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أدب من آداب الصلاة، وهو أن السنّة أن لا ينحني المأموم للسجود حتى يضع الإمام جبهته على الأرض، قال النوويّ -﵀-: إلا أن يَعْلَم من حاله أنه لو أَخَّر إلى هذا الحدّ لرفع الإمام من السجود قبل سجوده، قال أصحابنا -يعني الشافعيّة- رحمهم اللَّه تعالى: في هذا الحديث وغيره ما يقتضي مجموعه أن السنّة للمأموم التأخر عن الإمام قليلًا، بحيث يَشْرَع في الركن بعد شروعه، وقبل فراغه منه. انتهى (^١)، وهو تحقيق حسن، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من الحرص على تطبيق السنّة، وامتثال أمر النبيّ -ﷺ-، حيث قال لهم: "أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف. . . " الحديث، أخرجه مسلم، وقد تقدّم برقم [٩٦٦] (٤٢٦).
٣ - (ومنها): أنّ ابن الجوزيّ: استدلّ به على أن المأموم لا يَشْرَع في الركن حتى يُتِمّه الإمام.
وتُعُقّب بأنه ليس فيه إلا التأخر، حتى يتلَبَّس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه، بحيث يَشْرَع المأموم بعد شروعه، وقبل الفراغ منه.
ووقع في حديث عمرو بن حريث -﵁- الآتي آخر الباب: "فكان لا يَحْنِي أحدٌ منّا ظهره حتى يستتم ساجدًا"، ولأبي يعلى من حديث أنس -﵁- حتى يتمكن النبيّ -ﷺ- من السجود، وهو أوضح في انتفاء المقارنة.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩١.
[ ١١ / ٩٧ ]
٤ - (ومنها): ما قيل: إنه يُستدلّ به على طول الطمأنينة، وفيه نظرٌ؛ لا دلالة له على ذلك، لكن الطمأنينة لها أدلّة كثيرة تدّل على وجوبها، قد تقدّم بيانها فيما مضى من الأبواب.
٥ - (ومنها): أنه يستدلّ به على جواز النظر إلى الإمام؛ لاتباعه في انتقالاته.
٦ - (ومنها): ما كتبه الحافظ ابن رجب -﵀- على هذا الحديث، وإن كان قد تقدّم حاصله، إلا أن فيه تفصيلًا لأقوال العلماء؛ لذا أحببت إيراده هنا، قال -﵀-:
وفي الحديث دليلٌ على أن المأموم يُتابع الإمام، وتكون أفعاله بعد أفعال الإمام، فإن البراء -﵁- أخبر أنهم كانوا إذا رفعوا من الركوع لم يَحْنِ أحدٌ منهم ظهره حتى يقع النبيّ -ﷺ- ساجدًا، ثم يسجدون بعده.
وفي رواية لمسلم في هذا الحديث: أنهم كانوا يُصلّون مع رسول اللَّه -ﷺ-، فإذا رفع رأسه من الركوع لم أر أحدًا يحني ظهره حتى يضع رسول اللَّه -ﷺ- جبهته على الأرض، ثم يخرّ مَن وراءه سُجّدًا.
وهذه صريحة في أنهم كانوا لا يُسرعون في السجود حتى يُنهيه النبيّ -ﷺ-، وقوله -ﷺ-: "إذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا" يدلّ على أن تكبير المأمومين من ركوعهم وسجودهم يكون عقب تكبيرة الإمام، وركوعه، وسجوده، لا معه، ولا قبله.
وفي حديث أبي موسى -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-: "فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم، فتلك بتلك"، رواه مسلم (^١).
وأكثر العلماء على أن الأفضل للمأموم أن يُتابع الإمام، فيركع، ويرفع، ويسجد، ويجلس بعد الإمام في ذلك، وكذلك كان يفعل أبو قلابة وغيره من السلف، وروَى وكيع بإسناده عن ابن مسعود -﵁- قال: "لا تبادروا أئمتكم، فإنما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فيكون أولّ من يركع، وأول من يسجد، وأول من يرفع"، وهو مذهب الشافعيّ، وأحمد، ورواية عن مالك.
_________________
(١) وقد سبق برقم (٤٠٤).
[ ١١ / ٩٨ ]
وإن وافقه في فعله معه كُره، وصَحّت صلاته عند أكثر أصحابنا -يعني الحنبليّة- والشافعيّة، ومن أصحابنا من أبطل الصلاة بذلك، ويُستثنى من ذلك صورتان:
إحداهما: تكبيرة الإحرام في ابتداء الصلاة، فإذا كبّر معه لم تنعقد صلاة المأموم عند ابن المبارك، والشافعيّ، وأحمد، وهو قول مالك، وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة، والثوريّ، والعنبريّ، ومحمد بن الحسن، وزُفرُ: تنعقد صلاته بذلك، وزاد الثوريّ عليهم، فقال: لو كبّر مع إمامه، وفرغ من تكبيره قبل فراغ إمامه جاز.
ومن الحنفيّة من جعل تكبيرة الإحرام شرطًا للصلاة، كالطهارة، والسِّتَارة (^١)، ولم يجعلها منها.
والصورة الثانية: إذا سلّم مع إمامه، فإنه يجوز مع الكراهة عند أكثر أصحابنا، والشافعيّة، ولهم وجهٌ آخر أنه لا يجوز، وحُكي عن مالك، قال بعض أصحابنا: وهذا قويّ على قول من يَعتبر النيّة للخروج.
وعن مالك في أصل متابعة المأموم لإمامه ثلاث روايات:
إحداهنّ: أنه يُستحبّ أن يكون عمله بعد عمل إمامه معاقبًا له، كقول الشافعيّ، وأحمد.
والثانية: أن عمل المأموم كلّه مع عمل الإمام، ركوعه، وسجوده، ورفعه، ما خلا الإحرام، والتسليم، فإنه يأتي المأموم بهما إلا بعد تكبيرة الإمام وسلامه، وقيل: إنها أصحّ الروايات عنه.
والثالثة: أنه يكون عمله مع الإمام، ما خلا ثلاثة أشياء: التحريم، والتسليم، والقيام من اثنتين، فإنه يكون بعده. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الأقوال معظمها مخالفة للنصوص، وإنما ذكرتها؛ لتُعلم، لا ليُعمل بها، فإن القول الذي يكون مخالفًا للنص لا يُلتفت إليه، فالواجب العمل بما دلّت عليه النصوص.
_________________
(١) أي ستر العورة.
(٢) "فتح الباري" للحافظ ابن رجب -﵀- ٦/ ١٦٣ - ١٦٥.
[ ١١ / ٩٩ ]
والحاصل أنه لا يَشْرَع المأموم في أيّ جزء من أجزاء الصلاة مطلقًا إلا بعد تأكّده من تلبّس الإمام بذلك الجزء، فعند ذلك يتبعه ويشاركه في أدائه مع تأخّره قليلًا في الابتداء.
وكذا لا يقارنه في الشروع فيه، كما يفعله جهلة المقلّدين للآراء الضعيفة المخالفة للنصوص، فضلًا أن يسابقه، كما يفعله الجهّال المغفّلون الذين نواصيهم بيد الشيطان، يتلاعب بهم كيف شاء، يرفعهم، ويضعهم، ويحرّضهم على الاستعجال والمسابقة.
وكذا لا يتأخّر عن الإمام أيضًا حتى يكمل الركن الذي انتقل إليه، وينتقل إلى الذي يليه، كما قاله ابن الجوزيّ في كلامه السابق، فإنه أيضًا مخالف للسنّة، فتبصر، ولا تكن أسير التقليد، فإنه متمسَّك البليد، وملجأ العنيد، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ، وَهُوَ غَيْرُ كَذُوبٍ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَاجِدًا، ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ) هو: محمد بن خلّاد بن كثير، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) على الصحيح (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ، متقنٌ، حافظ، إمامٌ، قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ إمام حجة، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
[ ١١ / ١٠٠ ]
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو إسحاق" هو: عمرو بن عبد اللَّه السبيعيّ.
وقوله: (سَاجِدًا) منصوب على الحال من "رسول اللَّه -ﷺ-".
وقوله: (ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ) أي ننزل إلى الأرض بعده -ﷺ-، ساجدين، فقوله: "سُجودًا": جمع ساجد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٦٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمٍ الْأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا رَكَعَ رَكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، لَمْ نَزَلْ قِيَامًا، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ (^١) فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ نَتَّبِعُهُ) (^٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْمِ الْأَنْطَاكِيُّ) هو: محمد بن عبد الرحمن بن حكيم بن سَهْم الأَنْطاكيّ، ثقةٌ يُغْرَب [١٠].
رَوَى عن الوليد بن مسلم، وعيسى بن يونس، وأبي إسحاق الفَزَاريّ، وبَقِيَّة، وابن المبارك، ومعتمر بن سليمان، وجماعة.
ورَوَى عنه مسلم، وإبراهيم بن عبد اللَّه بن الجنيد، وأبو بكر بن أبي الدنيا، وعبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن يونس الضبيّ، والحسين بن إسحاق التَّسْتُريّ، وموسى بن هارون، وعمر بن سعد بن سنان الطائيّ، وعليّ بن أحمد بن النضر، وغيرهم.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال الخطيب: كان ثقةً، قال أبو القاسم: مات بأنطاكية سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
_________________
(١) وفي نسخة: "جبهته".
(٢) وفي نسخة: "ثُمَّ نَتْبَعُهُ".
[ ١١ / ١٠١ ]
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث (^١)، برقم (٤٧٤) و(١٧٤٠) و(١٩١٠) و(٢٢٧٦) و(٢٨٢٩).
٢ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ) هو: إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حِصْن بن حُذيفة بن بَدْر الفزاريّ، أبو إسحاق الكوفيّ، نزيل الشام، وسكن الْمِصِّيصَة، ثقةٌ حافظٌ له تصانيفُ [٨] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٣ - (أبو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ) هو: سليمان بن فيروز الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٤ - (مُحَارِبُ بْنُ دِثَارِ) بن كُردُوس بن قرواش بن جعونة بن سلمة بن صخر بن ثعلبة بن سَدُوس السَّدُوسيّ، أبو دثار، ويقال: أبو مُطَرّف، ويقال: أبو كردوس، ويقال: أبو النضر الكوفي القاضي، وقيل: إنه ذُهْليّ، ثقة إمامٌ زاهدٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وعبد اللَّه بن يزيد الْخَطْميّ، وجابر، وعُبيد بن البراء بن عازب، والأسود بن يزيد النخعيّ، وعبد اللَّه وسليمان ابني بُريدة، وصِلَة بن زُفَر، وعمران بن حِطّان، وغيرهم.
وروى عنه عطاء بن السائب، وأبو إسحاق الشيبانيّ، والأعمش، وشريك، وسعيد بن مسروق، وعاصم بن كُليب، ويونس بن أبي إسحاق، وأبو سِنَان ضِرَار بن مُرّة، وزُبيد بن الحارث الياميّ، وشعبة، وزائدة، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، وزاد أبو زرعة: مأمون، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال سعيد بن سماك بن حرب، عن أبيه: كان أهل الجاهلية إذا كان في الرجل سِتّ خِصال سَوَّدوه: الحلم، والصبر، والسخاء، والشجاعة، والبيان، والتواضع، ولا يَكْمُلن في الإسلام إلا بالعفاف، وقد كَمُلن في هذا الرجل، يعني محارب بن دثار، وقال الثوريّ: ما يُخَيَّل إليّ أني
_________________
(١) هكذا في برنامج الحديث، ونقل في "تهذيب التهذيب" ٩/ ٢٦٤ عن "الزهرة" أن مسلمًا رَوَى عنه تسعة أحاديث، والأول هو الظاهر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ١٠٢ ]
رأيت زاهدًا أفضل من محارب، وقال ابن سعد: كان من المرجئة الأولى الذين يرجئون عليًّا وعثمان، ولا يشهدون فيهما بشيء، وله أحاديث، ولا يَحتجون به.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قول ابن سعد هذا: "ولا يُحتجّون به" بعد أن سبق أقوال المحقّقين فيه، نظير ما سبق في ترجمة أبي إسحاق الفزاريّ، فتنبّه.
وقال عبد اللَّه بن إدريس، عن أبيه: رأيت الحكم، وحمادًا في مجلس قضاء محارب، قال الذهبيّ: وفي إدراك ابن عيينة له نظرٌ، فلعله أرسل عنه شيئًا، وهو حجةٌ مطلقًا، وقال ابن حبان: كان من أفرس الناس، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان، والدارقطنيّ: ثقة.
قال ابن سعد وغيره: مات في ولاية خالد بن عبد اللَّه، وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة، وقال خليفة: مات في آخر ولاية خالد، وعُزِل خالد سنة عشرين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٣) حديثًا.
والباقيان سبقا في السند الماضي.
وقوله: (عَلَى الْمِنْبَرِ) أي خطيبًا عليه.
وقوله: (لَمْ نَزَلْ قِيَامًا) أي قائمين، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم الفاعل.
وقوله: (قَدْ وَضَعَ وَجْهَهُ) وفي نسخة: "جبهته".
وقوله: (ثُمَّ نَتَّبِعُهُ) بفتح النون، وتشديد التاء المثنّاة، افتعال من التبع، وفي نسخة: "نَتْبعه" بسكون التاء، مضارع تَبع ثلاثيًّا، من باب تعب، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْن نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ (^١) وَغَيْرُهُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي
_________________
(١) وفي نسخة: "أبانٌ" بالصرف في الموضعين، وقد سبق أنه يجوز فيه الصرف وعدمه، فتنبّه.
[ ١١ / ١٠٣ ]
لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَا يَحْنُو (^١) أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى نَرَاهُ قَدْ سَجَدَ، فَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْكُوفِيُّونَ: أَبانُ وَغَيْرُهُ، قَالَ: حَتَّى نَرَاهُ يَسْجُدُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبَانُ) بن تَغْلب، أبو سعد الكوفيّ، ثقةٌ، تُكُلّم فيه للتشيّع [٧] (ت ١٤٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٢.
والباقون تقدّموا قريبًا، فزهير تقدّم قبل ثلاثة أبواب، ومحمد بن عبد اللَّه بن نمير، وسفيان بن عيينة تقدّما قبل باب، والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: قال النوويّ -﵀-: هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطنيّ، وقال: الحديث محفوظ لعبد اللَّه بن يزيد، عن البراء، ولم يقل أحد: عن ابن أبي ليلى غير أبان بن تغلب، عن الحكم، وقد خالفه ابن عَرْعَرة، فقال: عن الحكم، عن عبد اللَّه بن يزيد، عن البراء، وغير أبان أحفظ منه، هذا كلام الدارقطنيّ.
وهذا الاعتراض لا يُقْبَل، بل أبان ثقة، نَقَلَ شيئًا، فوجب قبوله، ولم يَتَحَقَّق كذبه وغلطه، ولا امتناع في أن يكون مرويًّا عن ابن يزيد، وابن أبي ليلى، واللَّه أعلم. انتهى كلام النوويّ (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: انتقد الدارقطنيّ -﵀-، ولكن يجاب بأن المصنّف -﵀- إنما أورده على سبيل الاستشهاد والمتابعة، وقد يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، وهذا أولى مما قاله النوويّ -﵀-، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) وفي نسخة: "لا يحني".
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩١.
[ ١١ / ١٠٤ ]
وقوله: (حَدَّثَنَا؛ أَبَانُ وَغَيْرُهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف غيره (^١).
وقوله: (لَا يَحْنُو) بالواو تقدّم أنه لغة في الياء، ووقع في نسخة بالياء، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في هذه الرواية الأخيرة من روايات البراء -﵁- "يحنو" بالواو، وباقي رواياته، ورواية عمرو بن حريث بعدها كلها بالياء، وكلاهما صحيح، فهما لغتان حكاهما الجوهريّ وغيره: "حَنَيْتُ"، و"حَنَوْتُ"، لكن الياء أكثر، ومعناه: عطفته، ومثله حَنَيْتُ العودَ، وحَنَوْته: عَطَفتُهُ. انتهى (^٢).
وقوله: (قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ إلخ) يعني أن زهير بن حرب قال في روايته: حدّثنا سفيان، ولم ينسبه إلى أبيه، بدل قول ابن نمير: "حدّثنا سفيان بن عيينة"، فنسبه إليه.
وقوله: (أَبَانُ وَغَيْرُهُ) بدل من قوله: "الكوفيّون"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧١] (٤٧٥) - (حَدَّثَنَا (^٣) مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، أَبُو أَحْمَدَ، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ سَرِيعٍ، مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْفَجْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾، وَكَانَ لَا يَحْنِي رَجُلٌ مِنَّا ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ سَاجِدًا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُحْرِزُ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ) الهلاليّ، أبو الفضل البغداديّ، كان جدّه أبو عون عبد الملك بن يزيد أمير مصر، صدوقٌ [١٠].
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ١٢٩.
(٢) "شرح النووي على صحيح مسلم" ٤/ ١٩١.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ١٠٥ ]
رَوَى عن أخيه مختار بن عون، ومالك، ومسلم بن خالد، وخَلَف بن خليفة، وعبد اللَّه بن إدريس، وفَرَج بن فَضَالة، وفضيل بن عياض، والعَطّاف بن خالد، ورِشْدين بن سعد، وإبراهيم بن سعد، وغيرهم.
ورَوَى عنه مسلم، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن إبراهيم الدَّوْرقيّ، ويحيى بن معين، ومحمد بن عبد الرحيم البزار، وإبراهيم بن الجنيد، وغيرهم.
قال عبد اللَّه بن أحمد: سألت ابن معين عن مُحرز بن عون؟ فقال: ليس به بأس ثقةٌ، وقال إبراهيم بن الجنيد، عن ابن معين: كان شيخًا صدوقًا لا بأس به، وقال صالح بن محمد: ثقة، وقال مرّةً: لا بأس به، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال ابن قانع: بغداديٌّ ثقةٌ، وقال ابن سعد: حدَّث، وكتب عنه الناس كثيرًا، وكان ثقةً ثبتًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال حاتم بن الليث الجوهريّ: وُلِد سنة أربع وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وله سبع وثمانون سنة، وفيها أَرّخه موسى بن هارون، والبغويّ.
تفرّد به المصنّف، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٧٥) وحديث (١٤٠٨): "نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- أن تُنْكَح المرأة على عمّتها. . . ".
٢ - (خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ الْأَشْجَعِيُّ، أَبُو أَحْمَدَ) الكوفيّ، نزيل واسط، ثم بغداد، صدوق اختلط في الآخر، وادَّعَى أنه رأى عمرو بن حُريث الصحابيّ، فأنكر عليه ذلك ابن عيينة، وأحمد [٨] (ت ١٨١) على الصحيح (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٣/ ٥٩٢.
٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ سَرِيعٍ (^١)، مَوْلَى آلِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) الكوفيّ، صدوقٌ [٤] (م س) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٢٨.
٤ - (عَمْرُو بْنُ حُرَيْثِ) بن عمرو بن عثمان بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، صحابيّ صغير، مات -﵁- سنة (٨٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٢٨.
_________________
(١) بفتح السين المهملة، وكسر الراء.
[ ١١ / ١٠٦ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٦٠) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، غير شيخه، فبغداديّ.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ) بالتصغير -﵁- أنه (قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْفَجْرَ) أي صلاة الفجر (فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦)﴾) أي السورة التي فيها هذه الآية، وتقدم في (٣٦/ ١٠٢٨) بلفظ: "سمع النبيّ -ﷺ- يقرأ في الفجر ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ ".
قال النوويّ -﵀-: قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)﴾ قال المفسرون، وأهل اللغة: هي النجوم الخمسة، وهي المشتري، وعُطارد، والزُّهَرَة، والْمِرِّيخ، وزُحَل (^١)، هكذا قال أكثر المفسرين، وهو مرويّ عن علي بن أبي طالب -﵁-، وفي رواية عنه: أنها هذه الخمسة، والشمس، والقمر، وعن الحسن: هي كلُّ النجوم، وقيل: غير ذلك، و﴿الْخُنَّسِ﴾: التي تَخْنِس (^٢)، أي ترجع في مَجراها، و﴿الْكُنَّسِ﴾: التي تَكْنِس (^٣): أي تدخل في كِنَاسها (^٤)، أي تغيب في المواضع التي تغيب فيها، و﴿الْكُنَّسِ﴾ جمع كانس، كراع ورُكَّع، واللَّه تعالى أعلم بالصواب. انتهى (^٥).
وذكر الإمام ابن كثير -﵀- في "تفسيره" أقوالًا في معنى الآية، فقيل: النجوم تَخْنِس بالنهار، وتظهر بالليل، قال: وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: "الخنّس"، أي في حال طلوعها، ثم هي جَوَارٍ في فَلَكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنّس"، من قول العرب: أَوَى الظبي إلى كناسه: إذا تغيّب فيه، وقيل: هي الظباء، وقيل: هي بقر الوحش حين تكنس في حجرتها، ثم
_________________
(١) قال في "القاموس": وخُنُوسها أنها تغيب كما يخنُسُ الشيطان إذا ذُكر اللَّه. انتهى.
(٢) من باب ضرب ونصر خُنوسًا. اهـ. "ق".
(٣) من باب ضرب.
(٤) "كناس الظبي" بكسر الكاف: بيته.
(٥) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٢.
[ ١١ / ١٠٧ ]
قال: وتوقّف ابن جرير في المراد بها، هل هي النجوم، أو الظباء، وبقر الوحش؟ قال: ويَحْتَمِل أن يكون الجميع مرادًا. انتهى (^١).
(وَكَانَ لَا يَحْنِي) تقدّم أنه يجوز فيه الواو أيضًا، فيقال: "لا يحنو"، أي لا يَثني، وقوله: (رَجُلٌ) مرفوع تنازعه كلّ من "كان"، و"يَحني"، فأُعمل الثاني؛ لقربه عند البصريين، والأول؛ لتقدّمه عند الكوفيين، قال في "الخلاصة":
إِنْ عَامِلَانِ اقْتَضَيَا فِي اسْمٍ عَمَلْ … قَبْلُ فَلِلْوَاحِدِ مِنْهُمَا الْعَمَلْ
وَالثَّانِ أَوْلَى عِنْدَ أَهْلِ الْبَصْرَهْ … وَاخْتَارَ عَكْسًا غَيْرُهُمْ ذَا أَسْرَهْ
وقوله: (مِنَّا) متعلّق بصفة لـ "رجلٌ" (ظَهْرَهُ، حَتَّى يَسْتَتِمَّ) النبيّ -ﷺ- بوضع جبهته حال كونه (سَاجِدًا) والمعنى: حتى يسجد سجودًا تامًّا.
قال في "القاموس": أَتَمَّهُ، وتَمَّمَهُ، واستتمّه وتَمّ به، وعليه: جعله تامًّا، وتمام الشيء، وتَمامته، وتَتِمّته: ما يَتِمُّ به، وقال أيضًا: تَمَّ يَتِمُّ تَمًّا وتَمَامًا مثلّثتين، وتَمَامة، ويُكسر. انتهى (^٢).
والحديث هذا من أفراد المصنّف -﵀-، وتقدّم تخريجه في (٣٦/ ١٠٢٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.