وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٨] (٦٤٥) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ عَمْرٌو (^١): حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن سفيان، قال عمرو".
[ ١٤ / ١٢٥ ]
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) عن (٧٤) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) بن أبي عمران الهلاليّ، أبو محمد الكوفيّ، نزيل مكة، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمامٌ، رأس [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) بنت الصدّيق -﵄-، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من الزهريّ، وسفيان مكيّ، وأبو بكر كوفيّ، والباقيان بغداديّان.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة، وعائشة -﵂- المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ) قال النوويّ -﵀-: صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه، واختُلِف في تأويله وتقديره، فقيل: تقديره: نساء
[ ١٤ / ١٢٦ ]
الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن "نساء" هنا بمعنى الفاضلات، أي فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم: أي فضلاؤهم، ومقدموهم. انتهى (^١). (كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ، مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي الرواية التالية: "لقد كان نساء المؤمنات يشهدن الفجر مع رسول اللَّه -ﷺ- (ثُمَّ يَرْجِعْنَ) أي إلى بيوتهنّ (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالعين المهملة بعد الفاء: أي متجلّلات، ومتلفّفات، وهو منصوب على الحال من "نساء المؤمنات"، اسم فاعل من التَّلَفُّع -بالفاء والعين المهملة- أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل العين، والأكثرون على خلافه.
قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يَشتمل به حتى يُجَلِّل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب؛ لأنه لم يرفع جانبًا منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ: الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاع: وهو المِلْفَع أيضًا.
وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاع الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء، وقال أبو عمرو: وهو الكساء، وعن صاحب "العين": تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته.
وفي "شرح الموطأ": التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف به، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفُّف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه.
وفي "المحكم": الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لِحَافٍ، أو قِنَاعٍ، وفي "المُغِيث": وقيل: اللِّفَاع: النطع، وقيل: الكساء الغليظ. وفي "الصحاح": لَفَّعَ رأسه تَلْفِيعًا: أي غطاه، قاله في "العمدة" (^٢).
(بِمُرُوطِهِنَّ) أي بأكسيتهنّ، وهو: جمع مِرْط -بكسر الميم- قال القزاز: المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط، وقيل: يكون المِرْطُ كِساءً من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان، وفي "المحكم": وقيل: هو الثوب الأخضر،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٤٣.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٨٩.
[ ١٤ / ١٢٧ ]
وفي "مجمع الغرائب": أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة، وقال ابن الأعرابي: هو الإزار، وقال النضر بن شميل: لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خَزّ أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء، وقال عبد الملك بن حبيب في "شرح الموطأ": هو كساء صوف رقيق، خفيف، مربع، كُنّ النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن، أفاده في "العمدة".
(لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ) أي من شدّة الغَلَس، قال في "الفتح": قال الداوديّ: لا يُعْرَفن أنساء هنّ أم رجال؟، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصًا خاصة.
وقيل: لا يُعْرَف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب، وضعّفه النوويّ؛ لأن المتلفعة في النهار، لا تُعْرَف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة.
قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن عدم معرفتهنّ لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بيانًا للواقع.
قال: وتعقب -يعني كلام النوويّ- بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر؛ لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغَطّى.
وقال الباجيّ: هذا يدل على أنهن كنّ سافرات؛ إذ لو كن متغطيات لمنع تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه؛ لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالبًا ففيه ما سلف. انتهى (^١).
قال الصنعانيّ: نعم قد يسلم للحافظ مُدّعاه فيمن تطول مصاحبته من الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قال الصنعانيّ -﵀- في سودة: "مع أنها
_________________
(١) "فتح الباري" ٢/ ٦٦ - ٦٧.
[ ١٤ / ١٢٨ ]
كانت متلفعة" نظر؛ لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يُعْلَم كونها متلفعة، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٥٨ و١٤٥٩ و١٤٦٠] (٦٤٥)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٣٧٢)، و"المواقيت" (٥٧٨)، و"الأذان" (٨٦٧ و٨٧٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٢٣)، و(الترمذيّ) فيها (١٥٣)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٤٥)، وفي "الكبرى" (١٥٢٨)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٦٩)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ٥)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٥٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٥٩)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٧٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٢٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٧٨ و١٧٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٥٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٤٩٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣ و١٠٩٤ و١٠٩٥ و١٠٩٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣١ و١٤٣٢ و١٤٣٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه خلاف العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): بيان جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل مع الرجال، وليس في الحديث ما يدلّ على كونهن عُجُزًا، أو شوابّ، وكَرِهَ بعضهم الخروج للشوابّ، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو
[ ١٤ / ١٢٩ ]
على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهمّ من جلب المصالح. انتهى (^١).
وقال الحافظ -﵀-: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى؛ لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن فتنة. انتهى.
قال الصنعانيّ -﵀-: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر؛ لظهور محاسنهن، ولذا كان نساؤه -ﷺ- لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلًا، كما أفاده حديث عائشة في قصة الإفك. انتهى، وستأتي المسألةُ في بابها -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة.
وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف، قاله في "الفتح".
قال الصنعانيّ -﵀-: رواية البخاريّ التي ذكرناها أولًا، ورواية مسلم -يعني قوله: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الفجر متلفعات بمروطهن"- يدل لما قاله ذلك البعض؛ لأنه جعل متلفعات حالًا من فاعل شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى الروايات ليست على اللفظ -يعني رواية النسائي- إلا أنه قد يقال: من أين يلزم منه تغطية الأنف والفم؟ إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أصرح الروايات في ذلك رواية النسائيّ بلفظ: "كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول اللَّه -ﷺ- الصبح متلفعات بمروطهنّ"، فهذه رواية صريحة في كون الصلاة مع التلفع، فالظاهر جواز صلاتها مختمرةً؛ لظاهر هذا النصّ، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في التغليس بصلاة الصبح:
_________________
(١) "العدة حاشية العمدة" ٢/ ٧٠.
(٢) "العدة" ٢/ ٢٢.
[ ١٤ / ١٣٠ ]
ذهب أكثرهم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان، وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة -﵁-، ونقله الحازميّ عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز، وبه قال الأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء.
وذهب بعضهم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعيّ، والثوريّ، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيٍّ، وأكثر العراقيين، وهو مرويّ عن عليّ، وابن مسعود -﵄-.
قال النوويّ: احتَجّ هؤلاء بحديث رافع بن خَدِيج -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر"، رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود: "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر".
وعن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: "ما رأيت رسنول اللَّه -ﷺ- صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين: جمع بين المغرب والعشاء بجمع -يعني بالمزدلفة- وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"، رواه البخاريّ، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا بها، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا بها، قالوا: ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل.
واحتَجَّ الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول اللَّه تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت؛ لأنه إذا أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصلاة تُحَصّل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وبحديث عائشة -﵂- هذا، وهو مُتَّفقٌ عليه، وبحديث أبي برزة -﵁- المذكور في هذا الباب، وفيه: "وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل إلى وجه جليسه الذي يعرف، فيعرفه، قال: وكان يقرأ فيها بالستين إلى المائة"، مُتّفق عليه.
[ ١٤ / ١٣١ ]
وبحديث جابر -﵁- الآتي بعد هذا قال: "والصبح كان النبيّ -ﷺ- يصليها بغلس"، مُتَّفق عليه.
وبحديث أنس -﵁- قال: "تسحّر نبيّ اللَّه -ﷺ-، وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي اللَّه -ﷺ-، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية"، رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه.
وعن سهل بن سعد -﵁- قال: "كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول اللَّه -ﷺ-"، رواه البخاريّ.
وعن أبي مسعود البدريّ -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات لم يَعُدْ إلى أن يسفر"، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابيّ: هو صحيح الإسناد.
وعن مغيث بن سُمَيّ، قال: "صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى بغلس، وكان يُسْفِرُ بها، فلما سلّم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، وأبي بكر، وعمر، فلما قُتل عمر أسفر بها عثمان -﵁-"، قال الترمذيّ في "كتاب العلل": قال البخاريّ: هذا حديث حسن.
وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج -﵁-، فمن وجهين:
أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سَفَرت المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله -ﷺ-: "فإنه أعظم للأجر"؛ لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل، وقيل: يَحْتَمِل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتيقن فيها القجر إلا باستظهار في الإسفار.
والثاني: ذكره الخطابيّ أنه يَحْتَمِل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين
[ ١٤ / ١٣٢ ]
الفجر الأول، والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم.
فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله -ﷺ-: "إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله أجر".
وأما الجواب عن حديث ابن مسعود -﵁- فمعناه أن النبيّ -ﷺ- صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ الْمُحْدِث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة الجماعة، ويتسع به وقت النافلة: إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول الوقت، ولهذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يُغَلِّس بالفجر، ذكر هذا كلّه النوويّ -﵀- في "شرح المهذّب" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسُّفٌ ظاهر، وأحسن الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث الإسفار معناه مَدّ القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس، والخروج في الإسفار.
قال العلامة ابن القيّم -﵀- بعد ذكر حديث رافع بن خَدِيج -﵁- ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداءً، فيدخل فيها مُغَلِّسًا، ويخرج مُسْفِرًا؛ كما كان يفعله -ﷺ-، فقوله موافق لفعله، لا مناقضٌ له، وكيف يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟!. انتهى.
وهذا هو الذي اختاره الطحاويّ في "شرح معاني الآثار"، وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول اللَّه -ﷺ-،
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذب" ٣/ ٥١ - ٥٤ نُقل عنه بتصرف يسير.
[ ١٤ / ١٣٣ ]
وأصحابه -﵃-، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن (^١). انتهى.
وأصرح حديث يدلّ على هذا الجمع: ما أخرجه النسائيّ من حديث أنس -﵁-، وفيه". . . . ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر"، ولفظ أحمد في "مسنده" (^٢): ". . . والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر"، ففيه دلالة على أنه كان يدخل في الغلس، ويمدّ القراءة إلى أن يُسْفِرَ، واللَّه تعالى أعلم.
والحاصل أن أرجح المذهبين في هذه المسألة مذهب الجمهور، وهو أن الأفضل في صلاة الصبح التغليس؛ لقوة أدلّته، ولأنه واظب عليه النبيّ -ﷺ-، وأبو بكر، وعمر بعده، ولأن فيه العمل بالحديثين جميعًا، حيث يُحمل حديث الإسفار على مدّ القراءة حتى يسفر الصبح، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ، يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، وَمَا يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسِ رَسُولِ اللَّهِ بِالصَّلَاةِ).
قد تقدّم هذا الإسناد بعينه في أول الباب الماضي، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) هكذا عزا الطحاويّ هذا المذهب إليهم، لكن المشهور عند الحنفيّة أنهم يقولون باستحباب الإسفار دخولًا وخروجًا، انظر: "الدرّ المختار" مع حاشية "ردّ المحتار" ١/ ٣٨٢، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) راجع: "المسند" ٣/ ١٢٩ و١٦٩.
[ ١٤ / ١٣٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتَلَفِّفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، طُلِب للقضاء، فامتنع [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (إِسْحَاق بْنُ مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ) الْخَطْميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢.
٣ - (مَعْن) بن عيسى بن يحيى الأشجعيّ مولاهم، أبو يحيى القزّاز المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب مالك، من كبار [١٠] (ت ١٩٨) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦٣.
٤ - (مَالِك) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين.
٥ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٦ - (عَمْرَةُ) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصاريّة المدنيّة، ثقةٌ، أكثرت عن عائشة -﵂-[٣] ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها (ع) تقدمت في "شرح المقدمة" جـ ٢ ص ٤١٧.
٧ - (عَائِشَةَ) -﵂- تقدمت في الباب.
وقوله: (إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) "إن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوفًا، أي إنه كان. . . إلخ.
وقوله: (مُتَلَفِّعَاتٍ) بالفاء والعين المهملة، من التلفّع، وهو تغطية الرأس والجسد.
وقوله: (بِمُرُوطِهِنَّ) جمع: مِرْط بكسر الميم: وهو الكساء.
وقوله: (مَما يُعْرَفْنَ) بالبناء للمفعول.
[ ١٤ / ١٣٥ ]
وقوله: (مِنَ الْغَلَسِ) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل، قال الأزهريّ: الغَلَسُ: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، وفي "القاموس" و"الصحاح": الغَلَس محركةً: ظلمةُ آخر الليل (^١).
فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله في "الفتح" (٢/ ٦٧).
وقوله: (وقَالَ الْأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ) هو إسحاق بن موسى، شيخه الثاني.
(مُتَلَفِّفَاتٍ) بفاءين: ومعناه: متغطّيات، والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦١] (٦٤٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (^٢)، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ (^٣) الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ، كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا، أَوْ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
_________________
(١) راجع: "العدة حاشية العمدة" للصنعانيّ ٢/ ١٧ بتصرف.
(٢) وفي نسخة: "محمد بن جعفر، عن شعبة".
(٣) وفي نسخة: "قال: قدم الحجاج".
[ ١٤ / ١٣٦ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الْعَنزيّ، أبو موسى البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (ابْنُ بَشَّارٍ) هو: محمد بن بشار بُنْدَار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسْطام البصريّ واسطيّ الأصل، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمام عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٦ - (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، قاضي المدينة، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٥) وقيل: بعدها، وهو ابن (٧٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) بن أبي طالب، الهاشميّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، أمه رَمْلَة بنت عَقِيل بن أبي طالب، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن عمّة أبيه زينب بنت علي، وابن عباس، وجابر.
وروى عنه سعد بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، وأبو الْجَحّاف داود بن أبي عوف، وعبد اللَّه بن ميمون.
قال أبو زرعة، والنسائيّ، وابن خراش: ثقةٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عند جميعهم حديثان فقط، هذا الحديث، وحديث: "ليس من البرّ الصوم في السفر" (^١).
٨ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
_________________
(١) سيأتي للمصنّف برقم (١١١٥).
[ ١٤ / ١٣٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ لاختلافهم في صيغ الأداء، فالأول قال: "حدّثنا غندرٌ، عن شعبة"، فذكر شيخه بلقبه، وعنعن في سبعة، والأخيران قالا: "حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة"، ذكرا شيخهما باسمه، وصرّحا بالتحديث في شعبة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، ومحمد بن عمرو، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخيه: ابن المثنّى، وابن بشّار من المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أن نصف السند الأول مسلسلٌ بالبصريين، سوى أبي بكر، فكوفيّ، ونصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين.
٥ - (ومنها): أن فيه: روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ: سعد عن محمد، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ) بن أبي طالب، وفي رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة التالية، عن سعد، سمع محمد بن عمرو بن الحسن (قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ) جواب "لَمّا" محذوف، تقديره: أخّر الصلوات، وفي الرواية التالية: "كان الحجّاج يؤخّر الصلوات"، وفي نسخة: "قال: قَدِم الحجّاج" بإسقاط "لَمّا".
و"الْحَجّاج -بفتح الحاء المهملة، وتشديد الجيم، آخره جيم- هو: ابن يوسف الثقفيّ، قال الحافظ -﵀-: وزعم الكرمانيّ أن الرواية بضم أوله، قال: وهو جمع حاجّ. انتهى. وهو تحريف بلا خلاف، فقد وقع في رواية أبي عوانة في "صحيحه" من طريق أبي النضر، عن شعبة: "سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة"، وفي رواية مسلم من طريق معاذ، عن شعبة: "كان الحجّاج يؤخر الصلوات".
[ ١٤ / ١٣٨ ]
(الْمَدِينَةَ) أي النبويّة، وكان قدوم الحجاج إليها أميرًا عليها من قِبَلِ عبد الملك بن مروان سنة (٧٤) وذلك عَقِبَ قتل ابن الزبير، فَأمَّرَهُ عبد الملك على الحَرَمَينِ، وما معهما، ثم نقله بعد هذا إلى العراق، قاله في "الفتح" (^١).
(فَسَأَلْنَا) عطف على جواب "لَمّا" المقدّر (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) لم يُبَيَّن المسؤول عنه ما هو؟ وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت الصلاة، وكيف كان النبيّ -ﷺ- يصلي فيها؟، وقد جاء مفسرًا في رواية أبي عوانة المتقدمة، حيث قال: "سألنا جابر بن عبد اللَّه في زمن الحجاج، وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة" (فَقَالَ) جابر -﵁- (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بالْهَاجِرَةِ) هي شدّة الحرّ، والمراد بها نصف النهار بعد الزوال، سميت بها؛ لأَن الهجرة هي الترك، والناس يتركون التصرّف حينئذ لشدّة الحرّ؛ لأجل القيلولة وغيرها، قاله في "العمدة" (^٢).
قال العلامة ابن دقيق العيد -﵀- ما حاصله: هذا يدلّ على تقديمها في أول الوقت، فإنه قد قيل في الهاجرة والهَجِيرِ: إنهما شدّة الحرّ وقُوَّتُهُ، ويعارضه ظاهر قوله -ﷺ-: "إذا اشتدّ الحرّ، فأبردوا".
ويمكن الجمع بينهما بأن يكون أطلق اسم الهاجرة على الوقت الذي بعد الزوال مطلقًا، فإنه قد يكون فيه الهاجرة في وقت، فيطلق على الوقت مطلقًا بطريق الملازمة، وإن لم يكن وقت الصلاة في حرّ شديد، وفيه بُعْد، وقد يقرب بما نُقِل عن صاحب "العين"، أن الْهَجِير والهاجرة نصف النهار، فإذا أخذ بظاهر هذا الكلام كان مطلقًا على الوقت. انتهى (^٣).
والذي ارتضاه العلامة الصنعانيّ -﵀- في "حاشيته" أن يقال: إن أحاديث التهجير منسوخة كما قال أحمد، ودلّ له حديث المغيرة -﵁-، وأنه كان أول الأمر صلاته بالهاجرة، ثم نسخه بالإبراد، وهو خاصّ بأيام شدة الحرّ.
وقد يقال: إن الصحابيّ إذا عبَّر بعبارة تدلّ على أن هِجّيرَاهُ وعادته كان
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥٠.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٥٦.
(٣) "إحكام الأحكام" ٢/ ٢٣ - ٢٤.
[ ١٤ / ١٣٩ ]
التهجيرَ بالصلاة، فمراده الأغلبُ ذلك؛ إذ أيام شدّة الحرّ قليلة بالنسبة إلى خلافها في المدينة. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- (^١)، وهو جمع حسن، واللَّه تعالى أعلم.
(وَ) كان يصلي (الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ) وفي رواية النسائيّ: "والشمس بيضاءُ نقيّةٌ"، والجملة في محلّ نصب على الحال، والرابط الواو، ومعنى نَقِيَّةٌ: خالصةٌ صافيةٌ، لم يدخلها بَعْدُ صفرةٌ، ولا تغيرٌ.
(وَ) كان يصلي (الْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ) أي غابت الشمس، وأصل الوجوب السقوط، كما سبق، وحُذف ذكر الشمس؛ للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال ابن رجب -﵀-: وجوبها سقوطها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦]، والمعنى: إذا سقط قُرص الشمس، وذهب في الأرض، وغاب عن أعين الناس. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": المراد سقوط قرص الشمس، وفيه دليلٌ على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محلّه ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربةً، وبين الرائي حائل. انتهى (^٤).
(وَالْعِشَاءَ) مفعول مقدّم لـ "يؤخّرها"، وقوله: (أَحْيَانًا) ظرف له، وهو بفتح الهمزة: جمع حِينٍ، وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان، على المشهور، وهو المراد هنا، وإن كان جاء بمعنى أربعين سنة، وبمعنى ستة أشهر، قاله في "العمدة" (^٥).
(يُؤَخِّرُهَا، وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ) بحذف المفعول، أي يعجّلها، والمعنى: أنه -ﷺ- كان يصلي العشاء في أوقات مختلفة، يقدِّم في بعضها، ويؤخِّر في بعضها، ثم بيّن معنى قوله: "أحيانًا يعجّل" بقوله: (كَانَ إِذَا رَآهُمْ) أي رأى الصحابة -﵃- (قَدِ اجْتَمَعُوا) في المسجد لصلاتها (عَجَّلَ) صلاة العشاء.
_________________
(١) "العدة حاشية العمدة" ٢/ ٢٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٤٥ - ١٤٦.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٣٥١.
(٤) "الفتح" ٢/ ٥٠.
(٥) "عمدة القاري" ٥/ ٥٧.
[ ١٤ / ١٤٠ ]
والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة اجتمعوا عجّل بصلاة العشاء؛ لأن في تأخيرها تنفيرًا لهم.
وبيّن معنى قوله: "أحيانًا يؤخّرها" بقوله: (وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا) من الإبطاء رباعيًّا، أي تأخروا عن الحضور (أَخَّرَ) صلاة العشاء، والمعنى: أنه إذا رأى الجماعة تأخّروا أخّر صلاة العشاء؛ ليحرزوا فضيلة الجماعة، وفي رواية للبخاريّ: "إذا كثر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، ونحوه لأبي عوانة في روايةٍ.
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: إذا تعارض في شخص أمران: أحدهما أن يُقَدِّم الصلاة في أول الوقت منفردًا، أو يؤخِّرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل، وحديث الباب يدلّ عليه؛ لقوله: "وإذا رآهم أبطئوا أخَّر"، فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم.
قال الحافظ -﵀-: ورواية: "إذا كَثُر الناس عَجّل، وإذا قَلُّوا أَخَّر"، تدلّ على أخصّ من ذلك، وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم، ولا يخفى أن محلّ ذلك ما إذا لم يفحُش التأخير، ولم يَشُقّ على الحاضرين. انتهى (^١).
(وَالصُّبْحَ) منصوب على الاشتغال، أي وكان يصلّي الصبح (كَانُوا) خبرها محذوف؛ لدلالة ما بعده عليه، أي كانوا يصلّونها، وقوله: (أَوْ قَالَ) "أو" للشكّ من الراوي، أي أو قال الراوي: (كَانَ النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ) بفتحتين: ظلمة آخر الليل.
ولفظ البخاريّ: "والصبحَ كانوا، أو كان النبيّ -ﷺ- يصلّيها بغلس"، قال الكرمانيّ: الشك من الراوي عن جابر -﵁-، ومعناهما متلازمان؛ لأن أيّهما كان يَدْخُل فيه الآخر، إن أراد النبيّ -ﷺ-، فالصحابة في ذلك كانوا معه، وإن أراد الصحابة فالنبيّ -ﷺ- كان إمامهم، أي كان شأنه التعجيل لها دائمًا لا كما كان يصنع في العشاء، من تعجيلها، أو تأخيرها.
وخبر "كانوا" محذوفٌ يدلّ عليه قوله: "يصليها"، أي كانوا يصلون.
وقال ابن بطال: ظاهره أن الصبح كان يصلّيها بغلس اجتَمَعوا، أو لم
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥١.
[ ١٤ / ١٤١ ]
يجتمعوا، ولا يفعل فيها كما يفعل في العشاء، وهذا من أفصح الكلام، وفيه حذفان: حذف خبر "كانوا"، وهو جائزٌ، كحذف خبر المبتدأ في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾: أي فعدتهن مثل ذلك، ثلاثة أشهر، والحذف الثاني حذف الجملة التي هي الخبر؛ لدلالة ما تقدّم عليه، وحذف الجملة التي بعد "أو" مع كونها مقتضيةً لها.
وقال السفاقسيّ: تقديره: "أو لم يكونوا مجتمعين"، ويصحّ أن تكون "كان" تامّةً، غير ناقصة، فتكون بمعنى الحضور والوقوع، ويكون المحذوف ما بعد "أو" خاصّةً.
وقال ابن الْمُنَيِّر: يَحْتَمِل أن يكون شكًّا من الراوي، هل قال: كان النبيّ -ﷺ-، أو كانوا، ويَحْتَمِل أن يكون تقديره: والصبح كانوا مجتمعين مع النبيّ، أو كان النبيّ -ﷺ- وحده يصليها بغلس.
قال العينيّ بعد ذكر هذا كلّه: الأوجه ما قاله الكرمانيّ، وقول كلّ واحد من الثلاثة لا يخلو عن تعسّف، لا يخفى ذلك على المتأمّل. انتهى (^١).
وقال الحافظ بعد ذكر نحو ما تقدّم: والتقدير المتقدِّم (^٢) أولى، والحقّ أنه شكّ من الراوي، فقد وقع في رواية مسلم: "والصبح كانوا، أو قال: كان النبيّ -ﷺ-"، وفيه حذف واحد، تقديره: والصبح كانوا يصلونها، أو كان النبيّ -ﷺ- يصليها بغلس، فقوله: "بغلس" يتعلق بأيّ اللفظين كان هو الواقع، ولا يلزم من قوله: "كانوا يصلونها" أن النبيّ -ﷺ- لم يكن معهم، ولا من قوله: "كان النبيّ -ﷺ-" أنه كان وحده، بل المراد بقوله: "كانوا يصلونها"، أي النبيّ -ﷺ- بأصحابه، وهكذا قوله: "كان النبيّ -ﷺ- يصليها"، أي بأصحابه. انتهى (^٣)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٥٧.
(٢) يعني تقدير الكرمانيّ.
(٣) "الفتح" ٢/ ٥١.
[ ١٤ / ١٤٢ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦١ و١٤٦٢] (٦٤٦)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٦٠ و٥٦٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٧)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٥٢٧)، وفي "الكبرى" (١٥٠٥)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٧٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٣ و٣/ ٣٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٢٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٤٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أوقات الصلوات الخمس.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العشاء، وهو مقيَّد بما إذا اجتمع الناس؛ كما هو المنصوص عليه في الحديث وإلا فالتأخير أولى، كما تقدم بيانه.
٣ - (ومنها): بيان التعجيل بصلاة الظهر، وهذا محمول أيضًا على غير شدة الحرّ، أو محمول على أول الأمر، ثم جاء الأمر بالإبراد، وهذا هو الأولى.
٤ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وهو قول الجمهور، وهو الحقّ، خلافًا للحنفية، وقد سبق تحقيق ذلك مفصّلًا.
٥ - (ومنها): استحباب التعجيل بصلاة المغرب دائمًا.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من اهتمامهم بسؤال أهل العلم عما يُشكل عليهم، ولا سيّما الأمور المهمّة، كأوقات الصلوات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: كَانَ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ الصَّلَوَاتِ، فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ).
[ ١٤ / ١٤٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ غُنْدَرٍ) يعني أن معاذ بن معاذ حدّث عن شعبة بمثل ما حدّث به غندر عنه.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ هذه لم أجد من ساقها بتمامها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٣] (٦٤٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَل أَبَا بَرْزَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: كَانَ لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا، قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؛ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ، قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ، فَسَأَلْتُهُ؟ فَقَالَ: وَكَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ، فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الَّذِي يَعْرِفُ فَيَعْرِفُهُ، قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) هو: يحيى بن حبيب بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
[ ١٤ / ١٤٤ ]
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد بن سُليم الْهُجَيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج المذكور في السند الماضي.
٤ - (سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ) الرِّيَاحيّ، أبو الْمِنهال البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٦.
٥ - (أَبُو بَرْزَةَ) نَضْلة بن عُبيد الأسلميّ الصحابيّ المشهور بكنيته، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، ثم نزل البصرة، وغزا خراسان، ومات بها سنة (٦٥) على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٦/ ١٠٣٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- مشهور بكنيته، وليس في الكتب الستّة من يشاركه في هذه الكنية، ولا في اسمه نَضْلَة بن عُبيد، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ الرياحيّ: أنه (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) أي: سلامة -بتخفيف اللام-، قال الحافظ -﵀-: وسلامة والد سَيّار حَكَى عنه ولده هنا، ولم أجد من ترجمه، وقد وقعت لابنه عنه رواية في "معجم الطبرانيّ الكبير" في ذكر الحوض، وفي رواية البخاريّ من طريق عوف الأعرابيّ، عن سيّار، قال: "دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلميّ، فقال له أبي. . . "، وزاد الإسماعيليّ: "زَمَنَ أُخرج ابن زياد من البصرة"، قال الحافظ -﵀-: وكان ذلك سنة (٦٤). انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٣.
[ ١٤ / ١٤٥ ]
وقال في "العمدة": وقال الإسماعيليّ: "لما كان زمنَ أُخرِج ابن زياد، ووَثَبَ مروان بالشام، قال أبو المنهال: انطلَقَ أبي إلى أبي بَرْزة، وانطلقت معه، فإذا هو قاعد في ظلّ عِلوٍ له من قصب في يوم شديد الحر. . . " فذكر الحديث. انتهى (^١).
(يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ) ببناء الفعل للفاعل، "وأبا" مفعول به، والجملة في محل نصب على الحال من "أبي"، على رأي الجمهور، أو مفعول ثان على رأي من يقول إن "سَمع" تعمل عمل "ظَنّ"، على ما هو مقرر في محله.
(عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي المكتوبة، ففي رواية البخاريّ: "فقال له أبي: كيف كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي المكتوبة؟ ".
والمراد: عن الأوقات التي كان يصلي فيها المكتوبة، ويداوم عليها.
(قَالَ) شعبة (قُلْتُ) لسيّار (آنْتَ سَمِعْتَهُ؟) بمدّ الهمزة، أصله أأنت سمعته؟ بهمزة الاستفهام، يعني أن شعبة قال لسيّار مستوثقًا سماعه من أبيه: أأنت سمعت أباك يسأل أبا برزة -﵁-؟.
(قَالَ) شعبة (فَقَالَ) سيّار (كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ) أي سمعته يسأله كسماعي لكلامك في هذه الساعة، وفي رواية النسائيّ: "كما أسمعك الساعة"، وعليه فـ "ما" على الأول كافّة لـ "كأنّ"، وعلى الثاني مصدرية، والفعل في تأويل المصدر مجرور بالكاف، و"الساعة" منصوب على الظرفية متعلق بـ "أسمع"، هذا على جعل "سمع" ثلاثيًّا من السماع.
ويَحْتَمِل أن يكون من الإسماع رباعيًّا، وعليه يكون المعنى: كما أُسْمِعك كلامي، والأول أظهر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) سيّار (سَمِعْتُ أَبِي) سلامةَ (يَسْأَلُهُ) أي أبا برزة -﵁- (عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) الظاهر أن جملة "قال: سمعت أبي. . . إلخ" تأكيد للأولى (فَقَالَ) أبو برزة -﵁- (كَانَ) -ﷺ- (لَا يُبَالِي) أي لا يهتم، ولا يَكْتَرِث، يقال: لا أُباليه، ولا أُبالي به: أي لا أهتم به، ولا أَكْتَرِث له، ولم أُبَالِ، ولم أُبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: "لا أُبَالِيهِ بَالَةً"، والأصل
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ٣٤.
[ ١٤ / ١٤٦ ]
بَالِيَةً، مثل عافاه مُعافاة، وعافية، قالوا: ولا تستعمل إلا مع الجحد، والأصل فيه قولهم: تَبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى "لا أبالي": لا أبادر، إهمالا له، وقال أبو زيد: ما باليت مُبالاةً، والاسم البِلاءُ، وزانُ كِتَاب، وهو الهم الذي تُحَدِّث به نفسك، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
(بَعْضَ تَأْخِيرِهَا) بالنصب، مفعولًا لـ "يبالي"، وأصل الكلام: كان لا يبالي بتأخير العشاء بعض التأخير (قَالَ: يَعْنِي الْعِشَاءَ) أي يَقْصِد أبو برزة بالضمير في "تأخيرها" العشاء، والعناية من بعض الرواة؛ سَيّارٍ، أو غيرِهِ (إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ) وفي الرواية التالية: "كان رسول اللَّه -ﷺ- لا يبالي بعض تأخير صلاة العشاء نصف الليل -ثم قال-: أو ثلث الليل" وفي لفظ: "يؤخّر العشاء إلى ثلث الليل"، فتبيّن بهذا أنه لا يصل إلى نصف الليل حقيقةً، وإنما هو قبله، فلا يصحّ الاستدلال به على امتداد وقت العشاء بعد نصف الليل، فتنبّه (وَلَا) نافية، ولذا رفع قوله: (يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا) أي لما فيه من التعرّض لتفويتها، وهذا لمن لا يجد موقظًا، أو يستغرقه النوم حتى يفوت العشاء، وإلا فلا بأس بالنوم قبلها؛ لحديث ابن عمر -﵄- المتقدّم: "أن رسول اللَّه -ﷺ- شُغِل عنها ليلةً، فأخرها، حتى رقدنا في المسجد، ثم استيقظنا، ثم رقدنا، ثم استيقظنا. . . " الحديث متفق عليه.
وقال القرطبيّ -﵀-: أما كراهة النوم قبلها فلما يُخاف من غلبة النوم، فيفوت وقتها، أو أفضل وقتها المستحسن، وقال بهذا جماعة، منهم ابن عمر، وابن عباس، وغيرهم، وهو مذهب مالك، ورخَّص فيه بعضهم، منهم عليّ، وأبو موسى، وغيرهم، وهو مذهب الكوفيين، واشترط بعضهم أن يَجعل معه من يوقظه للصلاة، ورُوي عن ابن عمر مثله، وإليه ذهب الطحاويّ. انتهى (^٢).
(وَلَا) يُحبّ أيضًا (الْحَدِيثَ بَعْدَهَا) أي حديث الناس، أي المحادثَةَ، وهذا إذا لم يكن الحديث في أمر مهمّ، وإلا فقد ثبتٌ من حديث عمر -﵁-: "أن النبيّ -ﷺ- كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين، وأنا معهما". حَسّنه الترمذيّ.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٧١.
[ ١٤ / ١٤٧ ]
ومن حديث أنس -﵁-: أنه -ﷺ- خطبهم بعد العشاء، فقال: "ألا إنّ الناس قد صَلَّوا، ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة"، متفق عليه.
ومن حديث ابن عمر -﵄- قال: صَلَّى النبيّ -ﷺ- صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام، فقال: "أرأيتكم ليلتكم هذه. . . "، الحديث، متفق عليه.
والحاصل أن الحديث المكروه هو الحديث الذي لا فائدة فيه، وإنما كرهه لكونه يؤدي إلى ترك قيام الليل، أو للاستغراق في الحديث، ثم يستغرق في النوم، فيخرج وقت الصبح.
وكان عمر رضي اللَّه تعالى عنه يضرب الناس على ذلك، ويقول: أسمرًا أول الليل، ونومًا آخره؟.
قال الحافظ -﵀-: وإذا تقرّر أن علة النهي ذلك، فقد يُفَرِّق فارق بين الليالي الطوال والقصار، ويمكن أن تُحْمَل الكراهة على الإطلاق حسمًا للمادّة؛ لأن الشيء إذا شُرع لكونه مظنة قد يستمرّ، فيصير مَئِنّة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: حمله على الإطلاق هو المتعيِّن؛ لإطلاق النصّ، ولا بدّ أيضًا من تقييد إباحة الأمر المهمّ بما لا يؤدي إلى ما ذُكِر من التفويت لطوله، وما ثبتٌ عنه -ﷺ- لا يؤدي إليه؛ إذ ليس طويلا، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ -﵀-: وأما كراهة الحديث بعدها، فلما يؤدّي إليه من السهر، ومخافة غلبة النوم آخر الليل، فينام عن قيام آخر الليل، وربما ينام عن صلاة الصبح، قال: ويظهر لي أن كراهة ذلك إنما هو لما أن اللَّه جعل الليل سكنًا، أي يُسْكَنُ فيه، فإذا تحدّث الإنسان فيه، فقد جعله كالنهار الذي هو مُتصَرَّف المعايش، فكأنه قصد إلى مخالفة حكمة اللَّه تعالى التي أجرى عليها وجوده.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٨٧.
[ ١٤ / ١٤٨ ]
وقيل: يكره ذلك؛ لئلا نلغو في كلامنا، أو نخطئ فيه، فيُختم عملنا بعمل سيّئ، أو بقول سيّئ، والنوم أخو الموت، أو لعله يكون فيه الموت، واللَّه تعالى أعلم.
وقيل: كُره ذلك؛ لتُراح الْكَتَبةُ الكرام، وقد كان بعض السلف يقول لمن أراد أن يتحدّث بعد العشاء: أريحوا الكَتَبة.
وهذه الكراهة تختصّ بما لا يكون من قبيل القُرَب والأذكار، وتعلّم العلم، ومسامرة أهل العلم، وتعلّم المصالح، وما شابه ذلك، فقد ورد عن النبيّ -ﷺ-، وعن السلف ما يدلّ على جواز ذلك، بل على ندبيّته، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم آنفًا تقييد عدم كراهة ما ذُكر من القرب ونحوه بعدم طوله المؤدّي إلى تفويت شيء مما شُرع من التهجّد، وصلاة الوتر آخر الليل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) من الظروف المبنية على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونية معناها، أي بعدما حَدَّثني بهذا الحديث على الوجه المذكور (فَسَأَلْتُهُ) أي عن صلاة الظهر، وكأن شعبة اكتفى عن سؤال وقت العشاء باللقاء الأول، وكأنه كان هو المطلوب بالسؤال في تلك الساعة، وفي اللقاء الثاني سأل عن وقت الظهر (فَقَالَ) أبو برزة (وَكَانَ) -ﷺ- (يُصَلِّي الظّهْرَ) أي صلاة الظهر (حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ) أي تميل عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وفيه إشارة إلى أنه كان يصلي الظهر في أول الوقت، ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد؛ لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد، أو قبل الأمر بالإبراد، أو عند فقد شروط الإبراد؛ لأنه مختصّ بشدة الحرّ، أو لبيان الجواز.
وقد يَتَمَسَّك من قال: إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن تقديمه من طهارة، وسَتْر، وغيرهما قبل دخول الوقت، قال الحافظ -﵀-: ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب، فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٧١.
[ ١٤ / ١٤٩ ]
عند في خول الوقت بغير أسباب الصلاة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي قاله الحافظ هو التحقيق الصحيح، واللَّه تعالى أعلم.
(وَالْعَصْرَ) أي يصلّي صلاة العصر (يَذْهَبُ الرَّجُلُ) أي بعد الفراغ من الصلاة، كما يدلّ عليه السياق؛ لأن الحديث مسوق لتحديد الوقت الذي يصلي فيه النبيّ -ﷺ- (إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ) أي أبعد محلّ في المدينة، وجملة "يذهب" في محل نصب على الحال، أي يصلي العصر، والحال أنه يذهب الرجل الذي صلى معه إلى أبعد محل في المدينة، فيصل إليه (وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل "يصل"، ومعنى "حيّةٌ" أي بيضاءُ نقيّةٌ، فحياة الشمس عبارة عن بقاء حرّها لم يتغير، وبقاء لونها لم يتغير، وإنما يدخلها التغير بدنوها إلى الغروب، كأنه جعل مغيبها موتًا لها، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال الزين ابن الْمُنَيِّر -﵀-: المراد بحياتها قوّة أثرها حرارةً ولونًا وشُعاعًا وإنارةً، وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشيء. انتهى.
وفي "سنن أبي داود" بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين، قال: حياتها أن تجد حرّها. انتهى (^٣).
(قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لَا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ) "المغربَ" بالنصب مفعول مقدم لقوله "ذَكَرَ"، و"أَيَّ" بالنصب على الظرفية، لإضافتها إلى الظرف، متعلق بـ "ذَكَر"، أي لا أعلم في أيّ وقت ذكر صلاة المغرب، وفي رواية البخاريّ: "ونسيتُ ما قال في المغرب"، وقائل ذلك هو سيار بن سلامة، كما بيّنه أحمد في روايته، عن حجاج، عن شعبة، عنه، قاله في "الفتح".
والمعنى: أن سيارًا نَسِي ما ذكره أبو برزة -﵁- في وقت صلاته -ﷺ- للمغرب.
(قَالَ) شعبة (ثُمَّ لَقِيتُهُ) أي سيّارًا (بَعْدُ) أي بعد هذه المساءلة (فَسَأَلْتُهُ) عن حديث أبي برزة استثباتًا أيضًا (فَقَالَ) سيّار (وَكَانَ) -ﷺ- (يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٣ - ٣٤.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ٢٨.
(٣) "الفتح" ٢/ ٣٤.
[ ١٤ / ١٥٠ ]
الرَّجُلُ) أي يسلم من الصلاة (فَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ) فَعِيل بمعنى فاعل، أي مَن يجالسه، أي الشخص الذي بجنبه، ففي رواية الْجَوْزقيّ من طريق وهب بن جرير، عن شعبة: "فينظر الرجل إلى جليسه، إلى جنبه، فيعرف وجهه" (الَّذِي يَعْرِفُ) صفة لجليسه، وعائده محذوف، أي يعرفه (فَيَعْرِفُهُ) فيه دليلٌ على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس، وقد صَرّح بأن ذلك كان عند فراغ الصلاة، ومن المعلوم من عادته -ﷺ- ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيه مُغَلّسًا.
وادَّعَى الزين ابن الْمُنَيِّر أنه مخالف لحديث عائشة -﵂- المتقدّم، حيث قالت في النساء اللاتي يُصلين مع النبيّ -ﷺ-: "فينصرفن لا يُعْرَفْنَ من الغَلَس".
وتُعُقِّب بأن الفرق بينهما ظاهر، وهو أن حديث أبي برزة -﵁- متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي، فهو ممكن، وحديث عائشة -﵂- متعلق بمن هو مُتَلَفِّف مع أنه على بُعْدٍ، فهو بعيد، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَ) أبو برزة -﵁- (وَكَانَ) -ﷺ- (يَقْرَأُ فِيهَا) أي في صلاة الصبح (بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ) يعني من الآي، أي يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين الستين والمائة، وقدّرها في رواية الطبراني بـ "سورة الحاقة"، ونحوها.
وقد تقدّم في "باب القراءة في الصبح" رقم [٣٦/ ١٠٣٦] من طريق خالد الحذّاء، عن أبي المنهال، وهو سيّار بلفظ: "يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آيةً"، ونحوه في رواية للبخاريّ أيضًا، وأشار الكرمانيّ إلى أن القياس أن يقول: "ما بين الستين والمائة"؛ لأن لفظ "بين" يقتضي الدخول على متعدد، قال: ويَحْتَمِل أن يكون التقدير: ويقرأ ما بين الستين، وفوقها إلى المائة، فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه، قاله في "الفتح"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) ٢/ ٣٤.
[ ١٤ / ١٥١ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي برزة الأسلميّ -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٤٦٣ و١٤٦٤ و١٤٦٥] (٦٤٧)، و(البخاريّ) في "المواقيت" (٥٤١ و٥٤٧ و٥٦٨ و٥٩٩)، و"الأذان" (٧٧١)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٣٩٨)، و(الترمذيّ) فيها (١٦٨)، و(النسائيّ) في "المواقيت" (٤٩٥ و٥٢٥ و٥٣٠ و٩٤٨)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٦٧٤)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٢٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢١٣١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢٠ و٤٢٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٤٦ و٥٣٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٠٧٩ و١٠٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣٥ و١٤٣٦)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ١٧٨ و١٨٥ و١٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٥٠ و٤٥٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٥٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب التبكير بصلاة الصبح في أول وقتها.
٢ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة الظهر، عند زوال الشمس عن وسط السماء، وهو مقيَّد بما إذا لم يشتدّ الحرّ؛ لأنه ورد الأمر بالإبراد فيه.
٣ - (ومنها): بيان استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة، فقال بتأخيرها، والأحاديث الصحيحة تردّ عليه، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، ودثه الحمد والمنّة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على معرفة عبادة رسول اللَّه -ﷺ-؛ ليمكنهم الاقتداء به، فكانوا يسألون الصحابة -﵃ - عن ذلك؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
٥ - (ومنها): بيان عناية المحدثين بالفحص عن سماع من حدثهم، حيث قال شعبة لشيخه: أنت سمعته؟.
[ ١٤ / ١٥٢ ]
٦ - (ومنها): بيان استحباب تأخير العشاء إلى ثلث الليل، أو نصفه، والأول هو الأولى؛ لأن أكثر الروايات على الثلث، ولحديث: "ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط" رواه مسلم، وقد مرّ تحقيق القول فيه في موضعه، وللَّه الحمد والمنّة.
٧ - (ومنها): بيان كراهة النوم قبلها؛ لما فيه من التعرض لتفويتها، وهذا لمن ليس له موقظ أو نحوه.
قال النوويّ -﵀- في "شرحه": قال العلماء: وسبب كراهة النوم قبلها أنه يُعَرِّضها لفوات وقتها باستغراق النوم، أو لفوات وقتها المختار والأفضلِ، ولئلا يتساهل الناس في ذلك، فيناموا عن صلاتها جماعةً. انتهى.
٨ - (ومنها): بيان كراهة الحديث بعدها، قال النوويّ -﵀-: وسبب كراهة الحديث بعدها أنه يؤدي إلى السهر، ويخاف منه غلبة النوم عن قيام الليل، أو الذكر فيه، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز، أو في وقتها المختار، أو الأفضل، ولأن السهر في الليل سبب للكسل في النهار عما يتوجه من حقوق الدين والطاعات، ومصالح الدنيا.
قال العلماء: والمكروه من الحديث بعد العشاء، هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة فيها، أما ما فيه مصلحة وخير فلا كراهة فيه، وذلك كمدارسة العلم، وحكايات الصا لحين، ومحادثة الضيف، والعروس للتأنيس، ومحادثة الرجل أهله وأولاده للملاطفة والحاجة، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم أو أنفسهم، والحديث في الإصلاح بين الناس، والشفاعة إليهم في خير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإرشاد إلى مصلحة، ونحو ذلك، فكل هذا لا كراهة فيه، وقد جاءت أحاديث صحيحة ببعضه، والباقي في معناه، وقد تقدّم كثير منها في هذه الأبواب، والباقي مشهور.
ثم كراهة الحديث بعد العشاء، المراد بها بعد صلاة العشاء، لا بعد دخول وقتها، واتَّفَق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، كما ذكرناه.
وأما النوم قبلها، فكرهه عمر، وابنه، وابن عباس، وغيرهم من السلف، ومالك، وأصحابنا -رحمهم اللَّه تعالى أجمعين- ورَخَّص فيه عليّ، وابن
[ ١٤ / ١٥٣ ]
مسعود، والكوفيون -رحمهم اللَّه تعالى أجمعين- وقال الطحاويّ: يُرَخَّص فيه بشرط أن يكون معه من يوقظه، ورُوي عن ابن عمر مثله. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): بيان استحباب التغليس بصلاة الصبح، ولا ينافي ذلك ما ورد من الأمر فيها بالإسفار؛ لأن المراد من الإسفار أن يمد بصلاة الفجر إلى أن يُسْفِر، ومعنى ذلك أنه يبدأ بالغلس، ثم يُطيل القراءة، حتى يُسفر، وبه يحصل الجمع بين الحديث، كما مرّ البحث فيه مستوفًى قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُبَالِي بَعْضَ تَأَخِيرِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ (^٢) إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ لَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، وكلّهم تقدّموا في السند الماضي، والذي قبله.
وقوله: (أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ) شكّ من سيّار، هل قال أبو برزة -﵁-: "إلى نصف الليل، أو ثلثه"، هكذا في رواية معاذ عن شعبة بالشكّ، وتقدّم في رواية خالد بن الحارث، عن شعبة: "إلى نصف الليل" بالجزم، وكذا يأتي في رواية حماد بن سلمة، عن أبي المنهال بلفظ: "إلى ثلث الليل" بالجزم، وكذا هو عند أحمد في "مسنده" من رواية حجاج، عن شعبة (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٤٦ - ١٤٧.
(٢) وفي نسخة: "بعض تأخير العشاء".
(٣) ونصّه: (١٩٣١٠) حدّثنا حجاج، حدّثنا شعبة، عن سيار بن سلامة، قال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة، فسألناه عن وقت صلاة رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: كان يصلي الظهر حين تزول الشمس، والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة، والشمس حية، والمغرب قال سيار: نسيتها، والعشاء لا يبالي بعض تأخيرها إلى ثلث =
[ ١٤ / ١٥٤ ]
فتبيّن بهذا أن رواية الئلث أرجح، وأما رواية النصف على تقدير صحّتها فلا بدّ من تأويلها بكون المراد قرب النصف؛ لتوافق ما ثبت من تحديد آخر وقت العشاء بنصف الليل، كما في حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا سُويدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ، أَبِي الْمِنْهَالِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَيَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْمِائَةِ إِلَى السِّتِّينَ، وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ) أبو الوليد الكوفيّ العابد، ثقةٌ، من كبار [١٠].
رَوَى عن حماد بن سلمة، وزُهير بن معاوية الحمصيّ، وأنس بن حيّ، وأبي عوانة، وغيرهم.
ورَوى عنه أحمد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن نمير، وعَبْدة بن عبد اللَّه الصفّار، وسفيان بن وكيع، وعلي بن حرب الطائيّ، وجماعة.
قال النسائيّ، وابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وكان رجلًا صالحًا متعبدًا.
_________________
(١) = الليل، وكان لا يحب النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان يصلي الصبح، فينصرف الرجل، فيعرف وجه جليسه، وكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة، قال سيار: لا أدري في إحدى الركعتين، أو في كلتيهما. انتهى. وحجاج: هو ابن محمد الأعور المصّيصيّ.
[ ١٤ / ١٥٥ ]
ونقل ابن خلفون، عن العجليّ أنه قال: مات سُويد سنة ثلاث أو أربع ومائتين، قال: ولم يكن بالكوفة أروى عن زهير بن معاوية منه، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ذكر الحافظ في "تهذيب التهذيب" كلام ابن حبّان، ولم يتعقّبه، وهذا منه عجيبٌ، إذ مفاده أن سويدًا من الوضّاعين، فإن لم يُرد ابن حبّان بهذا غير سويد المترجم هنا، فلا يُلتفت إليه، فإن سُويدًا قد وثقه من هو أعلم بشأن الرجال من ابن حبّان، ولا سيّما ابن معين، والنسائيّ، فكيف يُقبل كلامه فيه؟ فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
[تنبيه]: أخرج الإمام أحمد -﵀- رواية حماد بن سلمة هذه في "مسنده"، فقال:
(١٩٣٠١) حدّثنا يونس (^١)، حدّثنا حماد بن سلمة، عن سيّار بن سلامة، عن أبي برزة الأسلميّ، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يؤخر العشاء الآخرة إلى ثلث الليل، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، وكان يقرأ في الفجر ما بين المائة إلى الستين، وكان ينصرف حين ينصرف، وبعضنا يعرف وجه بعض. انتهى.
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هو: يونس بن محمد المؤدّب البغداديّ المتوفّى سنة (٢٠٧ هـ).
[ ١٤ / ١٥٦ ]