وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٢] (٤٧٦) - (حَدَّثَنَا (^٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٤/ ٦٤١ - ٦٤٢.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٨٣.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ١٠٨ ]
لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ (^١)، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) عن (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (وَكِيع) بن الْجَرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مهران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٥ - (عُبَيْدُ بْنُ الْحَسَنِ) الْمُزَنيّ، ويقال: الثَّعْلبيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن عبد اللَّه بن أبي أوفى، وعبد الرحمن بن مُغَفَّل، وعبد الرحمن بن مَعْقِل بن مُقَرِّن.
وروى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، وقيس بن الربيع، ومِسْعَر، وأبو الْعُميس، وآخرون.
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال أبو داود: قال يحيى بن سعيد: عبيدٌ أبو الحسن ممن لم يدركه سفيان من مشايخ الكوفيين، قال أبو داود: وسفيان يقول: أدركناه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقةٌ حجةٌ.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وابن ماجه، وله عندهم هذا الحديث
_________________
(١) وفي نسخة: "ملء السماء".
[ ١١ / ١٠٩ ]
فقط، وله عند أبي داود أيضًا حديث آخر في لحوم الحمر الأهلية.
٦ - (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) هو: عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسمه علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رِفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم بن أفصَى بن حارثة الأسلمي، أبو إبراهيم، وبه جزم البخاريّ، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو معاوية، صحابيّ، ابن صحابيّ -﵄-، وشَهِدَ عبد اللَّه بيعة الرضوان، ثم نزل الكوفة ومات بها.
رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعنه إبراهيم بن عبد الرحمن السَّكْسَكِيُّ، وإبراهيم بن مسلم الْهَجَريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، والحكم بن عُتيبة، وسالم أبو النضر فيما كتب إليه، وسلمة بن كُهيل، والأعمش -يقال: مرسل- وطارق بن عبد الرحمن البجلي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعبد اللَّه، ويقال: محمد بن أبي الْمُجَالد، وعُبيد بن الحسن، وعدي بن ثابت، وعطاء بن السائب، وعمرو بن مرة، وفائد أبو الورقاء، والقاسم بن عوف الشيباني، ومَجْزأة بن زاهر، والوليد بن سَرِيع، ويحيى بن عَقِيل، وأبو آدم المحاربي، وأبو إسحاق الشيباني، وأبو المختار الأسدي، وأبو يعفور العبدي، وشَعْثاء الكوفية.
وأخرج أحمد عن يزيد، عن إسماعيل: رأيت على ساعد عبد اللَّه بن أبي أوفى ضربة، فقال: ضُربتها يوم حُنين، فقلت: أشهدت حُنينًا؟ قال: نعم، وقبل ذلك. وفي "الصحيح" عن عمرو بن مرّة قال: سمعت ابن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة. وفي "الصحيح" عنه قال: غزوت مع النبيّ -ﷺ- ست غزوات نأكل الجراد، وفي روأية: سبع غزوات، قال سفيان وعطاء -هو ابن السائب-: رأيت عبد اللَّه بن أبي أوفى بعدما ذهب بصره (^١).
قال يحيى بن بكير وغيره: مات سنة ست وثمانين، وقال البخاري عن أبي نعيم: مات سنة (٨٧)، وقال الذهليّ عن أبي نعيم: مات سنة سبع أو ثمان وثمانين.
قال عمرو بن علي: وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، وهو أخو زيد بن أبي أوفي، لكن منع ذلك أبو أحمد العسكري وغيره، وفي "كتاب
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٤/ ١٦ - ١٧.
[ ١١ / ١١٠ ]
الجهاد" من البخاري ما يدلّ على أنه شهد الخندق (^١).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٧) حديثًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعبيد بن الحسن، فتفرّد به هو، وأبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الأعمش، عن عبيد بن الحسن.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات من الصحابة بالكوفة، كما مرّ آنفًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد اللَّه (بْنِ أَبِي أَوْفَى) -﵄- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهُ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: معنى سَمِعَ هنا: أجاب، ومعناه: أن مَن حَمِدَ اللَّه تعالى متعرِّضًا لثوابه، استجاب اللَّه تعالى له، وأعطاه ما تَعَرَّض له، فإنا نقول: ربنا لك الحمد؛ لتحصيل ذلك، قاله النوويّ (^٢).
(مِلْءُ السَّمَاوَاتِ) وفي نسخة: "ملء السماء"، و"مِلْءُ" بالنصب، والرفع، والنصب أشهر، وهو الذي اختاره ابن خَالَوَيه، ورجَّحه، وأطنب في الاستدلال له، وجَوَّز الرفعَ على أنه مرجوحٌ، وحُكِي عن الزجاج أنه يتعين الرفع، ولا يجوز غيره، وبالغ في إنكار النصب، ورجّح الأكثرون النصب، وهو المعروف في روايات الحديث، وهو منصوب على الحال، مالئًا، قال العلماء: معناه حمدًا لو كان أجسامًا لملأ السماوات والأرض، قاله النوويّ (^٣).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٣.
(٣) راجع: "المجموع" ٣/ ٤١٦، و"شرح مسلم" ٤/ ١٩٣.
[ ١١ / ١١١ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: نصب "ملء" على أنه حال، بتقدير مالئًا، كما سبق في كلام النوويّ، أو على أنه صفة لمصدر محذوف، أي حمدًا ملءَ السموات، أو مفعول لفعل محذوف، أي أعني، ورفعه على أنه خبر لـ "الحمدُ"، أو خبر لمحذوف: أي هو.
و"الْمِلْء" بكسر الميم، وسكون اللام: ما يأخذ الإناء إذا امتلأ.
وقال الخطّابيّ -﵀-: هو تمثيلٌ وتقريبٌ، والمراد تكثير العدد حتى لو قُدّر ذلك أجسامًا لملأ ذلك، وقال غيره: المراد بذلك التعظيم، كما يقال: هذه الكلمة تملأ طباق الأرض، وقيل: المراد بذلك أجرها وثوابها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا حاجة إلى هذه التأويلات المتكلّفة، بل الصواب إبقاء الحديث على ظاهر معناه، وما المانع أن يكون الحمد شيئًا يملأ السموات والأرض، وقد ثبت بالنصوص الكثيرة أن الأعمال توزن يوم القيامة، ومنه تلك البطاقة التي تثقّل ميزان العبد، والحديث فيه صحيح، أخرجه أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه بسند صحيح (^١)، ومعلوم أنه لا يوزن إلا ما كان شيئًا محسوسًا، فلا داعي إلى هذه التأويلات التي تكلّفوها، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) قال الإمام أحمد: (٦٦٩٩) حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقانيّ، حدّثنا ابن مبارك، عن ليث بن سعد، حدّثني عامر بن يحيى، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه ﷿ يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سِجِلًّا كل سِجِلّ مَدّ البصر، ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب، فيقول: ألك عذر، أو حسنةٌ؟، فيبهت الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إن لك عندنا حسنةً واحدةً لا ظلم اليوم عليك، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: أَحضِرُوه، فيقول: يا رب ما هذه البطاقة، مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تُظلم، قال: فتوضع السجلات في كِفّة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، ولا يثقل شيء بسم اللَّه الرحمن الرحيم". انتهى. وهذا إسناد صحيح، ولفظ الترمذي: "فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء".
[ ١١ / ١١٢ ]
(وَمِلْءُ الْأَرْضِ) معطوف على ما قبله بوجهيه، وكذا قوله: (وَمِلْءُ مَا شِئْتَ) "ما" موصولة، حُذف عائدها، أي الذي شئته، وقوله: (مِنْ شَيْءٍ) بيان لـ "ما"، وقوله: (بَعْدُ") من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها، وإنما بُني على الضمّ؛ تشبيهًا له بأحرف الغاية، قال في "الخلاصة":
وَاضْمُمْ بِنَاءً "غَيْرًا" انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
"قَبْلُ" كَـ "غَيْرُ" "بَعْدُ" "حَسْبُ" "أَوَّلُ" … وَ"دُونُ" وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ"عَلُ"
والمضاف المقدّر هنا "السموات، والأرض"، والظرف متعلّق بمحذوفٍ صفة لـ "شيء"، والمراد من قوله: "من شيء": العرش، والكرسيّ، ونحوهما مما في مقدُور اللَّه ﷿، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٠٧٢ و١٠٧٣ و١٠٧٤ و١٠٧٥] (٤٧٦)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٦٧٦ و٦٨٤)، و(النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٩٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٢٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٥٦ و٣٨١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٩٥٥ و٩٥٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٧ و١٨٤٨ و١٨٤٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٥١ و١٠٥٢ و١٠٥٣) واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يُستحبّ أن يقوله المصلّي إذا رفع رأسه من الركوع.
٢ - (ومنها): بيان مشروعيّة الاعتدال، ووجوب الطمأنينة فيه؛ لأنه لا يمكن أن يقول هذا الذكر إلا إذا اعتدل، واطمأنّ.
٣ - (ومنها): أنه يستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، أن
[ ١١ / ١١٣ ]
يقول: "سَمِعَ اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد"، ويجمع بينهما، فيكون قوله: "سَمِعَ اللَّه لمن حمده" في حال ارتفاعه، وقوله: "ربنا لك الحمد" في حال اعتداله؛ لقوله -ﷺ-: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلّي"، رواه البخاريّ، قاله النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الراجح أن الإمام والمنفرد يجمعان بينهما؛ للحديث المذكور، وأما المأموم، فلا يُشرع له التسميع؛ لصريح قوله -ﷺ-: "وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده"، فقولوا: "ربّنا ولك الحمد"، فقد صرّح فيه أنّ وظيفة المأموم هو التحميد فقط، فتبصّر لذلك.
٤ - (ومنها): أن هذا الذكر مشروع في جميع الصلوات، سواء كانت فرضًا أو نفلًا؛ خلافًا لبعض العلماء؛ حيث قالوا: إنه خاصّ بالتطوّع فقط، ولا حجة لهم في ذلك، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ").
رجال هذا الإسناد: ستة، وكلّهم تقدّموا قريبًا، فإلى شعبة تقدّموا قبل باب، والباقيان في السند الماضي، وشرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ١١٤ ]
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أَوْفَى، يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ مِلْءُ السَّمَاءِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ، وَالْبَرَدِ، وَمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْوَسَخِ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ، تقدّموا قبله، غير:
١ - (مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِر) بن الأسود الأسلميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وأُهْبان بن أوس الأسلميّ، وابن أبي أوفى، وناجية الأسلميّ، وعطاء النَّهْديّ، وإبراهيم بن ملاذ.
ورَوَى عنه إسرائيل، وقيس بن الربيع، ورَقَبَة بن مَصْقَلة، وشريك النخعيّ.
قال أبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: قوله: (مَجْزَأَة) هو بميم مفتوحة، ثم جيم ساكنة، ثم زاي، ثم همزة تُكْتَب ألفًا، ثم هاء، وحَكَى صاحب "المطالع" فيه كسر الميم أيضًا، ورَجَّح الفتح، وحَكَى أيضًا تركَ الهمزة فيه، ذكره النوويّ (^١).
وقال في "الفتح": هو: بفتح الميم، والزاي، بينهما جيم ساكنة، وبهمزة مفتوحة قبل الهاء، وقال أبو عليّ الْجَيَّانيّ: المحدّثون يسهّلون الهمزة، ولا يَلفظون بها، وقد يَكسرون الميم. انتهى (^٢).
وقوله: (اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ) بفتح، فسكون: هو ماءٌ ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جُمُوده.
وقوله: (وَالْبَرَدِ) بفتحتين: هو حَبّ الغمام، وهو ماءٌ ينزل من السماء جامدًا كالملح، ثم يذوب على الأرض.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٣.
(٢) "الفتح" ٧/ ٥١٧ "كتاب المغازي" رقم الحديث (٤١٧٣).
[ ١١ / ١١٥ ]
وقوله: (وَمَاءِ الْبَارِدِ) وفي بعض النسخ: "والماء البارد"، وعلى النسخة الأولى يكون من إضافة الموصوف إلى صفته، كقوله تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقولهم: "مسجد الجامع"، ومذهب الكوفيين فيه أنه جائز على ظاهره، ومذهب البصريين أنه لا بدّ من التقدير؛ لأنه يكون من إضافة الشيء إلى نفسه، تقديره: ماء الطُّهُور البارد، وجانب المكان الغربيّ، ومسجد الموضع الجامع، وإلى هذا أشار ابن مالك في "خلاصته" حيث قال:
وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ … مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوهِمًا إِذَا وَرَدْ
قال الكرمانيّ -﵀-: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحارّ، فلم ذكر الماء البارد؟.
ثم أجاب ناقلًا عن محيي السنة أن معناه: طَهِّرني من الذنوب، وذكرها مبالغة في التطهير.
وقال الخطابيّ -﵀-: هذه أمثالٌ، ولم يُرَد بها أعيان هذه المسميات، وإنما أراد بها التوكيد في التطهير من الخطايا، والمبالغة في مَحْوها عنه، والثلج والبرد ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يَمْتَهِنهما استعمال، فكان ضرب المثل بهما أوكد في بيان معنى ما أراده من تطهير الثوب.
وقال التوربشتيّ -﵀-: ذَكَرَ أنواع المطهِّرات الْمُنَزَّلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلّا بأحدها بيانًا لأنواع المغفرة التي لا تَخَلُّص من الذنوب إلّا بها، أي طَهِّرني بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس، ورفع الأحداث.
وقوله: (اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا) يَحْتَمِل أن يكون الجمع بينهما -كما قال بعض المفسرين- في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا﴾ [النساء: ١١٢] قال: الخطيئة المعصية بين العبد وبين اللَّه تعالى، والإثم بينه وبين الآدمي، قاله النوويّ -﵀- (^١).
و"الخطايا": جمع خَطِيّة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خَطِئَ في دينه خِطْأ: إذا أَثِمَ فيه، والْخِطْأُ بالكسر: الذنب والإثم، وأصل خطايا خَطايِءُ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٤.
[ ١١ / ١١٦ ]
فقلبوا الياء همزة، كما في قبائل، جمع قبيلة، فصار خطائء بهمزتين فقلبوا الثانية ياءً، فصار خطائيُ، ثم قلبت الهمزة ياء مفتوحة، فصارت خطايَيُ، فقلبت الياء الأخيرة ألفًا، فصار خطايا (^١).
وقوله: (كَمَا يُنَقَّى) بالبناء للمفعول، أي كما يُنظّف.
وقوله: (الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ) خصّ الأبيض؛ لأن التطهير فيه أظهر.
وقوله: (مِنَ الْوَسَخِ) وفي رواية: "من الدّرَن"، وفي رواية: "من الدّنَس"، وكله بمعنى واحد، ومعناه: اللهم طهِّرني طهارة كاملة مُعْتَنًى بها، كما يُعْتَنَى بتنقية الثوب الأبيض من الوسخ، قاله النوويّ.
وفيه إيماءٌ إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم، ونظيفٌ، وأبيض، وظريفٌ، وإنما يتّسخ، وَيسْوَدّ بارتكاب الذنوب، وبالتخلّق بالعيوب، فينبغي للعبد إزالة هذا الوسخ بالاستغفار والالتجاء إلى اللَّه ﷿ بالدعاء والتضرّع حتى ينظّفه مما حلّ به من أوساخ المعاصي، ودرن المخالفات.
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، ومسائله تقدّمت قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: (ح) (^٣) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، فِي رِوَايَةِ مُعَاذٍ: "كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّرَنِ"، وَفِي رِوَايَةِ يَزِيدَ: "مِنَ الدَّنَسِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ٢٩٤.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "بتأخير" "قال" عن الحاء.
[ ١١ / ١١٧ ]
والباقون تقدّموا قبل باب، وزهير في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ شُعْبَةَ) الضمير لمعاذ بن معاذ، والد عبيد اللَّه، ويزيد بن هارون.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة الذي قبل هذا، وهو: عن مَجْزأة بن زاهر، عن عبد اللَّه بن أبي أوفى.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون هذه ساقها ابن حبّان -﵀- في "صحيحه" (٣/ ٢٣٦) فقال:
(٩٥٦) أخبرنا أبو يعلى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا شعبة، عن مَجْزَأَة بن زاهر، عن ابن أبي أوفى، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "اللهم لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، اللهم طَهِّرني بالثلج، والبرد، والماء البارد، اللهم طَهِّرني من ذنوبي كما يُطهَّر الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَس". انتهى.
وأما رواية ابن معاذ، فلم أجد من ساقها، فليُنظَر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٦] (٤٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ قَزَعَةَ (^١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (^٢)، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنديّ، ثقةٌ ثبتٌ متقنٌ فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "عن قزعة بن يحيى".
(٢) وفي نسخة: "وملء الأرض".
[ ١١ / ١١٨ ]
٢ - (مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ) الطاطَريّ، ثقة [٩] (ت ٢١٠) (م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) التَّنُوخيّ الدمشقيّ، ثقةٌ إمامٌ، اختلط في آخره [٧] (ت ١٦٧) (بخ م ٤) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٤ - (عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ) الكلابيّ، أو الْكَلاعيّ، أبو يحيى الشاميّ، ثقةٌ مقرئٌ [٣] (ت ١٢١) وقد جاوز المائة (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠٥٢.
٥ - (قَزَعَةُ) -بفتحتين، أو بفتح، فسكون- ابن يحيى البصريّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠٥٢.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنان الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في "المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، غير شيخه، فسمرقنديّ، وقَزَعة فبصريّ، وأبي سعيد -﵁-، فمدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعي: عطيّة، عن قَزَعة.
٤ - (ومنها): أن صحابيه ابنُ صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (^١)، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) إلى هنا تقدّم شرحه في هذا الباب عند شرح حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى -﵄-.
(أَهْلَ الثَّنَاءِ) بنصب "أهلَ" على النداء، بحذف حرف النداء، وهو جائزٌ، كما قال الحريريّ -﵀- في "مُلحته":
_________________
(١) وفي نسخة: "وملء الأرض".
[ ١١ / ١١٩ ]
وَحَذْفُ "يَا" يَجُوزُ فِي النِّدَاءِ … كَقَوْلِهِمْ "رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي" أو منصوب على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَأيُّهَا الْفَتَى بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
أو منصوب على المدح، أي أمدح أهلَ الثناء.
وهذا الذي ذكرناه من النصب هو المشهور، وجوّز بعضهم رفعه على تقدير: أنت أهلُ الثناء، قال النوويّ -﵀-: والمختار النصب، والثناء: الوصفُ الجميل والمدح. انتهى.
وقال الفيّوميّ -﵀-: "الثناء" -بالفتح، والمدّ- يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نَصّ عليه جماعة، منهم صاحب "الْمُحْكَم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن الْقُوطيّة، وهو الْحَبْر الذي ليس في منقوله غَمْز، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله [من الوافر]:
إَذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
وقد قيل فيه: هو العالم النِّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجة لمن بعده، والبرهان الذي يوقف عنده، وتبعه على ذلك مَنْ عُرِف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحة المقالة، وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابنُ القطّاع.
واقتَصَر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنْفُوا غيره.
ومن هذا اجتَرَأَ بعضهم، فقال: لا يُسْتَعْمَل إلا في الْحَسَن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة.
ولو كان الثناء لا يُسْتَعْمَل إلا في الخير، كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: "له الثناء الحسن" لا يفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: "الحسن" احترازٌ عن غير الحسن، فإنه يُسْتَعْمَل في النوعين، كما قال -ﷺ-: "والخيرُ في يديك، والشرّ ليس إليك"، أخرجه مسلم.
وفي "الصحيحين": "مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال -ﷺ-: وجبت، ثم مَرّوا بأخرى، فأَثْنَوا عليها شرًّا، فقال -ﷺ-: وجبت، وسئل عن قوله:
[ ١١ / ١٢٠ ]
وجبت، فقال: هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار. . . " الحديث.
وقد نقل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفُصَحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكْتَفُون بالنقل عن واحد، ولا يُعْرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخْرِجه عن حَيِّز الاعتدال، من دَهْش، وسُكْر، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يحتجّ بقوله، ويَرْجِع قولُ مَن زَعَم أنه لا يُسْتَعمَل في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسْمَع، فلا يقال: والإثبات أولى، وللَّه در من قال [من الوافر]:
وَإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعٌ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَدًا سَبِيلُ
وقال بعض المتأخرين: إنما استُعْمِل في الشرّ في الحديث للازدواج، وهذا كلام مَن لا يَعْرِف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد اتّضَح بما حَرَّره الفيّوميّ: أن الثناء يُستعمل للمدح والذمّ، وإنما يُميّز بالقرينة، مثل ما هنا، فإن المقام مقام مدح، فمن فسّره بأنه الوصف الجميل، كالنوويّ في كلامه السابق، إما قصور عن التحقيق المذكور، وإما محمول على أنهم فسّروه بما يقتضيه المقام، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(وَالْمَجْدِ) بالجرّ عطفًا على "الثناء"، وهو بفتح الميم، وسكون الجيم: العظمة، ونهاية الشرف.
وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: "أهل الثناء والمجد" كذا لهم، ولابن ماهان: "أهل الثناء والحمد"، والحمد أعم من الثناء والمجد، على ما بيّنّاه في الفرق بين "مجّدني عبدي"، و"حمدني عبدي"، و"أثنى عليّ عبدي"، والمجد نهاية الشرف، وكان لفظة "الحمد" هنا أليق بالكلام؛ لقوله أوّلًا: "لك الحمد". انتهى كلام القاضي -﵀- (^٢).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٨٥ - ٨٦.
(٢) "إكمال المعلم" ٢/ ٣٩١.
[ ١١ / ١٢١ ]
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "أهل الثناء والمجد" هذا هو المشهور في الرواية في مسلم وغيره، ووقع في رواية ابن ماهان: "أهلُ الثناء، والحمد"، وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول. انتهى (^١).
(أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ) "أحقّ" مبتدأ خبره جملة: "لا مانع لما أعطيتَ"، "وما" موصولة، أو موصوفة مضاف إليها "أحقّ"، وجملة "قال العبد" صلتها بتقدير عائد، أي الذي قاله العبد، ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّة، أي أحقّ قول العبد.
وقوله: "وكلُّنا لك عبدٌ" جملة حاليّةٌ وقعت معترضة بين المبتدأ والخبر، أفاده ابن الملك.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "أحقُّ ما قال العبد، وكلُّنا لك عبد"، هكذا هو في مسلم وغيره "أحقُّ" بالألف، و"كلُّنا" بالواو، وأما ما وقع في كتب الفقه "حَق ما قال العبد: كلنا"، بحذف الألف والواو، فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان كلامًا صحيحًا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي أنكره النووي قد ثبت في "سنن النسائيّ"، راجع "شرحي" عليه (^٢).
قال: وعلى الرواية المعروفة تقديره: أحقُّ قول العبد: "لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت"، إلى آخره، واعتَرَضَ بينهما: "وكلُّنا لك عبد"، ومثلُ هذا الاعتراض في القرآن قول اللَّه تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] اعتَرَض قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ومثله قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] على قراءة من قرأ ﴿وَضَعَتْ﴾ بفتح العين وإسكان التاء، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة: ٧٦] اعتَرَضَ ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾، ونظائره كثيرة، ومنه قول الشاعر [من الوافر]:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٤.
(٢) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٣/ ٢٠٧ رقم الحديث (١٠٦٨).
[ ١١ / ١٢٢ ]
أَلَمْ يَأْتِيكَ وَالأَنْبَاءُ تَنْمِي … بِمَا لَاقَتْ لَبُونُ بَنِي زَيادِ
فاعتَرَض بقوله: "والأنباء تنمي"، وقول امرئ القيس [من الطويل]:
أَلَا هَلْ أَتَاهَا وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ … بِأَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرَا (^١)
فاعتَرَضَ قوله: "وَالْحَوادثُ جَمَّةٌ"، وقال الآخر [من الطويل]:
إِلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كَلَالُهَا … إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
فاعتَرَضَ قوله: "أبيْتَ اللعنَ"، ونظائره كثيرة، وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحقُّ قول العبد: لا مانع لما أعطيت، وكلُّنا لك عبدٌ، فينبغي لنا أن نقوله.
(اللَّهُمَّ) تقدّم أن أصلها "يا أللَّه"، فحُذفت "يا" وعُوِّضَ عنها الميم المشدّدة في الأخير، ولا يُجمَع بينهما إلا في الضرورة، كقوله:
إِنِّي إِذَا مَا حَدَثٌ أَلَمَّا … أَقُولُ يَا اللَّهُمَّ يَا اللَّهُمَّا
وإليه أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ "يَا" و"أَلْ" … إِلَّا مَعَ "اللَّهِ" وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ "اللَّهُمَّ" بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ "يَا اللَّهُمَّ" فِي قَرِيضِ
(لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ) "ما" تعمّ العقلاء وغيرهم، فهي موصول اسميّ، والجملة صلتها بتقدير العائد، أي للذي أعطيته، ويَحْتَمِلُ أن تكون حرفًا مصدريًّا، أي لإعطائك، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢].
[تنبيه]: من القاعدة النحويّة أن اسم "لا" التي لنفي الجنس إذا كان مضافًا، نحو: لا طالب علم ممقوتٌ، أو شبيهًا بالمضاف، وهو الذي له تعلّقٌ بما بعده بالعمل، أو غيره، نحو: لا طالعًا جبلًا: أن يُنصب، ولكن هذا الحديث مرويّ بإسقاط التنوين من اسمها، فما هو الوجه؟.
أُجيب بأنه إما مبنيّ؛ إجراءً له مُجرى المفرد، أو معرب، حُذف تنوينه تشبيهًا بالمضاف، أو مبنيّ لكونه مفردًا، وقوله: "لما أعطيتَ" متعلّق بمحذوف
_________________
(١) بيقر الرجلُ: هاجر من أرض إلى أرض، أو خرج إلى حيث لا يَدرِي، وله معان أُخَر، راجع: "اللسان" في مادّة "بقر".
[ ١١ / ١٢٣ ]
خبرٍ لـ "لا"، أي لامانعَ مانعٌ لما أعطيتَ، وتمام البحث في هذا فيما كتبته على النسائيّ (^١).
(وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ) الكلام فيه كسابقه (وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ) "ذا" هنا بمعنى صاحب، مفعول مقدّم على الفاعل، منصوب بالألف، كما قال في "الخلاصة":
وَارْفَعْ بِوَاوٍ وَانْصِبَنَّ بِالأَلِفْ … وَاجْرُرْ بِيَاءٍ مَا مِنَ الأَسْمَا أَصِفْ
مِنْ ذَاكَ "ذُو" إِنْ صُحْبَةً أَبَانَا … وَ"الْفَمُ" حَيْثُ الْمِيمُ مِنْهُ بَانَا
و"الْجَدُّ" بالرفع فاعلٌ مؤخَّرٌ.
قال النوويّ -﵀-: المشهور فيه فتحُ الجيم، هكذا ضبطه العلماء المتقدِّمون والمتأخِّرون، قال ابن عبد البرّ: ومنهم من رواه بالكسر، وقال أبو جعفر، محمد بن جرير الطبريّ: هو بالفتح، قال: وقاله الشيبانيّ بالكسر، قال: وهذا خلاف ما عَرَفه أهل النقل، قال: ولا يُعْلَم من قاله غيره، وضَعّفَ الطبريّ (^٢) ومَن بعده الكسر، قالوا: ومعناه على ضعفه الاجتهاد، أي لا ينفع ذا الاجتهاد منك اجتهاده، إنما ينفعه وينجيه رحمتك.
وقيل: المراد ذا الجِدّ والسعي التامّ في الحرص على الدنيا، وقيل: معناه الإسراع في الْهَرَب، أي لا ينفع ذا الإسراع في الهرب منك هَرَبه، فإنه في قبضتك وسلطانك، والصحيح المشهور الْجَدّ بالفتح، وهو الحظّ والغنى والعظمة والسلطان، أي لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد والعظمة والسلطان منك حظه، أي لا يُنجيه حظه منك، وإنما ينفعه، وينجيه العمل الصالح، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية [الكهف: ٤٦]، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^٣).
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٣/ ٢٠٩ رقم الحديث (١٠٦٨).
(٢) وقال غيره: المعنى الذي أشار إليه الشيبانيّ صحيحٌ، ومراده أن العمل لا يُنجي صاحبه، وإنما النجاة بفضل اللَّه ورحمته، كما جاء في حديث: "لن يُنجي أحدًا منكم عمله. . . " الحديث، قاله في "زهر الربى" ٢/ ١٩٩ - ٢٠٠.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٦.
[ ١١ / ١٢٤ ]
(مِنْكَ الْجَدُّ) اختُلِف في "من" هذه، فقال الزمخشريّ في "الفائق": بمعنى "بدل"، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [الزخرف: ٦٠] أي بدلكم، والمعنى: أن المحظوظ لا ينفعه حظّه بَدَلَك، أي بدل طاعتك وعبادتك.
وقال التوربشتيّ: أي لا ينفع ذا الغنى غناه عندك، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وعلى هذا فمعنى "منك" عندك.
ويَحْتَمِلُ وجهًا آخر، أي لا يُسلّمه من عذابك غناه.
وقال المظهر: أي لا ينفعه غناه من عذابك، إن شئت به عذابًا. انتهى (^١).
[تنبيه]: رُوي سبب قوله -ﷺ-: "ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ" فيما أخرجه ابن ماجه -﵀- في "سننه" عن أبي جحيفة -﵁- قال: ذُكرت الجدود عند رسول اللَّه -ﷺ-، وهو في الصلاة، فقال رجلٌ: جدّ فلان في الخيل، وقال آخر: جدّ فلان في الإبل، وقال آخر: جدّ فلان في الغنم، وقال آخر: جدّ فلان في الرقيق، فلما قَضَى رسول اللَّه -ﷺ- صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة قال: "اللَّهمّ ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعدُ، اللَّهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا مُعطي لما مَنَعت، ولا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ"، وطوّل رسول اللَّه -ﷺ- صوته بـ "الجدّ"؛ ليعلموا أنه ليس كما يقولون. انتهى (^٢).
لكن الحديث في سنده أبو عمر مجهول، لا يُعرف حاله، كما قال البوصيريّ -﵀-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد" ٢/ ١٧٨ - ١٧٩.
(٢) حديث ضعيف، أخرجه ابن ماجه برقم (٨٧٩).
[ ١١ / ١٢٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤١/ ١٠٧٦] (٤٧٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٤٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٨ - ١٩٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦١٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٠٥)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٥٤ و١٠٥٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الذكر المشروع إذا رفع المصلي رأسه من الركوع في حالة الاعتدال.
٢ - (ومنها): الحثّ على أن يتواضع العبد للَّه، ويخضع له، ويتضرعّ إليه دائمًا، ويرغب فيما عنده، ويسأله خيري الدنيا والآخرة؛ لأنه المتفرّد بذلك، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
اللهم زِدْنا، ولا تنقصنا، وأكرمنا، ولا تُهِنّا، وأعطنا، ولا تَحْرِمنا، وآثرنا، ولا تؤثر علينا، وارَضَ عنا وأَرْضِنا.
٣ - (ومنها): أن فيه دلالةً ظَاهرةً على فضيلة هذا القول، فقد أخبر النبيّ -ﷺ- الذي لا ينطق عن الهوى أن هذا أحقُّ ما قاله العبد، فينبغي أن نُحافظ عليه؛ لأن كلنا عبد، ولا نُهْمِله، وإنما كان أحقّ ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى اللَّه تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، وأن الخير والشرّ منه، والحثّ على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٧] (٤٧٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ١٩٥ - ١٩٦.
[ ١١ / ١٢٦ ]
النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءُ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءُ الْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا (^١)، وَمِلْءُ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (هُشَيْمُ بْنُ بَشِير) بن دينار السلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الأزديّ الْقُرْدوسيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ) المكيُّ أبو عبد الملك، ويقال: أبو عبد اللَّه الحبشيّ، مولى نافع بن علقمة، ويقال: مولى أم علقمة، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ١١٩) علق عنه البخاري وأخرج له المصنف، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٥ - (عَطَاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) على المشهور (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٦ - (ابْنُ عَبَّاس) عبد اللَّه الحبر البحر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
_________________
(١) وفي نسخة: "وملء ما بينهما".
[ ١١ / ١٢٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وقيس علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، من قيس، وهشام بصريّ، وهُشيم واسطيّ، وأبو بكر كوفيّ، وابن عبّاس مدنيّ، ثم بصريّ، ثمّ مكيّ، ثمّ طائفيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦)، ومن المشهورين بالفتوى.
وأما شرح الحديث فواضح مما سبق، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادته.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤١/ ١٠٧٧ و١٠٧٨] (٤٧٨)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ١٩٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٩٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٧)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٠ و٢٧٦ و٢٧٧ و٣٣٣)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٢٧٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٠٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١١٣٤٧ و١٢٥٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٤٤ و١٨٤٥ و١٨٤٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٥٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٩٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١١ / ١٢٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٧٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ (^١)، حَدَّثَنَا حَفْصٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى قَوْلِهِ: "وَمِلْءُ مَا شِئْتَ (^٢) مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير الْهَمدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (حَفْص) بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عُمَر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ، تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير حفص بن غياث.
[تنبيه]: رواية حفص التي أحالها المصنّف -﵀- على رواية هُشيم لم أجد من ساقها بتمامها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.