وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٦] (٦٤٨) - (حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَأَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلاة عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ"، وَلَمْ يَذْكُرْ (^١) خَلَفٌ: "عَنْ وَقْتِهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَام) بن ثعلب البزّار المقري البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءات [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم عليه أَحدٌ بحجة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٤ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر (٨٠) سنةً (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٥ - (أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ) عبد الملك بن حَبِيب الأزديّ، أو الكِنديّ البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
_________________
(١) وفي نسخة: "لم يذكر" بلا واو.
[ ١٤ / ١٥٧ ]
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغِفَاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ -﵁-، ثقةٌ [٣] مات بعد السبعين (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٢.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة، وقيل: غيره الصحابيّ المشهور، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، فرّق بينهم بالتحويل؛ للاختلاف في صيغ الأداء، حيث سمع من خلف مع الجماعة، وقال هو أيضًا: حدّثنا حماد بن زيد، فنسبه إلى أبيه، وأما الباقيان فسمع منهما وحده، وقالا أيضًا: حدّثنا حماد، ولم ينسباه.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، غير خلف، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ، قرية من قرى المدينة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو عمران، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن عمّه أبي ذرّ -﵁-.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، تقدّم إسلامه، لكن تأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ -﵁- (أنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَيْفَ أنتَ) "كيف" اسم استفهام خبر مقدّم، و"أنت" مبتدأ مؤخّرُ (إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ) أنّث "كانت"؛ لأن الفاعل، وهو "أمراء"، جمع تكسير، يجوز معه تأنيث الفعل، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ … مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَى اللَّبِنْ
(يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ) جملة في محلّ رفع صفة لـ "أُمراء" (عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ) للشكّ من الراوي، قال القرطبيّ -﵀-: هو شكّ من أحد الرواة، وإماتتُها: إخراجها عن وقتها، حتى تكون كالميت الذي لا روح له، وهذا منه -ﷺ- من أعلام نبوّته؛ إذ قد أخبر بأمر غيبيّ وقع على نحو ما أخبر، وقد ظهر بعده من
[ ١٤ / ١٥٨ ]
تأخير بني أميّة الصلاة ما قد عُرِف، وشُوهد. انتهى (^١).
(يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا") ظاهر هذا أنهم يخرجونها عن وقتها، وأصرح منه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنها ستكون عليكم بعدي أمراء، تَشْغَلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها، فصَلُّوا الصلاة لوقتها. . . " الحديث.
وقال النوويّ -﵀-: المراد تأخيرها عن وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين والمتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، ولم يؤخِّرها أحد منهم عن جميع وقتها، فيجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع. انتهى.
واعترض الحافظ -﵀- على هذا في "الفتح"، فقال في شرح حديث أنس -﵁-: "لا أعرف شيئًا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضُيِّعَتْ"، ما نصُّه: قال المهلَّب: والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت، كذا قال، وتبعه جماعة، وهو مع عدم مطابقته للترجمة -يعني ترجمة البخاريّ -﵀- بقوله: "باب تضييع الصلاة عن وقتها"- مخالف للواقع، فقد صحّ أن الحجاج، وأميره الوليد، وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، والآثار في ذلك مشهورة:
(منها): ما رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت، فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر، وأنا جالس، إيماءً، وهو يخطب. وإنما فعل ذلك عطاء خوفًا على نفسه من القتل.
(ومنها): ما رواه أبو نعيم شيخ البخاريّ في "كتاب الصلاة" من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جُحيفة، فمَسَّى الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة، فصلى.
ومن طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه. ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل، قال: كنت بمنى،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٧٢.
[ ١٤ / ١٥٩ ]
وصحف تقرأ للوليد، فأخروا الصلاة، فنظرت إلى سعيد بن جبير، وعطاء يومئان إيماء، وهما قاعدان. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الحافظ -﵀- هو الموافق لظواهر الأحاديث، ففيها: "يصلون الصلاة لغير وقتها"، وفيها: "يميتون الصلاة عن وقتها"، وفيها: "تشغلهم أشياء عن الصلاة لوقتها، حتى يذهب وقتها"، وكلها تقدمت، فتأويل هذه النصوص بتأخيرها عن وقتها المستحب تكلف بارد، وتعسف كاسد.
والحاصل أن الأَوْلى أن يُحْمَل الإخراج على ظاهره، فهم يخرجونها عن وقتها لاشتغالهم بأمورهم، لا جحدًا لوجوبها، فإنهم لو أخروها جحدًا وجب مقاتلتهم، وتحرم الصلاة خلفهم، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ -﵁- (قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي) أي أي شيء تأمرني به، هل أصليها لنفسي، أم لا؟ (قَالَ) -ﷺ- ("صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) أي في وقتها المستحبّ، وفي رواية البيهقي: "فصلوا في بيوتكم للوقت الذي تعرفون. . . " (فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا) أي الصلاة التي صلّيتها لنفسك (مَعَهُمْ) وقد بُيِّنَ معنى إدراكها معهم في الرواية الآتية من طريق بُدَيل، عن أبي العالية، ففيها: "صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة، وأنت في المسجد، فصلّ"، فقد أفادت هذه الرواية أن المراد بالإدراك هو أن تقام الصلاة، وهو في المسجد، فأما إذا ذهب لحاجته قبل أن تقام، فليس عليه أن يرجع.
(فَصَلِّ) تلك الصلاة جماعةً؛ إحرازًا للفضيلتين، فضيلةِ المبادرة بأداء الصلاة في أول الوقت، وفضيلةِ صلاة الجماعة (فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ") أي إن تلك الصلاة التي صلّيتها معهم نافلةٌ؛ لأن الفرض سقط بالصلاة الأولى.
وهذا الأمر للاستحباب، بدليل ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، من حديث عبادة بن الصامت -﵁-، وفيه: فقال رجل: يا رسول اللَّه، أصلي معهم؟، قال: "نعم إن شئت"، فدلّ على أنه لو ترك الصلاة معهم لا شيء عليه.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٩٦.
[ ١٤ / ١٦٠ ]
والحديث صريحٌ في أن الصلاة الأولى هي الفريضة، وأن الثانية هي نافلة، وإلى هذا ذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ) وفي نسخة: "لم يذكر" (خَلَفٌ: "عَنْ وَقْتِهَا") يعني أن شيخه الأول، وهو خلف بن هشام لم يذكر في روايته لفظ: "عن وقتها"، وإنما ذكره أبو الربيع، وأبو كامل في روايتهما، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٢/ ١٤٦٦ و١٤٦٧ و١٤٦٨ و١٤٦٩ و١٤٧٠ و١٤٧١ و١٤٧٢] (٦٤٨)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١١٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٣١)، و(الترمذيّ) فيها (١٧٦)، و(ابن ماجه) فيها (١٢٥٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٤٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٧٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٣٨١ و٣٨٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦١ و١٦٩ و١٧١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧١٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٠٤ و٢٤٠٥ و٢٤٠٦ و٢٤٠٧ و٢٤٠٨ و٢٤٠٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٣٧ و١٤٣٨ و١٤٣٩ و١٤٤٠ و١٤٤١ و١٤٤٢ و١٤٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٠١ و٣/ ١٢٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ بالصلاة في أول وقتها، وأن من صلّى أول الوقت، ثم أُقيمت الجماعة صلّى معهم ثانيًا.
٢ - (ومنها): مشروعيّة إعادة الصلاة، وفيه خلاف بين العلماء، سيأتي تحقيقه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان أن الإمام إذا أخَّر الصلاة عن أول الوقت المستحبّ
[ ١٤ / ١٦١ ]
ينبغي للشخص أن يصليها في أول الوقت منفردًا، ثم يصليها مع الإمام إن أدركه، فيجمع بين فضيلتي أول الوقت، والجماعة.
قال النوويّ -﵀-: فلو أراد الاقتصار على إحداهما، فهل الأفضل الاقتصار على فعلها منفردًا في أول الوقت، أم الاقتصار على فعلها جماعة في آخر الوقت؟ فيه خلاف مشهور لأصحابنا -يعني الشافعية- واختلفوا في الراجح، والمختارُ استحباب الانتظار إن لم يَفْحُش التأخير.
٤ - (ومنها): الحثّ على موافقة الأمراء في غير معصية؛ لئلا تتفرق الكلمة، وتقع الفتنة، ولهذا قال أبو ذرّ -﵁- في الرواية الآتية: "إن خليلي أوصاني أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدًا مجدَّع الأطراف".
٥ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوة، حيث أخبر النبيّ -ﷺ- بما سيكون بعده من تحوّل الأمراء عن طريق الحقّ، بحيث إنهم لا يبالون بتأخير الصلاة التي هي من أعظم أركان الدين، فكيف بما دونها من تغيير السنن، وإحداث البدع، وهذا من معجزاته -ﷺ-، حيث وقع طبْقًا لما أخبر به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤].
٦ - (ومنها): اهتمامه -ﷺ- بأصحابه الذين يتأخرون بعده، ويتولى عليهم من يغيّر الأمور، فأرشدهم إلى كيفية معايشتهم، وحَثَّهم على عدم الخروج عليهم، وأمرهم بالإحسان معهم إذا أحسنوا، واجتنابهم إذا أساءوا.
٧ - (ومنها): أن العالم ينبغي له أن يبدأ بالمسألة من غير أن يُسألَ، إذا كان الناس في حاجة إليها.
٨ - (ومنها): أنه ينبغي للجاهل أن يطلب من العالم حَلَّ المسألة، وتوضيحها إذا لم يتبين له وجهها، فإن أبا ذر -﵁- قال: "فما تأمرني"، فقد سأل كيف يكون حلّ هذه المشكلة، فبيّن له -ﷺ- بأن يحرز بين المصلحتين: مصلحة الصلاة في وقتها، ومصلحة عدم مخالفة الجماعة.
٩ - (ومنها): بيان جواز الصلاة خلف أئمة الجور، وسيأتي تحقيق الخلاف فيه قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة خلف أئمة الجْور، ومن لا يُرضَى حاله؛ من الخوارج، وأهل البدع:
[ ١٤ / ١٦٢ ]
ذهبت طائفة إلى جواز الصلاة خلفهم:
قال الإمام الحافظ أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه": ثنا عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن عُمَير بن هانئ، قال: شَهِدت ابن عمر، والحجاجُ محاصر ابنَ الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء.
حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر، عن أبيه، قال: كان الحسن بن عليّ، والحسين يصليان خلف مروان، قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؛ قال: فيقول: لا واللَّه، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة.
حدّثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ما كانوا.
حدّثنا هشيم، عن أبي حُرَّة، عن الحسن، قال: لا يضر المؤمن صلاته خلف المنافق، ولا ينفع المنافق صلاة المؤمن خلفه.
حدّثنا أبو أسامة، عن حبيب بن جزي، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة خلف الأمراء؟ قال: صلِّ معهم.
حدّثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن بُرقان، قال: سألت ميمونًا عن الصلاة خلف الأمراء؟ فقال: صلِّ معهم.
حدّثنا كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، قال: سألت ميمونًا عن رجل، فذكر أنه من الخوارج، فقال: أنت لا تصلّ له، إنما تصلِّ للَّه، قد كنا نصلي خلف الحجاج، وكان حروريًا أزرقيًا (^١).
حدّثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم، قال: كان عبد اللَّه يصلي معهم إذا أخروا عن الوقت قليلًا، ويرى أن مَأثَم ذلك عليهم.
حدّثنا وكيع عن سفيان، عن العلاء بن المسيب، عن رجل، عن سعيد بن جبير، أنه كان يصلي مع الحجاج عند أبواب كِنْدَة، وخرج عليه.
حدّثنا وكيع، ثنا بَسَّام، قال: سألت أبا جعفر عن الصلاة مع الأمراء؟ فقال: صلّ معهم، فإنا نصلي معهم، قد كان الحسن والحسين يبتدران الصلاة
_________________
(١) قال في "القاموس": الأزارقة من الخوارج نُسبوا إلى نافع بن الأزرق. انتهى.
[ ١٤ / ١٦٣ ]
خلف مروان، قال: فقلت: الناس يزعمون أن ذلك تَقِيّة، قال: وكيف إن الحسن بن علي يسبُّ مروان في وجهه، وهو على المنبر حتى تولى!.
حدّثنا وكيع، ثنا سفيان، عن إبراهيم بن أبي حفصة، قال: قلت لعليّ بن حسين: إن أبا حمزة الثُّمالي، وكان فيه غلوّ يقول: لا نصلي خلف الأئمة، ولا نناكح إلا من يرى مثل ما رأينا، فقال علي بن حسين: بل نصلي خلفهم، ونناكحهم بالسنة.
حدّثنا وكيع، ثنا سفيان، عن الأعمش، قال: كانوا يصلون خلف الأمراء، ويحتسبون بها.
حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن عقبة الأسدي، عن زيد بن أبي سليمان أن أبا وائل كان يجمِّع مع المختار.
حدّثنا وكيع، ثنا سفيان عن مسلم، عن أبي فَرْوة، قال: رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأشار إلى محمد بن سعد، والحجاج يخطب أن اسكت.
حدّثنا الفضل بن دُكَين، عن الأعمش، عن القاسم بن محْيمِرَة أنه كان يصلي خلف الحجاج. انتهى "مصنف ابن أبي شيبة" (^١).
وأخرج البيهقيّ بسنده عن مكحول، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الجهاد واجب عليكم مع كل أمير بَرًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم برًّا كان، أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر"، قال البيهقيّ: وهذا إسناده صحيح، إلا أن فيه إرسالًا بين مكحول وأبي هريرة (^٢).
وأخرج أيضًا بسنده عن عمير بن هانئ، قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته، وقد نصب على البيت الحرام أربعين مَنْجَنِيقًا، فرأيت ابن عمر إذا حضرت الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه؛ فقلت له: يا أبا عبد الرحمن أتصلي مع هؤلاء، وهذه أعمالهم؛ فقال: يا أخا أهل الشام، ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقًا في
_________________
(١) "المصنّف" ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.
(٢) "معرفة السنن والآثار" ٢/ ٤٠٠.
[ ١٤ / ١٦٤ ]
معصية الخالق، قال: قلت: ما تقول في أهل الشام؟ قال: ما أنا لهم بحامد. قلت: فما تقول في أهل مكة؟ قال: ما أنا لهم بعاذر؛ يقتتلون على الدنيا، يتهافتون في النار تهافت الذباب في المرق، قلت: فما تقول في هذه البيعة التي أخذ علينا مروان؟ قال: قال ابن عمر: كنا إذا بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- على السمع والطاعة يلقننا "فيما استطعتم".
وأخرج أيضًا بسنده عن يونس بن عبيد، عن نافع، قال: كان ابن عمر يسلم على الخشبية (^١)، والخوارج، وهم يقتتلون، فقال: من قال: حيّ على الصلاة أجبته، ومن قال: حيّ على الفلاح أجبته، ومن قال: حيّ على قتل أخيك المسلم، وأخذ ماله، قلت: لا. انتهى (^٢).
ومنعت طائفة الصلاة خلف أهل البدع، وأمر بعضهم من صلى خلفهم بالإعادة، كان سفيان الثوري يقول في الرجل يكذّب بالقدر: لا تقدموه.
وقال أحمد في الجهميّ يصلى خلفه: يعيد، والقدريّ إذا كان يردّ الأحاديث، ويخاصم فليعد، والرافضيّ يصلى خلفه: يعيد. وقال أحمد: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه.
وقد حُكي عن مالك أنه قال: لا يصلى خلف أهل البدع من القدرية، وغيرهم، ويصلى خلف أئمة الجور، قاله ابن المنذر -﵀- (^٣).
وقال العلامة العينيّ -﵀-: وكان أبو حنيفة -﵀- لا يرى الصلاة خلف المبتدعة، ومثله عن أبي يوسف. انتهى (^٤).
وقال النوويّ -﵀- في "المجموع" ما حاصله:
مَن كُفِّر ببدعته لا تصح الصلاة وراءه، ومن لا يكفر تصح؛ فمِمَّن يكفر: من يجسم تجسيمًا صريحًا، ومن ينكر العلم بالجزئيات، وأما من يقول بخلق القرآن فهو مبتدع، واختَلَف أصحابنا في تكفيره، فأطلق أبو علي الطبري في
_________________
(١) "الخشبيّة" هم: أصحاب المختار بن أبي عُبيد، قاله في "مجمع البحار"، وفي "القاموس": الخشبيّة -محرّكةً- قوم من الجهميّة. انتهى.
(٢) "السنن الكبرى" ٣/ ١٢٢.
(٣) "الأوسط" ٤/ ٢٣٢.
(٤) "عمدة القاري" ٥/ ٢٣٢.
[ ١٤ / ١٦٥ ]
"الإفصاح"، والشيخ أبو حامد الإسفرايني، ومتابعوه، القول بأنه كافر، قال أبو حامد، ومتابعوه: المعتزلة كفار، والخوارج ليسوا بكفار، ونقل المتولي تكفير من يقول بخلق القرآن عن الشافعيّ، وقال القفال، وكثيرون من الأصحاب: يجوز الاقتداء بمن يقول بخلق القرآن وغيره من أهل البدع، قال صاحب "العمدة": هذا هو المذهب.
قال النووي: وهذا هو الصواب، فقد قال الشافعيّ -﵀-: أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم، ولم يزل السلف والخلف يرون الصلاة وراء المعتزلة، ونحوهم، ومناكحتهم، وموارثتهم، وإجراء سائر الأحكام عليهم.
وتأول الإمام الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي، وغيره من أصحابنا المحققين ما نُقل عن الشافعي، وغيره من العلماء، من تكفير القائل بخلق القرآن على أن المراد كفران النعمة، لا كفران الخروج عن الملة، وحَمَلَهم على هذا التأويل ما ذكرته من إجراء أحكام الإسلام عليهم (^١).
قال الشافعيّ -﵀-: ومَن صلى صلاةً مِن بالغ مسلم، يقيم الصلاة، أجزأته، ومَن خلفه صلاتُهم، وإن كان غير محمود الحال في دينه، أيّ غاية بلغ، يخالف الحمد في الدين، وقد صلى أصحاب النبيّ -ﷺ- خلف من لا يَحْمَدون فعاله، من السلطان وغيره. انتهى كلام الشافعيّ -﵀- (^٢).
وقال ابن المنذر: إن كفر ببدعته لم تجز الصلاة وراءه، وإلا فتجوز، وغيره أولى (^٣).
وقال الإمام المحقق أبو محمد بن حزم -﵀-:
ما نعلم أحدًا من الصحابة -﵃- امتنع من الصلاة خلف المختار، وعبيد اللَّه بن زياد، والحجاج، ولا فاسق أفسق من هؤلاء، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
ولا برّ أبرّ من الصلاة وجمعِها في المساجد، فمن دعا إليها ففرض
_________________
(١) "المجموع شرح المهذّب" ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) "الأمّ" ١/ ١٤٠.
(٣) "المجموع" ٤/ ٢٥٤.
[ ١٤ / ١٦٦ ]
إجابته، وعونه على البر والتقوى الذي دعا إليهما، ولا إثم بعد الكفر آثم من تعطيل الصلوات في المساجد، فحرام علينا أن نعين على ذلك، وكذلك الصيام، والحج، والجهاد؛ من عمل شيئًا من ذلك عملناه معه، ومن دعانا إلى إثم لم نجبه، ولم نعنه عليه. وكل هذا قول أبي حنيفة، والشافعي، وأبي سليمان -يعني داود الظاهري- رحمهم اللَّه تعالى. انتهى كلام ابن حزم -﵀- (^١).
وقال العلامة الشوكانيّ -﵀- ما ملخصه: قد ثبتٌ إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومن معهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا على الصلاة خلف الجائرين؛ لأن الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم، في كل بلدة فيها أمير، وكان الدولة إذ ذاك لبني أمية، وحال أمرائهم لا يخفى.
وقد أخرج البخاري عن ابن عمر -﵄- أنه كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف.
وأخرج مسلم، وأهل السنن أن أبا سعيد الخدريّ -﵀- صلى خلف مروان صلاة في قصة تقديمه الخطبة على الصلاة، وإخراج منبر النبيّ -ﷺ-، وإنكار بعض الحاضرين.
وأيضًا قد ثبتٌ أنه -ﷺ- أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول -ﷺ- اللَّه، بم تأمرنا؟ فقال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة"، ولا شك أن من أمات الصلاة، وفَعَلها في غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبيّ -ﷺ- بالصلاة خلفه نافلة، ولا فرق بينها وبين الفريضة في ذلك.
والحاصل أن الأصل عدم اشتراط العدالة، وأن كل من صحت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره.
فالقائل بأن العدالة شرط، كما رُوي عن العترة، ومالك، وجعفر بن مبشر، وجعفر بن حرب محتاج إلى دليل، ينقل عن ذلك الأصل.
_________________
(١) "المحلّى" ٤/ ٢١٤.
[ ١٤ / ١٦٧ ]
ثم إن محل النزاع إنما هو في صحة الصلاة خلف من لا عدالة له، وأما أنها مكروهة فلا خلاف في ذلك. انتهى كلام الشوكانيّ -﵀- باختصار (^١)، وهو تحقيقٌ نفيس جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من ذكر أقوال أهل العلم، وأدلّتهم في المسألة أن أرجحها هو القول بجواز الصلاة خلف من صحت صلاته لنفسه من كل بالغ مسلم، وإن كانت سيرته غير محمودة؛ لأن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- كانوا يصلون خلف من لا يحمدون سيرته من السلاطين وغيرهم، كما صرح به الشافعيّ -﵀- فيما سبق، وهو الذي عليه جمهور السلف والخلف، فتصح الصلاة خلف أئمة الجَوْر، وأهل الأهواء الذين لا يكفّرون بأهوائهم، وإن كان الأولى الصلاة خلف الأئمة الصلحاء، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مَن صلى صلاة، ثم وَجَد جماعة:
ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر -﵀- إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجُّوا بحديث ابن عمر -﵄- مرفوعًا: "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين"، أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان.
وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة، قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتجّ بقول أبي هريرة -﵁- في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-.
ورُوي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك،
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٤/ ٦١ - ٦٣.
[ ١٤ / ١٦٨ ]
وصلة بن زفر، والشعبيّ، والنخعيّ إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب.
واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه على أن معنى حديث ابن عمر -﵄- عن النبيّ -ﷺ- قال: "لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين"، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية، ينوي بها الفرض مرة أخرى، يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإمام على أنها سنّة تطوع، فليس بإعادة للصلاة.
قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول اللَّه -ﷺ- إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكن لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى"، وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر -﵀- باختصار (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: فيما قاله أبو عمر نظرٌ لا يخفى، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة؛ عملًا بظاهر النصّ؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّل منزلة العموم في المقال، فإنه -ﷺ- ما استفصل مِحْجَنًا -﵁-، لَمّا قال له: قد صليت في أهلي، هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له: "إذا جئت، فصل مع الناس" (^٢)، وكذا ما استفصل الرجلين، هل صلّيا وحدهما، أم صلّيا مع
_________________
(١) "التمهيد" ٤/ ٢٤٣ - ٢٤٧.
(٢) هو ما أخرجه النسائيّ من طريق زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل، يقال له: بسر بن مِحْجَن، عن مِحْجن، أنه كان في مجلس مع رسول اللَّه -ﷺ-، فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول اللَّه -ﷺ-، ثم رجع، ومحجن في مجلسه، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "ما منعك أن تصلي، ألست برجل مسلم؟ " قال: بلى، ولكني كنت قد صليت في أهلي، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا جئت، فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت"، حديث صحيح.
[ ١٤ / ١٦٩ ]
جماعة، بل قال لهما: "فصلّيا معهم" (^١).
والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من مشروعيّة إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟:
قال أبو عمر -﵀-: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك -﵀-: تعاد الصلوات كلها مع الإمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شفعًا، قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا أن يعيدها في مسجد النبيّ -ﷺ-، أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، وقال: إنه لا يدري أيُّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى اللَّه، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة، ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما اللَّه تعالى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن هذا مُعارِضٌ للنصوص الصحيحة الصريحة؛ حيث جعلت الثانية هي النافلة، ففي حديث الباب: "كانت لك نافلة"، وفي حديث الرجلين: "فإنها لكما نافلة"، وفي حديث ابن مسعود عند النسائيّ: "فصلوها معهم، واجعلوها سُبْحة"، فكلّها نصوص صريحة، في كون الثانية نافلةً، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير، وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه.
_________________
(١) هو ما أخرجه الترمذيّ، والنسائيّ، من طريق يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود العامريّ، عن أبيه، قال: شهدت مع رسول اللَّه -ﷺ- صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، إذا هو برجلين في آخر القوم، لم يصليا معه، قال: "عليّ بهما"، فأُتي بهما تَرْعَد فرائصهما، فقال: "ما منعكما أن تصليا معنا؟ " قالا: يا رسول اللَّه إنا قد صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكما نافلة"، حديث صحيح.
[ ١٤ / ١٧٠ ]
وأما حديث: "فصلّ معهم، وإن كنت قد صلّيت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة"، رواه أبو داود، فضعيف (^١)، لا يقاوم هذه الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال أبو حنيفة وأصحاب أبو حنيفة -﵏-: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإمام نافلة. قال محمد بن الحسن: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر.
وقال الأوزاعيّ: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد اللَّه بن عمر -﵄-؛ لحديث: "لا وتران في ليلة"، وحديث: "لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس"، وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك.
وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر، وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ" في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم (٥٧٣)، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقال الشافعيّ -﵀-: تعاد الصلوات كلها؛ لحديث محجن الذي تقدّمت الإشارة إليه، حيث لم يخص له -ﷺ- صلاةً من صلاة، بل قال له: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت"، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو
_________________
(١) هو: ما أخرجه أبو داود (٥٧٧) من طريق سعيد بن السائب، عن نوح بن صعصعة، عن يزيد بن عامر، قال: جئت والنبي -ﷺ- في الصلاة، فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، قال: فانصرف علينا رسول اللَّه -ﷺ-، فرأى يزيد جالسًا، فقال: "ألم تسلم يا يزيد؟ "، قال: بلى يا رسول اللَّه، قد أسلمت، قال: "فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟ "، قال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أن قد صليتم، فقال: "إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس، فصلِّ معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة"، حديث ضعيف؛ لأن في سنده نوح بن صعصعة مجهول الحال، كما قال الدارقطنيّ، ومع هذا فقد خالف حديثه أحاديث الأثبات، فهو منكر، لا يصلح للاحتجاج به فتبصّر، راجع "شرح النسائيّ" ١٠/ ٣٣٨.
[ ١٤ / ١٧١ ]
قول داود بن علي الظاهريّ، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه بما صلى وحده (^١)، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة ههنا استحباب.
واختلف عن الثوريّ -﵀-، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعيّ، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع.
وقال أبو ثور -﵀-: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر -﵀- بالاختصار.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: أرجح المذاهب عندي مذهب الإمام الشافعي، وداود رحمهما اللَّه من إعادة جميع الصلوات، من غير استثناء شيء من الصلوات؛ لقوة دليله؛ حيث عمم النبيّ -ﷺ- بقوله: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت" من غير استثناء شيء، بل حديث يزيد بن الأسود في قصّة الرجلين، نصّ صريح في أن ذلك كان بعد الصبح.
وأن الصواب أيضًا كون الأولى هي الفريضة، والثانية هي النافلة؛ لما أسلفناه من الأدلة الواضحة، فتبصّر بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ، يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا، كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ").
_________________
(١) وهذا يردّه ما صحّ أنه -ﷺ- لما قال له رجل: أصلي معهم؟ قال: "نعم إن شئت"، فخيّره، فالحقّ أن الإعادة مستحبّة، فتبصّر.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٤ / ١٧٢ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه كان يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ) فيه دليلٌ من دلائل النبوّة، وقد وقع في زمن بني أميّة (^١).
وقوله: (فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) قال القرطبيّ -﵀- يعني وقتها الأفضل، بدليل قوله: "فإن أدركتها معهم"، أي في الوقت، وبدليل قوله: "فإن صُلِّيَتْ لوقتها كانت لك نافلةً"، أي زيادة في العمل والثواب. انتهى (^٢).
وقوله: (فَإِنْ صَلَّيْتَ لِوَقْتِهَا) بالبناء للمفعول، أي صلى الأمراء الصلاة في وقتها بعد صلاتك وحدك، فصلّها، فإنها تكون نافلة.
وقوله: (كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً، وَإِلَّا كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ) قال القرطبيّ -﵀-: أي قد فعلتها في وقتها، وعلى ما يجب أداؤها، وفيه جواز فعل الصلاة مرّتين، ويُحمَل النهي عن إعادة الصلاة على إعادتها من غير سبب. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: معناه: إذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار، فصلّها لأول وقتها، ثم إن صَلَّوها لوقتها المختار فصلّها أيضًا معهم، وتكون صلاتك معهم نافلةً، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك في أول الوقت، أي حَصَّلتها، وصُنْتَها، واحتَطْتَ لها. انتهى. وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٤٨.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٧٢.
[ ١٤ / ١٧٣ ]
"إِنَّ خلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّع الْأَطْرَافِ، وَأَنْ أُصَلِّيَ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ، وَقَدْ صَلَّوْا، كُنْتَ قَدْ أَحْرَزْتَ صَلَاتَكَ، وَإِلَّا كَانَتْ لَكَ نَافِلَةً").
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأَوْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا والباقون ذكروا قبله.
وقوله: (إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ وَأُطِيعَ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا مُجَدَّعَ الْأَطْرَافِ) أي مُقَطَّع الاطراف، والْجَدْعُ -بالدال المهملة-: القطع، والْمُجَدَّع أردأ العبيد؛ لخسته، وقلة قيمته ومنفعته، ونفرة الناس منه، وفي هذا الحثّ على طاعة ولاة الأمور ما لم تكن معصيةً.
[فإن قيل]: كيف يكون العبد إمامًا، وشرط الإمام أن يكون حُرًّا قرشيًّا، سَلِيم الأطراف؟.
[فالجواب]: من وجهين:
[أحدهما]: إن هذه الشروط وغيرها إنما تُشْتَرط فيمن تُعقَد له الإمامة باختيار أهل الحلّ والعقد، وأما مَن قَهَر الناس؛ لشوكته، وقوة بأسه وأعوانه، واستولى عليهم، وانتصب إمامًا، فإن أحكامه تنفُذُ، وتجب طاعته، وتحرم مخالفته في غير معصية، عبدًا كان أو حُرًّا، أو فاسقًا بشرط أن يكون مسلمًا.
[الجواب الثاني]: أنه ليس في الحديث أنه يكون إمامًا، بل هو محمول على من يُفَوِّض إليه الإمام أمرًا من الأمور، أو استيفاء حقّ، أو نحو ذلك، قاله النوويّ -﵀- (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٤٩.
[ ١٤ / ١٧٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ بُدَيْلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا العَالِيَةِ، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَضَرَبَ فَخِذِي: "كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ " قَالَ: قَالَ مَا تَأْمُرُ؟ (^١) قَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ، فَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَأَنْتَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلِّ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) الْهُجيميّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (بُدَيْل) بن ميسرة الْعُقيليّ البصريّ، ثقة [٥] (ت ١٢٥) أو (١٣٠) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٧/ ١١١٥.
٥ - (أَبُو الْعَالِيَةِ) الْبَرّاء -بتشديد الراء- البصريّ، مولى قريش، كان يَبْري النَّبْل، قيل: اسمه زياد بن فَيْروز، وقيل: زياد بن أُذَينة، وقيل: أذينة، وقيل: إن أذينة لَقَبٌ، واسمه كلثوم، ثقة [٤]، مات يوم الاثنين في شوّال سنة تسعين.
رَوَى عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، وطلق بن حبيب، وعبد اللَّه بن الصامت، وغيرهم.
ورَوَى عنه أيوب، وبُديل بن ميسرة، ومطر الوراق، والحسن بن أبي الحسناء، ويونس بن عبيد، وغيرهم.
قال أبو زرعة: ثقة، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال ابن عبد البر: زياد بن فيروز أكثر ما قيل فيه، وهو عندهم ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال -﵀-:
_________________
(١) وفي نسخة: "في تأمر".
[ ١٤ / ١٧٥ ]
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا الحديث برقم (٦٤٨) وكرّره ثلاث مرّات، و(١٢٤٠) حديث: "من شاء أن يجعلها عمرة. . . "، وكرّره ثلاثًا أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: لا يوجد في الكتب الستة من يسمّى ببديل إلَّا المذكور في هذا السند، وأن أبا العالية يقال له البرّاء بتشديد الراء؛ لأنه كان يبري النبل.
وقوله: (مَا تَأْمُرُ؟) وفي نسخة: "فما تأمر؟ " و"ما" استفهاميّة، أي بأيّ شيء تأمرني إذ أدركت ذلك؟.
وقوله: (صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ اذْهَبْ لِحَاجَتِكَ. . . إلخ) معناه: صلّ في أول الوقت، وتصرّف في شغلك، فإن صادفتهم بعد ذلك لَمْ يصلّوا فصلِّ معهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ، قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ، فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الصَّامِتِ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًّا، فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ، وَضَرَبَ (^١) فَخِذِي، وَقَالَ (^٢): إِنِّي سَأَلْتُ أَبَا ذَرٍّ، كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: "صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ (^٣) فَصَلِّ، وَلَا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ، فَلَا أُصَلِّي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
_________________
(١) وفي نسخة: "فضرب فخذي" في ثلاثة مواضع.
(٢) وفي نسخة: "ثم قال".
(٣) وفي نسخة: "فإن أدركتك معهم".
[ ١٤ / ١٧٦ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصريّ، ثقة ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةُ ثبتٌ حجة فقيهٌ، من كبار [٥] (ت ١٣١) عن (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقون تقدّموا قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ) بتشديد الراء، نسبة إلى بَرْي النَّبْل، أنه (قَالَ: أَخَّرَ ابْنُ زِيَادٍ الصَّلَاةَ) وصرح في رواية أحمد باسمه، فقال: "عبيد اللَّه بن زياد".
والظاهر أنه عبيد اللَّه بن زياد بن أبيه المتوفّى سنة (٦٧ هـ) كان واليًا فاتحًا من الشجعان جبارًا خطيبًا ولد بالبصرة سنة (٢٨ هـ)، ويحتمل أن يكون عبيد اللَّه بن زياد بن ظبيان البكري المتوفى سنة (٧٥ هـ) كان فاتحًا من الشجعان، وكان مقربًا من عبد الملك بن مروان.
[تنبيه]: وقع في رواية النسائيّ "زياد" بدل "ابن زياد"، وهو غلطٌ، فليُتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَجَاءَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الغفاريّ (فَأَلْقَيْتُ لَهُ كُرْسِيًا) فيه إكرام الضيف، والاهتمام به.
و"الكرسي": بضم الكاف أشهر من كسرها، والجمع مثقل وقد يخفف. قال ابن السِّكِّيت في باب ما يشدد: وكل ما كان واحده مشددًا، شدّدت جمعه، وإن شئت خففت.
(فَجَلَسَ عَلَيْهِ، فَذَكَرْتُ لَهُ صَنِيعَ ابْنِ زِيَادٍ، فَعَضَّ عَلَى شَفَتِهِ) قال في "المصباح": عَضِضتُ اللُّقمة، وبها، وعليها، عَضًّا: أمسكتُها بالأسنان، وهو من باب تَعِبَ في الأكثر، لكن المصدر ساكن، ومن باب نَفَعَ لغة قليلة، وفي أفعال ابن القطان: من باب قتل. انتهى.
وإنما عَضّ عبد اللَّه بن الصامت على شفتيه إظهارًا للكراهة لفعله.
[ ١٤ / ١٧٧ ]
(وَضَرَبَ) وفي نسخة: "فضرب" بالفاء في المواضع الثلاثة (فَخِذِي) "الفَخِذ" -ككتف-: ما بين الساق والوَرِك، مؤنث، كالفَخْذِ - بفتح الفاء، وتكسر، مع سكون الخاء فيهما، ويجوز فيه فِخِذ - بكسرتين (^١).
وإنما ضرب فخذه للتنبيه، وجمع الذهن، على ما يقوله له (^٢).
(وَقَالَ) وفي نسخة: "ثم قال" (إِنِّي سَأَلْتُ أَبا ذَرٍّ) -﵁- (كمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ، وَقَالَ: إِنِّي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَنِي، فَضَرَبَ) -ﷺ- (فَخِذِي، كَمَا ضَرَبْتُ فَخِذَكَ) هذا هو النوع المسمى في مصطلح المحدثين بالمسلسل قولًا، وفعلًا، حيث تسلسل بقول كل من عبد اللَّه بن الصامت، وأبي ذرّ -﵁-: "سألت، كما سألتني، وضرب فخذي، كما ضربت فخذك".
(وَقَالَ) -ﷺ- ("صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا) أي في وقتها المأمور أداؤها فيه، جمعًا بين المصلحتين، مصلحةِ أداء الصلاة في الوقت المشروع، ومصلحة عدم شق العصا بإظهار المخالفة.
(فَإِنْ أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ) بالرفع على الفاعليّة، وفي رواية النسائيّ: "فإن أدركت الصلاة" بتاء المخاطب، و"الصلاة" منصوب على المفعوليّة (مَعَهُمْ) وفي نسخة: "فإن أدركتك معهم".
(فَصَلِّ) تلك الصلاة جماعةً؛ إحرازًا للفضيلتين: فضيلة أول الوقت،
_________________
(١) وعبارة "القاموس" و"شرحه": "الْفَخِذ" ككَتِفٍ: ما وصل بين الساق والْوَرِكِ، مؤنّثٌ، كالْفَخْذ -بفتح، فسكون، يُكسر مع السكون- فهي ثلاث لغات، وهي مشهورة في كل ثلاثيّ على وزن كَتِفٍ، وزاد الزركشيّ في "شرح البخاريّ" أن فيه لغةَ فِخِذٍ بكسرتين، وفي "التسهيل" لابن مالك: في كل عين حلقيّة أربع لغات، سواء كانت اسمًا، كفخذ، أو فعلًا، كشَهِدَ، الثلاثة، وكسر الفاء والعين، وصرّح بذلك في "الكافية" و"شرحها". ثم إن الإتباع بكسرتين هو الذي قيّدوه بالحلقيّ، وأما اللغات الثلاث ففي كل ثلاثيّ على وزن كَتِفٍ، ولو لَمْ يكن فيه حرف حلق. انتهى. "القاموس"، و"شرحه التاج" بتصرّف يسير ٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣.
(٢) "شرح النووي" ٥/ ١٤٩.
[ ١٤ / ١٧٨ ]
وفضيلة الجماعة (وَلَا تَقُلْ: إِنِّي قَدْ صَلَّيْتُ) أي في أول الوقت (فَلَا أُصَلِّي") معهم ثانيًا.
ومسائل الحديث تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ (^١)، أَوْ قَالَ: كَيْفَ أَنْتَ إِذَا بَقِيتَ فِي قَوْمٍ، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟، فَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، ثُمَّ إِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَهمْ، فَمنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ) الأحول، أبو عمر البصريّ، وقيل: هو عاصم بن محمد بن النضر، صدوقٌ [١٠] (م د س) تقدم في "المساجد" ٢٦/ ١٣٥٠.
٢ - (أَبُو نَعَامَةَ) السعديّ البصريّ، قال ابن معين: اسمه عبد ربه، وقال ابن حبّان -﵀-: قيل: اسمه عَمْرو، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي عثمان النَّهْديّ، وعبد اللَّه بن الصامت، وأبي نضرة العبديّ، ومُطَرِّف بن عبد اللَّه بن الشِّخِّير، وشهر بن حَوْشب.
ورَوَى عنه أيوب، وأبو عامر الخزاز، ومرحوم بن عبد العزيز العطار، ومبارك بن فَضَالة، وشعبة، وحماد بن سلمة.
قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: بصريّ صالح، ولَمّا أخرج الترمذيّ حديثه عن أبي عثمان، عن أبي سعيد، عن معاوية في فضل مجالس الذكر، قال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وأبو نعامة عمرو بن
_________________
(١) وفي نسخة: "قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: كيف أنتم".
[ ١٤ / ١٧٩ ]
عيسي، تَعَقَّبه المزيّ في "الأطراف"، فقال: كذا قال، وأبو نعامة عمرو بن عيسي، شيخ آخر، وهو العدوي، وأما هذا فهو السعديّ، واسمه عبد ربه، فجزم بذلك مع أنه حَكَى عن ابن حبان ما يقتضي أنه اختُلِف فيه، قاله في "تهذيب التهذيب" (^١).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٨)، وحديث (٢٧٠١): "أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم. . . ".
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (فَإِنَّهَا زِيَادَةُ خَيْرٍ) أي إن هذه الصلاة الثانية خير زائد على الخير السابق، وهو أداء الصلاة في أول وقتها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَطَرٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاءِ (^٢)، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ: نُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ أُمَرَاءَ (^٣)، فَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ؟، قَالَ: فَضَرَبَ فَخِذِي ضَرْبَةً أَوْجَعَتْنِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ؟ أَبَا ذَرٍّ عَنْ ذَلِكَ؟ فَضَرَبَ فَخِذِي، وَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: "صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً"، قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذُكِرَ لِي أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربما وهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ١٢/ ٢٨٢.
(٢) وفي نسخة بحذف لفظ "البرّاء".
(٣) وفي نسخة: "خلف الأمراء".
[ ١٤ / ١٨٠ ]
٣ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، وقد رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) وله (٧٨) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (مَطَر) بن طهمان الورّاق، أبو رجاء السلميّ مولاهم الخُرَاسانيّ، سكن البصرة، صدوق، كثير الخطأ [٦] (١٢٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٣.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (قَالَ: وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ) فاعل "قال" الأول ضمير أبي العالية.
وقوله: (ذُكِرَ لِي أَنِّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- ضَرَبَ فَخِذَ أَبِي ذَرٍّ) ببناء "ذُكِرَ" للمفعول.
[تنبيه]: ظاهر قوله: "ذُكر لي" أن عبد اللَّه بن الصامت لم يسمع هذا من أبي ذرّ -﵁-، وإنما سمعه من غيره، لكن تقدّم في رواية أيوب السختيانيّ، عن أبي العالية أنه سمعه من أبي ذرّ -﵁-، ولفظه: "وقال: إني سألت أبا ذرّ كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول اللَّه -ﷺ- كما سألتني، فضرب فخذي، كما ضربت فخذك. . . " الحديث، وأيوب أوثق وأحفظ من مطر الورّاق، فتقدّم روايته عليه، ويؤيّدها أيضًا ظاهر رواية بُديل، عن أبي العالية السابقة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.