قال الجامع عفا اللَّه عنه: (اعلم): أن لفظ الجماعة يَحْتَمِل أن يُراد به عموم المجتمعين في الصلاة، ويَحْتَمِل أن يُراد به الاجتماع نفسه، ويكون المعنى صلاة الاجتماع، فعلى الأول تكون الجماعة صفة موصوف محذوف، أي القوم، ونحو ذلك، وعلى الثاني لا حذف؛ لوقوعه على المعنى الذي هو الاجتماع.
والحكمة في مشروعيّة الجماعة وُجوه ذكرها ابن القسطلانيّ في "مقاصد الصلاة":
[ ١٤ / ١٨١ ]
[أحدها]: قيام نظام الأُلفة بين المصلّين، ولهذه العلّة شُرعت المساجد في المحالّ؛ ليحصل التعاهد باللقاء في أوقات الصلوات بين الجيران.
[ثانيها]: حصر النفس أن تستقلّ بهذه العبادة وحدها، فإنها ربما لم تَفِ بالقيام بها وحدها، فإذا علمت انتظار جماعة لها حرّكها ذلك إلى المبادرة لفعلها، فإن النفوس تُحبّ البطالة، وتركن إليها، فإذا وجدت محرّكًا من خارج أذعنت وأجابت.
[ثالثها]: أن الناس بين عالم بأفعال الصلاة وأحكامها، وجاهل بها، فإذا حصل إقامتها في الجماعة تعلّم الجاهل من العالم، فزال جهله.
[رابعها]: أن الدرجات والمثوبات متفاوتة في العمال؛ لأجل قبول الأعمال، فإذا كانت الجماعة حصل فيها الكامل والناقص بحسب الحضور والغفلة، فيعود من بركة الكامل على الناقص، فتكمل صلاته. انتهي، ذكر هذا كله ابن الملقّن -﵀- (^١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم.
وذكر الشيخ شاه وليّ اللَّه الدهلويّ -﵀- كلامًا حسنًا يتعلّق بأسرار تشريع صلاة الجماعة أيضًا، أحببت إيراده هنا، وإن كان فيه طولٌ، إلَّا أنه مفيد، قال -﵀-:
(اعلم) أنه لا شيء أنفع من غائلة الرسوم من أن يُجعَل شيء من الطاعات رسمًا فاشيًا، يؤدَّى على رؤوس الخامل والنبيه، ويستوي فيه الحاضر والباد، ويجري فيه التفاخر والتباهي، حتى تدخل في الارتفاقات الضرورية التي لا يمكن لهم أن يتركوها، ولا أن يُهملوها؛ لتصير مؤيِّدًا لعبادة اللَّه، والسنةُ تدعو إلى الحقّ، ويكون الذي يُخاف منه الضرر هو الذي يَجلُبُهم إلى الحقّ، ولا شيءَ من الطاعات أتمّ شأنًا، ولا أعظم برهانًا من الصلاة، فوجب إشاعتها فيما بينهم، والاجتماع لها، وموافقة الناس فيها.
وأيضًا فالملة تجمع ناسًا علماء يُقتَدَى بهم، وناسًا يحتاجون في تحصل إحسانهم إلى دعوة حثيثة، وناسًا ضعفاء الْبِنْية، ولو لَمْ يكلفوا أن يؤدوا على أعين الناس تهاونوا فيها، فلا أنفع، ولا أوفق بالمصلحة في حقّ هؤلاء جميعًا
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الإحكام" ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧.
[ ١٤ / ١٨٢ ]
أن يكلفوا أن يطيعوا اللَّه على أعين الناس، ليتميز فاعلها من تاركها، وراغبها من الزاهد فيها، ويُقتَدَى بعالمها، ويُعَلَّم جاهلها، وتكون طاعة اللَّه فيهم، كسبيكة تُعْرَض على طائف الناس ينكر منها المنكر، ويعرف منها المعروف، ويرى غِشّها وخالصها.
وأيضًا فلاجتماع المسلمين راغبين في اللَّه، راجين راهبين منه، مسلمين وجوههم إليه -﷿- خاصيةٌ عجيبةٌ في نزول البركات، وتدلي الرحمة، كما بيّنا في الاستسقاء والحج.
وأيضًا فمراد اللَّه من نصب هذه الأمة، أن تكون كلمة اللَّه هي العليا، وألا يكون في الأرض دين أعلى من الإسلام، ولا يُتَصَوَّر ذلك إلَّا بأن يكون سنتهم أن يجتمع خاصتهم وعامتهم، وحاضرهم وباديهم، وصغيرهم وكبيرهم، لِمَا هو أعظم شعائره، وأشهر طاعاته، فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى شرع الجمعة والجماعات، والترغيب فيها، وتغليظ النهي عن تركها.
والإشاعة إشاعتان: إشاعة في الحيّ، وإشاعة في المدينة، والإشاعة في الحيّ تتيسر في كل وقت صلاة، والإشاعة في المدينة لا تتيسر إلَّا غِبّ طائفة من الزمان، كالأسبوع، أما الأولى فهي الجماعة، وفيها قوله -ﷺ-: "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين درجةً"، وقد صرح النبيّ -ﷺ-، أو لَوَّح أن من المرجحات أنه إذا توضأ، فأحسن وضوءه، ثم توجه إلى المسجد، لا ينهضه إلَّا الصلاة، كان مشيه في حكم الصلاة، وخطواته مكفرات لذنوبه، وأن دعوة المسلمين تحيط بهم من ورائهم، وأن في انتظار الصلوات معنى الرباط والاعتكاف، إلى غير ذلك، ثم ما نَوَّه بأحد العددين المذكورين إلَّا لنكتة بليغة، تمثلت عنده -ﷺ-، وقد ذكرناها من قبلُ فراجع، وليس في الحقّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه جِزَافٌ بوجه من الوجوه.
وفيها قوله -ﷺ-: "ما من ثلاثة في قرية أو بَدْوٍ، لا تقام فيهم الصلاة، إلَّا قد استحوذ عليهم الشيطان".
أقول: هو إشارة إلى أن تركها يفتح باب التهاون.
[ ١٤ / ١٨٣ ]
وقوله -ﷺ-: "والذي نفسي بيده، لقد هَمَمت أن آمر بحطب، فيُحْطَب. . . " الحديث.
أقول: الجماعة سنة مؤكدة (^١)، تقام اللائمة على تركها؛ لأنَّها من شعائر الدين، لكنه -ﷺ- رأى من بعضِ مَن هنالك تأخّرًا واستبطاءً، وعَرَف أن سببه ضعف النية في الإسلام، فشدد النكير عليهم، وأخاف قلوبهم.
ثم لَمّا كان في شهود الجماعة حرج للضعيف والسقيم، وذي الحاجة، اقتضت الحكمة أن يُرَخَّص في تركها عند ذلك، ليتحقق العدل بين الإفراط والتفريط.
فمن أنواع الحرج: ليلة ذاتُ بَرْد ومطر، ويستحب عند ذلك قول المؤذن: "إلا صَلُّوا في الرحال".
ومنها: حاجة يَعْسُر التربص بها، كالعَشَاء إذا حضر، فإنه ربما تتشوف نفس إليه، وربما يضيع الطعام، وكمدافعة الأخبثين، فإنه بمعزل عن فائدة الصلاة، مع ما به من اشتغال النفس.
ولا اختلاف بين حديث: "لا صلاة بحضرة الطعام"، وحديث: "لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره" (^٢)؛ إذ يمكن تنزيل كل واحد على صورة أو معنى، إذ المراد نفي وجوب الحضور سدًّا لباب التعمُّق، وعدم التأخير هو الوظيفة لمن أَمِن شر التعمق، وذلك كتنزيل فطر الصائم وعدمه على الحالين، أو التأخير إذا كان تشوفٌ إلى الطعام، أو خوف ضياع، وعدمه إذا لَمْ يكن، وذلك مأخوذ من حالة العلة.
ومنها: ما إذا كان خوف فتنةٍ، كامرأة أصابت بَخُورًا، ولا اختلاف بين قوله -ﷺ-: "إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد، فلا يمنعها"، وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهنّ؛ إذ المنهي الغيرة التي تنبعث من الأنَفَة دون خوف الفتنة، والجائز ما فيه خوف الفتنة، وذلك قوله -ﷺ-: "الغيرة غيرتان. . . "
_________________
(١) سيأتي أن الصواب أنها فرض؛ للأدلّة الكثيرة، فتنبّه.
(٢) حديث ضعيفٌ، أخرجه أبو داود في "سننه" ٣/ ٣٤٥.
[ ١٤ / ١٨٤ ]
الحديث (^١)، وحديث عائشة: "إن النساء أحدثن. . . " الحديث (^٢).
ومنها: الخوف والمرض، والأمر فيهما ظاهرٌ، ومعنى قوله -ﷺ- للأعمى: "أتسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال: "فأجب" أن سؤاله كان في العزيمة، فلم يُرَخِّص له.
ثم وقعت الحاجة إلى بيان الأحقّ بالإمامة، وكيفية الاجتماع، ووصية الإمام أن يُخفِّف بالقوم، والمأمومين أن يحافظوا على اتباعه، وقصة معاذ -﵁- في الإطالة مشهورة، فبيَّن هذه المعاني بأوكد وجه، وهو قوله -ﷺ-: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب اللَّه، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سنًّا، ولا يؤمّنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه"، رواه مسلم. انتهى كلام الشيخ وليّ اللَّه الدهلويّ -﵀- (^٣)، وهو بحثٌ حسنٌ مفيدٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه]: اختُلف في بدء مشروعيّة صلاة الجماعة، فجزم ابن حجر الهيتميّ الفقيه الشافعيّ في "تحفة المحتاج شرح المنهاج" أنها شُرعت بالمدينة، وفي "روضة المحتاجين" للشيخ رضوان العدل أن أصل مشروعيّتها بمكة، بدليل صلاة جبريل بالنبيّ -ﷺ-، وبالصحابة صبيحة ليلة الإسراء، وصلاة النبيّ -ﷺ- أيضًا بخديجة، وبعليّ -﵄-، لكنها لم تظهر، ولم يواظب عليها إلَّا بالمدينة، ولذا قيل: إنها شُرعت بها، وكان الصحابة -﵃- بمكة يصلّون في بيوتهم لتسلّط المشركين عليهم، وقهرهم لهم، ذكره في "المرعاة" (^٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه أبو داود، والنسائيّ عن جابر بن عتيك، أن نبي اللَّه -ﷺ- كان يقول: "من الغيرة ما يحب اللَّه، ومنها ما يبغض اللَّه، فأما التي يحبها اللَّه فالغيرة في الرِّيبة، وأما الغيرة التي يبغضها اللَّه فالغيرة في غير ريبة، وإن من الخيلاء ما يبغض اللَّه، ومنها ما يحب اللَّه، فأما الخيلاء التي يحب اللَّه، فاختيال الرجل نفسه عند القتال، واختياله عند الصدقة، وأما التي يبغض اللَّه فاختياله في البغي".
(٢) متفقٌ عليه.
(٣) "حجة اللَّه المبالغة" ٢/ ٦٧٦ - ٦٨٠.
(٤) "المرعاة شرح المشكاة" ٣/ ٤٧٩.
[ ١٤ / ١٨٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٣] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ وَحْدَهُ، بِخَمْسَةٍ (^١) وَعِشْرِينَ جُزْءًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب، والباقون يأتون في الحديث الآتي، وكذا شرح الحديث، ومسائله، وإنما أخرتها إليه؛ لكونه أتمّ مما هنا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "تَفْضُلُ صَلَاةٌ فِي الْجَمِيعِ (^٣) عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، قَالَ: وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "بخمس".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "صلاة الجميع"، وفي أخرى: "صلاة في الجمع".
[ ١٤ / ١٨٦ ]
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (الزُّهْرِيُّ)، تقدّم قبل باب.
٥ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حزن القرشيّ المخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير -﵁-، مات سنة (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من الزهريّ، وشيخه كوفيّ، وعبد الأعلى بصريّ، ومعمر بصريّ، ثم يمنيّ.
٤ - (ومنها): ما قيل: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-: الزهريّ، عن سعيد، عنه.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة -﵁- أحد المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "تَفْضُلُ) بفتح أوله، ضمّ الضاد، وفتحها، قال في "القاموس": الفضل: ضدّ النقص، جمعه فُضُولٌ، وقد فَضَلَ، كنصَرَ، وعَلِمَ، وأما فَضِلَ كعَلِمَ يفضُلُ كينصُرُ، فمركّبة منهما. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ: فَضَلَ فَضْلًا، من باب قَتَلَ: بَقِيَ، وفي لغة فَضِلَ يَفْضَلُ، من باب تَعِبَ، وفَضِلَ بالكسر يَفْضُلُ بالضمّ لغةٌ ليست بالأصل، ولكنها على تداخل اللغتين، قال: وفَضَلَ فضْلًا، من باب قتل أيضًا: زاد. انتهى (^٢).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٣١.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٥.
[ ١٤ / ١٨٧ ]
قال ابن الأثير في "شرح المسند": لما كانت "تَفْضُل" بمعنى "تزيد"، وهي تتعدى بـ "على" أعطاها معناها، فعداها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها، قال: وأما الذي في "صحيح مسلم": "أفضل من صلاة الفذّ"، فجاء بها بلفظ "أفعل" التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من "تفضل" على ما لا يخفى. انتهى (^١).
وقوله: (صَلَاةٌ) بالرفع على الفاعليّة، أي تزيد في الأجر والثواب صلاة الرجل (فِي الْجَمِيعِ) أي مع جماعة الناس، وفي نسخة: "صلاة في الجمع"، وفي أخرى: "صلاة الجميع" بالإضافة، والإضافة بمعنى "في"، لا بمعنى اللام، قاله العيني، وقال السنديّ: الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف المضاف، أي صلاة آحاد الجميع، وإلا فليس المطلوب تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الواحد على صلاته باعتبار الحالين. انتهى.
(عَلَى صَلَاةِ الرَّجُلِ وَحْدَهُ) فيه دليلٌ على أن صلاة المنفرد صحيحة، وفيه ردّ على من جعل الجماعة شرطًا في صحية الصلاة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا (خَمْسًا وَعِشْرِينَ) وفي حديث ابن عمر -﵄-: "سبعًا وعشرين درجةً"، فيُحْمَل على أنه أوحِيَ إليه أولًا بخمس وعشرين، ثم بسبع وعشرين، تفضلًا من اللَّه تعالى، حيث زاد درجتين، أو يُحْمَل على أن المراد بالعدد التكثير لا التحديد، وسيأتي تمام البحث فيه.
وقوله: (دَرَجَةً) تمييز العدد المذكور، وفي الروايات كلّها التعبير بـ "درجةً"، أو حذفُ التمييز، إلَّا طرُق حديث أبي هريرة -﵁-، ففي بعضها "ضعفًا"، وفي بعضها "جزءًا"، وفي بعضها "درجةً"، وفي بعضها "صلاةً"، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس -﵁-، والظاهر أن ذلك من تصرّف الرواة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من التفنّن في العبارة.
وأما قول ابن الأثير -﵀-: إنما قال: "درجةً"، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع،
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٥/ ١٦٦.
[ ١٤ / ١٨٨ ]
فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوق، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ "درجة"، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف، فتنبّه.
(قَالَ) -ﷺ- (وَتَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ") فيه بيان مَزِيَّة صلاةِ الفجر جماعةً؛ حيث إن الملائكة تجتمع في وقتها، ومثلها صلاة العصر، كما تقدم في حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. . . " الحديث، متّفق عليه، فلذلك حَثَّ الشارعُ على المحافظة عليهما؛ ليكون من حضرهما تَرْفَعُ الملائكة عمله، وتشفع له.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، ظاهر هذا أنه من قول أبي هريرة -﵁-، وليس من قول النبيّ -ﷺ-، لكن أخرج الترمذيّ في "التفسير"، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ- في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: "تشهده ملائكة الليل، وملائكة النهار"، قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا ظاهر في كونه مرفوعًا إلى النبيّ -ﷺ-.
ويُمكن أن يُجمع بينهما بأن أبا هريرة -﵁- كان تارةً يرفعه إلى النبيّ -ﷺ-، وتارة يذكره عن نفسه، واللَّه تعالى أعلم.
(اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ) أي إن أردتم أن تعرفوا مصداق ذلك من كتاب اللَّه تعالى، فاقرؤوا هذه الآية (﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾) بالنصب عطفًا على الصلاة، من قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، أي وأقم قرآنَ الفجر، أو منصوب على الإغراء، أي وعليك قرآنَ الفجر، على رأي من يقول: إن أسماء الأفعال تَعْمَل مقدَّرةً، ويقدر على رأي غيرهم: الْزَمْ قرآنَ الفجر (﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾) أي صلاة الصبح، سميت قرآنًا، وهو القراءة؛ لأنها ركن منها، لا تجوز الصلاة إلَّا بها، كما سميت ركوعًا، وسجودًا، وقنوتًا؛ أي قيامًا، وإنما خص القراءة بالتسمية هنا للحثّ على تطويل القراءة فيها.
(﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾) أي محضورًا؛ تحضره الملائكة.
قال السنديّ -﵀-: ولا يخفى أن طائفة من الملائكة على البدلية تشهد الصلوات كلها، وكلتا الطائفتين لا يحضرون صلاة الفجر أو العصر بتمامهما
[ ١٤ / ١٨٩ ]
أيضًا؛ لقولهم: "تركناهم وهم يصلون"، فكأنهم يشهدون القرآن جميعًا، ثم تذهب طائفة عند تمام الركعة الثانية من الفجر، أو الرابعة من العصر قبل الفراغ من الصلاة، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٧٣ و١٤٧٤ و١٤٧٥ و١٤٧٦ و١٤٧٧] (٦٤٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٤٨) و"التفسير" (٤٧١٧)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٢١٦)، و(النسائيّ) فيها (٤٨٦ و٨٣٨) وفي "الكبرى" (٤٦١ و٩١٢)، و(ابن ماجه) فيها (٧٨٧)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٦٤)، و(ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٤٧٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٥١ و٣٠٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٤٥ و١٢٤٦ و١٢٤٧ و١٢٤٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٤٤ و١٤٤٥ و١٤٤٦ و١٤٤٧ و١٤٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان تأكيد صلاة الجماعة، وفضلها، والحثّ عليها.
٢ - (ومنها): أن فيه بيان أن أقل الجماعة اثنان؛ لأنه جعل هذا الفضل لغير المنفرد، وما زاد على المنفرد فهو جماعة، وقد يقال: إنما رتب هذا الفضل لصلاة الجماعة، وليس فيه تعرّض لنفي درجة متوسطة بين المنفرد والجماعة، كصلاة الاثنين مثلًا، ولكن قد ورد في غير حديثٍ التصريح بكون الاثنين جماعة، فقد روى ابن ماجه، من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اثنان في فوقهما جماعة"، ورواه البيهقيّ أيضًا من حديث أنس -﵁-، وفيهما ضعف، لكن استُدلّ لذلك بما رواه الشيخان من حديث مالك بن الحويرث -﵁-: "إذا حضرت الصلاة، فأذِّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما"، وقد بَوَّب عليه الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، فقال:
[ ١٤ / ١٩٠ ]
"باب اثنان في فوقهما جماعة"، قال النوويّ في "الخلاصة": ويُستَدَلّ فيه أيضًا بالإجماع، قال العراقيّ: وفي الإجماع نظرٌ، وقد حكى ابن الرفعة في "الكفاية" خلافًا في أن أقلّ الجماعة ثلاثة، وهو ضعيف، وحكاه ابن بطال في "شرح البخاريّ"، عن الحسن البصريّ. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من جعل الجماعة من شروط صحّة الصلاة، وهو داود الظاهريّ، ووجه دلالته أنه -ﷺ- أثبت لمن صلّى وحده صلاةً، فلو كانت الجماعة شرطًا لما صحتّ صلاته، وقد قال -ﷺ-: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ"، وقال: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الرجل وحده"، فجعل لمن صلّى وحده صلاة صحيحة، لها ثواب دون ثواب من صلّى مع الجماعة، واللَّه تعالى أعلم.
وأما قول العراقيّ -﵀-: فيه ردّ على داود الظاهريّ، وأبي ثور، وابن المنذر، وابن خزيمة، فيما ذهبوا إليه من أن الجماعة فرض عين، وحُكي أيضًا عن أحمد، وعزاه بعضهم قولًا للشافعي فيما حكاه الرافعيّ.
ففيه نظر لا يخفى؛ لأن الحقّ مع هؤلاء في كون الجماعة فرض عين، على ما سيأتي تحقيقه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): أنه استدَلَّ به بعض المالكية للمشهور عن مالك، أنه لا فضل لجماعة على جماعة؛ لأنه جعل الجماعات كلها بسبع وعشرين، وخمس وعشرين، ولم يفرِّق بين جماعة وجماعة.
وذهب الشافعيّ، والجمهور إلى أن الجماعات تتفاوت؛ لما روى أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، بإسناد حسن، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحب إلى اللَّه تعالى" (^٢).
وليس في حديث الباب حجةٌ لمن تعلق به في تساوي الجماعات؛ لأنا
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٩٦.
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود في "سننه" برقم (٥٥٤)، والنسائيّ في "المجتبى" برقم (٨٤٣).
[ ١٤ / ١٩١ ]
نقول أقلّ ما تحصل به الجماعة محصل للتضعيف، ولا مانع من تضعيف آخر بسبب آخر، من كثرة الجماعة، أو شرف المسجد، أو بُعْد طريق المسجد، أو غير ذلك، قاله العراقيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ حسنٌ.
٥ - (ومنها): ما قاله العراقيّ -﵀-: هل هذا الفضل المذكور للجماعة مقيَّد بكونها في المسجد، أو التضعيف حاصل بمطلق الجماعة، في أيّ موضع كانت؟، حَكَى صاحب "المفهم" فيه خلافًا، قال: والظاهر الإطلاق؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم.
قال العراقيّ: ولكن ظاهر الرواية المذكورة في "الصحيحين" في آخر الباب يقتضي التقييد بالمسجد؛ لما فيه من الإشارة إلى العلة، فإنه لما ذكر أنها تفضل بخمسة وعشرين ضعفًا، أو ببضع وعشرين درجةً قال: "وذلك أنه إذا توضأ، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلَّا الصلاة. . . "، فذكر الحديث، فعَلَّل ما ذكر من الثواب أَوّلًا بما ذكره ثانيًا، وفيه الخروج إلى المسجد، وكذا قوله في أول الحديث: "تزيد على صلاته في بيته، وفي سوقه"، وربما كانت صلاته في بيته أو في سوقه جماعةً، فرَتَّب عليها الفضل بالتضعيف المذكور. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة:
قال الإمام البخاريّ -﵀- في "صحيحه": "باب وجوب صلاة الجماعة"، وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقةً عليه لم يطعها، ثم أورد حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في الباب: "لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس. . . " الحديث.
قال الحافظ -﵀-: هكذا بَتّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعمّ من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلَّا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين؛ لما عُرف
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩.
[ ١٤ / ١٩٢ ]
من عادته أنه يَستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب.
وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المروزيّ في كتاب "الصيام" بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة.
وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنّة لم يهدَّد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول -ﷺ- ومن معه.
ويَحْتَمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك.
وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعيّ، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالًا على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلًا على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلَّا أنه لا يتم إلَّا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب.
ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة غير شرط. انتهى.
وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية، والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة:
(منها): ما تقدم.
(ومنها): -وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي
[ ١٤ / ١٩٣ ]
نقله عن النوويّ الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه -ﷺ- هَمّ بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما همّ بتركها إذا توجه.
وتُعُقِّب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين.
(ومنها): -وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان.
وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال -ﷺ-: "لقد هممت. . . إلخ"، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان.
(ومنها): -وهو رابعها-: ما قال الباجيّ وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك.
وأجيب: بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في "الجهاد" (^١) الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحَمْلُ التهديد على حقيقته غير ممتنع.
(ومنها): -وهو خامسها-: كونه -ﷺ- ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم.
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الجهاد من "صحيحه" (٣٠١٦) عن أبي هريرة -﵁- أنه قال: بعثنا رسول اللَّه -ﷺ- في بعث، فقال: "إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار"، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- حين أردنا الخروج: "إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلَّا اللَّه، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
[ ١٤ / ١٩٤ ]
قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجةٌ؛ لأنه -ﷺ- هَمّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم.
وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه -ﷺ- لا يهم إلَّا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب؛ لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁- بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون. . . " الحديث.
(ومنها): -وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقَّب بأن في رواية مسلم: "لا يشهدون الصلاة،. . . "، أي لا يحضرون.
وفي رواية عجلان عن أبي هريرة -﵁- عند أحمد: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، أي في الجماعة.
وفي حديث أسامة بن زيد -﵄- عند ابن ماجه مرفوعًا: "لينتهين رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم".
(ومنها): -وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحثّ على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين ابن الْمُنَيِّر، وهو قريب من الوجه الرابع.
(ومنها): -وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، فلا يتم الدليل.
وتُعُقِّب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان مُعْرِضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويّتهم، وقد قال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وتَعَقَّب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلَّا إذا ادُّعِي أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيّرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى.
[ ١٤ / ١٩٥ ]
قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين؛ لقوله في صدر حديث أبي هريرة -﵁-: "ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر. . . " الحديث، ولقوله: "لو يعلم أحدهم. . . إلخ"؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وقوله في حديث أسامة: "لا يشهدون الجماعة".
وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة -﵁-، عند أبي داود: "ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة"، فهذا يدل على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه اللَّه به من الكفر والاستهزاء، نَبَّه عليه القرطبيّ.
وأيضًا فقوله في رواية المقبريّ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية" يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعيّن طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدل على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها.
قال الطيبيّ: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود -﵁-: "لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلَّا منافق". رواه مسلم. انتهى كلامه.
وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما يشهدهما منافق" يعني العشاء والفجر.
ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوّي ما ظهر لي أولًا، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق
[ ١٤ / ١٩٦ ]
الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا؛ لما دل عليه مجموع الأحاديث.
(ومنها): -وهو تاسعها-: ما ادّعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نُسخ، حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: وفيه نظر؛ إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلَّا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
(ومنها): -وهو عاشرها- أن المراد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبيّ.
وتُعُقّب بالأحاديث المصرِّحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلَّا إن تعيّن كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: قد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود -﵃-، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومئ إلى أنها العشاء لقوله في أَخره: "لَشَهِد العشاء"، وفي رواية مسلم: "يعني العشاء"، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعيّنها السرّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: "أخَّر العشاء ليلة، فخرج، فوجد الناس قليلًا، فغضب"، فذكر الحديث، وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: "يعني الصلاتين، العشاء
[ ١٤ / ١٩٧ ]
والغداة"، وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد التصريح بتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام.
وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال: "الجمعة" أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها؛ لشذوذها.
ويدلّ على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في "الأوسط" من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عني، أو غيرها؟ قال: صُمَّت أُذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول اللَّه -ﷺ-، ما ذكر جمعة، ولا غيرها.
فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة.
وأما حديث ابن أم مكتوم -﵁- فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة -﵁-.
وأما حديث ابن مسعود -﵁- فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقلّ؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيُحْمَل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النوويّ، والمحب الطبريّ.
وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة -﵁- على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول اللَّه -ﷺ- استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: "لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول اللَّه، قد علمت ما بي، وليس لي قائد، زاد أحمد: وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فاحضرها"، ولم يرخِّص له.
ولابن حبان من حديث جابر -﵁-، قال: "أتسمع الأذان؟ " قال: نعم، قال: "فأتها ولو حَبْوًا".
[ ١٤ / ١٩٨ ]
وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشقّ عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان.
واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلَّا عن واجب، وفيه نظر.
ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول بما ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولا سيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضًا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك.
وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة -﵁- عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد.
قال الحافظ -﵀-: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلامه -﵁-.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث: "من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلَّا من عذر".
والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام
[ ١٤ / ١٩٩ ]
الحافظ -﵁-، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك، فتبصر.
ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة -﵁- الآتي في الباب: "لقد هممت. . . " الحديث.
ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة -﵁-، قال: أتى النبيّ -ﷺ- أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه -ﷺ- أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فأجب".
ومنها: حديث ابن عباس -﵄-: أن النبيّ -ﷺ- قال: "من سمع النداء، فلم يجب، فلا صلاة له، إلَّا من عذر"، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي (^١).
ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر -﵃-، أنهما سمعا النبيّ -ﷺ- يقول على أعواده: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات، أو ليختمن اللَّه على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين"، أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وأخرجه مسلم بلفظ "الجمعة".
فهذه النصوص تدلّ دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات.
وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة -﵁-، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-"، رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه.
وعن ابن مسعود -﵁-، أنه قال: "حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن. . . " الحديث.
وعن أبي موسى الأشعريّ -﵁- قال: "من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له"، صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود -﵁- مثله.
_________________
(١) انظر: تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على "المحلّى" ٤/ ١٩٠.
[ ١٤ / ٢٠٠ ]
وعن أبي هريرة -﵁-: "لأن يمتلئ أذنا ابن آدم رصاصًا مُذابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه".
وعن عائشة -﵂-: "من سمع النداء فلم يأته، فلم يرد خيرًا، ولم يُرَد به". وعن علي بن أبي طالب -﵁-: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد"، فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؛ قال: من سمع الأذان" (^١).
وعن ابن عباس -﵄-، قال: "من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلَّا من عذر". وعن عطاء: "ليس لأحد من خلق اللَّه تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة"، وعنه: "كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلَّا منافق".
وعن إبراهيم النخعي: "أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلَّا لمريض، أو خائف". وعن الحسن، قال: "إذا سمع الرجل الأذان فقد احتبس". وسال رجل سعيد بن المسيِّب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مَضَوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلَّا منافق، إلَّا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة"، فأبى الرجل إلَّا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، الم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله؟ قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر، نقل هذه الآثار الإمام أبو محمد بن حزم -﵀- في كتابه "المحلى" (^٢).
_________________
(١) قد ورد حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" مرفوعًا من حديث أبي هريرة -﵁- عند الدارقطنيّ، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليماميّ منكر الحديث، ومن حديث جابر -﵁- عند الدارقطنيّ، وفي إسناده محمد بن سُكين، وهو ضعيف، ولذا قال الحافظ في "التلخيص": حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلَّا في المسجد" مشهور بين الناس، وهو ضعيف، انظر: ما كتبه الشيخ أحمد شاكر على "المحلى" ٤/ ١٩٠.
(٢) "المحلّى" ٤/ ١٩٤ - ١٩٦.
[ ١٤ / ٢٠١ ]
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"، وحديث: "صلاة الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده. . . "، وحديث: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده. . . " لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة.
وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عَليهنّ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): قد حقّق الحافظ ابن رجب -﵀- في تفنيد أدلّة القائلين بعدم فرضية صلاة الجماعة، في شرح حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: "لقد هممت أن آمر. . . " الحديث، فقال بعد قوله: "وهذا الحديث ظاهر في وجوب شهود الجماعة في المساجد" ما نصّه:
وقد اعترض المخالفون في وجوب الجماعة على هذا الاستدلال، وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ:
مِنْهَا: حمل هَذَا الوعيد عَلَى الجمعة خاصة.
واستدلوا عَليهِ بما فِي "صحيح مُسْلِم" عَن ابن مَسْعُود، أن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ لقوم يتخلفون عَن الجمعة: "لَقَدْ هممت أن آمر رجلَّا يصلي بالناس، ثُمَّ أحرق عَلَى رجال يتخلفون عَن الجمعة".
ومنها: أَنَّهُ أراد تحريق بيوت المنافقين لنفاقهم؛ ولهذا قَالَ ابن مَسْعُود: ولقد رأيتنا وما يتخلف عَنْهَا إلَّا منافق معلوم نفاقه، وقد سبق ذكره.
والمنافق إذا تخلف عَن الصلاة مَعَ المُسْلِمِين لا يصلي فِي بيته بالكلية، كما أخبر اللَّه عنهم، أنهم ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
وهذا التأويل عَن الشَّافِعِيّ وغيره.
ومنها: أَنَّهُ لَمْ يفعل التحريق، وإنما توعّد بِهِ.
وقد ذهب قوم من العلماء إلى جواز أن يهدِّد الحَاكِم رعيِّته بما لا يفعله بهم، واستَدَلّ بعضهم لذلك بما أخبر بِهِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَن سُلَيْمَان، أَنَّهُ قَالَ حِينَ اختصصت إليه المرأتان في الولد: "ايتوني بالسكين حَتَّى أشقه"، ولم يَرِد فعل
[ ١٤ / ٢٠٢ ]
ذَلِكَ، إنما قصد بِهِ التوصل إلى معرفة أمه منهما بظهور شفقتها ورقّتها عَلَى ولدها.
والجواب: أَنَّهُ لا يصح حمل الحَدِيْث عَلَى شيء من ذَلِكَ.
أما حمله عَلَى الجمعة وحدها فغير صحيح.
وفي ذكر النَّبِيِّ -ﷺ- شهود العشاء فِي تمام الحَدِيْث مَا يدل عَلَى أن صلاة العشاء الموبَّخ عَلَى ترك شهودها هِيَ المراد.
وقد روي ذَلِكَ عَن سَعِيد بْن المُسَيِّب، وأنها داخلة فِي عموم الصلاة؛ فإن الاسم المفرد المحلى بالألف واللام يعم، كما فِي قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهذا قَوْل جماعة من العلماء.
وقد جَاءَ التصريح بالتحريق عَلَى من تخلف عَن صلاة العشاء.
فروى الحميدي عَن سُفْيَان: ثنا أبو الزناد، عَن الأعرج، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "لَقَدْ هممت أن أقيم الصلاة صلاة العشاء، ثُمَّ آمر فتياني فيخالفوا إلى بيوت أقوام يتخلفون عَن صلاة العشاء، فيحرقون عليهم بحزم الحطب"، وذكر بقية الحَدِيْث.
وروى ابن أَبِي ذئب، عَن عجلان مَوْلَى الْمُشْمَعِلّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "لينتهين رجال ممن حول المسجد، لا يشهدون العشاء الآخرة فِي الجمع، أو لأحرقن حول بيوتهم بحزم الحطب".
خرّجه الإمام أحمد.
وخرّج -أيضًا- من حَدِيْث أَبِي معشر، عَن سَعِيد المقبري، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَن النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "لولا مَا فِي البيوت من النِّسَاء والذرية أقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون مَا فِي البيوت بالنار".
وروى عاصم، عَن أَبِي صالح، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أخر رَسُول اللَّه -ﷺ- صلاة العشاء حَتَّى تهوّر الليل وذهب ثلثه أو قريبًا مِنْهُ، ثُمَّ خرج إلى المسجد، فإذا النَّاس عزون، وإذا هم قليل، فغضب غضبًا مَا أعلم أني رأيته غضب غضبًا قط أشد مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ أن رجلًا نادى النَّاس إلى عرق أو مرماتين أتوه لذلك [ولم يتخلفوا]، وهم يتخلفون عَن هذه الصلاة، لَقَدْ هممت أن آمر رجلًا
[ ١٤ / ٢٠٣ ]
يصلي بالناس، ثُمَّ أتتبع هذه الدور ائَتِي تخلف أهلوها عَن هذه الصلاة، فأحرقها عليهم بالنيران".
وورد التصريح بأن العقوبة عَلَى ترك الجماعة دون الجمعة.
خرّجه الطبراني فِي "أوسطه": حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم -هُوَ ابن هاشم البغوي-، ثنا حوثرة بْن أشرس، ثنا حماد بْن سَلَمَة، عَن ثابت، عَن أنس، أن النَّبِيّ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ أن رجلًا دعا النَّاس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يدعون إلى هذه الصلاة فِي جماعة فلا يأتونها، لَقَدْ هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس فِي جماعة، ثُمَّ أنصرف إلى قوم سمعوا النداء، فَلَمْ يجيبوا فأضرمها عليهم نارًا؛ فإنه لا يتخلف عَنْهَا إلَّا منافق".
حوثرة: ضَعِيف، قَالَ ابن نقطة فِي "تكملة الإكمال".
وأما ذكر الجمعة فِي حَدِيْث ابن مَسْعُود، فلا يدل عَلَى اختصاصها بذاك؛ فإنه كما همّ أن يحرق عَلَى المتخلف عَن الجمعة فَقَدْ همّ أن يحرق عَلَى المتخلف عَن العشاء.
وقد قيل إنه عبّر بالجمعة عَن الجماعة للاجتماع لها.
قَالَ البيهقي: هَذَا هُوَ الَّذِي عَلِيهِ سائر الرواة.
واستدل بما خرّجه من "سنن أَبِي داود" عَن يزيد بْن يزيد، عَن يزيد بْن الأصم، قَالَ: [سَمِعْت أبا هُرَيْرَةَ يَقُول]: سَمِعْت رَسُول اللَّه -ﷺ- يَقُول: "لَقَدْ هممت أن آمر فتيتي فيجمعوا حزمًا من حطب، ثُمَّ آتي قومًا يصلّون فِي بيوتهم، ليس بهم علة فأحرقها عليهم".
قيل ليزيد بْن الأصم: الجمعة عنى أو غيرها؟ فَقَالَ: صمّتا أُذناي إن لَمْ أكن سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يأثره عَن النَّبِيّ -ﷺ-، مَا ذكر جمعة ولا غيرها.
وخرّجه -أيضًا- من طريق معمر، عَن جَعْفَر بْن برقان، عَن يزيد بْن الأصم مختصرًا، وفي حديثه: "لا يشهدون الجمعة"، وهذه الرواية، أو أَنَّهُ أراد بالجمعة الجماعة، كما قَالَ البيهقي؛ فإن مسلمًا خرّجه من طريق وكيع، عَن جَعْفَر بْن برقان، وَقَالَ فِي حديثه: "لا يشهدون الصلاة".
ورواية أَبِي داود صريحة فِي أن التحريق عقوبة عَلَى المتخلف عَن الجماعة.
[ ١٤ / ٢٠٤ ]
وإن صلى المتخلف فِي بيته.
وأما دعوى أن التحريق كَانَ للنفاق فهو غير صحيح؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- صرح بالتعليل بالتخلف عَن الجماعة، ولكنه جعل ذَلِكَ من خصال النفاق، وكل مَا كَانَ علمًا عَلَى النفاق فهو محرَّم.
وفي حَدِيْث أَبِي زرارة الأنصاري، عَن النَّبِيّ -ﷺ-: "من سَمِعَ النداء ثلاثًا فَلَمْ يجب كتب من المنافقين"، وإسناده صحيح؛ لكن أبو زرارة، قَالَ أبو الْقَاسِم البغوي: لا أدري أله صحبة أم لا؟.
وخرّج الإمام أحمد من رِوَايَة ابن لهيعة، عَن زبان بْن فائد، عَن سَهْل بْن معاذ بْن أنس، عَن أبيه، عَن النَّبِيّ -ﷺ-، قَالَ: "الجفاء كل الجفاء، والكفر والنفاق من سَمِعَ منادي اللَّه ينادي بالصلاة ويدعو بالفلاح فلا يجيبه".
ورواه رشدين بْن سعد، عَن زبان.
قَالَ الحافظ أبو موسى: رواه جماعة عَن زبان، وتابعه عَليهِ يزيد بْن أَبِي حبيب.
وَقَالَ النخعي: كفى علَمًا عَلَى النفاق أن يكون الرَّجُلُ جار المسجد، لا يُرى فِيهِ.
وقد كَانَ النَّبِيّ -ﷺ- يعلم نفاق خلق من المنافقين ولا يعاقبهم عَلَى نفاقهم، بل يكل سرائرهم إلى اللَّه، ويعاملهم معاملة المُسْلِمِين فِي الظاهر، ولا يعاقبهم إلَّا عَلَى ذنوب تظهر منهم، فَلَمْ تكن العقوبة بالتحريق إلَّا عَلَى الذَّنْب الظاهر، وَهُوَ التخلف عَن شهود الصلاة فِي المسجد، لا عَلَى النفاق الباطن.
وأما دعوى أن ذَلِكَ كَانَ تخويفًا وإرهابًا مِمَّا لا يجوز فعله، فَقَدْ اختلف فِي جواز ذَلِكَ.
فروي جوازه عَن طائفة من السلف، منهم: عَبْد الحميد بْن عَبْد الرحمن عامل عُمَر بْن عَبْد العزيز عَلَى الكوفة، وميمون بْن مهران، وروي -أيضًا- عن عُمَر بْن الخَطَّاب من وجه منقطع ضَعِيف، وعن عَلِيّ بْن أَبِي طالب.
وأنكر ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد العزيز وتغيّظ عَلَى عَبْد الحميد لمّا فعله، وَقَالَ: إن خصلتين خيرهما الكذب لخصلتا سوءٍ.
وقد ذكر هذه الآثار عُمَر بْن شبة البصري فِي "كِتَاب أدب السلطان".
[ ١٤ / ٢٠٥ ]
وبكل حال؛ فليس مَا ذكره النَّبِيّ -ﷺ- من التحريق من هَذَا فِي شيء؛ لأنه -ﷺ- أخبر بأنه همّ، وأنما يَهُمُّ بما يجوز لَهُ فعله، والتخويف يكون عِنْدَ من أجازه بما لا يجوز فعله ولا الهم بفعله، فتبين أَنَّهُ ليس من التخويف فِي شيء، وإنما امتنع من التحريق لما فِي البيوت من النّسَاء والذرية وهم الأطفال، كما فِي الرواية الَّتِي خرجها الإمام أحمد، وهم لا يلزمون شهود الجماعة؛ فإنها لا تجب عَلَى امرأة ولا طفل، والعقوبة إذا خشي أن تتعدى إلى من لا ذنب لَهُ امتنعت، كما يؤخر الحد عَن الحامل إذا وجب عَلَيْهَا حَتَّى تضع حملها.
فإن زعم زاعم أن التحريق منسوخ؛ لأنه من العقوبات المالية، وقد نُسِخت، وربما عضَّدَ ذَلِكَ بنهي النَّبِيّ -ﷺ- عَن التحريق بالنار.
قيل لَهُ: دعوى نسخ العقوبات المالية بإتلاف الأموال لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلِكَ، كأمره -ﷺ- بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متاع الغالّ، وأمره بكسر القدور الَّتِي طبخ فيها لحوم الحمر الأهلية، وحرّق عُمَر بيت خمّار.
ونصّ عَلَى جواز تحريق بيت الخمّار أحمد وإسحاق، نقله عنهما ابن منصور فِي "مسائله"، وَهُوَ قَوْل يَحْيَى بْن يَحْيَى الأندلسي، وذكر أن بعض أصحابه نقله عَن مَالِك، واختاره ابن بطة من أصحابنا.
وروي عَن عَلِيّ -أيضًا- وروي عَنْهُ أَنَّهُ أنهب ماله.
وعن عُمَر، قَالَ فِي الَّذِي يبيع الخمر: كسِّروا كل آنية لَهُ، وسَيِّروا كل ماشية لَهُ، خرّجه وكيع فِي "كتابه".
وأما نهيه -ﷺ- عَن التحريق بالنار، فإنما أراد بِهِ تحريق النفوس وذوات الأرواح.
فإن قيل: فتحريق بيت العاصي يؤدي إلى تحريق نفسه، وَهُوَ ممنوع.
قيل: إنما يقصد بالتحريق دارهُ ومتاعهُ، فإن أتى عَلَى نفسه لَمْ يكن بالقصد، بل تبعًا، كما يجوز تبييتُ المشركين وقتلهم ليلًا، وقد أتى القتل عَلَى ذراريهم ونسائهم.
وقد سئل النَّبِيّ -ﷺ- عَن ذَلِكَ، فَقَالَ: "هم منهم"، رواه البخاريّ.
وهذا مِمَّا يحسن الاستدلال بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت
[ ١٤ / ٢٠٦ ]
عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجبًا عِنْدَ جمهور العلماء. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي ذكره الحافظ ابن رجب -﵀- تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وحاصله أن تأويل القائلين بعدم وجوب صلاة الجماعة للأدلّة الواضحة الظاهرة على وجوبها تأويل غير صحيح، فلا يلتفت إليه، فالحقّ أنها فرض من فروض الصلاة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ -ﷺ- يَقُولُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ) هو: محمد بن إسحاق بن جعفر الصاغانيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٧٠) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٦.
٢ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ عابد، من أثبت الناس في الزهري [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، و"أبو سلمة" هو: ابن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قبل بابين.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤٥٣ - ٤٦١.
[ ١٤ / ٢٠٧ ]
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن أبا اليمان، حدّث عن شعيب عن الزهريّ بمثل ما حذث به عبد الأعلى، عن معمر عنه.
[تنبيه]: رواية أبي اليمان، عن شعيب هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(٦٤٩) حدّثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سعيد بن المسيِّب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده، بخمس وعشرين جزءًا، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر"، ثم يقول أبو هريرة: فاقرءوا إن شئتم: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾، قال شعيب: وحدّثني نافع، عن عبد اللَّه بن عمر، قال: "تفضلها بسبع وعشرين درجة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^١) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ، تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وقد سكنها مدّةً، ثقةٌ عابد، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدّمان عليه في "الموطّأ" أحدًا، من صغار [٩] مات في أول سنة (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (أَفْلَحُ) بن حُميد بن نافع الأنصاريّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، يقال له: ابن صُفيراء، ثقةٌ [٧] (ت ١٥٨) أو بعدها (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٢٠٨ ]
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: كنيته أبا محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢.
٤ - (سَلْمَانُ الْأَغَرُّ) أبو عبد اللَّه المدنيّ، مولى جُهينة، أصله من أصبهان، ثقةٌ، من كبار [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٣/ ٣١٩.
٥ - (أبو هريرة) تقدم في الباب.
وقوله: (مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ) بالفاء، والذال المعجمة المشدّدة، أي المنفرد، أي المصلّي وحده، قال صاحب "المطالع": ولغة عبد القيس: الفنذ بالنون، وهي غنّة لا نون حقيقةً، قال: وكذلك يقوله أهل الشام. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ، أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، إِذْ مَرَّ بِهِمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ، فَدَعَاهُ نَافِعٌ، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَلَاةٌ مَعَ الإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، يُصَلِّيهَا وَحْدَهُ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) أبو موسى الحمّال، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن ميمون، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، تقدّم قبل بابين أيضًا.
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الإحكام" ٢/ ٣٤٩.
[ ١٤ / ٢٠٩ ]
٥ - (عُمَرُ بْنُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي الْخُوَارِ) -بضمّ الخاء المعجمة، وتخفيف الواو- المكيّ، مولى بني عامر، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عباس، والسائب بن يزيد، وعبيد اللَّه بن عياض، وعُبيد بن جريج، وعطاء بن بخت، ونافع بن جبير بن مطعم، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، ويحيى بن يعمر، ومولى لأبي الأسقع.
ورَوَى عنه ابن جريج، وإسماعيل بن أمية.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين، وأبو زرعة: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووَثّقه يعقوب بن سفيان، والعجليّ.
وقال الآجريّ: سألت أبا داود عن عمر بن عطاء الذي رَوَى عنه ابن جريج؟ فقال: هذا عمر بن عطاء بن أبي الْخُوَار، بلغني عن يحيى أنه ضعَّفه.
قال الحافظ المزيّ -﵀-: كذا قال، والمحفوظ عن يحيى أنه وَثَّقه، وضعّف الذي بعده.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٤٩)، وحديث (٨٨٣): "أن لا توصل صلاة بصلاة. . . " الحديث، وروى أبو داود ثلاثة أحاديث فقط.
٦ - (أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، خَتَنُ زَيْدِ بْنِ زَبَّانٍ، مَوْلَى الْجُهَنِيِّينَ) هو سلمان الأغرّ الذي تقدّم في السند الماضي.
وقوله: (خَتَنُ زيدِ بْنِ زَبَّانٍ) قال النوويّ -﵀-: هو بفتح الزاي، وتشديد الباء الموحّدة، و"الختنُ": زوج بنت الرجل، أو أخته، ونحوها. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ -﵀-: "الْخَتَنُ" بفتحتين عند العرب كلُّ من كان من قِبَل المرأة، كالأب، والأخ، والجمع أختان، وخَتَنُ الرجل عند العامّة زوج ابنته، وقال الأزهريّ: الْخَتَنُ: أبو المرأة، والْخَتَنَةُ أمها، فالأَخْتان من قِبَل المرأة، والأَحْماءُ من قِبَل الرجل، والأصهارُ يعمّهما، ويقال: المخاتنة: المصاهرة من الطرفين، وخاتنتهم: إذا صاهرتهم. انتهى (^٢).
[تنبيه]: زيد بن زبّان هذا لم أجد من ترجمه، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٥٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٦٤.
[ ١٤ / ٢١٠ ]
٧ - (أبو هريرة): تقدم في الباب.
وقوله: (أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ) الضمير لعمر بن عطاء.
وقوله: (فَدَعَاهُ نَافِعٌ) أي دعا نافع بن جبير أبا عبد اللَّه.
وقوله: (فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ. . . إلخ) فاعل "قال" ضمير أبي عبد اللَّه المذكور، وهو عطف على مقدَّر، أي فسأله نافع أن يُخبره ما سمع من أبي هريرة -﵁- في فضل صلاة الجماعة، فقال: سمعت أبا هريرة -﵁-. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٨] (٦٥٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذَ، بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (نافع) مولى ابن عمر -﵄-، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابن عمر) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب -﵄-، تقدّم أيضًا قبل بابين.
والباقيان ذُكرا أول الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٩٠) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، وقد دخلها.
٤ - (ومنها): أنه أصحّ الأسانيد على الإطلاق، كما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، والمشهورين بالفتيا، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٤ / ٢١١ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ) الإضافة لأدنى ملابسة، أي صلاة أحدكم مع الجماعة، أو بحذف مضاف، أي صلاة آحاد الجماعات، فليس المراد تفضيل صلاة المجموع على صلاة الواحد، بل تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الواحد باعتبار حالين، أفاده السنديّ. (أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ) أي تزيد على صلاة المنفرد.
قال ابن الأثير -﵀- في "شرح المسند": لما كانت "تفضل" بمعنى "تزيد"، وهي تتعدى بـ "على" أعطاها معناها، فعدّاها بها، وإلا فهي متعدية بنفسها، قال: وأما الذي في "صحيح مسلم": "أفضل من صلاة الفذ"، فجاء بها بلفظ "أفعل" التي هي للتفضيل والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ من "تَفْضُل" على ما لا يخفى. انتهى.
و"الْفَذُّ" -بالذال المعجمة-: المنفردُ، يقال: فَذَّ الرجلُ من أصحابه: إذا بقي منفردًا وحده.
وفي رواية عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع التالية، وسياقه أوضح، ولفظه: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده".
(بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً") قال في "الفتح": معنى الدرجة، أو الجزء: حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمُجَمِّع، وقد أشار ابن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك، قال: والأول أظهر؛ لأنه قد ورد مبيَّنًا في بعض الروايات. انتهى.
وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ: "صلاة الجماعة تعدل خمسًا وعشرين من صلاة الفذ"، وفي أخرى: "صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاةً يصليها وحده"، ولأحمد من حديث ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات نحوه، وقال في آخره: "كلها مثل صلاته"، وهو مقتضى لفظ أبي هريرة -﵁- حيث قال: "تُضَعَّف"؛ لأن الضِّعْف كما قال الأزهري: المثل إلى ما زاد، ليس بمقصور على المثلين، تقول: هذا ضعف الشيء، أي مثله، أو مثلاه، فصاعدًا، لكن لا يزاد على العشرة.
وظاهر قوله: "تُضَعَّف"، وقوله: "تَفْضُل"، وقوله: "تزيد" أن صلاة
[ ١٤ / ٢١٢ ]
الجماعة تساوي صلاة المنفرد، وتزيد عليها العدد المذكور، فيكون لمصلي الجماعة ثواب ستٍّ، أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٧٨ و١٤٧٩ و١٤٨٠ و١٤٨١] (٦٥٠)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٤٥ و٦٤٩)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٣٧) وفي "الكبرى" (٩١١)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٢١٥)، و(ابن ماجه) فيها (٧٨٩)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٢٩)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٢١ - ١٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦٥ و١١٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٢ - ٢٩٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٧١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٥٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٤٩ و١٤٥٠ و١٤٥١)، و(الطحاويّ) في "شرح مشكل الآثار" (٢/ ٢٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٨٤ و٧٨٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف الروايات بخمس وعشرين، أو بسبع وعشرين:
قال الإمام الترمذيّ -﵀-: عامّة من رواه قالوا: "خمسًا وعشرين"، إلَّا ابن عمر، فإنه قال: "سبعًا وعشرين". انتهى.
قال الحافظ -﵀-: لم يُختَلف عليه في ذلك إلَّا ما وقع عند عبد الرزاق في "مصنّفه"، عن عبد اللَّه العُمَريّ، عن نافع، فقال فيه: "خمسًا وعشرين"، لكن العمري ضعيف، ووقع نحوه عند أبي عوانة في "مستخرجه" من طريق أبي أسامة، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، فإنه قال فيه: "بخمس وعشرين"،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٤٩.
[ ١٤ / ٢١٣ ]
وهي شاذّة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد اللَّه، وأصحاب نافع، وإن كان راويها ثقة.
قال: وأما ما وقع عند مسلم، من رواية الضحاك بن عثمان، عن نافع بلفظ: "بضع وعشرين"، فليست مغايرة لرواية الحفاظ؛ لصدق البضع على السبع، وأما غير ابن عمر، فصح عن أبي سعيد، وأبي هريرة، كما في هذا الباب، وعن ابن مسعود عند أحمد، وابن خزيمة، وعن أُبَيّ بن كعب عند ابن ماجه، والحاكم، وعن عائشة، وأنس عند السرّاج، وورد أيضًا من طرق ضعيفة عن معاذ، وصهيب، وعبد اللَّه بن زيد، وزيد بن ثابت، وكلُّها عند الطبراني، واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أُبَيّ، فقال: "أربع"، أو "خمس" على الشك، وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد، قال فيها: "سبع وعشرون" وفي إسنادها شريك القاضي، وفي حفظه ضعف.
وفي رواية لأبي عوانة: "بضعًا وعشرين"، وليست مغايرة أيضًا، لصدق البضع على الخمس، فرجعت الروايات كلها إلى الخمس، والسبع؛ إذ لا أثر للشكّ.
واختُلِف في أيهما أرجح، فقيل: رواية الخمس؛ لكثرة رواتها، وقيل: رواية السبع؛ لأن فيها زيادةً من عدل حافظ.
ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله: "درجة"، أو حذف المميّز، إلَّا طريق حديث أبي هريرة، ففي بعضها: "ضِعْفًا"، وفي بعضها: "جُزْءًا"، وفي بعضها: "درجةً"، وفي بعضها: "صلاةً"، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة.
وأما قول ابن الأثير: إنما قال: "درجة"، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًا، ولا نحو ذلك؛ لأنه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأن الدرجات إلى جهة فوقُ، فكأنه بناه على أن الأصل لفظ "درجة"، وما عدا ذلك من تصرف الرواة، لكن نفيه ورود الجزء مردود، فإنه ثابت، وكذلك الضعف. انتهى.
[ ١٤ / ٢١٤ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ذكر العلماء في الجمع بين روايتي الخمس والسبع، ما لا يخفى على بصير أنها كلّها تكلّفات، لا حاجة إليها، ولا ينشرح لها الصدر، ولا تطمئن إليها النفس، إذ هي من الأمور التي مرجعها إلى علم النبوة التي تقصر عن إدراك حقائقها عقول الحكماء، وتتقاصر دون معرفتها أذواق الفهماء، فلا ينبغي الاشتغال بمثلها، بل تفوّض إلى عِلْمِ من له الخلق والأمر، جَلّت عظمته، ودَدت حكمته، وإلى عِلْم من أوحي إليه بتبليغ الإحكام، وإيضاح أسرار التشريع للأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.
وكذلك كل ما ذكروه من تعيين الأسباب الموجبة للدرجات من التكلفات التي لا داعي إليها، فالأولى أن يوكل علمها إلى عالمها الخبير بحكمة التشريع وحقائقها، وقد كنت ذكرتها كلّها في "شرح النسائيّ"؛ تبعًا للحافظ -﵀-، ولكن أعرضت عنها هنا؛ لما أعلمتك آنفًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٧٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، سَبْعًا وَعِشْرِينَ") (^١).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ، تقدّم قبل باب.
٣ - (يَحْيَى) بن سعيد بن فَرُّوخ التميميّ، أبو سعيد القطّان البصريّ الأحول، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ حجةٌ إمامٌ قُدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب
_________________
(١) وفي نسخة: "سبعًا وعشرين درجةً".
[ ١٤ / ٢١٥ ]
العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
والباقيان تقدّما قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى شرحه، ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٠] (. . .) - (وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ (ع) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: "بِضْعًا وَعِشْرِينَ" (^١)، وقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (أَبُوهُ) عبد اللَّه بن نُمير الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ فاضلٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
وقوله: (وَابْنُ نُمَيْرٍ) الأول هو محمد بن عبد اللَّه بن نمير، والثاني أبوه عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (قَالَا) الضمير لأبي أُسامة، وعبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عبيد اللَّه المتقدّم، وهو: عن نافع، عن ابن عمر -﵄-.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة، وابن نمير، عن عبيد اللَّه هذه لم أجد من
_________________
(١) وفي نسخة: "بضعًا وعشرين درجةً".
[ ١٤ / ٢١٦ ]
ساقها بتمامها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه ابْنُ رَافِعٍ (^١)، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "بِضْعًا وَعِشْرِينَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد، تقدّم قبل بابين.
٢ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الديليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٣ - (الضَّحَّاكُ) بن عثمان بن عبد اللَّه بن خالد بن حزام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
[تنبيه]: رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٤٦) فقال:
(١٤٥١) حدثنا حبيب بن الحسن، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد بن أبي بكر، ثنا حميد بن الأسود، ثنا الضحاك بن عثمان (ع) وحدّثنا سليمان بن أحمد إملاءً، ثنا الحسين بن إسحاق بن أحمد، قالا: ثنا أبو كريب، ثنا ابن أبي فُدَيك، عن الضحاك (ع) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا أحمد بن محمد بن شريح، ثنا محمد بن رافع، ثنا ابن أبي فُديك، ثنا الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبيّ -ﷺ- قال: "فضل صلاة الجماعة على الفذّ بضع وعشرين درجةً"، قال: لفظهم واحد. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا ابن رافع".
[ ١٤ / ٢١٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٢] (٦٥١) - (وَحَدَّثَنِي (^١) عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا (^٢)، فَآمُرَ بِهِمْ، فَيُحَرِّقُوا عَلَيْهِمْ بِحُزَمِ الْحَطَبِ بُيُوتَهُمْ، وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا لَشَهِدَهَا"، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد، تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- ذُكر في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من أبي الزناد، وسفيان مكيّ، وعمرو بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أحد ما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما نقله أبو عبد اللَّه الحاكم عن البخاري (^٣).
٦ - (ومنها):
_________________
(١) وفي نسخة: "حدَّثني".
(٢) وفي نسخة: "يتأخّرون عنها".
(٣) راجع: "التدريب" ١/ ٨٣.
[ ١٤ / ٢١٨ ]
٧ - (ومنها): أنه مسلسل الفقهاء.
٨ - (ومنها): أن فيه راويين اشتهر كلٌّ منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَبٌ لُقِّب به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن.
٩ - (ومنها): أنّ أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ الْأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هرمز، وفي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لقَدَ) قال الفيّوميّ: فَقَدتُهُ فَقْدًا، من باب ضَرَبَ، وفِقْدَانًا: عَدِمتُهُ، فهو مفقودٌ، وفَقِيدٌ، وافتقدته مثلُهُ، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. انتهى (^١). (نَاسًا) تقدّم أن ناسًا اسم وُضِع للجمع، كالقوم، والرهط، وواحده إنسان، من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تدلَّى، وتحرّك، فيُطلق على الجنّ والإنس، قال اللَّه تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ ثُمَّ فسّر الناس بالجنّ والإنس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾. انتهى (^٢).
(فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ) رواية المصنّف -﵀- هذه بيّنت سبب هذا الحديث، فإن قوله: "فقد ناسًا. . . إلخ" فيه إيضاح سبب قوله -ﷺ-: "لقد هممت. . . إلخ".
قال العراقيّ -﵀-: وعند أبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁- ما يقتضي أن الصلاة المبهمة عند مسلم هي الصبح، فقال: صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا الصبح، فقال: "أشاهد فلانٌ؟ "، قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ "، قالوا: لا، قال: "أشاهد فلان؟ "، قالوا: لا، قال: "إن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين". انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣٠.
(٣) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٢.
[ ١٤ / ٢١٩ ]
(فَقَالَ) -ﷺ- ("لَقَدْ هَمَمْتُ) وفي رواية البخاريّ: "والذي نفسي بيده، لقد هممت"، وهو قسم كان النبيّ -ﷺ- كثيرًا ما يُقْسِم به، وفيه إثبات اليد للَّه تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الردّ على من كره الحلف باللَّه مطلقًا.
فقوله: "لقد هممت" جواب القسم، أكَّده باللام، وكلمة "قد". ومعنى "هممت": أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه.
(أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي يؤمّ الناس في الصلاة، وفيه دليلٌ لجواز استخلاف الإمام، وانصرافه لعذر (ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ) أي آتيهم من خلفهم، قال الجوهريّ: خالف إلى فلان: أي أتاه إذا غاب عنه، أو المعنى أخالف المشتغلين بالصلاة قاصدًا إلى بيوت الذين لَمْ يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرّقها عليهم، وقيل: معناه: أذهب إليهم، وقيل: المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، فأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنّهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، والتقييد بالرجال يُخرج النساء والصبيان، وهو منصوص عليه في رواية أحمد بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرّيّة. . . " الحديث (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "ثم أخالف" من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه، وقال الزمخشريّ: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية.
والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم. انتهى (^٢).
(يَتَخَلَّفُونَ عَنْهَا) أي يتأخّرون عن حضور الصلاة، وفي رواية أبي صالح الآتية: "إلى قوم لا يشهدون الصلاة"، وفي رواية لأبي داود: "ثم آتي قومًا
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٢/ ١٥٢، و"المرعاة" ٣/ ٤٨٣.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١٦١.
[ ١٤ / ٢٢٠ ]
يصلّون في بيوتهم، ليست بهم علّة"، فتبيّن بها أن الوعيد على ترك الجماعة بغير عذر، لا على ترك الصلاة، فدلالة الحديث على وجوب الجماعة واضحة، كما أسلفنا تحقيقه، ويدلّ أيضًا على أن الأعذار تبيح التخلّف عن الجماعة، وإن كانت واجبةً (فَآمُرَ) بالمدّ، وضم الميم (بِهِمْ) أي بهؤلاء المتخلّفين (فَيُحَرِّقُوا) بالبناء للفاعل، وهو بتشديد الراء، وفيه إشعار بالتكثير والمبالغة في التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق.
[تنبيه]: الواو في "يُحرّقوا" يعود إلى محذوف، كما بيّنته الرواية الأخرى، والأصل: ثم أخالف برجال معهم حُزم حطب، فيُحرّقوا. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم.
(عَلَيْهِمْ) أي على المتخلّفين عن الجماعة، وهو يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها، وفي رواية أبي صالح الآتية: "فأحرق بيوتًا على من فيها"، قاله في "الفتح".
(بِحُزَمِ الْحَطَبِ) متعلّق بـ "يحرّقوا"، و"الْحُزَم" بضم الحاء المهملة، وفتح الزاي: جمع حُزْمة، بضمّ، فسكون، كغُرْفة وغُرَف، قاله في "المصباح" (^١)، وفي "اللسان": وحَزَمَ الشيءَ حَزْمًا -من باب ضرب-: شدّه، والْحُزْمة: ما حُزِمَ (^٢). انتهى (^٣).
و"الحطب": كلُّ ما جَفّ من زرع، وشجر، توقد به النار، وشوكُ العِضَاه، وإضافة "حُزَم" إلى"الحطب" بمعنى: "من"، وقوله: (بُيُوتَهُمْ) منصوب على المفعوليّة لـ "يُحرّقوا".
(وَلَوْ عَلِمَ أَحَدُهُمْ) وفي رواية البخاريّ: "والذي نفسي بيده، لو يعلم. . . إلخ" بإعادة القسم للتأكيد (أَنَّهُ يَجِدُ) أي في المسجد (عَظْمًا سَمِينًا) وفي رواية البخاريّ: "عرقًا سمينًا"، وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٣ - ١٣٤.
(٢) وفسّر بعضهم الْحُزْمة بما يَحمِله إنسان، أو حيوان، من مجموع الحطب وغيره، انظر ما كتبه محمد ذهني في هامش النسخة التركيّة لـ "صحيح مسلم" ٢/ ١٢٣.
(٣) "لسان العرب" ١٢/ ١٣١.
[ ١٤ / ٢٢١ ]
قاف، قال الخليل: العُرَاق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْقٌ، وفي "المحكم" عن الأصمعي: العَرْق بسكون الراء: قطعة لحم، وقال الأزهري: العَرْق واحد العُرَاق، وهي العظام التي يؤخذ منها هَبْر اللحم (^١)، ويبقى عليها لحم رَقِيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال: عَرَقْتُ اللحمَ، واعترقته، وتعرقته: إذا أخذت اللحم منه نَهْشًا، وفي "المحكم": جَمْعُ العَرْق على عُراق بالضم عزيز، أي نادر، وقول الأصمعي هو اللائق هنا.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ: "أو مرماتين حسنتين"، وهو: تثنية مِرْماة -بكسر الميم، وحكي فتحها- قال الخليل: هي ما بين ظِلْفي الشاة، وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه، ونقله المستملي في روايته في "كتاب الإحكام" عن الفربريّ، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاريّ: المرماة بكسر الميم، مثل مِسناة، ومِيضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم، قال عياض: فالميم على هذا أصلية.
وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة.
قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية، وحكى العربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني. . . ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁- نحو الحديث، بلفظ: "لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل"، وقيل: المرماة سهم يتعلم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مُسْتَوٍ غير محدد.
قال الزين ابن الْمُنَيِّر: ويدل على ذلك التثنيةُ، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها.
وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العرق معه، ووجّهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين؛ لأنهما مما يُلْهَى به. انتهى.
_________________
(١) يقال: هَبَر له من اللحم هَبْرَةً: قَطَع له قطعةً، قاله في "القاموس".
[ ١٤ / ٢٢٢ ]
وإنما وصف العرق بالسمن، والمرماة بالحسن ليكون ثَم باعث نفساني على تحصيلهما.
وقال الطيبي: "الحسنتين" بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى.
وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات، ومنازل الكرامات (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد ذكر الاختلافات المذكورة ما نصّه: والذي يظهر -واللَّه أعلم- أن النَّبِيّ -ﷺ- أخرج هَذَا الكلام مخرج تعظيم شهود العشاء فِي جماعة، والتنويه بفضله وشرفه ونفاسته، والنفوسُ مجبولة عَلَى محبة الأشياء الحسنة الشريفة النفيسة، والميل إليها، فوبَّخَ من لَوْ طمع فِي وجود قطعة من لحم سمينة أو مرماتين حسنتين، وهما من أدنى الأشياء الدنيوية لبادر إلى الخروج إليها، وشهد العشاء لذلك، وَهُوَ يتخلف عَن شهود العشاء فِي الجماعة مَعَ فضل الجماعة عِنْدَ اللَّه، وعظم فضل الجماعة مَا يدّخره لمن شهدها عنده من جميل الجزاء وجزيل العطاء، فيكون مَا يعجل لَهُ وإن كَانَ يسيرًا من أمور الدنيا المستحسنة عنده مِمَّا يأكله أو يلهو بِهِ أهم عنده من ثواب اللَّه الموعود بِهِ.
قال: ويشبه هَذَا: قَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)﴾ [الجمعة: ١١]، فإنه توبيخ لمن ترك الجمعة، أو اشتغل عَنْهَا بالتجارة أو باللَّهو. انتهى (^٢).
(لَشَهِدَهَا"، يَعْنِي صَلَاةَ الْعِشَاءَ) هكذا رواية المصنّف بزيادة لفظة "يعني"، وهي منه، أو من غيره، ممن دون أبي الزناد؛ لأنَّها ليست في روايته عند
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٤٤ بزيادة من "عمدة القاري" ٥/ ١٦١.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤٥٣.
[ ١٤ / ٢٢٣ ]
البخاريّ، ولفظه: "لشهد العشاء"، أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًّا، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها؛ لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٨٢ و١٤٨٣ و١٤٨٤ و١٤٨٥] (٦٥١)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٤٤ و٦٥٧) و"الخصومات" (٢٤٢٠) و"الأحكام" (٧٢٢٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٤٨ و٥٤٩)، و(الترمذيّ) فيها (٢١٧)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٤٨) وفي "الكبرى" (٩٢١)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٩١)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ١٢٣ - ١٢٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٨٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٤ و٣١٤ و٣٦٧ و٣٧٧ و٤١٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٩٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٣٠٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٩٧ و٢٠٩٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٥٧ و١٢٥٨ و١٢٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٢ و١٤٥٣ و١٤٥٤ و١٤٥٥ و١٤٥٦ و١٤٥٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٧٩١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجماعة؛ لغير عذر.
٢ - (ومنها): ما قاله ابن رجب -﵀-: وهذا الحَدِيْث ظاهر فِي وجوب شهود الجماعة فِي المساجد، وإجابة المنادي بالصلاة؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- أخبر أَنَّهُ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عَن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا عَلَى ترك واجبٍ.
وقد اعترض المخالفون فِي وجوب الجماعة عَلَى هَذَا الاستدلال،
[ ١٤ / ٢٢٤ ]
وأجابوا عَنْهُ بوجوهٍ، قد تقدّم تفنيدها في المسألة الخامسة من مسائل حديث أبي هريرة -﵁- الماضي، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسرّه أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتُفي به عن الأعلى من العقوبة، نَبّهَ عليه ابن دقيق العيد -﵀-.
٤ - (ومنها): أن في قوله: "والذي نفسي بيده" إثبات صفة اليد للَّه ﷿ على الوجه الذي يليق بجلاله، فهو كالقول في سائر الصفات، وهو ﷿ منزّه عن مشابهة الخلق في كل شيء، موصوف بصفات الكمال اللائقة به ﷿.
٥ - (ومنها): جواز العقوبة بالمال، كذا استدَلّ به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم.
قال في "الفتح": وفيه نظر؛ لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به؛ إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم.
٦ - (ومنها): جواز أخذ أهل الجرائم على غِرّة؛ لأنه -ﷺ- هَمّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يَبْغَتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد، وفي السياق إشعار بأنه تقدّم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل، وترجم عليه الإمام البخاريّ -﵀- في "كتاب الإشخاص"، وفي "كتاب الأحكام": "باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة"، يريد أن من طُلِب منهم بحقّ، فاختَفَى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلًا أُخرِج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد -ﷺ- إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم.
٧ - (ومنها): أنه استَدَلّ به ابن العربيّ وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تَعْكُر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان من تركها أصلًا رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من
[ ١٤ / ٢٢٥ ]
التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والأرهاب.
٨ - (ومنها): أن في قوله في رواية أبي داود: "ليست بهم علّةٌ" دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة، قاله في "الفتح" (^١).
٩ - (ومنها): أن فيه الرخصةَ للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بُعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذَكَرُوا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حقّ الإمام كالغرماء.
١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل، إذا كان في ذلك مصلحة، قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه.
١١ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك.
وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال، قاله في "الفتح" (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد اعترض العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز فيما علّقه على "الفتح" على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيِّد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معروفة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط (^٣)، واللَّه تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أنه استدُلّ بِهِ عَلَى قتل تارك الصلاة؛ فإنه إذا جازت عقوبة تارك الجماعة فِي ماله وإن تعدت إلى نفسه بالهلاك، فقتل من ترك الصلاة بالكلية أولى بالجواز، فلا جرم كَانَ قتله واجبًا عِنْدَ جمهور العلماء.
١٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا عَلَى أَنَّهُ إنما يعاقب تارك الصلاة، أو بعضِ واجباتها فِي حال إخلاله بِهَا، لا بعد ذَلِكَ؛ فإن النَّبِيّ -ﷺ- إنما أراد عقوبتهم
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٥٣.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٥٣.
(٣) وهذا الاعتراض نفسه تقدّم في كلام ابن رجب -﵀-.
[ ١٤ / ٢٢٦ ]
فِي حال التخلّف، وقد كَانَ يمكنه أن يؤخر العقوبة حَتَّى يصلي وتنقضي صلاته.
قال ابن رجب -﵀-: وهذا يَعْضِد قَوْلَ من قَالَ من الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إن تارك الصلاة لا يُقْتل حَتَّى يُدْعَى إلى الصلاة، ويُصِرّ عَلَى تركها حَتَّى يضيق وقت الأخرى؛ ليكون قتله عَلَى الترك المتلبِّس بِهِ فِي الحال.
١٤ - (ومنها): أن الإمام لَهُ أن يؤخِّر الصلاة عَن أول الوقت لمصلحة دينية، ولكنه يستخلف من يصلي بالناس فِي أول الوقت؛ لئلا تفوتهم فضيلة أول الوقت.
١٥ - (ومنها): أن إنكار المنكر فرض كفاية، وأنه إذا قام به بعض الناس اكتُفِي بذلك، ولا يلزم جميع النَّاس الاجتماع عَليهِ؛ فإنه لَوْ كَانَ كذلك لأخذ النَّبِيّ -ﷺ- مَعَهُ جميع النَّاس، ذكره ابن رجب -﵀- (^١).
١٦ - (ومنها): أنه دليل على أن الجماعة لا تجب على النساء، ولا تتأكّد في حقّهنّ؛ لقوله: "ثم أخالف إلى رجال".
١٧ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": فيه حجة لأحد القولين في أنه يُقاتَل أهل بلد، تمالئوا على ترك السنن ظاهرًا؛ بناءً على القول بأن الجماعة سنةٌ، لا فرضٌ، قال القاضي عياض: والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالؤ عليها إماتتها. انتهى.
وقد اختَلَف أصحاب الشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- في قتال أهل بلد اتفقوا على ترك الجماعة؛ بناءً على القول بأنها سنة، والصحيح عندهم أنهم لا يقاتلون على ذلك، إنما يقاتلون على القول بأنها فرض كفاية. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد عرفت أن الحقّ أن صلاة الجماعة واجبة على من لا عذر له، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): أنه اختَلَفت الروايات والعلماء في تعيين الصلاة المتوعَّد على تركها بالتخويف، هل هي العشاء، أو هي الصبح، أو الجمعة؟
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٥/ ٤٦١.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٣.
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
فظاهر رواية الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- هذه أن المراد بها العشاء لقوله: "لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء".
وقد ورد التصريح به فيما رواه عبد اللَّه بن وهب، عن ابن أبي ذئب، عن عجلان، مولى الْمُشْمَعِلّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لينتهين رجال ممن حول المسجد لا يشهدون العشاء، أو لأحرقن حول بيوتهم".
وحَكَى ابن بطال هذا القول عن سعيد بن المسيب، وقيل: هي العشاء والصبح معًا، ويدل له ما رواه الشيخان في بعض طرق هذا الحديث: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت. . ."، فذكره، وقيل: هي الجمعة، وبدل له رواية البيهقيّ: "فأحرِّق على قوم بيوتهم لا يشهدون الجمعة"، ويدل له أيضًا رواية مسلم من حديث ابن مسعود -﵁- أن النبيّ -ﷺ- قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت. . ."، فذكره.
وحَكَى ابن بطال هذا القول عن الحسن البصريّ، وعن ابن معين أيضًا أنه قال: إن هذا الحديث في الجمعة، لا في غيرها. انتهى.
قال العراقيّ: وهذا مما يضعف قول من احتج بالحديث على أن الجماعة فرض عين؛ لأنه إذا كان المراد الجمعة، فالجماعة فيها شرط، فلا يبقى فيه دليل على الجماعة في غيرها من الصلوات.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فيما قاله العراقيّ نظر لا يخفى، كما يأتي قريبًا.
قال ابن دقيق العيد -﵀-: ويحتاج أن يُنظَر في تلك الأحاديث التي ثبتت في تلك الصلاة أنها الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، فإن كانت أحاديث مختلفة قيل بكل واحد منها، وإن كان حديثًا واحدًا اختَلَف فيه بعض الطرق، وعُدِم الترجيح وُقِف الاستدلال. هذا حاصل كلامه.
قال العراقيّ: رواية البيهقيّ في كونها الجمعة، ورواية كونها العشاء والصبح حديث واحدٌ، وحديث ابن مسعود في كونها الجمعة حديث آخر مستقلّ بنفسه، فعلى هذا لا يقدح حديث ابن مسعود في حديث أبي هريرة، وبنظر في اختلاف حديث أبي هريرة، وقد رجح البيهقيّ رواية الجماعة فيه على
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
رواية الجمعة، فقال بعد رواية الجمعة فيه: والذي يدل عليه سائر الروايات أنه عَبّر بالجمعة عن الجماعة.
وقال النوويّ في "الخلاصة" بعد حكاية كلام البيهقي: بل هما روايتان: رواية في الجمعة، ورواية في الجماعة في سائر الصلوات، وكلاهما صحيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فتبيّن بهذا أن الصواب أن الحديث ورد في الجماعة مطلقًا، وفي الجمعة خاصّة، فدعوى العراقيّ تضعيف الاستدلال على فرضيّة الجماعة بالحديث غير صحيحة؛ لأن الراجح في حديث أبي هريرة لفظ الجماعة، كما قال البيهقيّ فالاستدلال بالحديث على الفرضيّة واضح، وأما حديث ابن مسعود -﵁- فمستقلّ دالّ على الجمعة، ولا يعارض رواية الجماعة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (^١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ، مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ، إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير، الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس
_________________
(١) وفي نسخة: "إن أثقل الصلاة".
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، إلا أنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ (^١) عَلَى الْمُنَافِقِينَ، صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ) قال العراقيّ -﵀-: وإنما كانت هاتان الصلاتان ثقيلتين على المنافقين؛ لأمرين:
[أحدهما]: للمشقة الموجودة في حضور المساجد فيهما من الظلمة، وكون وقتهما وقت راحة، أو غلبة نوم، أو خلوة بأهاليهم، فلا يتجشم تلك المشاقّ إلا من أيقن بثواب اللَّه تعالى، والمنافق إما شاكّ في ذلك، أو لا يصدِّق، فيشقّ عليه ذلك.
[والمعنى الثاني]: أن المنافقين كما قال اللَّه تعالى: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وهاتان الصلاتان في ليل، فربما خَفِى من غاب عنهما، واستتر حاله، بخلاف باقي الصلوات، فإنها بحيث يراه الناس، ويتفقدون غيبته، فكان رياؤه يَحُضّه على حضورها؛ ليراه الناس.
والمعنى الأول أظهر؛ لقوله تعالى في أول الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾، ولا مانع أن يكون الأمران المذكوران في الآية كلاهما حاملًا لهم على ترك الجماعة في الصلاتين المذكورتين. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^٢)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) "الْحَبْوُ" حبوُ الصبيّ الصغير على يديه ورجليه، ومعناه لو يعلمون ما فيهما من الفضل والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حَبْوًا لَحَبَوا إليهما، ولم يُفوِّتوا جماعتهما في المسجد، ففيه الحثّ
_________________
(١) وفي نسخة: "إن أثقل الصلاة".
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٢.
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
البليغ على حضورهما، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وقال في "الطرح": قوله: "لأتوهما ولو حبوًا": أي يزحفون على ألياتهم، من مرض، أو آفة، قاله صاحب "المفهم"، وفيه نظرٌ، والحبو غالبًا إنما يُطْلَق على الحبو على الرُّكَب، وإن كان قد يُطلَق أيضًا على الزحف، فالمراد هنا الزحف على الرُّكَب كما هو مصرَّح به عند أبي داود، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁-: "ولو يعلمون ما فيهما، لأتوهما ولو حبوًا على الرُّكَب".
وفيه دليلٌ على استحباب حضور الجماعة لأصحاب الأعذار، من مريض، أو نحوه، وإن لم يتأكد في حقّه، وسيأتي وعند المصنّف أن ابن مسعود -﵁- قال: "ولقد كان الرجل يُؤْتَى به بين الرجلين، يُهادَى بين الرجلين، حتى يقام في الصفّ" (^٢).
وقوله: (ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ) فيه أن الإمام إذا عَرَضَ له شُغْل يَستَخلِف مَن يصلي بالناس، وإنما هَمّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم، وتخلُّفهم، فيتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي، أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ (^٣) عَلَى مَنْ فِيهَا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ١٥٤.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣١٣.
(٣) وفي نسخة: "ثم نحرّق بيوتًا".
[ ١٤ / ٢٣١ ]
٢ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (فِتْيَانِي) -بكسر الفاء، وسكون التاء-: جمع فَتًى، قال في "المصباح": الْفَتَى: العبد، وجمعه في القلّة: فِتْيَةٌ، وفي الكثرة: فِتْيَانٌ، والأمة: فتاةٌ، وجمعها: فَتَيَات، والأصل فيه أن يقال للشابّ الحَدَث: فَتًى، ثم استُعير للعبد، وإن كان شيخًا؛ مجازًا؛ تسميةً باسم ما كان عليه. انتهى (^١).
وفسّره بعضهم بأن المراد أقوياء أصحابه.
وقوله: (أَنْ يَسْتَعِدُّوا) أي يتهيّأوا.
وقوله: (ثُمَّ تُحَرَّقُ بُيُوتٌ) ببناء الفعل للمفعول.
وقوله: (عَلَى مَنْ فِيهَا) أي وهم الذين تخلّفوا عن صلاة الجماعة، وفيه العقوبة بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة ماليّة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل بابين.
٢ - (وكيعِ) بن الجرّاح، تقدّم قبل بابين.
٣ - (جَعْفرُ بْنُ بُرْقَانَ) -بضمّ الموحّدة، وسكون الراء، بعدها قاف- الكلابيّ، أبو عبد اللَّه الرقّيّ، ثقة، يَهِم في حديث الزهريّ [٧] (ت ١٥٠) أو بعدها (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد بن معاوية البكائيّ، أبو
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٢.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين -﵂-، [٣] (ت ١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (بِنَحْوِهِ) أي بنحو حديث أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-.
[تنبيه]: رواية يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة -﵁- هذه، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٤٨) فقال:
(١٤٥٧) حدّثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا جعفر بن بُرْقان، ثنا يزيد بن الأصم (ح) وحدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا الفريابيّ، ثنا قتيبة، ثنا وكيع، عن جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصمّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم أَخْرُج بفتيانٍ معهم حُزَمُ حطب، فأُحَرِّق على قوم بيوتهم، يسمعون النداء، ثم لا يأتون الصلاة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٦] (٦٥٢) - (وَحَدَّثَنَا (^١) أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، سَمِعَهُ مِنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ -لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ-: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ اليربوعيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (زُهَيْر) بن معاوية بن حُدَيج -بالحاء المهملة، مصغّرًا- أبو خيثمة الجعفيّ الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أن سماعه من أبي إسحاق بأَخَرَة [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
٣ - (أَبُو إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد اللَّه بن عُبيد الْهَمْدانيّ السَّبِيعيّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، اختلط بآخره، ويُدلّس [٣] (ت ١٢٩) أو قبلها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٤ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة -بفتح النون، وسكون الضاد المعجمة- الْجُشَميّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٣] مات في ولاية الحجّاج على العراق (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
٥ - (عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، وهو أيضًا من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
٥ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع.
[تنبيه]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف رواية زهير، عن أبي إسحاق، وإنما روى عنه بعد اختلاطه، وأيضًا يُدلّس؟.
[قلت]: إنما أخرج روايته في الشواهد، لا في الأصول، فقد أخرج حديث أبي هريرة -﵁- أصلًا، ثم أتى بحديث ابن مسعود؛ استشهادًا، وتقويةً، فمثل هذا يُغتفر، كما هو معروف لدى المحدّثين.
وأما تدليسه، فقد صرّح بسماعه من أبي الأحوص، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن مسعود -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ -لِقَوْمِ) أي عن شأن قوم، فاللام هنا كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية [الأحقاف: ١١]، وقوله: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ الآية [الأعراف: ٣٨]، وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ الآية [هود: ٣١]، وهي عند ابن الحاجب بمعنى "عن"، وقال ابن مالك
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
وغيره: هي لام التعليل، وقيل: لام التبليغ، ومن قول الشاعر [من الكامل]:
كضَرَائِرِ الْحَسْنَاءِ قُلْنَ لِوَجْهِهَا … حَسَدًا وَبُغْضًا إِنَّهُ لَدَمِيمُ (^١)
(يَتَخَلَّفُونَ) أي يتأخّرون (عَنِ الْجُمُعَةِ) أي عن أداء صلاة الجمعة في المسجد (لَقَدْ هَمَمْتُ) أي قصدت (أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ) أي إمامًا لهم (ثُمَّ أُحَرِّقَ) بتشديد الراء، من التحريق، ويَحْتَمل أن يكون من الإحراق (عَلَى رِجَالٍ، يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ") بالنصب على المفعوليّة لـ "أُحرّق"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٤٨٦] (٦٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٩٤ و٤٠٢ و٤٢٢ و٤٤٩ و٤٦١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٥٣ و١٨٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٥٣١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان التشديد في التخلّف عن صلاة الجمعة.
٢ - (ومنها): بيان أن حضور صلاة الجمعة فرض عين، إلا لأصحاب الأعذار الشرعية.
٣ - (ومنها): بيان أن هذه الصلاة التي هدّد النبيّ -ﷺ- بتحريق المتخلّفين عنها هي صلاة الجمعة، وقد سبق في حديث أبي هريرة -﵁- أنها العشاء، وورد أيضًا أنها الصبح، وورد أيضًا يتخلّفون عن الصلاة مطلقًا، قال النوويّ -﵀-: وكلّه صحيح، ولا منافاة بين ذلك. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٤١٩ - ٤٢٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٥٤.
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
٤ - (ومنها): ما قاله في "الطرح": في هذا الحديث حجة على أبي حنيفة في أنه جَعَلَ المكلَّف مخيرًا بين الجمعة والظهر بغير عذر؛ إذ لو كانوا مخيرين لَمَا هَمّ بتحريقهم.
٥ - (ومنها): ما قاله في "الطرح" أيضًا: [إن قال قائل]: إذا كان المراد بهذا ترك الجمعة كما هو نصّ حديث ابن مسعود -﵁- هذا، فهل يجوز للإمام أو نائبه ترك صلاة الجمعة؛ لأجل أخذ مَن في البيوت، لا يصلي الجمعة، أو يرتكب ما يجب إزالته، أو يكون هذا خاصًّا بالنبيّ -ﷺ-، وليس لأحد فعل هذا اليوم؛ لأنه يؤدي إلى ترك الجمعة، وهي لا تعاد؟.
[فالجواب]: أن أصحابنا -يعني الشافعيّة- ذكروا من الأعذار في الجمعة والجماعة من له غريم يَخاف فوته، والظاهر أن أرباب الجرائم في حقّ الإمام ونائبه كالغرماء، حتى إذا خَشِي أن يفوتوه إن شهد الجماعة أو الجمعة كان له ذلك. انتهى، وهو تحقيق حسنٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.