وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٨] (٤٨٢) - (وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (٢٣١) عن (٧٤) سنة (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامريّ، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٥) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٣ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيّوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه حافظ [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٥ - (عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ) بن الحارث الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، لا بأس به [٦] (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٥.
_________________
(١) "المجتبى" "كتاب الزينة" (٨/ ١٩١ - ١٩٢).
[ ١١ / ١٧٩ ]
٦ - (سُمَيٌّ مَوْلَى أَبِي بَكْر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٨/ ٩١٨.
٧ - (أَبُو صالِحٍ ذَكْوَانُ) السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير -﵁- مات (٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سبُاعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عمارة، والباقون مصريّون، سوى شيخه هارون بن معروف، فمروزيّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، وهو رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ) ﷿، الأقرب أن "ما" مصدريّة، و"كان" تامّةٌ، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بـ "أقرب"، وليست "من" تفضيليّةً، فلا يَرِد أن اسم التفضيل لا يُستعمَل إلا بأحد أمور ثلاثة، لا بأمرين، كالإضافة، و"من"، فكيف يُستعمل هنا بأمرين؟ فافهم.
وأمور الثلاثة هي كونه بـ "من"، أو بـ "أل"، أو بالإضافة، وإلى هذه الأحوال أشار ابن مالك في "الخلاصة"، فقال:
وَأَفْعَلَ التَّفْضِيلِ صِلْهُ أَبَدَا … تَقْدِيرًا أَوْ لَفْظًا بِـ "مِنْ" إِنْ جُرِّدَا
وَإِنْ لِمَنْكُورٍ يُضَفْ أَوْ جُرِّدَا … أُلْزِمَ تَذْكِيرًا وَأَنْ يُوَحَّدَا
وَتِلْوَ "أَلْ" طِبْقٌ وَمَا لِمَعْرِفَهْ … أُضِيفَ ذُو وَجْهَيْنِ عَنْ ذِي مَعْرِفَهْ
وخبر "أقرب" محذوف وجوبًا؛ لسدّ الحال بعده مسدّه، كما قال في "الخلاصة" عند ذكر مواضع حذف الخبر وجوبًا:
وَقَبْلَ حَالٍ لَا يَكُونُ خَبَرَا … عَنِ الَّذِي خَبَرُهُ قَدْ أُضْمِرَا
كَضَرْبِيَ الْعَبْدَ مُسِيئًا وَأَتَمْ … تَبْيِينِيَ الْحَقَّ مَنُوطًا بِالْحِكَمْ
[ ١١ / ١٨٠ ]
والتقدير: حاصل له.
وقوله: (وَهُوَ سَاجِدٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من ضمير "حاصلٌ"، أو من ضمير "له".
والمعنى: أقرب أكوان العبد من ربّه ﵎ حاصل له حين كونه ساجدًا.
ولا يَرِدُ على الأول أن الحال لا بُدّ أن يرتبط بصاحبه، ولا ارتباط هنا؛ لأن ضمير "وهو ساجد" لـ "العبد"؛ لا لـ "أقرب"؛ لأنا نقول: يكفي في الارتباط وجود الواو من غير حاجة إلى الضمير، مثلُ "جاء زيد والشمس طالعةٌ"، أفاده السنديّ -﵀-.
وقال ابن مالك -﵀-: قوله: "وهو ساجد" جملةٌ حاليّة سدّت مسدّ خبر المبتدأ، ونظيره: "ضربي زيدًا قائمًا"، التزمت العرب حذف خبر المبتدأ، وتنكير قائمًا، وجَعَلت المبتدأ عاملًا في ضمير صاحب الحال، ويشهد بأنّ "كان" المقدّرة تامّةٌ، و"قائمًا" حال من فاعلها التزام العرب تنكير "قائمًا"، وإيقاع الجملة الاسميّة المقرونة بواو الحال مَوْقِعه في هذا الحديث، والمبتدأُ فيه مؤوَّلٌ يُفسِّرُ صاحبَ الحال، يعني بالمصدر المقدّر؛ لأن لفظ "ما يكون" مؤوَّلٌ بـ "الكون"، والتقدير: أقرب الكون كونُ العبد ساجدًا. انتهى (^١).
وقد ذكرت هذا البحث في "شرح النسائيّ" بأتمّ مما هنا، فراجعه تستفد (^٢)، وباللَّه تعالى التوفيق.
وإنما كان العبد أقرب إليه تعالى في حال سجوده من سائر أحوال الصلاة وغيرها؛ لأن العبد بقدر ما يَبْعُد عن حظوظ نفسه بمخالفتها يقرب من ربّه ﷿، والسجودُ فيه غاية التواضع، وترك الكبر، وكسر النفس؛ لأنها لا تأمر صاحبها بالمذلّة، ولا ترضى بها، ولا بالتواضع، فإذا سجد فقد خالف نفسه، وبَعُد عنها، فإذا بعُد عنها قرُب من ربّه ﷿.
وقيل: وجه أقربيّته من ربّه في السجود أن العبد داع لربّه فيه؛ لكونه مأمورًا به، واللَّه تعالى قريب من السائلين، كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ
_________________
(١) راجع: "عقود الزبرجد" للسيوطيّ ٢/.
(٢) "ذخيرة العقبى" ١٤/ ٧.
[ ١١ / ١٨١ ]
عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، ولأن السجود غاية في الذلّ والانكسار، وتعفير الوجه، وهذه الحالة أحبّ أحوال العبد، كما رواه الطبرانيّ في "الكبير" بإسناد حسن، عن ابن مسعود -﵁-، ولأن السجود أول عبادة أَمَرَ اللَّهُ تعالى بها بعد خلق آدم ﵇، فالمتقرّب بها أقرب، ولأن فيه مخالفة إبليس في أول ذنب عَصَى اللَّه تعالى به، وللبحث تمام في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ") متعلِّقه محذوف، أي فيه، أي السجود.
قال في "الفتح": والأمر بإكثار الدعاء في السجود، يَشْمَل الحثَّ على تكثير الطلب لكل حاجة، كما جاء في حديث أنس -﵁-: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى شِسْعَ نعله"، أخرجه الترمذيّ (^٢)، ويَشْمَل التكرار للسؤال الواحد، والاستجابةُ تَشْمَل استجابة الداعي بإعطاء سؤله، واستجابة الْمُثْنِي بتعظيم ثوابه. انتهى (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٨٨] (٤٨٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٥)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٦ و١٨٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٧٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١١٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٥٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "ذخيرة العقبى" ١٤/ ٧ - ٨.
(٢) أخرجه الترمذيّ بسند فيه ضعف، وحسّنه الشيخ الألباني في تخريح "المشكاة" رقم (٢٢٥١).
(٣) "الفتح" ٢/ ٣٥٠.
[ ١١ / ١٨٢ ]
١ - (منها): بيان فضل السجود؛ لأنه أقرب أحوال العبد من اللَّه ﷿.
٢ - (ومنها): الإشارة إلى أن أفضل أحوال العبد التواضع؛ إذ به القرب من اللَّه ﷿.
٣ - (ومنها): الأمر بالإكثار من الدعاء في حال السجود؛ لكون العبد فيه أقرب من ربّه ﷿، فيكون جديرًا بالإجابة، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [البقرة: ١٨٦]، وقد تقدّم حديث ابن عبّاس -﵄-، مرفوعًا: "وأما السجود، فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم".
٤ - (ومنها): أن فيه حجةً لمن يقول: إن كثرة السجود أفضل من طول القيام، وسائر الأركان، وفيه خلاف، والراجح أن طول القيام أفضل؛ لقوّة حجته، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم، هل السجود أفضل من القيام، أم العكس؟:
قال النوويّ -﵀-: في هذه المسألة ثلاثة مذاهب:
[أحدها]: أن تطويل السجود، وتكثير الركوع والسجود، أفضل، حكاه الترمذيّ، والبغويّ، عن جماعة، وممن قال بتفضيل تطويل السجود ابنُ عمر -﵄-.
[والمذهب الثاني]: مذهب الشافعيّ -﵀-، وجماعة، أن تطويل القيام أفضل؛ لحديث جابر -﵁- في "صحيح مسلم": أن النبيّ -ﷺ- قال: "أفضل الصلاة طول القنوت"، والمراد بالقنوت القيام، ولأن ذكر القيام القراءةُ، وذكر السجود التسبيح، والقراءة أفضل، ولأن المنقول عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يُطَوِّل القيام أكثر من تطويل السجود.
[والمذهب الثالث]: أنهما سواء، وتوقّف أحمد بن حنبل -﵀- في المسألة، ولم يَقْضِ فيها بشيء، وقال إسحاق ابن راهويه: أما في النهار، فتكثير الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فتطويل القيام، إلا أن يكون
[ ١١ / ١٨٣ ]
للرجل جزء بالليل يأتي عليه، فتكثير الركوع والسجود أفضل؛ لأنه يقرأ جزأه، ويَرْبَح كثرة الركوع والسجود.
وقال الترمذيّ -﵀-: إنما قال إسحاق هذا؛ لأنهم وَصَفُوا صلاة النبيّ -ﷺ- بالليل بطول القيام، ولم يوصف من تطويله بالنهار ما وُصِف بالليل، واللَّه أعلم. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ في شرح حديث: "أفضل الصلاة طول القنوت" -أي القيام- ما نصُّهُ: والحديث يدلّ على أن القيام أفضل من السجود والركوع وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة، منهم: الشافعي كما تقدم، وهو الظاهر، ولا يعارض حديثُ الباب، وما في معناه الأحاديثَ المتقدمة في فضل السجود؛ لأن صيغة أفعل الدالّة على التفضيل، إنما وردت في فضل طول القيام، ولا يلزم من فضل الركوع والسجود أفضليتهما على طول القيام.
وأما حديث: "ما تقرَّب العبد إلى اللَّه بأفضل من سجود خَفِيّ"، فإنه لا يصحّ؛ لإرساله، كما قال الحافظ العراقيّ -﵀-، ولأن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وكذلك أيضًا لا يلزم من كون العبد أقرب إلى ربه حال سجوده أفضليته على القيام؛ لأن ذلك إنما هو باعتبار إجابة الدعاء.
وقال الحافظ العراقيّ -﵀-: الظاهر أن أحاديث أفضلية طول القيام محمولة على صلاة النفل التي لا تُشْرَع فيها الجماعة، وعلى صلاة المنفرد، فأما الإمام في الفرائض والنوافل، فهو مأمور بالتخفيف المشروع، إلا إذا عَلِمَ من حال المأمومين المحصورين إيثار التطويل، ولم يَحْدُث ما يقتضي التخفيف، من بكاء صبيّ ونحوه، فلا بأس بالتطويل، وعليه يُحْمَل صلاته -ﷺ- في المغرب بـ "الأعراف"، كما تقدم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح قول من قال بأفضليّة القيام، كما هو مذهب الإمام الشافعيّ -﵀-؛ لقوّة دليله، فقد صرّح -ﷺ- بقوله: "أفضل الصلاة القنوت"، ولأن صلاته -ﷺ- موصوفة بطول القيام، لا بكثرة السجود، فقد ثبت في "الصحيحين"، وغيرهما أنه كان يصلّي إحدى عشرة ركعةً، وثلاث
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٣/ ٩٢ - ٩٣.
[ ١١ / ١٨٤ ]
عشرة ركعة، ويقرأ بـ "البقرة"، و"آل عمران"، و"النساء"، ويركع ويسجد قريبًا مما قام، ومن المعلوم أنه لا يختار إلا الأفضل، فاتّفق قوله وفعله في ذلك، فدلّ على أن القيام هو الأفضل، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٨٩] (٤٨٣) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، ويُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى ذَنَبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن مَيْسَرة الصَّدَفيّ، أبو موسى المصريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٤) عن (٩٦) سنةً (م س ق) تقدم في "الإيمان" ٧٥/ ٣٩٣.
٣ - (يَحْيَى بْنُ أيُّوبَ) الغافقيّ -بغين معجمة، وفاء، وقاف- أبو العبّاس المصريّ، صدوقٌ، ربّما أخطأ [٧] (ت ١٦٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٦/ ٨٢٠.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (ومنها): أنه من سباعيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، وعمارة علّق عنه البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: "اللَّهُمَّ
[ ١١ / ١٨٥ ]
اغْفِرْ لِي) أي اصفح عنّي، يقال: غفر اللَّه له غَفْرًا، من باب ضرب، وغُفْرانًا: صَفَحَ عنه، والمَغْفِرة اسم منه، واستغفرتُ اللَّه: سألته المغفرةَ، واغتفرت للجاني ما صنع، وأصلُ الْغَفْر السَّتْر، ومنه يقال: الصِّبْغُ أَغْفَرُ للوَسَخِ، أي أسترُ (^١). (ذَنْبِي) بفتح، فسكون، جمعه ذُنُوبٌ، وهو الإثم، وقوله: (كُلَّهُ) بالنصب توكيدًا لما قبله (دِقَّهُ وَجِلَّهُ) بكسر أولهما، وبضمّ الجيم أيضًا: أي قليله وكثيره، وقيل: صغيره وكبيره، وهو تفصيل لما قبله، قيل: إنما قدّم الدِّقّ على الجلّ؛ لأن السائل متصاعد في مسألته، ولأن الكبائر إنما تنشأ في الغالب من الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، وكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حقّ الوسيلة أن تُقدّم إثباتًا أو نفيًا، قاله الطيبيّ ﵀ (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: وفيه توكيد الدعاء، وتكثير ألفاظه، وإن أغنى بعضها عن بعض. انتهى (^٣).
وقوله: (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) المراد ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر منه (وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ") أي ظاهره وخفيّه بالنسبة لغير اللَّه تعالى؛ لأنهما عنده سواء، وهذا من باب عطف المؤكِّد على المؤكَّد؛ مبالغة في محو الذنوب وآثارها الظاهرة والباطنة.
قال في "المنهل": والغرض من هذا كمال التواضع والإذعان لامتثال أمر اللَّه تعالى، والتشريع للأمة، وإلا فهو -ﷺ- معصوم من الذنب. انتهى (^٤).
وقال القرطبىّ -﵀-: فيه دليلٌ على نسبة الذنوب إليه -ﷺ-، وقد اختَلَف الناس في ذلك، فمنهم من يقول: الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر، وذهبت شِرْذمة من الروافض إلى تجويز كلّ ذلك عليهم إلا ما يناقض مدلول المعجزة، كالكذب والكفر، وذهب المقتصدون إلى أنهم معصومون عن الكبائر إجماعًا سابقًا خلاف الروافض، ولا يُعتدّ بخلافهم؛ إذ حَكَم بكفرهم كثير من العلماء. انتهى (^٥).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٩.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٢٣.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠١.
(٤) "المنهل العذب المورود" ٥/ ٣٢٦.
(٥) "المفهم" ٢/ ٩٢.
[ ١١ / ١٨٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشرت إلى هذه المسألة في "التحفة المرضيّة" حيث قلت:
فَكُلُّ مُرْسَلٍ بُعَيْدَ الْبِعْثَةِ … لَا يَفْعَلُ الْمُزْرِيَ بِالنُّبُوَّةِ
أَوْ مُوجِبَ الْخِسَّةِ أَوْ مَا يُسْقِطُ … مُرُوءَةً عَمْدًا وَسَهْوًا يَهْبِطُ
وَأَجْمَعُوا عَلَى انْتِفَا الْكَبَائِرِ … وَرَجَّحُوا الْجَوَازَ لِلصَّغَائِرِ
لَكِنَّهُمْ يُنَبَّهُونَ فَوْرَا … فَنِعْمَةُ الْمَوْلَى عَلَيْهِمْ تَتْرَى
وإن أردت تحقيق معاني الأبيات فارجع إلى شرحها "المنحة الرضيّة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٨٩] (٤٨٣)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٣١)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٧٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٠)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٠] (٤٨٤) - (حَدَّثَنَا (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي"، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١١ / ١٨٧ ]
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٣ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقة، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) عن (٧١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبت [٦] (١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (أَبُو الضُّحَى) مسلم بن صُبَيح الْهَمْدانيّ الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقةٌ فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
٦ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيه عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢١٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥٧)، وقيل غير ذلك (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أنَّ رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، وعائشة -﵂- مدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- الصدّيقة بنت الصدّيق، حبيبة رسول اللَّه -ﷺ-، وبنت حبيبه -﵄-، الفقيهة، من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) من الأحاديث، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ) كذا في رواية منصور، وقد بَيَّنَ الأعمش في روايته، عن أبي الضحى الآتية ابتداء هذا
[ ١١ / ١٨٨ ]
الفعل، وأنه -ﷺ- واظب عليه، ولفظه: "عن عائشة قالت: ما رأيت النبيّ -ﷺ- منذ نزل عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يُصلي صلاةً إلا دعا، أو قال فيها: سبحانك اللهم. . . " الحديث.
قيل: اختار النبيّ -ﷺ- الصلاة لهذا القول؛ لأن حالها أفضل من غيرها، وليس في الحديث ما يدلّ على أنه -ﷺ- لم يكن يقول ذلك خارج الصلاة أيضًا، بل في رواية عامر الشعبيّ، عن مسروق الآتية ما يُشعِر بأنه -ﷺ- كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها.
وقوله: (فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) بيان للمحلّ الذي كان -ﷺ- يقول فيه هذا الذكر من الصلاة، وهو الركوع والسجود.
("سُبْحَانَكَ) قال أهل اللغة العربية، وغيرهم: التسبيح: التنزيه، وقولهم: "سبحانَ اللَّه" منصوب على المصدر، يقال: سَبَّحتُ اللَّه تسبيحًا وسُبْحَانًا، فسبحان اللَّه معناه: براءةً وتنزيهًا له من كل نقص، وصفة للمُحْدَث، قاله النوويّ -﵀- (^١).
وقال القرطبيّ: "سُبحان" اسم علمٌ لمصدر سَبَح، وقع موقعه، فنُصب نصبه، وهو لا ينصرف للتعريف، والألف والنون الزائدتين، كعثمان، ومعناه البراءة للَّه من كلّ نقص وسُوء، وهو في الغالب مما لا ينفصل عن الإضافة، وقد ذكره الحريريّ في جملة الأسماء الملازمة للإضافة، حيث قال في "ملحة الإعراب":
وَفِي الْمُضَافِ مَا يَجُرُّ أَبَدَا … مِثْلُ "لَدُنْ زَيْدٍ" وَإِنْ شِئْتَ "لَدَى"
وَمِنْهُ "سُبْحَانَ" وَ"ذُو" وَ"مِثْلُ" … وَ"مَعْ" وَ"عِنْدَ" وَ"أُولُو" وَ"كُلُّ"
ثُمَّ الْجِهَاتُ السِّتُّ "فَوْقُ" وَ"وَرَا" … وَ"يَمْنَةٌ" وَعَكْسُهَا بِلَا مِرَا
وَهَكَذَا "غَيْرُ" وَ"بَعْضُ" و"سِوَى" … فِي كَلِمٍ شَتَّى رَوَاهَا مَنْ رَوَى
قال: وقد جاء منفصلًا عنها في قول الأعشى:
أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ … سُبْحَانَ مِنْ علْقَمَةَ الْفَاخِرِ
وقد أشربه في هذا البيت معنى التعجّب، فكأنه قال: تَعَجُّبًا من علقمةّ!.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ١١ / ١٨٩ ]
هذا قول حُذّاق النحويين، وأئمّتهم، وقد ذهب بعضهم إلى أن "سبحان" جمع سِبَاح، من سَبَحَ يسبح في الأرض: إذا ذهب فيها سبحًا وسباحًا، وهذا كحِسَاب وحُسبان، وقيل: جمع سَبيح للمبالغة من التسبيح، مثل خبير وعليم، ويُجمع على سُبْحان، كقَضِيب وقُضبان، وأبطل القرطبي هذين القولين بدليل عدم صرفه، كما مرّ في بيت الأعشى (^١).
(اللَّهُمَّ) تقدّم قريبًا أن أصلها "يا أللَّه"، فحُذفت "يا"، وعُوّض عنها الميم المشدّدة (رَبَّنَا) منادى بحذف حرف النداء، أي يا ربّنا (وَبِحَمْدِكَ) متعلّق بفعل محذوف دلّ عليه التسبيح، أي بحمدك سبّحتك، ومعناه: بتوفيقك لي، وهدايتك، وفضلك عليّ سبَّحتك، لا بحولي وقُوّتي، ففيه شكر اللَّه تعالى على هذه النعمة، والاعتراف بها، والتفويض إلى اللَّه تعالى، وأن كل الأفعال له، واللَّه أعلم، قاله النوويّ -﵀-.
وقال القرطبيّ بعد ذكره نحو ما تقدّم: هكذا قولهم، وكأنهم لاحظوا أن الحمد هنا بمعنى الشكر، قال: ويظهر لي وجه آخر، وهو إبقاء معنى الحمد على أصله، ويكون إثباتًا للسبب، ويكون معناه: بسبب أنك موصوفٌ بصفات الكمال والجلال سبّحك المسبِّحون، وعظّمك المعظّمون، واللَّه تعالى أعلم (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أشبعت هذا البحث في "شرح النسائيّ"، فراجعه تستفد (^٣)، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله: (اللَّهُمَّ) كرّره للتأكيد (اغْفِرْ لِي") أي استر ذنوبي، واصفح عنها.
وقولها: (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) أي يَعْمَل ما أُمر به في قول اللَّه ﷿: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، وكان -ﷺ- يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفِيَ ما أُمر به في الآية، وكان يأتي به في الركوع والسجود؛ لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها، فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أُمر به؛ ليكون أكمل، قاله النوويّ -﵀- (^٤).
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٢/ ٨٧ - ٨٨، و"إكمال المعلم" ٢/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٢) "المفهم" ٢/ ٨٨.
(٣) راجع: "ذخيرة العقبى" ١٣/ ١٥٢.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠١.
[ ١١ / ١٩٠ ]
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: والمراد أنه يمتثل ما أمره اللَّه تعالى به بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ الآية، فتأويل القرآن تارةً يُراد به تفسير معناه بالقول، وتارةً يراد به امتثال أوامره بالفعل، ولهذا يقال لمن ارتكب شيئًا من الرُّخَص بتأويل سائغ، أو غيره: إنه فعله متأوّلًا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "يتأول القرآن" أي يفعل ما أُمر به فيه، وقد تبين من رواية الأعمش -يعني الآتية بعد هذا- أن المراد بالقرآن بعضه، وهو السورة المذكورة، والذكر المذكور.
قال: وفي هذا تعيين أحد الاحتمالين في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون المراد بـ ﴿سَبِّحْ﴾ نفس الحمد؛ لما تضمّنه الحمد من معنى التسبيح الذي هو التنزيه؛ لاقتضاء الحمد نسبة الأفعال المحمود عليها إلى اللَّه ﷿، فعلى هذا يكفي في امتثال الأمر الاقتصار على الحمد.
ويحتمل أن يكون المراد: ﴿فَسَبِّحْ﴾ متلبسًا بالحمد، فلا يمتثل حتى يجمعهما، وهو الظاهر. انتهى. وهو بحث نفيسٌ (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٠ و١٠٩١ و١٠٩٢ و١٠٩٣] (٤٨٤)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٧٩٤ و٨١٧) و"المغازي" (٤٢٩٣) و"التفسير" (٤٩٦٧ و٤٩٦٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢١٩)، و(ابن ماجه) فيها (٨٨٩)، و(عبد الرزّاق) (٢٨٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٣ و٤٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٣٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٨١ و١٨٨٢ و١٨٨٣ و١٨٨٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٧٥ و١٠٧٦ و١٠٧٧ و١٠٧٨
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٧/ ٢٧٢.
(٢) "الفتح" ٢/ ٣٤٩.
[ ١١ / ١٩١ ]
و١٠٧٩)، و(الطحاويّ) في معاني الآثار" (١/ ٢٣٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ١٠٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦١٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة الدعاء في الركوع والسجود بالدعاء المذكور.
٢ - (ومنها): بيان جواز الدعاء في الركوع، ونُقل عن مالك: كراهته، وقد ترجم الإمام البخاريّ في "صحيحه": "باب الدعاء في الركوع"، ثم أورد حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، فقيل: الحكمة في تخصيص الركوع بالدعاء دون التسبيح، مع أن الحديث واحد، أنه قَصَدَ الإشارة إلى الردّ على من كَرِهَ الدعاء في الركوع، كمالك، وأما التسبيح فلا خلاف فيه، فاهتَمّ هنا بذكر الدعاء لذلك، وحجة المخالف حديثُ ابن عباس -﵄- الذي تقدّم في الباب الماضي، وفيه: "فأما الركوع فعَظِّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم"، لكنه لا مفهوم له، فلا يمتنع الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في السجود، وظاهر حديث عائشة -﵂- أنه -ﷺ- كان يقول هذا الذكر كله في الركوع، وكذا في السجود، قاله في "الفتح" (^١).
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله -ﷺ-: "أما الركوع فعَظِّموا فيه الربّ، وأما السجود فاجتهدوا فيه من الدعاء".
قال: ويمكن أن يُحْمَل حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية.
ويَحْتَمِل أن يكون أَمَر في السجود بتكثير الدعاء؛ لإشارة قوله: "فاجتهدوا"، والذي وقع في الركوع من قوله: "اللهم اغفر لي" ليس كثيرًا، فلا يعارض ما أَمَر به في السجود. انتهى.
واعترضه الفاكهانيّ بأن قول عائشة -﵂-: "كان يكثر أن يقول" صريح في كون ذلك وقع منه كثيرًا، فلا يعارض ما أَمَر به في السجود.
قال الحافظ: هكذا نقله عنه شيخنا ابن الْمُلَقِّن في "شرح العمدة"، وقال: فليُتَأَمَّل، وهو عجيب، فإن ابن دقيق العيد أراد بنفي الكثرة عدم الزيادة
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٢٩.
[ ١١ / ١٩٢ ]
على قوله: "اللهم اغفر لي" في الركوع الواحد، فهو قليل بالنسبة إلى السجود المأمور فيه بالاجتهاد في الدعاء الْمُشْعِر بتكثير الدعاء، ولم يُرِد أنه كان يقول ذلك في بعض الصلوات دون بعض، حتى يَعْتَرِض عليه بقول عائشة -﵂-: "كان يكثر. . . إلخ" انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن الأمر بتعظيم الربّ ﷿ في الركوع لا ينافي جواز الدعاء فيه بدليل هذا الحديث، وإنما غاية ما يدلّ عليه قوله: "فعظّموا فيه الربّ" أن يكون معظم الذكر المشروع فيه هو التعظيمَ بالتسبيح والتحميد، والتقديس، كما أن الغالب في السجود الاجتهاد في الدعاء، ولا ينافي التسبيح فيه أيضًا، بدليل قوله -ﷺ- لَمّا نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١]: "اجعلوها في سجودكم"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من الإكثار من الاستغفار، مع أنه غُفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، كما قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] الآية، وسبب ذلك أن يكون عبدًا شكورًا، فقد أخرج الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة -﵁- قال: قام النبيّ -ﷺ- حتى تَوَرَّمت قدماه، فقيل له: غفر اللَّه لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".
٤ - (ومنها): شدّة حرصه على مبادرته أمر اللَّه ﷿ له في القرآن، حيث قال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ الآية [النصر: ٣]، وهو معنى قوله: "يتأول القرآن"، أي يُطبّق على نفسه ما أُمر به في القرآن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠.
[ ١١ / ١٩٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ: "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ (^١)، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَرَاكَ أَحْدَثْتَهَا (^٢)، تَقُولُهَا؟ قَالَ: "جُعِلَتْ لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي، إِذَا رَأَيْتُهَا قُلْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] " إِلَى آخِرِ السُّورَةِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي. ومسلم هو ابن صُبيح، أبو الضحى.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان، قَرَن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن العلاء، أحد مشايخ الستة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، فكلهم كوفيّون، سوى عائشة -﵂-، فمدنيّة.
٥ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم، عن بعض: الأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ) هذا يدلّ على أنه -ﷺ- لا يخصّ هذا الذكر في الصلاة فقط، ويؤيّد هذا
_________________
(١) وفي نسخة: "سبحانك اللهمّ وبحمدك".
(٢) وفي نسخة: "قد أحدثتها".
[ ١١ / ١٩٤ ]
ما أخرجه ابن جرير الطبريّ، عن أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- في آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان اللَّه وبحمده، فقلت: يا رسول اللَّه، رأيتك تكثر من سبحان اللَّه وبحمده، لا تذهب، ولا تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان اللَّه وبحمده، قال: "إني أُمرت بها"، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة (^١).
("سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ) وفي نسخة: "سبحانك اللهمّ وبحمدك" (أَسْتَغْفِرُكَ وَأتُوبُ إِلَيْكَ") قال النوويّ: فيه حجةٌ على أنه يجوز، بل يُستحبّ أن يقول: "أستغفرك، وأتوب إليك"، وحُكي عن الرَّبِيع بن خثيم قال: لا يقل أحدكم: "أستغفر اللَّه وأتوب إليه"، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم يفعل، بل يقول: "اللهم اغفر لي، وتب عليّ" وهذا الذي قاله من قوله: "اللهم اغفر لي، وتب عليّ" حَسَنٌ، وأما كراهته "أستغفر اللَّه" وتسميته كذبًا فلا نوافق عليه؛ لأن معنى "أستغفر اللَّه" أطلب مغفرته، وليس في هذا كَذِبٌ، ويكفي في ردّه ما أخرجه أبو داود، والترمذيّ عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من قال: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ، وأتوب إليه، غُفرت ذنوبه، وإن كان قد فَرّ من الزَّحْف" (^٢)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاريّ ومسلم. انتهى (^٣).
(قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا) استفهاميّة (هَذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتي أَرَاكَ) وفي رواية عامر الشعبي الآتية: "فقلت: يا رسول اللَّه، أراك تكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه" (أَحْدَثْتَهَا) وفي نسخة: "قد أحدثتها" (تَقُولُهَا؟) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (قَالَ) -ﷺ- ("جُعِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي جعل اللَّه تعالى (لِي عَلَامَةٌ فِي أُمَّتِي) وفي رواية الشعبيّ الآتية: "فقال: خبّرني ربّي أني سأرى علامةً في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه، فقد رأيتها"
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ في "الصحيحة" ٧/ ٤٤٧.
(٢) حديث صحيح، كما قال الحاكم.
(٣) "الأذكار" للنوويّ ١/ ٣٢٣.
[ ١١ / ١٩٥ ]
(إِذَا رَأَيْتُهَا) أي تلك العلامة (قُلْتُهَا) أي قلت هذه الكلمات التي أحدثتها.
ثم ذكر العلامة فقال: (﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ) وفي رواية الشعبيّ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ فتح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٢ - ٣].
تفسير السورة الكريمة:
﴿إِذَا﴾ منصوب بـ "سَبِّح"، وهو لما يُسْتَقْبَل، والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوّة ﴿جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ النصر: الإغاثةُ والإظهار على العدوّ، والفتح: فتح البلاد، والمعنى نَصْرُ رسول اللَّه -ﷺ- على العرب، أو على قريش، وفَتْحُ مكة، أو جنس نصر اللَّه المؤمنين، وفتح بلاد الشرك عليهم، قاله النسفيّ -﵀-.
وقال القرطبيّ: النصر العون، مأخوذ من قولهم: قد نَصَرَ الغيثُ الأرضَ: إذا أعان على نباتها من قَحْطها، قال الشاعر [من الطويل]:
إِذَا انْسَلَخَ الشهر الحرام فَوَدّعِي … بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
ويُروَى:
إِذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَجَاوِزِي … بِلَادَ تَمِيمٍ وَانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ
يقال: نَصَره على عدوه ينصره نصرًا: أي أعانه، والاسم النُّصْرة، واستنصره على عدوه: أي سأله أن ينصره عليه، وتناصروا: نصر بعضهم بعضًا.
ثم قيل: المراد بهذا النصر نصر الرسول -ﷺ- على قريش، قاله الطبريّ، وقيل: نصره على من قاتله من الكفار، فإن عاقبة النصر كانت له.
وأما الفتح فهو فتح مكة، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: هو فتح المدائن والقصور، وقيل: فتح سائر البلاد: وقيل ما فتحه عليه من العلوم، و"إذا" بمعنى "قد": أي قد جاء نصر اللَّه؛ لأن نزولها بعد الفتح، ويمكن أن يكون معناه إذا يجيئك. انتهى (^١).
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٢٠/ ٢٣٠.
[ ١١ / ١٩٦ ]
﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ﴾ [النصر: ٢] هو حال من "الناس" على أن "رأيت" بمعنى أبصرتَ، أو عَرَفْتَ، أو مفعول ثان على أنه بمعنى "عَلِمتَ" ﴿فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ هو حال من فاعل ﴿يَدْخُلُونَ﴾ وجواب ﴿إِذَا﴾، ﴿فَسَبِّحْ﴾، أي إذا جاء نصر اللَّه إياك على من ناوأك، وفَتْحُ البلاد، ورأيت الناس يدخلون في ملة الإسلام جماعات كثيرة، بعدما كانوا يدخلون فيه واحدًا واحدًا، واثنين اثنين ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فقل: سبحان اللَّه حامدًا له، أو فَصَلِّ له، ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي اطلب مغفرته لك؛ تواضعًا وهضمًا للنفس، أو دُمْ على الاستغفار، قاله النسفيّ.
وقال القرطبيّ -﵀-: [فإن قيل]: فماذا يُغْفَر للنبيّ -ﷺ- حتى يؤمر بالاستغفار؟.
[قيل له]: كان النبيّ -ﷺ- يقول في دعائه: "رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي، وعمدي، وجهلي، وهَزْلي، وكلُّ ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدَّمت، وما أخرت، وما أعلنت، وما أسررت، أنت المقدم وأنت المؤخر، إنك على كل شيء قدير".
فكان -ﷺ- يستقصر نفسه؛ لعظم ما أنعم اللَّه به عليه، ويرى قصوره عن القيام بحقّ ذلك ذنوبًا.
ويَحْتَمِل أن يكون بمعنى: كن متعلقًا به سائلًا راغبًا متضرعًا على رؤية التقصير في أداء الحقوق؛ لئلا ينقطع إلى رؤية الأعمال.
وقيل: الاستغفار تعبّد يجب إتيانه، لا للمغفرة، بل تعبدًا، وقيل: ذلك تنبيهٌ لأمته؛ لكيلا يأمنوا ويتركوا الاستغفار، وقيل: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ أي استغفر لأمتك.
﴿إِنَّهُ كَانَ﴾ ولم يزل ﴿تَوَّابًا﴾ التوّاب الكثير القبول التوبة، وفي صفة العباد الكثير الفعل للتوبة، قاله النسفيّ -﵀- (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] أي على المسبِّحين
_________________
(١) "تفسير النسفي" ٤/ ٣٦١.
[ ١١ / ١٩٧ ]
والمستغفرين يتوب عليهم ويرحمهم، ويَقْبَل توبتهم، وإذا كان -ﷺ-، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟.
وقال ابن عمر -﵄-: نزلت هذه السورة بمنى في حجة الوداع، ثم نزلت ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدهما النبيّ -ﷺ- ثمانين يومًا، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزل: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقال مقاتل: سبعة أيام، وقيل غير هذا. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح": أخرج النسائيّ من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن، وقد تقدم في تفسير "براءة" أنها آخر سورة نزلت، والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملةً، بخلاف براءة، كما تقدم توجيهه، ويقال: إن ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ يوم النحر، وهو بمنى، في حجة الوداع، وقيل: عاش بعدها أحدًا وثمانين يومًا، وليس منافيًا للذي قبله، بناءً على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية، وعند ابن أبي حاتم من حديث ابن عباس: عاش بعدها تسع ليال، وعن مقاتل سبعًا، وعن بعضهم ثلاثًا، وقيل: ثلاث ساعات، وهو باطل.
وأخرج ابن أبي داود في "كتاب المصاحف" بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كان يقرأ "إذا جاء فتح اللَّه والنصر". انتهى (^٢).
وقال الإمام ابن كثير في "تفسيره": "سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ مدنية".
أخرج البخاريّ عن ابن عباس، قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لِمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: إنه ممن قد عَلِمتم، فدعاهم ذات يوم، فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قول اللَّه ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ
_________________
(١) "تفسير القرطبيّ" ٢٠/ ٢٣٣.
(٢) "الفتح" ٨/ ٦٠٥ - ٦٠٦.
[ ١١ / ١٩٨ ]
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]؟ فقال بعضهم: أُمِرنا أن نحمد اللَّه ونستغفره، إذا نُصِرنا، وفُتِح علينا، وسكت بعضهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول اللَّه -ﷺ- أعلمه له، قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، فذلك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]، فقال عمر بن الخطاب: لا أعلم منها إلا ما تقول. تفرّد به البخاريّ.
وأخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس -﵄- قال: بينما رسول اللَّه -ﷺ- في المدينة، إذ قال: "اللَّه أكبر اللَّه أكبر جاء نصر اللَّه والفتح، جاء أهل اليمن"، قيل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، لَيِّنةٌ طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية" (^١).
وأخرج أحمد بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدريّ أنه قال: لما نزلت هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قرأها رسول اللَّه -ﷺ- حتى ختمها، فقال: "الناس حَيْزٌ (^٢) وأنا وأصحابي حَيْزٌ -وقال- لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية"، فقال له مروان: كَذَبتَ، وعنده رافع بن خَدِيج، وزيد بن ثابت قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدثاك، ولكن هذا يخاف أن تنزعه عن عِرَافة قومه، وهذا يخشى أن تنزعه عن الصدقة، فرفع مروان عليه الدِّرّة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق. تفرّد به أحمد.
قال ابن كثير -﵀-: فالذي فَسَّر به بعض الصحابة من جلساء عمر -﵃- من أنه قد أُمِرنا إذا فتح اللَّه علينا المدائن والحصون، أن نحمد اللَّه ونشكره ونسبحه، يعني نُصَلِّي له ونستغفره، معنى مَلِيحٌ صحيحٌ، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبيّ -ﷺ- يوم فتح مكة وقت الضحى ثماني ركعات، فقال قائلون: هي صلاة الضحى، وأجيبوا بأنه لم يكن يواظب عليها، فكيف صلاها ذلك اليوم؟ وقد كان مسافرًا لم ينو الإقامة بمكة، ولهذا أقام فيها إلى آخر شهر رمضان قريبًا من تسعة عشر يومًا يقصر الصلاة، ويفطر هو وجميع الجيش، وكانوا
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ بشواهده. "الصحيحة" ٧/ ١١٠٧.
(٢) أي جماعة وفئة.
[ ١١ / ١٩٩ ]
نحوًا من عشرة آلاف، قال هؤلاء: وإنما كانت صلاة الفتح، قالوا: فيستحب لأمير الجيش إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه أول ما يدخله ثماني ركعات، وهكذا فَعَل سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن، ثم قال بعضهم: يصليها كلها بتسليمة واحدة، والصحيح أنه يسلم من كل ركعتين، كما ورد في "سنن أبي داود": أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين.
وأما ما فَسَّر به ابن عباس وعمر من أن هذه السورة نُعِيَ فيها إلى رسول اللَّه -ﷺ- روحه الكريمة، وأُعْلِم: أنك إذا فتحت مكة، وهي قريتك التي أخرجتك، ودخل الناس في دين اللَّه أفواجًا، فقد فَرَغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا، والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾.
أخرج النسائيّ بسند حسن عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] إلى آخر السورة، قال: نعيت لرسول اللَّه -ﷺ- نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة، وقال رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك: "جاء الفتح، وجاء نصر اللَّه، وجاء أهل اليمن"، فقال رجل: يا رسول اللَّه، وما أهل اليمن؟ قال: "قوم رقيقة قلوبهم، ليّنة قلوبهم، الإيمان يمان، والحكمة يمانية، والفقه يمان".
وقال ابن جرير الطبريّ: حدّثنا أبو السائب، حدّثنا حفص، حدّثنا عاصم، عن الشعبيّ، عن أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- في آخر أمره لا يقوم، ولا يقعد، ولا يذهب، ولا يجيء، إلا قال: سبحان اللَّه وبحمده، فقلت: يا رسول اللَّه، رأيتك تكثر من سبحان اللَّه وبحمده، لا تذهب، ولا تجيء، ولا تقوم، ولا تقعد، إلا قلت: سبحان اللَّه وبحمده، قال: إني أُمرت بها، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة (^١).
قال ابن كثير -﵀-: والمراد بالفتح ها هنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تَتَلَوَّمُ بإسلامها فتح مكة، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيّ، فلما فتح اللَّه عليه مكة، دخلوا في دين اللَّه أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى
_________________
(١) صححه الشيخ الألبانيّ في "الصحيحة" ٧/ ٤٤٧.
[ ١١ / ٢٠٠ ]
استوسقت جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مُظهر للإسلام، وللَّه الحمد والمنة.
وقد رَوَى البخاري في "صحيحه" عن عمرو بن سَلِمَة قال: لما كان الفتحُ بادر كلُّ قوم بإسلامهم إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت الأحياء تَتَلَوَّم بإسلامها فتح مكة، يقولون: دَعُوه وقومه، فإن ظَهَر عليهم، فهو نبيّ. . . الحديث. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُنْذُ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ يُصَلِّي صَلَاةً، إِلَّا دَعَا، أَوْ قَالَ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ رَبِّي (^٢)، وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّا الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (مُفَضَّلٌ) بن مُهَلْهَل السَّعْديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نَبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
والباقون تقدّموا قبله.
_________________
(١) راجع: "تفسير ابن كثير" ٤/ ٧٧٧ - ٧٨٠.
(٢) وفي نسخة: "سبحانك اللَّهمّ ربّي".
[ ١١ / ٢٠١ ]
وقوله: (عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ) بضمّ الصاد المهملة، مصغّرًا، وأما والد الربيع بن صَبِيح، فإنه بالفتح، مكبّرًا، وإلى هذا أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
صَبِيحُ وَالِدِ الرَّبِيعِ فُتِحَا … وَاضمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى
وقوله: (إِلَّا دَعَا، أَوْ قَالَ فِيهَا إلخ) "أو" هنا للشكّ من الراوي، والحديث متّفق عليه، ومسائله تقدمّت في شرح ثاني أحاديث الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي (^١) عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ: "سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالَ: "خَبَّرَنِي (^٢) رَبِّي أَنِّي سَأَرَى عَلَامَةً فِي أُمَّتِي، فَإذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحُ مَكَّةَ ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٢، ٣] ".
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أخبرني".
[ ١١ / ٢٠٢ ]
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند دينار القشيريّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو بكر البصريّ، ثقةٌ متقن [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (عَامِر) بن شَرَاحيل الشعبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ إمامٌ مشهور [٣] مات بعد المائة، وله نحو من ثمانين سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (خَبَّرَني رَبِّي) وفي نسخة: "أخبرني"، وهما بمعنًى.
وقوله: (فَإذَا رَأَيْتُهَا أَكْثَرْتُ مِنْ قَوْلِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَدْ رَأَيْتُهَا) قال العلامة ابن القيم في "الهدي": كأنه أخذه من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ لأنه كان يجعل الاستغفار في خواتم الأمور، فيقول إذا سلم من الصلاة: "أستغفر اللَّه" ثلاثًا، وإذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك"، وورد الأمر بالاستغفار عند انقضاء المناسك: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩] الآية.
قال الحافظ: ويؤخذ أيضًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، فقد كان يقول عند انقضاء الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٤] (٤٨٥) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَيْفَ تَقُول أَنْتَ فِي الرُّكُوعِ؟ قَالَ: أَمَّا "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"، فَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٦٠٦.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١١ / ٢٠٣ ]
ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَتَحَسَّسْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ، أَوْ سَاجِدٌ، يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ"، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَفِي شَأْنٍ، وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِىُّ) أبو عليّ الخلّال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الحميريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، وكان يدلّس ويُرسل [٦] (ت ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (عَطَاء) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيه فاضل، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٥ - (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) هو: عبد اللَّه بن عُبيد اللَّه بن أبي مُليكة زُهير بن عبد اللَّه بن جُدعان التيميّ المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٢.
والباقيان تقدّما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، الأول ما أخرج له النسائيّ، والثاني ما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار.
[ ١١ / ٢٠٤ ]
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمكيين، سوى عائشة -﵂- فمدنيّةٌ، وابن رافع فنيسابوريّ، وعبد الرزّاق، فصنعانيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عطاء، عن ابن أبي مليكة.
شرح الحديث:
عن ابْنِ جُرَيْجٍ أنه (قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاء) بن أبي رَبَاح.
[تنبيه]: هكذا رواية المصنّف من طريق عبد الرزّاق بذكر عطاء بين ابن جُريج وبين ابن أبي مُليكة، وهكذا هو عند النسائيّ من طريق حجاج الأعور، عن ابن جريج، فقد أخرجه في "سننه"، فقال:
أخبرنا إبراهيم بن الحسن الْمِصِّيصيّ الْمِقْسَمِيّ، قال: حدّثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، عن عائشة، قالت: "فقدت رسول اللَّه -ﷺ- ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. . . " الحديث.
لكن أخرجه النسائيّ في "كتاب عشرة النساء" من طريق عبد الرزّاق، بإسقاط عطاء، فقال:
(٣٩٦٢) أخبرنا إسحاق بن منصور، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني ابن أبي مليكة، أن عائشة قالت: "افتقدت رسول اللَّه -ﷺ-. . . " الحديث.
وقد تابع عبد الرزّاق محمد بن بكر في ذلك، عند الإمام أحمد -﵀-، فقال في "مسنده":
(٢٤٠٢٣) حدّثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: "افتقدت النبيّ -ﷺ- ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه. . . " الحديث.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الذي يظهر لي أن عبد الرزّاق له روايتان، ذكر
[ ١١ / ٢٠٥ ]
في إحداهما عطاء، وأسقطه في أخرى، وكلا الروايتين صحيحتان؛ إذ يمكن حمله على أن ابن جريج حدّث عن عطاء، عن ابن أبي مليكة، ثم لقي ابن أبي مليكة، فحدّثه، ومما يؤيّد ذلك أنه صرّح في رواية عبد الرزّاق المذكورة عند النسائيّ، ومحمد بن بكر عند أحمد بأن ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مُليكة، كما مرّ آنفًا، ومثل هذا كثير في روايات الثقات، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ فِي الرُّكُوعِ؟) أي من الأذكار والدعاء (قَالَ) عطاء (أَمَّا "سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ") أي هذا الكلام (فَأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَت: افْتَقَدْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-) هو افتعال من الفقد، وفي رواية أبي هريرة التالية: "فقدت رسول اللَّه -ﷺ-" ثلاثيًّا، قال النوويّ: هما لغتان بمعنى. انتهى. وهكذا تفيد عبارة الفيّوميّ -﵀-، حيث قال: فَقَدته فَقْدًا، من باب ضرب، وفُقْدَانًا (^١): عَدِمته، فهو مفقودٌ، وفقِيدٌ، وافتقدته مثله، وتفقّدته: طلبته عند غيبته. انتهى (^٢).
ولكن عبارة "القاموس" تدلّ على اختلاف معنى فَقَدَ، وافتقد، حيث قال: فَقَده يَفْقِده فَقْدًا -أي من باب ضَرَب- وفِقْدَانًا -بالضمّ والكسر- وفُقُودًا: عَدِمَهُ، فهو فَقِيدٌ ومفقودٌ، قال: وافتقده، وتفقده: طلبه عند غيبته. انتهى بإيضاح (^٣).
فعلى هذا يكون معنى قولها هنا: افتقدته: أي طلبته، وعلى رواية أبي هريرة فمعناه: عَدِمته من محلّه في البيت.
(ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي ليلة من الليالي، قيل: "ذات" مقحمة، وقيل: هو من إضافة المسمّى إلى الاسم (فَظَنَنْتُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ) أي زوجاته، وهذا يدلّ للقول الراجح، أنه -ﷺ- لا يجب عليه القسم بين زوجاته؛ إذ لو كان واجبًا عليه لما ظنّت عائشة -﵂- ذلك منه؛ إذ لا يترك الواجب عليه.
_________________
(١) بضم الفاء وكسرها.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٨.
(٣) راجع: "القاموس المحيط" ١/ ٣٢٣.
[ ١١ / ٢٠٦ ]
ويَحْتَمل أن تكون عائشة -﵂- نسيت لشدّة غيرتها وجوب القسم عليه، حتى ظن ذلك منه، والاحتمال الأول أقوى، وأظهر، وستأتي المسألة مفصّلة موضّحة في محلّها -إن شاء اللَّه تعالى-.
(فَتَحَسَّسْتُ) بالحاء المهملة: أي تطلّبته، وفي رواية النسائيّ في "كتاب عشرة النساء": "فتجسّسته" بالجيم، وهو بمعنى الأول.
قال في "اللسان": تَحَسَّس الخبرَ: تطلّبه، وتَبَحّثه، وفي التنزيل: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ الآية [يوسف: ٨٧]، وقال اللِّحْيانيّ: تَحَسّس فلانًا، ومن فلان: أي تبحّث، وقال أبو عبيدة: تحسّستُ الخبرَ، وتحسّيته، وقال شَمِر: تَنَدّسه مثلُهُ، وقال أبو معاذ: التحسّس شِبْهُ التسمّع والتبصّر، قال: والتجسّس بالجيم: البحث عن العورة، وقال ابن الأعرابيّ: تجسّس الخبرَ، وتحسّسه بمعنى واحد.
وقال أيضًا: التجسّس بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور، وأكثر ما يقال في الشرّ، وقيل: التجسّس بالجيم: أن يطلبه لغيره، وبالحاء أن يطلبه لنفسه، وقيل: بالجيم البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع. انتهى (^١).
(ثُمّ رَجَعْتُ) أي من المحلّ الذي ذهبت إليه لتطلبه فيه، ولعلّها خرجت تبحث عنه في بعض بيوت أزواجه -ﷺ-، فلما لم تجده رجعت إلى بيتها (فَإِذَا هُوَ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ) "إذا" هنا هي الْفُجائيّة، أي ففاجأني ركوعه -ﷺ- (يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه -ﷺ- قائلًا: ("سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ) تقدّم شرح هذه الجملة قريبًا (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ") أي لا معبود بحقّ إلا أنت وحدك لا شريك لك.
(فَقُلْتُ: بأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي) الجارّ والمجرور متعلّق بمحذوف، تقديره: أَفْدِيك بأبي، وأمّي، فلما حُذف الفعل انفصل الضمير.
ويَحْتَمِل أن يكون "أنت" مبتدأ، والجارّ والمجرور متعلّقٌ بمحذوف خبرٍ عن "أنت"، أي أنت مَفْديّ بأبي وأمّي.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "بأبي أنت إلخ" أي بأبي أنت وأمّي تُفدى من
_________________
(١) "لسان العرب" ٦/ ٣٨ - ٣٩ مادة جسس بالجيم، وحسس بالحاء.
[ ١١ / ٢٠٧ ]
المكاره، وهو كلامٌ يستعملونه في محلّ المحبّة، والمبالغة في الإكرام والاحترام، وقد صَرَّحُوا بذلك المعنى المقدَّر، فقالوا: فِداك أبي وأُمِّي، وجعلني اللَّه فداك، ويقولون بكسر الفاء، والمدّ، والهمز، وبفتح الفاء، والقصر. انتهى (^١).
(إِنِّي لَفِي شَأْنٍ) أي لفي حال، وهو كونها ظنّت أنه ذهب إلى بعض أزواجه (وَإِنَّكَ لَفِي آخَرَ) أي لفي شأن مغاير لما أنا عليه، وهو إعراضه عن الدنيا، وإقباله على الآخرة، ومناجاة ربّه بالصلاة والذكر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٤] (٤٨٥)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢٢٣) وفي "عشرة النساء" (٧/ ٧٢) وفي "الكبرى" (٦٩/ ٧١٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ١٥١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٢٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٧٩١٠٨٠).
وفوائد الحديث تأتي في الحديث التالي -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٥] (٤٨٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ (^٢)، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ:
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٨٩.
(٢) وفي نسخة: "قدمه".
[ ١١ / ٢٠٨ ]
"اللَّهُمَّ أَعُوذُ (^١) بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة بضع و(٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) -بفتح الحاء المهملة- بن منقذ الأنصاريّ المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٤] (١٢١) وهو ابن (٧٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
٣ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، مولى ربيعة بن الحارث، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
وأبو بكر، وأبو أُسامة حمّاد بن أسامة تقدّما في الباب الماضي، والصحابيّان تقدّما في هذا الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، من عبيد اللَّه، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: عبيد اللَّه، عن محمد بن يحيى، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّة، كلاهما من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً) وفي رواية النسائيّ: "ذات ليلة" (مِنَ الْفِرَاشِ) بكسر الفاء، فِعالٌ بمعنى مفعول، ككتاب
_________________
(١) وفي نسخة: "اللهم إني أعوذ".
[ ١١ / ٢٠٩ ]
بمعنى مكتوب، وجمعه فُرُشٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، وهو فَرْشٌ أيضًا تسميةً بالمصدر، يقال: فَرَشتُ البِساطَ وغيره، من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وافترشته، فافترَشَ هو، أفاده الفيّوميّ (^١). (فَالْتَمَسْتُهُ) أي طلبته، وفي رواية النسائيّ: "فجعلتُ أطلبه بيدي"، وإنما طلبته؛ لكونها ظنّت أنه ذهب إلى بعض نسائه، كما سبق في الحديث الماضي (فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ) وفي نسخة: "قدمه" بالإفراد، وفيه دليلٌ للمذهب الراجح أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وقد سبق تحقيقه في أبواب الوضوء مستوفًى. (وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) أي محلّ صلاته من البيت، ويَحْتَمل أنه كان يصلّي في المسجد النبويّ، وفي رواية النسائيّ: "وهو ساجد"، والجملة في محلّ نصب على الحال، أي والحال أنه -ﷺ- كائن في المسجد.
وقوله: (وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ) جملة حاليّة أيضًا، أي والحال أن قدميه -ﷺ- منصوبتان، وفيه بيان كيفية وضع القدمين في السجود، وهو أن تكونا منصوبتين.
وقول: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة حاليّة أيضًا، مثل الجملتين السابقتين.
[تنبيه]: هذه الجمل الواقعة أحوالًا يَحْتَمِل أن تكون من الأحوال المتداخلة، وهو أن تأتي الحال الثانية من ضمير الحال الأولى، أو من المترادفة، وهذا يمنعه بعض النحاة، والأصحّ جوازه، ويَحتمل أن تكون الواو في الجملتين الأخيرتين عاطفةً على الأولى، واللَّه تعالى أعلم.
("اللَّهُمَّ أَعُوذُ) وفي نسخة: "اللَّهمّ إني أعوذ"، أي أعتصم، وأتحصّن، يقال: عاذ به يعوذ عَوْذًا، وعِيَاذًا، ومعاذًا: لاذ به، ولجأ إليه، واعتصم (^٢)، وقوله: (بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) معلّقان بـ "أعوذ"، أي ألجأ إليك متوسّلًا برضاك عنّي من فعل يوجب سخطك عليّ.
و"الرضا" بالكسر مقصورًا مصدر سماعيّ لـ "رَضِي"، والقياس بالفتح، و"السخط" بضم، فسكون، وبفتحتين: مصدر لـ "سَخِطَ"، بفتح، فكسر، الأول سماعيّ، والثاني قياسيّ، قال ابن مالك في "الخلاصة":
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٨.
(٢) "لسان العرب" ٣/ ٤٩٧.
[ ١١ / ٢١٠ ]
وَمَا أَتَى مُخَالِفًا لِمَا مَضَى … فَبَابُهُ النَّقْلُ كَـ "سُخْطٍ" وَ"رِضَا"
(وَبِمُعَافَاتِكَ) أي وأعتصم بتجاوزك فضلًا منك ومِنّة، و"المعافاة": مصدر عافاه، من العفو، وهو التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس، يقال: عفا يَعْفُو عَفْوًا، فهو عَافٍ، وعَفُوٌّ، وقال ابن الأنباريّ في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤٣]: محا اللَّه عنك، مأخوذ من قولهم: عَفَت الرياحُ الآثارَ تعفو عَفْوًا، لفظ اللازم والمتعدّي سواء، قاله في "اللسان" (^١).
(مِنْ عُقُوبَتِكَ) أي من تعذيبك إياي بسبب المعاصي التي اقترفتها.
قال القاضي عياض -﵀-: رضا اللَّه، وسخطه، ومعافاته، وعقوبته من صفات كماله، فاستعاذ من المكروه منها إلى المحبوب، ومن الشرّ إلى الخير. انتهى.
(وَأَعُوذُ بِكَ) أي وأعتصم بك (مِنْكَ) أي مما يؤدّي إلى عذابك من المخالفات، وقال السنديّ -﵀- ما حاصله: أي أعوذ بصفات جمالك عن صفات جلالك، فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل، وتوسّل بجميع صفات الجمال عن صفات الجلال، وإلا فالتعوّذ من الذات مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يَظْهَر. انتهى (^٢).
وقال الخطابيّ -﵀-: في هذا معنى لطيف، وذلك أنه استعاذ باللَّه، وسأله أن يُجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدّان متقابلان، وكذلك المعافاة والمؤاخذة بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضدّ له، وهو اللَّه ﷿ استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حقّ عبادته، والثناء عليه. انتهى (^٣).
(لَا أُحْصِي) بضم الهمزة، من الإحصاء، أي لا أُطيقه، ولا أَبلُغه، ولا أنتهي غايته، ولا أحيط بمعرفته، كما قال -ﷺ- مخبرًا عن حاله في المقام المحمود حين يخِرّ تحت العرش ساجدًا، قال: "فأحمده بمحامد لا أقدر عليه
_________________
(١) "لسان العرب" ١٥/ ٧٢.
(٢) "إكمال العلم" ٢/ ٤٠١.
(٣) راجع: "إكمال المعلم" ٢/ ٤٠١.
[ ١١ / ٢١١ ]
الآن يُلهمنيه اللَّه"، متفق عليه، وروي عن مالك: لا أحصي نعمتك، وإحسانك عليّ، والثناء بها عليك، وإن اجتهدت في ذلك، والأول أولى؛ لما ذكرناه، ولما جاء في نصّ الحديث نفسه: "أنت كما أثنيت على نفسك"، ومعنى ذلك اعتراف بالعجز عن أداءِ وفهم ما يريده اللَّه من الثناء على نفسه، وبيان صمديّته، وقدّوسيّته، وعظمته، وكبريائه، وجبروته ما لا يُنتهى إلى عدّه، ولا يُوصَل إلى حدّه، ولا يُحصّله عقل، ولا يُحيط به فكر، وعند الانتهاء إلى هذا المقام انتهت معرفة الأنام. انتهى (^١).
(ثَنَاءً عَلَيْكَ) أي فردًا من ثنائك على شيء من نعمائك، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقّ الربّ ﷿.
(أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ) "أنت" مبتدأ، و"كما أثنيت" خبره، والكاف بمعنى "على"، وقوله: (عَلَى نَفْسِكَ") متعلّق بـ "أثنيتَ"، أي كائنٌ على الأوصاف التي أثنيت بها على نفسك، والجملة في موضع التعليل لعدم إحصاء الثناء عليه.
وقيل: "أنت" تأكيد للضمير المجرور في "عليك"، أي لا أُحصي ثناءً عليك مثل ثنائك على نفسك.
وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وبأنه كما قال لا يُحصيه، ورَدَّ ثناءه إلى الجملة دون تفصيل، وإحصاء، وتعيين، فوكل ذلك إلى المحيط بكلّ شيء جملةً وتفصيلًا، وكما أنه تعالى لا نهاية لسلطانه، وعظمته، ومجده، وعزّته، وجليل أوصافه، فكذلك لا نهاية للثناء عليه؛ إذ الثناء تابع للمُثْنَى عليه، فكلّ ثناء أُثني عليه به وإن كثُر وطال، وبولغ فيه، فقدره تعالى أعظم، وسلطانه أعزّ، وأوصافه أكبر وأكثر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ. انتهى (^٢).
وقال السنديّ في "حاشية النسائيّ": معنى قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" أي أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناءً يليق بك، فمن يقدر على أداء حقّ ثنائك؟ فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى، نحو:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٩٠.
(٢) "إكمال العلم" ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ١١ / ٢١٢ ]
ويَحْتَمِل أن تكون الكاف بمعنى "على"، والعائد إلى الموصول محذوفٌ، أي أنت ثابتٌ دائم على الأوصاف الجليلة التي أثنيت بها على نفسك، والجملة على الوجهين في موضع التعليل.
وفيه إطلاق لفظ النفس على ذاته تعالى بلا مشاكلة.
وقيل: "أنت" تأكيد للمجرور في "عليك"، فهو من استعارة المرفوع المنفصل موضع المجرور المتّصل؛ إذ لا منفصل في المجرور.
و"ما" في "كما" مصدريّة، والكاف بمعنى "مثل" صفة "ثناءً"، وَيَحْتَمِلُ أن تكون "ما" على هذا التقدير موصولةً، أو موصوفةً، والتقدير: مثل ثناء أثنيته، أو مثل الثناء الذي أثنيته، على أن العائد المقدّر ضمير المصدر، ونصبه على كونه مفعولًا مطلقًا، وإضافة "مثل" إلى المعرفة لا يضرّ في كونه صفة نكرة؛ لأنه متوغّلٌ في الإبهام، فلا يتعرّف بالإضافة.
وقيل: أصله: ثناؤك المستَحَقّ! كثنائك على نفسك، فحُذف المضاف من المبتدأ، فصار الضمير المجرور مرفوعًا. انتهى كلام السنديّ -﵀- (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٥] (٤٨٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٩)، و(النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ١٠٢ - ١٠٣) و"الصلاة" (٢/ ٢١٠ و٢٢٢)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٢١٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٨٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥٨ و٢٠١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٥٥ و٦٧١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٩٣٢ و١٩٣٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٢٧)،
_________________
(١) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ١/ ١٠٣ - ١٠٤.
[ ١١ / ٢١٣ ]
و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٣٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يقال في السجود، وهو هذا الذكر.
٢ - (ومنها): شدّة غيرة النساء على أزواجهنّ.
٣ - (ومنها): سعة أخلاق النبيّ -ﷺ-، حيث لم يُعاقب عائشة -﵂- باتّهامها له ما لا يليق به من الظلم، ولذلك قال لها فيما سيأتي للمصنّف في "الجنائز" برقم (٩٧٤) في قصّة خروجه إلى البقيع: "أظننت أن يحيف اللَّه عليك ورسوله. . . " الحديث.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا للمذهب الصحيح في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة، قال النوويّ -﵀-: استَدَلّ به من يقول: لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وهو مذهب أبي حنيفة وآخرين، وقال مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- والأكثرون: ينقض، واختلفوا في تفصيل ذلك.
وأجيب عن هذا الحديث بأن الملموس لا ينتقض على قول الشافعي -﵀- وغيره، وعلى قول من قال: ينتقض، وهو الراجح عند أصحابنا يُحْمَل هذا اللمس على أنه كان فوق حائل فلا يضرّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بُعد هذا التأويل مما لا يخفى على بصير، والحقّ أن القول بعدم النقض هو الأرجح، وقد تقدّمت المسألة مستوفاةً في أبواب الوضوء، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٥ - (ومنها): استحباب نصب القدمين في حال السجود.
٦ - (ومنها): مشروعيّة قيام الليل.
٧ - (ومنها): استحباب الدعاء في السجود؛ لأنه من مواطن الإجابة، كما سبق في قوله -ﷺ-: "فَقَمِنٌ أن يُستجاب لكم".
٨ - (ومنها): استحباب التعوّذ من سخط اللَّه تعالى وعقوبته.
٩ - (ومنها): بيان عظمة اللَّه تعالى، وعجز الخلق عن أداء الثناء عليه، كما ينبغي له، بل هو الذي يُثني على نفسه، كما ينبغي لجلاله وكماله.
١٠ - (ومنها): أن فيه إثبات صفة الرضا والسخط للَّه ﷿ على ما يليق بجلاله.
[ ١١ / ٢١٤ ]
١١ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ لأهل السنة في جواز إضافة الشرّ إلى اللَّه تعالى، كما يضاف إليه الخير؛ لقوله: "أعوذ بك من سخطك، ومن عقوبتك". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٦] (٤٨٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أَنَّ عَائِشَةَ نَبَّأَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، كثير التدليس، واختلط أخيرًا، من أثبت الناس في قتادة [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٧.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السدوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٤ - (مُطَرِّف بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) العامريّ الْحَرَشيّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ عابدٌ فاضلٌ [٢] (ت ٩٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
والباقيان تقدّما قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من سعيد، سوى عائشة -﵂-، فمدنيّة، والأولان كوفيّان.
[ ١١ / ٢١٥ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: قتادة، عن مطرّف، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُطَرِّفِ) بضم الميم، وتشديد الراء المكسورة (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين المعجمة والخاء المشدّدة المكسورة (أَنَّ عَائِشَةَ) -﵂- (نَبَّأَتْهُ) بتشديد الموحّدة، لغة في أنبأته بالهمزة، يقال: أنبأته الخبرَ، وبالخبر، ونبّأته: أعلمته (^١)، يعني أنها أخبرته، وأعلمته (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبُّوحٌ) بضمّ السين المهملة، وتشديد الموحّدة: المنزّه عن كلّ عيب (قُدُّوسٌ) بضمّ القاف، والدال المهملة: الطاهر من العيوب، والمنزّه عن الأولاد والأنداد، والْقُدْس: الطهارة (^٢).
وقال النووي -﵀-: هما بضم السين والقاف، وبفتحهما والضم أفصح وأكثر، قال الجوهريّ في فصل ذرح: كان سيبويه يقولهما بالفتح، وقال الجوهريّ في فصل سبح: سَبُّوح من صفات اللَّه تعالى، قال ثعلب: كلُّ اسم على فَعُّول فهو مفتوح الأول، إلا السُّبُّوح والقُدُّوس، فإن الضم فيهما أكثر، وكذلك الذُّرُّوح وهي دُوَيِّبَة حمراء مُنَقَّطةٌ بسواد تطير، وهي من ذوات السموم، وقال ابن فارس، والزُّبَيديّ، وغيرهما: سُبُّوح هو اللَّه ﷿، فالمراد بالسُّبُّوح القُدُّوس المسبَّح المقدَّس، فكأنه قال: مُسَبَّحٌ مُقَدَّسٌ، رب الملائكة والروح.
ومعنى سُبُّوح: المبرأ من النقائص والشريك، وكلّ ما لا يليق بالإلهية، وقُدُّوس: المطهَّر من كل ما لا يليق بالخالق.
وقال الهرويّ: قيل: القُدُّوس المبارك، قال القاضي عياض: وقيل فيه: سُبُّوحًا قُدُّوسًا على تقدير: أُسَبّح سُبُّوحًا، أو أذكر، أو أعظّم، أو أَعبُد. انتهى (^٣).
(رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ") قيل: الرُّوح ملك عظيم، وقيل: يَحْتَمِل أن
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩١.
(٢) "المغني في الأنباء عن غريب المهذّب" ١/ ١٢٠ - ١٢١.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
[ ١١ / ٢١٦ ]
يكون جبريل ﵇، وقيل: خلق لا تراهم الملائكة، كما لا نرى نحن الملائكة، واللَّه أعلم.
وعطف "الروح" على الملائكة من باب عطف الخاصّ على العامّ؛ لشرفه، كما قوله ﷿: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٣/ ١٠٩٦ و١٠٩٧] (٤٨٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٨٧٢)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ١٩٠ - ١٩١)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٨٨٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (١/ ٢٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٥ و٩٤ و١١٥ و١٤٨ و١٧٦ و١٩٣ و٢٠٠ و٢٤٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٦٠٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٨٩٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨١٠ و١٨١١ و١٨١٢ و١٨١٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٢ و١٠٨٣ و١٠٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٧ و١٠٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٦٢٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو دَاوُدَ) سليمان بن داود بن الجارود الطيالسيّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
[ ١١ / ٢١٧ ]
٢ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة المشهور، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (هِشَام) بن أبي عبد اللَّه سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
والباقون تقدّموا في الباب.
[تنبيه]: رواية شعبة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٣٤٨٩) حدّثنا بَهْز، قال: حدّثنا شعبة، عن قتادة، عن مُطَرِّف، عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس، رب الملائكة والرُّوح". انتهى.
وأما رواية هشام، فساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(٨٧٢) حدّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدّثنا قتادة، عن مُطَرِّف، عن عائشة، أن النبيّ -ﷺ- كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوح قُدُّوس، ربُّ الملائكة والرُّوح". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.