وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٨] (٤٨٨) - (حَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي (^٢) الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، حَدَّثَنِي مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ، قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ (^٣)، يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، أَوْ قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلتُهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "أعمل به".
[ ١١ / ٢١٨ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً"، قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيَّ) هو: عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضل جليلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ) هو: الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عُقبة بن أبي مُعَيط الأمويّ، أبو يعيش الْمُعيطيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، وكان عامله على قِنِّسرين، وعن أبان بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وعبد اللَّه بن مُحيريز، ومعدان بن أبي طلحة، وأم الدرداء، وغيرهم.
وروى عنه ابنه يعيش، والأوزاعيّ، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، وأبو صالح الليثيّ، ورجاء بن أبي سلمة، وابن عيينة، وآخرون.
قال ابن معين، والعجليّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا بأس بحديثه، ثنا دُحَيم، ثنا الوليد، ثنا الأوزاعيّ، حدّثني الوليد بن هشام، وهو ثقة عدلٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن عساكر: بلغني أنه عاش إلى دولة مَرْوان بن محمد.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٥ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ) هو: معدان بن أبي طلحة، ويقال: ابن طلحة الكِنَانيّ اليعمريّ الشاميّ، ثقةٌ [٢].
رَوَى عن عمر بن الخطاب، وأبي الدرداء، وثوبان، وعمرو بن عَبَسة.
[ ١١ / ٢١٩ ]
وروى عنه سالم بن أبي الجعد، والسائب بن حُبيش، والوليد بن هشام المعيطيّ، ويعيش بن الوليد على خلاف فيه.
قال ابن معين: أهل الشام يقولون: ابن طلحة، وقتادة وهؤلاء يقولون: ابن أبي طلحة، وأهل الشام أثبت فيه، وقال ابن سعد، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكره ابن سعد، ومسلم، وخليفة، في الطبقة الأولى من أهل الشام.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٨٨) و(٥٦٧) و(٨٠٩) و(٨١١) و(٩٤٦) و(١٦١٧) و(٢٣٠١).
[تنبيه]: قوله: "الْيَعْمَريُّ" -بفتح الياء التحتانيّة، والميم، وبينهما عين مهملة ساكنة، آخره راء-: نسبة إلى يَعْمَر بطنٌ من كندة، قاله في "اللُّبّ" (^١).
٦ - (ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات -﵁- بحِمْص سنة (٥٤) (م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والسماع من أوله إلى آخره، فانتفت منه تهمة تدليس الوليد، وتسويته، فإنه ممن اشتهر بذلك.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه من أفاضل الصحابة -﵃-، صحب النبيّ -ﷺ-، ولازمه في سفر وحضر إلى أن توفي -ﷺ-.
شرح الحديث:
عن مَعْدَانُ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيِّ، أنه (قَالَ: لَقِيتُ) أي استقبلت، يقال: لَقِتُه ألقاه، من باب تَعِب لُقِيًّا، والأصل على فُعُول، ولُقًى بالقصر، ولِقَاءً بالكسر والمدّ: إذا استقبلته (ثَوْبَانَ) بفتح الثاء المثلّثة، وسكون الواو (مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) حيث إنه اشتراه، فأعتقه، فاشتراه النبيّ -ﷺ-، فأعتقه، وكان من
_________________
(١) راجع: "لُبّ اللباب" ٢/ ٣٤٠.
[ ١١ / ٢٢٠ ]
أهل السِّرا، وهي موضع بين مكة واليمن، وقيل: إنه من حِمْيَر، وقيل: من أَلْهان، وقيل: من حَكَم بن سَعْد العشيرة، فأصابه سباء، فاشتراه النبيّ -ﷺ-، فأعتقه، فلم يزل معه -ﷺ- حتى تُوفّي، فخرج إلى الشام، فنزل بالرَّمْلة، ثم انتقل إلى حِمْصَ، فابتنى بها دارًا، ولم يزل بها إلى أن مات سنة (٥٤).
(فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ) وفي رواية النسائيّ: "دُلّني على عمل ينفعني" (أَعْمَلُهُ) وفي نسخة: "أعمل به"، و"أعملُ" بالرفع على أن الجملة صفة لـ "عَمَل"، وكذلك قوله: "يُدخلني"، وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "أعمله" يجوز أن يكون "أعمله" مجزومًا جوابًا للأمر، و"يُدخلني" بدلًا منه، وذلك لأن مَعْدان لَمّا كان معتقدًا لكون الإخبار سببًا لعمله صحّ ذلك، وأن يكون مرفوعًا صفةً لـ "عمل". انتهى (^١).
(يُدْخِلُني) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدخال (اللَّهُ بهِ الْجَنَّةَ، أَوْ) للشكّ من بعض الرواة (قَالَ: قُلْتُ: بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ) أَي أخبرني بأحبّ الأعمال إلى اللَّه تعالى حتى أعمل به (فَسَكَتَ) وفي رواية النسائيّ: "فسكت عنّي مليًّا"، أي ساعة طويلة (ثُمَّ سَأَلْتُهُ) أي عما سأله أوّلًا، قال القاري -﵀-: يَحْتَمل أن يكون السؤال في زمان آخر، وأن تكون "ثُمّ" لمجرّد العطف. انتهى (^٢). والظاهر الثاني، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ) إنما كرّر عليه؛ لكون المسؤول عنه مما لا ينبغي تركه، والظاهر أن سكوته لكونه مشغولًا بأمر آخر، وفي "المرعاة": ولعلّ سكوته لامتحان حال السائل في الجدّ في السؤال والطلب. انتهى (^٣). (فَقَالَ) ثوبان -﵁- (سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ) أي عما سألتني عنه، وهو العمل الذي يدخل الجنّة (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ) أي رسول اللَّه -ﷺ- ("عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ) أي الْزَم السجود له، قال النوويّ -﵀-: المراد به السجود في الصلاة. انتهى (^٤). وقال ابن الملك -﵀-: أراد به السجود للصلاة، أو للتلاوة، أو للشكر. انتهى (^٥).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١٠٢٨.
(٢) "المرقاة" ٢/ ٦١٦.
(٣) "المرعاة" ٣/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٤) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠٦.
(٥) "المرقاة" ٢/ ٦١٦.
[ ١١ / ٢٢١ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن الملك: أقرب لظاهر عموم النصّ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: "عليك" اسم فعل أمر، بمعنى "الْزَمْ"، منقولٌ من الجارّ والمجرور، قال في "الخلاصة":
وَالْفِعْلُ مِنْ أَسْمَائِهِ "عَلَيْكَا" … وَهَكَذَا "دُونَكَ" مَعْ "إِلَيْكَا"
ويتعدّى بنفسه، نحو عليك زيدًا، أي الزمه، فـ "زيدًا" منصوب على المفعوليّة، ويتعدّى بالباء أيضًا، كما في هذا الحديث، وكحديث: "فعليك بذات الدين"، فيكون بمعنى استمسك مثلًا، وقيل: إن الباء زائدة؛ لأنها تزاد كثيرًا في مفعول اسم الفعل؛ لضعف عمله، وأما الكاف فهي ضمير عند الجمهور، لا حرف خطاب، كما هو مبسوط في محلّه من كتب النحو.
(فَإنَّكَ) الفاء للتعليل، أي إنما أمرتك بكثرة السجود؛ لأنك (لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً) مفعول مطلق أريد به بيان الوحدة، أي سجدة واحدةً (إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً) "إلا" أداة استثناء مُلغاة، والجملة في محلّ نصب على الحال، و"درجةً" منصوب على التمييز.
والمعنى: إنك لا تسجد سجدة واحدة للَّه تعالى، إلا في حال كون اللَّه تعالى رافعًا إياك بسببها درجةً.
وذلك أنه لما تواضع للَّه تعالى غاية التواضع بوضع أشرف أعضائه، وهو الوجه على الأرض، وباعد نفسه عن الكبر جازاه اللَّه تعالى بأن رفع درجته.
وقال النوويّ -﵀-: سبب الحثّ على كثرة السجود ما سبق في الحديث الماضي: "أقربُ ما يكون العبد من ربه، وهو ساجد"، وهو موافق لقول اللَّه تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾، ولأن السجود غاية التواضع والعبودية للَّه تعالى، وفيه تمكين أعزّ أعضاء الإنسان، وأعلاها، وهو وجهه من التراب الذي يُدَاسُ، ويُمْتَهَن. انتهى (^١).
ولفظ النسائيّ: فقال: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ما من عبد يسجد للَّه سجدةً، إلا رفعه اللَّه ﷿ بها درجةً، وحطّ عنه بها خطيئة".
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠٦.
[ ١١ / ٢٢٢ ]
(وَحَطَّ عَنْكَ) أي أزال عنك، يقال: حَطَّ الرَّحْلَ وغيرَه حَطًّا، من باب نصر: أنزله من عُلو إلى سُفل، وحَطَطْتُ من الدين: أسقطت منه، والمناسب هنا المعنى الثاني، أي أزال عنك (بِهَا) أي بسبب تلك السجدة (خَطِيئَةً") مفعول "حطّ"، أي ذنبًا (قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبا الدَّرْدَاءِ) هو: عُوَيمر بن مالك، وقيل: ابن عامر، وقيل: ابن ثعلبة، وقيل: ابن عبد اللَّه، وقيل: ابن زيد بن قيس بن أمية بن عامر بن عديّ بن كعب بن الخزرج الأنصاريّ، أبو الدرداء الخزرجيّ.
وقال الْكُدَيميّ عن الأصمعيّ: اسمه عامر، وكانوا يقولون له: عُويمر، وكذا قال عمرو بن عليّ عن بعض ولده.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عائشة، وزيد بن ثابت. وروى عنه ابنه بلال، وزوجته أم الدرداء، وفضالة بن عبيد، وأبو أمامة، ومعدان بن أبي طلحة، وأبو إدريس الخولاني، وأبو مرة، مولى أم هانئ، وأبو حبيبة الطائي، وأبو السَّفَر الْهَمْداني مرسل، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وجُبير بن نُفير، وسويد بن غَفَلَة، وزيد بن وهب، وصفوان بن عبد اللَّه بن صفوان، وعلقمة بن قيس، وكثير بن قيس، وسعيد بن المسيّب، وأبو بَحْرية عبد اللَّه بن قيس، وكثير بن مرة، ومحمد بن سيرين، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن كعب القرظي، وهلال بن يساف، وآخرون.
قال أبو مُسْهِر، عن سعيد بن عبد العزيز: أسلم يوم بدر، وشهد أُحُدًا، وأبلى فيها، وقال الأعمش، عن خيثمة عنه قال: كنت تاجرًا قبل البعثة، فزاولت بعد ذلك التجارة والعبادة، فلم يجتمعا، فأخذت العبادة، وتركت التجارة.
وقد علّق على هذا الحافظ الذهبيّ -﵀-، فقال: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قاله هو طريق جماعة من السلف، والصوفيّةِ، ولا ريب أن أمزجة الناس تختلف في ذلك، فبعضهم يَقوَى على الجمع، كالصدّيق، وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يَعْجِز، ويقتصر على العبادة، وبعضهم يَقْوَى في بدايته، ثم يعجز، وبالعكس، وكلّ سائغ، ولكن لا
[ ١١ / ٢٢٣ ]
بدّ من النهضة بحقوق الزوجة والعيال. انتهى كلام الذهبيّ -﵀- (^١)، وهو نفيسٌ.
وقال صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد: قال رسول اللَّه -ﷺ- يوم أُحُد: "نعم الفارس عُويمر"، وقال: "حكيم أمتي"، ومناقبه وفضائله كثيرة جِدًّا.
قال أبو مُسهر، عن سعيد بن عبد العزيز: مات أبو الدرداء، وكعب الأحبار، في خلافة عثمان لسنتين بقيتا من خلافته، وقال الواقدي، وغير واحد: مات سنة اثنتين وثلاثين. وقال ابن حبان: وَلَّاه معاوية قضاء دمشق بأمر عمر بن الخطاب، وقال ابن سعد: آخى النبيّ -ﷺ- بينه وبين عوف بن مالك، وقال ابن عبد البر: قالت طائفة من أهل الأخبار: مات بعد صِفِّين، قال: والأصح عند أهل الحديث أنه تُوُفّي في خلافة عثمان، وصحح ابن الحذّاء قول البخاريّ: إنه عُويمر بن زيد، وقال عمرو بن عليّ عن بعض ولده: مات قبل عثمان بسنة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا (^٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(فَسَأَلْتُهُ) وفي رواية النسائيّ: "فسألته عما سألت عنه ثوبان"، أي عن العمل الذي يدخله الجنّة (فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ) -﵁-، وفي رواية النسائيّ: فقال لي: عليك بالسجود، فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "ما من عبد يسجد للَّه سجدة إلا رفعه اللَّه بها درجة، وحطّ عنه بها خطيئة"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٣٣٨.
(٢) هذا هو الذي في برنامج الحديث، والذي ذكرته في "قرّة العين" نقلًا عن ابن الجوزيّ أنه رَوَى (١٧٩) حديثًا، اتّفق الشيخان على حديثين، وانفرد البخاريّ بثلاثة، ومسلم بثمانية، والظاهر أن الاختلاف بالتكرار، كما يظهر من أرقام قائمة مرويّاته في البرنامج، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٢٢٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان وأبي الدرداء -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٠٩٨] (٤٨٨)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٨٨ و٣٨٩)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٢٢٨)، و(ابن ماجه) فيها (١٤٢٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٤٨٤٦)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٦ و٢٨٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣١٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٣٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل السجود، وأنه من أفضل الأعمال التي يُتقرّب بها إلى اللَّه ﷿، تمحى بها الذنوب، وترفع بها الدرجات.
٢ - (ومنها): الحث على كثرة السجود، والترغيب فيه، والمراد به السجود في الصلاة.
٣ - (ومنها): أن فيه دليلًا لمن يقول: تكثير السجود أفضل من إطالة القيام، وقد تقدمت المسألة، والخلاف فيها في الباب الذي قبل هذا، وأن الأرجح قول من قال: إن تطويل القيام أفضل من كثرة السجود؛ لأن صيغة "أفعل" الدالّة على التفضيل إنما جاء في فضل القيام، لا في السجود، فقد قال -ﷺ-: "أفضل الصلاة طول القنوت"، أي القيام، وهذا نصّ صريح في تفضيل طول القيام على كثرة السجود، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه السلف من الحرص على السؤال عن أفضل الأعمال التي يتقرّبون بها إلى اللَّه تعالى، ويستوجبون بها رضاه ومحبّته، والدار الآخرة؛ إذ هي المهمّ للعاقل؛ لأنها الدار الباقية، وهي الحياة الأبديّة الدائمة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
[ ١١ / ٢٢٥ ]
٥ - (ومنها): أن كثرة نوافل الأعمال، ولا سيّما السجود، مما يوجب محبّة الربّ ﷿، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل، حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنّه، وما تَرَدَّدتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مَسَاءته"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٠٩٩] (٤٨٩) - (حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنَا هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ، قَالَ: كُنْتُ أَبيتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ (^١) بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: "سَلْ"، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: "أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ " قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: "فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، أَبُو صَالِحٍ) الْقَنْطريّ البغداديّ، ثقةٌ (^٢) [١٠] (ت ٢٣٢) (خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٢ - (هِقْلُ بْنُ زِيَادٍ) بن عُبيد اللَّه، ويقال: بن عُبيد، السَّكْسَكِيّ -بمهملتين مفتوحتين، بينهما كاف ساكنة- مولاهم الدمشقيّ، نزيل بيروت، وقيل: هو لَقَبٌ، واسمه محمد، وقيل: عبد اللَّه، وكان كاتب الأوزاعيّ، ثقةٌ متقنٌ [٩].
_________________
(١) وفي نسخة: "فآتيه".
(٢) قال عنه في "التقريب": صدوقٌ، والذي يظهر لي أنه ثقةٌ، كما يتبيّن ذلك مما قاله الأئمة في ترجمته.
[ ١١ / ٢٢٦ ]
رَوَى عن الأوزاعيّ، وحَرِيز بن عثمان، وخالد بن دُرَيك، وبكر بن خُنَيس، وطلحة بن عمرو المكيّ، وعمر بن قيس، وهشام بن حسان، والمثنى بن الصباح، وغيرهم.
وروى عنه ابنه محمد، والليث بن سعد، وهو أكبر منه، وأبو مُسْهِر، ومروان بن محمد، ومنصور بن عمار، وبَقِيّة، وهشام بن إسماعيل العطار، والحكم بن موسى، وهشام بن عمار، وعلي بن حُجْر، وآخرون.
قال حنبل بن إسحاق، عن أحمد بن حنبل: لا يُكْتَب حديث الأوزاعيّ عن أوثق من هِقْل، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: كان أبو مُسهِر يرضاه، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال أبو مسهر: هو المقدَّم، وقال ابن معين: قال أبو مسهر: ما كان ها هنا أحدٌ أثبتُ في الأوزاعيّ من هِقْل، وقال عبد الخالق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ صدوقٌ، وقال الغلابي، عن ابن معين: ما كان بالشام أوثق منه، وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو صالح، حدّثني الهِقْل بن زياد، وهو ثقة من الثقات، من أعلى أصحاب الأوزاعيّ، وقال مروان بن محمد: كان أعلم الناس بالأوزاعيّ عشرةٌ، أولهم هِقْل، وقال أبو زرعة الرازيّ، والعجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عمار: الهقل من أثبت أصحاب الأوزاعيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو سليمان بن زَبْر، عن أبيه، عن إسحاق بن خالد: سمعت أبا مسهر يقول: ومن أصحابه الأثبات الهقل بن زياد، وكان الأوزاعيّ أوصى إليه، وكان حافظًا متقنًا.
مات سنة تسع وسبعين ومائة، وكذا قال ابن يونس في تاريخ وفاته، وقال ابن قانع: مات سنة إحدى وثمانين، وهو ثبت.
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (٤٨٩) و(٥٨٨) و(٧٩٢) و(١٥٣٦) و(١٥٩٦) و(٢٢٧٨).
٣ - (الْأَوْزَاعِيَّ) عبد الرحمن بن عمرو المذكور في السند الماضي.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل الطائيّ مولاهم، أبو نصر البصريّ، ثم اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يدلّس ويُرسل [٥] (١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
[ ١١ / ٢٢٧ ]
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
٦ - (رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) هو: ربيعة بن كعب بن مالك الأسلميّ، أبو فِرَاس المدنيّ، كان مَن أهل الصُّفّة، خَدَمَ النبيّ -ﷺ-، ونزل بعد موته على بَريد من المدينة.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه أبو سلمة بن عبد الرحمن، ومحمد بن عمرو بن عطاء، وحنظلة بن عليّ الأسلميّ، ونُعيم المجمر.
ويقال: إنه أبو فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران الْجَوْنيّ، وقد رُويَ عن أبي عمران، عن ربيعة الأسلمي.
قال الحافظ -﵀-: وصوَّب الحاكم أبو أحمد، وابن عبد البرّ تبعًا للبخاريّ أن ربيعة بن كعب غير أبي فِرَاس الذي رَوَى عنه أبو عِمْران.
وذَكَر مسلم، والحاكم في "علوم الحديث" أن ربيعة تفرَّد بالرواية عنه أبو سلمة، وليس ذلك بجيِّد؛ لما تراه من ذكر رواية هؤلاء عنه، لكن قولُ المزيّ: إن محمد بن عمرو بن عطاء رَوَى عنه ليس بجيدٍ؛ لأنه لم يأخذ عنه، وإنما رَوَى عن نعيم المجمر عنه، كما هو في "مسند أحمد" وغيره، واللَّه أعلم.
قال: هكذا تعقبه شيخنا -يعني العراقيّ- في "النكت على ابن الصلاح"، وقد وردت رواية محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي فِراس الأسلميّ، عند ابن منده في "المعرفة" وغيره، فمن قال: إن أبا فراس هو ربيعة، فوَحَّدَهما أثبت رواية محمد بن عمرو بن عطاء عنه بهذا، ومن زَعَم أنهما اثنان أمكن اثنان، قال الشيخ: لكن الحديث الذي أورده ابن منده هو متن الحديث الذي أورده مسلم لربيعة بن كعب، وإن كان في ألفاظه اختلاف، فيَقْوَى أنه واحد.
وكذلك رَوَى الحاكم في "المستدرك" من طريق المبارك بن فَضَالة: حدَّثني أبو عِمران الْجَوْنيّ، حدَّثني ربيعة بن كعب الأسلميّ، قال: كنت أخدُم النبيّ -ﷺ-، فقال لي: "يا ربيعة ألا تَزَوَّج؟ "، وهذا هو الحديث الذي رُوي عن أبي عمران، عن أبي فِراس، فَيَتَّجِه أنه هو، واللَّه أعلم. انتهى.
وقد ذكر غير واحد أنه مات سنة (٦٣) بعد الْحَرّة.
[ ١١ / ٢٢٨ ]
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، و"المصنّف"، والأربعة، وليس له عنهم إلا هذا الحديث فقط.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وعلّق له البخاريّ، وأخرج له أبو داود في "المراسيل"، وهقل، ما أخرج له البخاريّ، وكذا الصحابيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من يحيى بن أبي كثير، فقد سكن المدينة عشر سنين، وشيخه، بغداديّ، والباقيان دمشقيّان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا حديث الباب فقط.
شرح الحديث:
عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف -﵀-، أنه قال: (حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ بْنُ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيُّ) -﵁- (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) من البيوتة، أي أكون معه في الليل.
قال الفيّوميّ -﵀-: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَةً، ومَبِيتًا، ومَبَاتًا، فهو بائت، وتأتي نادرًا بمعنى نام ليلًا، وفي الأعم الأغلب بمعنى فَعَلَ ذلك الفعل بالليل، كما اختَصَّ الفعل في "ظَلَّ" بالنهار، فإذا قلت: بات يَفْعَل كذا، فمعناه: فعله بالليل، ولا يكون إلا مع سَهَر الليل، وعليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾ [الفرقان: ٦٤] الآية.
وقال الأزهريّ: قال الفراء: بات الرجل: إذا سَهِرَ الليل كلَّه في طاعة، أو معصية.
وقال الليث: مَن قال: بات بمعنى نام، فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول: بات يَرْعَى النجومَ، ومعناه ينظر إليها، وكيف ينام من يراقب النجوم؟.
[ ١١ / ٢٢٩ ]
وقال ابن الْقُوطِيَّة أيضًا، وتبعه السَّرَقُسْطيّ، وابن القطاع: بات يفعل كذا: إذا فعله ليلًا، ولا يقال: بمعنى نام.
وقد تأتي بمعنى صار، يقال: بات بموضع كذا، أي صار به، سواء كان في ليل أو نهار، وعليه قوله -ﷺ-: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، والمعنى: صارت، ووَصَلَت، وعلى هذا المعنى قول الفقهاء: بات عند امرأته ليلةً، أي صار عندها، سواء حَصَل معه نوم أم لا، وبَاتَ يَبَاتُ، من باب تَعِبَ لغة. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: فمعنى "أبيت" هنا هو وجوده عنده -ﷺ- لخدمته، ولا يريد نومه، ويدلّ عليه قوله: "فأتيته إلخ"، واللَّه تعالى أعلم.
(مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) ظرف لـ "أبيتُ"، قال في "المرقاة": ولعلّ هذا وقع له في السفر، وقال ابن حجر: أي إما في السفر، أو الحضر، والمراد بالمعيّة القرب منه بحيث يسمع نداءه إذا ناداه لقضاء حاجته. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يؤيّد كونه في الحضر قوله في رواية أحمد: "كنت أخدُم رسول اللَّه -ﷺ-، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته. . . " الحديث.
(فَأَتَيْتُهُ) وفي نسخة: "فآتيه" بصيغة مضارع المتكلّم، (بِوَضُوئِهِ) بفتح الواو؛ لأن المراد الماء الذي يتوضّأ منه، وقوله: (وَحَاجَتِهِ) من عطف العامّ على الخاصّ، أى بما يَحتاج إليه، من نحو سواك، وغيره.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف -﵀-، وقد ساقه الإمام أحمد في "مسنده" مطوّلًا، فقال:
(١٥٩٨٤) حدّثنا يعقوب، قال: حدّثنا أَبِي، عن ابن إسحاق، قال: حدّثني محمد بن عمرو بن عطاء، عن نُعيم المجمر، عن ربيعة بن كعب، قال: كنت أخدُم رسول اللَّه -ﷺ-، وأقوم له في حوائجه، نهاري أجمع، حتى يصلي رسول اللَّه -ﷺ- العشاء الآخرة، فأجلس ببابه إذا دخل بيته، أقول: لعلها أن تَحْدُث لرسول اللَّه -ﷺ- حاجة، فما أزال أسمعه يقول رسول اللَّه -ﷺ-:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٧ - ٦٨.
(٢) "المرقاة" ٢/ ٦١٥.
[ ١١ / ٢٣٠ ]
"سبحان اللَّه، سبحان اللَّه، سبحان اللَّه وبحمده"، حتى أَمَلَّ، فأرجع، أو تغلبني عيني فأرقدَ، قال: فقال لي يومًا لِمَا يرى من خفتي له، وخدمتي إياه: "سلني يا ربيعة أعطك"، قال: فقلت: أَنْظُر في أمري يا رسول اللَّه، ثم أُعْلِمك ذلك، قال: ففكرت في نفسي، فعرفت أن الدنيا منقطعة زائلة، وأن لي فيها رزقًا سَيكفيني ويأتيني، قال: فقلت: أسأل رسول اللَّه -ﷺ- لآخرتي، فإنه من اللَّه ﷿ بالمنزل الذي هو به، قال: فجئت، فقال: "ما فعلتَ يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: نعم يا رسول اللَّه، أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار، قال: فقال: "من أمرك بهذا يا ربيعة؟ "، قال: فقلت: لا واللَّه الذي بعثك بالحقّ ما أمرني به أحدٌ، ولكنك لَمّا قلت: "سلني أعطك"، وكنتَ من اللَّه بالمنزل الذي أنت به، نظرتُ في أمري، وعرفت أن الدنيا منقطعة وزائلة، وأن لي فيها رزقًا سيأتيني، فقلت: أسأل رسول اللَّه -ﷺ- لآخرتي، قال: فصمت رسول اللَّه -ﷺ- طويلًا، ثم قال لي: "إني فاعل، فأعنّي على نفسك بكثرة السجود". انتهى.
وهذا إسناد صحيحٌ، وقد صرّح فيه ابن إسحاق بالتحديث، فزالت تهمة التدليس منه.
(فَقَالَ لِي: "سَلْ") بفتح السين المهملة، أمر من سأل يسأل، وأصله اسأل، فخُفّف، ويَحتمل أن يكون أمرًا من سال يسال، كخاف يخاف، لغة في سأل يسأل بالهمزة (^١).
والمعنى: اطلب مني حاجتك حتى أكافئك في خدمتك لي.
(فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ) أي كوني رفيقًا لك فيها، ولا ينافي هذا ما تقدّم في رواية أحمد: "أسألك أن تشفع لي إلى ربك، فيعتقني من النار"؛ لأن أحدهما يستلزم الآخر؛ لأنه إذا أعتق من النار، دخل الجنّة، وإذا دخل الجنّة، فقد رافقه -ﷺ- فيها، ويَحْتمل أن يكون المراد بالمرافقة مرافقةً خاصّة، بأن يكون قريبًا من درجته، وهذا أيضًا لا ينافي ما ذُكر، واللَّه تعالى أعلم.
(قَالَ) -ﷺ- ("أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ ") قال النوويّ -﵀-: "أَوَ" بفتح الواو.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٩٧.
[ ١١ / ٢٣١ ]
انتهى (^١). وقال القرطبيّ -﵀-: رويناه بإسكان الواو من "أو"، ونصب "غير". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: إن تعيّنت الرواية بأحد الوجهين، فلا ينبغي العدول عنها، وإلا فالكلام محتمل للوجهين؛ إذ يَحْتَمِل أن تكون الهمزة للاستفهام، دخلت على واو العطف، و"غيرَ" مفعول لفعل مقدّر، أي أتسأل غير ذلك، من أمور الدنيا، كالغنى ونحوه.
ويَحْتَمِلُ أن تكون "أَوْ" بسكون الواو للإضراب، بمعنى "بل"، أي بل أسأل غير ذلك من الحوائج، واللَّه تعالى أعلم.
قال القاضي عياض -﵀-: قوله: "أو غير ذلك" قيل: لعله -ﷺ- فَهِم منه المساواة معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلذلك قال له: "أو غير ذلك"، أي سل غير هذا، فلما قال له الرجل: "هو ذاك" قال له: "فأعنّي على نفسك إلخ"؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرب من منزلته، وإن لم يساوه فيها، فإن السجود معرج القُرَب، ومدار رفعة الدرجات، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال -ﷺ- في حديث ثوبان -﵁- الماضي: "لا تسجد للَّه سجدةً إلا رفعك اللَّه بها درجةً"، ولأن السجود غاية التواضع للَّه، والعبوديّة له؛ إذ فيه تمكين أعزّ عضو الإنسان، وأرفعه، وهو وجهه من أدنى الأشياء، وهو التراب، والأرض المدوسة بالأرجل والنعال. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "أو غير ذلك" رويناه بإسكان الواو من "أو"، ونصب "غيرَ"، أي أو سل غير ذلك، كأنه حضّه على سؤال شيء آخر غير مرافقته؛ لأنه فَهِمَ منه أن يطلُب المساواةَ معه في درجته، وذلك مما لا ينبغي لغيره، فلما قال الرجل: "هو ذاك"، قال له: "أعنّي على نفسك بكثرة السجود"، أي الصلاة؛ ليزداد من القرب، ورفعة الدرجات حتى يقرُب من منزلته، وإن لم يساوه فيها.
قال: ولا يُعترض هذا بقول النبيّ -ﷺ- فيما رواه حُذيفة -﵁- ليلة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٠٦.
(٢) "المفهم" ٢/ ٩٣.
(٣) راجع: "إكمال العلم" ٢/ ٤٠٣.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
الأحزاب: "ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله اللَّه معي يوم القيامة" (^١)؛ لأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [النساء: ٦٩]؛ لأن هذه المعيّة هي النجاة من النار، والفوز بالجنّة، إلا أن أهل الجنّة على مراتب، ومنازلهم بحسب أعمالهم وأحوالهم، وقد دلّ على هذا أيضًا قوله -ﷺ-: "المرء مع من أحبّ". انتهى كلام القرطبيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ) مبتدأ وخبره، أي المسئول ما ذكرته لك، من مرافقتي لك في الجنّة، لا غيره (قَالَ) -ﷺ- ("فَأَعِنِّي) الفاء فاء الفصيحة، أي إذا كان مطلوبك ما ذكرته، فأعني (عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الجارّان متعلّقان بـ "أعنِّي"، أي كن عونًا لي على تحصيل مطلوبك الذي هو مرافقتك لي في الجنّة بكثرة السجود للَّه تعالى، والظاهر أنه عموم السجود، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به الصلاة، وخصّ السجود بالذكر؛ لأنه مُذلّ للنفس، وقاهر لها؛ لما فيه من وضع أشرف الأعضاء، وأعلاها على الأرض، وأيّ نفس خضعت للَّه تعالى استحقّت رحمته وإحسانه، ورفع درجاته، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن ابن عمر عن عمر قال: لا أعلمه إلا رفعه، قال: "يقول اللَّه ﵎: مَن تواضع لي هكذا - وجعل يزيد (^٢) باطن كفه إلى الأرض، وأدناها إلى الأرض -رفعته هكذا- وجعل باطن كفه إلى السماء، ورفعها نحو السماء".
وأخرج أحمد، وابن ماجه عن أبي سعيد -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "من يتواضع للَّه سبحانه درجة، يرفعه اللَّه به درجة، ومن يتكبر على اللَّه درجةً يضعه اللَّه به درجةً حتى يجعله في أسفل السافلين"، وفيه درّاج، عن أبي الهيثم، ضعيف.
وقال بعضهم: المراد تعظيم تلك الحاجة، وأنها تحتاج إلى معاونة منك، ومجرّدُ السؤال مني لا يكفي فيها.
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في "كتاب الجهاد" برقم (١٧٨٨).
(٢) هو يزيد بن هارون الراوي.
[ ١١ / ٢٣٣ ]
أو المعنى: فوافقني بكثرة السجود قاهرًا بها نفسك، أو أعنّي على قهر نفسك بكثرة السجود، كأنه أشار إلى أن ما ذكرته لا يحصل إلا بقهر النفس التي هي أعدى عدوّ المرء، فلا بدّ لك من قهرها بصرفها عن غيّها وتكبّرها بالتواضع، فإن السجود كاسرٌ للنفس، ومذلّ لها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ربيعة بن كعب الأسلميّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٠٩٩] (٤٨٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١٣٢٠)، و(الترمذيّ) في "الدعوات" (٣٤١٦)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، و(ابن ماجه) في "الدعاء" (٣٨٧٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٧ - ٥٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٤٥٧٠ و٤٥٧١ و٤٥٧٢ و٤٥٧٣ و٤٥٧٤ و٤٥٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٥٩٤ و٢٥٩٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٨٥٩ و١٨٦٠ و١٨٦١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٠٨٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٨٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على كثرة السجود؛ لأنه سبب لرفع الدرجات، ومحو الخطيئات.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الصحابيّ الجليل -﵁-، حيث كان شديد الاهتمام بالآخرة، دون الدنيا؛ لقرب زوالها، ودناءة مقدارها، والآخرة خير وأبقى، فالفوز الحقيقيّ هو الفوز في الآخرة، قال اللَّه ﷿: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥].
٣ - (ومنها): بيان شدّة اهتمام النبيّ -ﷺ- حيث اهتمّ بهذا الصحابيّ؛ لقيامه بخدمته، فأراد أن يكافئه على ذلك، وهذا كان هديه -ﷺ- مع من يخدمه،
[ ١١ / ٢٣٤ ]
فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن زياد بن أبي زياد، مولى بني مخزوم، عن خادم للنبيّ -ﷺ- رجلٍ، أو امرأةٍ، قال: كان النبيّ -ﷺ- مما يقول للخادم: "ألك حاجة؟ "، قال: حتى كان ذات يوم، فقال: يا رسول اللَّه حاجتي؟ قال: "وما حاجتك؟ "، قال: حاجتي أن تشفع لي يوم القيامة، قال: "ومَن دَلّك على هذا؟ "، قال: ربي، قال: "إما لا، فأعنّي بكثرة السجود" (^١).
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للرئيس أن يهتمّ بحوائج مرؤوسيه المحسنين إليه، وسؤاله إياهم ما يحتاجون إليه، حتى يُعينهم على حوائجهم بما يستطيعه، فإن لم يستطع دعا لهم، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بسند صحيح، عن ابن عمر -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه" (^٢).
٥ - (ومنها): جواز طلب الرتبة الرفيعة، من مرافقة الأنبياء، ونحو ذلك.
٦ - (ومنها): بيان أن من الناس من يكون مع الأنبياء -﵈- في الجنّة.
٧ - (ومنها): الحثّ على مجاهدة النفس وقهرها بكثرة الطاعة، وعلى أن نيل المراتب العليّة بمخالفة النفس الدنيّة.
٨ - (ومنها): مزيد فضل الصلاة، وأن الإكثار منها سبب لعلوّ الدرجات، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "المسند" برقم (١٥٦٤٦).
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد برقم (٥٣٤٢)، وأبو داود برقم (١٦٧٢ و٥١٠٩)، والنسائيّ برقم (٢٥٦٧).
[ ١١ / ٢٣٥ ]