وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٧] (٦٥٣) - (وَحَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَسُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، وَيَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ (^٢)، كُلُّهُمْ عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ، قَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا الْفَزَارِيُّ (^٣)، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ أَعْمَى، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ، فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "ويعقوب بن إبراهيم الدورقيّ".
(٣) وفي نسخة: "حدّثنا مروان الفزاريّ".
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ " قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَأَجِبْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (سُويدُ بْنُ سَعِيد) بن سهل الْهَرويّ الأصل، ثم الْحَدَثانيّ، ويقال له: الأنباريّ، أبو محمد، صدوقٌ، عَمِيَ، فتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ٢٤٠) وله (١٠٠) سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٣ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم بن كثير العبديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) وله (٩٦) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٤ - (مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ) هو: ابن معاوية بن الحارث بن أسماء، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظٌ، يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
٥ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَصَمِّ) هو: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ العامريّ صدوقٌ (^١) [٦] تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن شيخه يعقوب الدورقيّ أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، عبيد اللَّه عن يزيد بن الأصمّ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) قال عنه في "التقريب": مقبول، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه ثلاثة من الثقات، واحتجّ به مسلم في الأصول، وهو توثيقٌ ضمنيّ، ووثّقه ابن حبّان، ولا يُعلم فيه جرح لأحد، فتنبّه.
[ ١٤ / ٢٣٧ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ أَعْمَى) قال النوويّ -﵀-: هذا الأعمى هو ابن أم مكتوم، جاء مفسَّرًا في "سنن أبي داود" وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: ويَحْتَمِل أن يكون غيره، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ) الضمير للشأن، أي إن الأمر والشأن (لَيْسَ لِي قَائِدٌ) اسم فاعل من قال، يقال: قال الرجلُ الفرسَ يقودها قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا بالكسر، وقيادةً، قال الخليل: القود أن يكون الرجل أمام الدابّة آخذًا بقيادها، والسَّوق أن يكون خلفها، فإن قادها لنفسه قيل: اقتادها، قاله في "المصباح" (^١).
وفي "المرعاة": القائد هو الذي يُمسك يد الأعمى، ويأخذه، ويذهب به حيث شاء، ويجُرّه، من الْقَوْد، وهو ضدّ السَّوق، فهو من أمام، وذاك من خلف. انتهى (^٢).
(يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ) إن كان الأعمى هو ابن أم مكتوم -﵁-، فالمراد قائد يلائمه ويرفُقُ به، ففي رواية لأبي داود: "ولي قائد لا يلائمني"، وإن كان غيره، فيَحْتَمِل أنه لا يجد من يقوده أصلًا (فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ) أي يُسَهِّل عليه في التأخر عن الصلاة جماعةً في المسجد (فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ) إما جماعةً أو منفردًا (فَرَخَّصَ لَهُ) في ذلك، وفي رواية النسائيّ: "فأَذِنَ له" (فَلَمَّا وَلَّى) أي أدبر ذلك الأعمى عن مجلس رسول اللَّه -ﷺ- فَرِحًا بترخيصه له فيما طلب (دَعَاهُ) أي ناداه النبيّ -ﷺ- (فَقَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ ") أي التأذين، وفي حديث ابن أم مكتوم عند النسائيّ: "هل تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح؟ " (قَالَ) الأعمى (نَعَمْ) أي أسمع ذلك (قَالَ) -ﷺ- ("فَأَجِبْ") أمر من الإجابة، وعند النسائيّ في "الكبرى": "فأجبه"، والفاء فصيحية، أي فإذا كنت تسمع النداء بالصلاة، فأجب بالفعل، وفي حديث ابن أمّ مكتوم المذكور: "فحي هلا"، أي فأقبل إلى الصلاة.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥١٨.
(٢) "المرعاة" ٣/ ٤٨٧.
[ ١٤ / ٢٣٨ ]
قال السنديّ -﵀-: ظاهره وجوب الجماعة؛ لا بمعنى أنها واجبة في الصلاة حتى تبطل بدونها، بل بمعنى أنها واجبة على المصلي، يأثم بتركها. انتهى.
وقال النوويّ -﵀-: وفي هذا الحديث دلالة لمن قال: الجماعة فرض عين.
وأجاب الجمهور عنه بأنه سأل هل له رخصة أن يصلي في بيته، وتحصل له فضيلة الجماعة بسبب عذره؟ (^١)، فقيل: لا.
ويؤيد هذا أن حضور الجماعة يسقط بالعذر بإجماع المسلمين، ودليله من السنة: حديث عتبان بن مالك -﵁- الآتي بعد ثلاثة أبواب.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قول من قال: إنها فرض عين لمن لا عذر له، هو الحقّ، كما أسلفنا تحقيقه، وأما تأويل الجمهور المذكور فبعيدٌ، وتأييده بحديث عتبان -﵁- المذكور ليس كما ينبغي؛ إذ حديثه نصّ في تحقّق عذره، فقد ثبت أنه قال للنبيّ -ﷺ-: "يا رسول اللَّه؛ إن السيول لتحول بيني وبين مسجد قومي"، فهذا عذر قائم، وأما الأعمى المذكور فعذره هو العَمَى، ومعلوم أن كثيرًا من العميان لا يَشُقّ عليهم المشي إلى المساجد، كما هو مشاهد، وهذا الأعمى منهم، بدليل أنه -ﷺ- لم يرخص له، مع كونه رَخَّصَ لكثير من أصحاب الأعذار، كعتبان، وكمن حضر لديه طعام، وكمن يدافعه الأخبثان، وفي حالة وجود الأمطار، كما ثبت كلُّ ذلك في "الصحيحين"، وغيرهما.
والحاصل أن حديث الباب دليلٌ واضحٌ على فرضية الجماعة لمن لا عذر له، وأن مجرد العمى ليس عذرًا يُسْقِط الجماعة، واللَّه تعالى أعلم.
وقال النوويّ -﵀- أيضًا: وأما ترخيص النبيّ -ﷺ- له، ثم ردُّه، وقوله:
_________________
(١) تُعُقّب تأويل الجمهور هذا بأنه ضعيف؛ لما ثبت أن المعذور لا ينقص أجره عما يفعله لولا العذر، كما دلّ عليه حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- في "الصحيح" مرفوعًا: "إذا مَرِضَ العبدُ أو سافر، كُتِب له مثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٤ / ٢٣٩ ]
"فأجب" فيَحْتَمِل أنه بوحي نزل في الحال، ويَحْتَمِل أنه تغير اجتهاده -ﷺ-، إذا قلنا بالصحيح، وقولِ الأكثر: إنه يجوز له الاجتهاد، ويَحْتَمِل أنه رَخّص له أوّلًا، وأراد أنه لا يجب عليك الحضور، إما لعذر، وإما لأن فرض الكفاية حاصل بحضور غيره، وإما للأمرين، ثم ندبه إلى الأفضل، فقال: الأفضل لك، والأعظم لأجرك أن تجيب، وتحضر، فأجب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مسألة اختلاف في اجتهاد النبيّ -ﷺ-، قد حقّقتها في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، ورجّحت قول الجمهور بجوازه، فراجعه تستفد.
وأما قوله: "وأراد أنه لا يجب عليك الحضور. . . إلخ"، فغير صحيح؛ لأنه يردُّه ظاهر الأمر في قوله: "فأَجِبْ" مع الأدلة الأخرى الدالّة على وجوب صلاة الجماعة، وقد تقدّم بيانها، فتبصر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٤/ ١٤٨٧] (٦٥٣)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٥٠) وفي "الكبرى" (٩٢٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٧ و٦٦)، و(إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٣١٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٥٩ و١٤٦٠)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات في المساجد.
٢ - (ومنها): أن العمى ليس عذرًا يسقط الجماعة، وإن لم يجد قائدًا، والظاهر أن هذا فيما إذا كان يَعرِف طريق المسجد، ولا يُخاف عليه من الهلاك.
_________________
(١) "شرح مسلم للنوويّ" ٥/ ١٥٥.
[ ١٤ / ٢٤٠ ]
٣ - (ومنها): أن من سمع النداء لا يجوز له أن يتخلف عن صلاة الجماعة إلا بعذر.
٤ - (ومنها): وجوب إجابة المؤذن بالفعل، كما يجب بالقول، لحديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن"، متفق عليه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.