وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٨] (٦٥٤) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ، قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ، إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (زكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) خالد، أو هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدَانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يُدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ) اللَّخْميّ الكوفيّ، ويقال له: الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيهٌ تغيّر حفظه، وربما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٤ / ٢٤١ ]
والباقون تقدّموا قبل باب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: شرح الحديث، ومسائله تأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا.
وقوله: (إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ) "إن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، أي إنه كان. . . إلخ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٨٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا، فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ، حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ -ﷺ- سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُويكُمْ، كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ، لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ، فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا، وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ (^٢)، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) اسم دُكين عمرو بن حمّاد بن زُهير، أبو نعيم التيميّ مولاهم الأحول الْمُلائيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٨ أو ٢١٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩١.
٢ - (أَبُو الْعُمَيْسِ) عُتبة بن عبد اللَّه بن عُتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْأَقْمَرِ) بن عمرو بن الحارث بن معاوية بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن عبد اللَّه بن وَدَاعة الْهَمْدانيّ -بسكون الميم، وبالدال
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "بين رجلين".
[ ١٤ / ٢٤٢ ]
المهملة- الوادعيّ أبو الوازع الكوفيّ، قيل: إنه أخو كلثوم بن الأقمر، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن ابن عمر، وأم عطية الأنصارية فيما قيل، وأبي جُحيفة، وأسامة بن شريك، ومعاوية، وقيل: إنه وفد عليه، وشُريح القاضي، وأبي الأحوص الْجُشَميّ، وغيرهم.
ورَوَى عنه الأعمش، ومنصور، والثوريّ، وشعبة، والمسعوديّ، والحسن بن حيّ، وأبو العُمَيس، ومِسْعَر، وشريك، وغيرهم.
قال ابن معين، والعجليّ، ويعقوب بن سفيان، والنسائيّ، وابن خِرَاش، والدارقطنيّ: ثقةٌ، وقال ابن أبي مريم، عن ابن معين: ثقةٌ حجةٌ، وقال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ، وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم بينه وبين كلثوم بن الأقمر قرابةً.
قال الحافظ: وجزم ابن حبّان، وعمران بن محمد بن عمران الْهَمْدانيّ، في "طبقات رجال هَمْدان" أنه أخو كلثوم بن الأقمر، وتبع في ذلك ابنَ سعد، وكذلك ذكر في الطبقة الثالثة، ووقع في "التهذيب" أنه ذكره في الرابعة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الستّة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٥٤)، وحديث (٢٩٤٩): "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس".
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه راوية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ) عوف بن مالك بن نَضْلَة الْجُشَميّ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) بن
[ ١٤ / ٢٤٣ ]
مسعود -﵁- أنه (قَالَ: مَنْ سَرَّهُ) "من" شرطية، و"سره" بمعنى أفرحه، يقال: سَرّه، يَسُرّه سُرورًا -بالضم-، والاسم السَّرُور بالفتح: إذا أفرحه، قاله الفيوميّ (أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا) أي يوم القيامة (مُسْلِمًا) أراد به كمال الإسلام المتضمِّن لانقياد الباطن والظاهر، لا مجرد الاستسلام الظاهريّ، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الآية [آل عمران: ١٩]، وجواب الشرط قوله: (فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ) أي فليؤدّها مستوفيةَ الشروط، والأركان، والآداب (حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ) أي في المكان الذي يؤذَّن فيه لهنّ، وهو المسجد، وأراد به أداءهنّ مع الجماعة (فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ -ﷺ-) وللنسائيّ: "فإن اللَّه ﷿ شَرَع لنبيّه -ﷺ-" (سُنَنَ الْهُدَى) رُوي بضم السين وفتحها، وهما بمعنى متقارب، أي طرائق الهدى والصوابِ، قاله النوويّ -﵀-.
و"الْهُدَى" -بضمّ الهاء، وفتح الدال، مقصورًا: الرَّشَادُ والدلالة، قاله في "القاموس" (^١)، وقال "المصباح": الْهُدَى: البيان. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لم يرد بالسنن السنن المتعارفة في عرف الفقهاء التي هي قسيم الواجب وغيره من أقسام الأحكام الخمسة، بل أراد ما يشمل جميع ما أتى به رسول اللَّه -ﷺ- من أمور الدين، فيدخل فيه الواجب، والمستحبّ، وغيرهما، فلا يُستدلّ بقوله: "وإنهنّ من سُنن الهدى" على عدم صلاة الجماعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى) أي الصلواتُ الخمسُ من جملة طُرُق الهدى التي أوجب اللَّه تعالى سلوكها، دون ما سواها من الطرائق، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٣]، فينبغي أداؤهنّ على الوجه المطلوب.
والإضافة في: "سنن الهدى" للبيان، أي سنن هي الهدى.
(وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ) أي ولو بالجماعة.
وفي رواية النسائيّ: "وإني لا أحسب منكم أحدًا إلا له مسجد يُصلّي فيه في بيته، فلو صلّيتم في بيوتكم، وتركتم مساجدكم لتركتم سنّة نبيّكم".
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٠٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣٦.
[ ١٤ / ٢٤٤ ]
وأراد بالمسجد الموضع الذي يصلي فيه الرجل التطوع، حيث إنه مأمور بالتطوع في بيته، فقد أخرج الشيخان، عن ابن عمر -﵄-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا".
وعن زيد بن ثابت -﵁-: أن النبيّ اتخذ حُجْرة في المسجد من حصير، فصلى رسول اللَّه -ﷺ- فيها ليالي، وفيه: "فصلّوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة"، متّفقٌ عليه.
ومعنى قوله: "ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم": أي لو أديتم الصلوات المكتوبات في مساجد بيوتكم (كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ) أي المتأخّر (فِي بَيْتِهِ) تاركًا الصلاةَ جماعةً في المساجد العامّة.
قال الطيبيّ -﵀-: في تعبيره باسم الإشارة إشارة إلى تحقيره، وتبعيده عن مظانّ الزُّلْفَى، كما أن اسم الإشارة في قوله: "هذه المساجد" مُلَوِّحٌ إلى تعظيمها، وبُعد مرتبتها في الرفعة. انتهى (^١).
(لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) -ﷺ- حيث إنه كان يصلي المكتوبات في المساجد بأصحابه جماعةً، ولا يصليها في بيته، إلا من عذر (وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ) -ﷺ- (لَضَلَلْتُمْ) قال الفيّوميّ -﵀-: ضَلّ الرجل الطريقَ، وضلّ عنه يَضِلّ، من باب ضرب ضلالًا، وضلالةً: زَلَّ عنه، فلم يَهتد إليه، فهو ضالٌّ، هذه لغة نجد، وهي الفُصحَى، وبها جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠] الآية، وفي لغة لأهل العالية من باب تَعِبَ. انتهى (^٢).
قال الطيبيّ -﵀-: قوله: "لضللتم" يدلّ على أن المراد بالسنّة العزيمة. انتهى.
وفي رواية أبي داود: "لكفرتم"، قال الخطابيّ -﵀-: معناه أنه يؤدي بكم إلى الكفر بأن تتركوا عُرَى الإسلام شيئًا، فشيئًا، حتى تخرجوا من الملة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا دليل واضح في كون صلاة الجماعة فرضًا على الأعيان، وأما تأويله بأنه محمول على التغليظ والتهديد في ترك صلاة
_________________
(١) "الكاشف" ٣/ ١١٣٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٣.
[ ١٤ / ٢٤٥ ]
الجماعة، أو أنه محمول على الترك تهاونًا وقِلَّةَ مبالاة بها، كما زعمه بعضهم، فغير صحيح، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الكمال ابن الهمام -﵀-: وتسميتها سنّةً على ما في حديث ابن مسعود -﵁- لا حجة فيه للقائلين بالسنّيِّة؛ إذ لا تنافي الوجوب في خصوص ذلك الإطلاق؛ لأن سنن الهدى أعمّ من الواجب لغةً، كصلاة العيد. انتهى.
وقد يقال لهذا الواجب سنةٌ؛ لكونه ثبت بالسنّة، أي بالحديث، قاله في "المرعاة" (^١).
[تنبيه]: قال الشوكانيّ -﵀-: والأثر استُدلّ به على وجوب صلاة الجماعة، وفيه أنه قوله صحابيّ، ليس فيه إلا حكاية المواظبة على الجماعة، وعدم التخلّف عنها، ولا يُستدلّ بمثل ذلك على الوجوب. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "ولا يُستدلّ. . . إلخ" فيه أنه لا يُستبعد الاستدلال به؛ لأن مثل هذا الأسلوب من مثل ابن مسعود -﵁- من فقهاء الصحابة دالّ على أنه فهم من الأدلّة الوجوب، على أن الاستدلال بمثل هذا إنما هو تأكيد للأدلّة الأخرى المرفوعة الدالّة على الوجوب، وقد تقدّم بيانها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ) وفي رواية النسائيّ: "وما من عبد مسلم يتوضّأ" (فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ) بضمّ الطاء المهملة بمعنى الطهارة، وأما بفتحها، فاسم لما يُتطهّر به، ولا يناسب هنا، لكن أثبت بعض اللغة أن المفتوح أيضًا يكون بمعنى الطهارة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في أول "كتاب الطهارة"، فارجع إليه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
ومعنى إحسان الطُّهُور: أن يأتي بواجباته، ومستحباته.
(ثُمَّ يَعْمِدُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي يقصد، ويتوجّه، يقال: عَمَدتُ للشيء عَمْدًا، من باب ضرب، وعَمَد إليه: قصدتُ، وتعمّدتُهُ: قصدت إليه أيضًا (^٢). (إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ)، أي مساجد المسلمين، وفي رواية النسائيّ: "ثم يمشي إلى صلاة" (إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا) "الْخَطْوَةُ"
_________________
(١) "المرعاة شرح المشكاة" ٣/ ٥٢٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٨.
[ ١٤ / ٢٤٦ ]
بفتح الخاء وضمها: واحدة الْخُطْو، قال الفيّوميّ -﵀-: خَطَوْتُ أَخْطُو خَطْوًا: مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضَرْب وضَرْبة، والْخُطْوة بالضم: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات على لفظه، مثل شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطَى، وخُطُوَات، مثل غُرْفَةٍ وغُرُفَات في وجوهها. انتهى.
وجملة "يخطوها" في محل جر صفة "خُطْوة"، وقوله: (حَسَنَةً) منصوب على المفعوليّة لـ "كَتَبَ".
(وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً) منصوب على أنه مفعول ثان (وَيَحُطُّ) بفتح أوّله، وضمّ ثانيه، أي يَضَعُ، ويمحو، يقال: حَطَطتُ الرَّحْلَ وغيره حَطًّا، من باب قَتَلَ: أنزلته من عُلو إلى سُفل، وحَطَطت من الدين أسقطت، قاله الفيّوميّ (^١)، أي أزال (عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً) وفي رواية النسائيّ: "أو يرفع له بها درجةً، أو يكفّر عنه بها خطيئةً"، بـ "أو"، والظاهر أن "أو" فيه بمعنى الواو، فتأمّل، واللَّه تعالى أعلم.
وزاد في رواية النسائيّ أيضًا قوله: "ولقد رأيتنا نقارب بين الخطأ"، وهو: جمع خطوة بالضم، وهو مسافة ما بين الرِّجلين، أي نقارب المسافة التي بين الرِّجلين في حالة المشي إلى المساجد تكثيرًا لها، ليكثر الأجر والثواب، قال السندي في "شرحه": وينبغي أن يكون اختيار أبعد الطرق مثله، لكن لا يخفى أن فضل الْخُطَا لأجل الحضور في المسجد، والصلاة فيه، والانتظار لها فيه، فينبغي أن يكون نفس الحضور خيرًا منه، فليتأمل، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا) معاشر الصحابة -﵃-، أو جماعة المسلمين، وقال في "اللمعات": الرؤية ها هنا بمعنى العلم، ولذا اتّحد ضمير الفاعل والمفعول، وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع، وقوله: (وَمَا يَتَخَلَّفُ) سادّ مسدّ المفعول الثاني، والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٤١.
(٢) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٢/ ١٠٩.
(٣) راجع: "المرعاة" ٣/ ٥١٨ - ٥١٩.
[ ١٤ / ٢٤٧ ]
وقال الطيبيّ -﵀-: قد تقرّر أن اتّحاد الفاعل والمفعول إنما يسوغ في أفعال القلوب، وأنها من الدواخل على المبتدأ والخبر، والمفعول الثاني الذي هو بمنزلة الخبر هنا محذوف، وسدّ قوله: "وما يتخلّف عنها" وهو حالٌ مسدّه.
وفي الرواية الماضية من طريق عبد الملك بن عمير، عن أبي الأحوص: "قال عبد اللَّه: لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الصلاة إلا منافقٌ، قد عُلِم نفاقه، أو مريضٌ، إن كان المريض ليمشي بين رجلين، حتى يأتي الصلاة".
قال الطيبيّ -﵀-: وقوله: "إن كان" استئناف، والتنكير في "مَرِيضٌ" للتفخيم، أي ما يتخلّف إلا منافقٌ، أو مريضٌ بَيِّنُ المرض عاجز، فتوجّه لسائل أن يقول: فما بال المريض الذي ليس كذلك؟ فأُجيب: "إن كان المريض. . . إلخ".
وفيه من التشديد والتأكيد ما لا يخفى، من الإتيان بـ "إن" المخفّفة، واللام المؤكّدة الفارقة، والإبهام بإضمار ضمير الشأن، وخصوصيّة التهادي المنبئ عن كمال اعتنائه بشأن الجماعة، كلُّ ذلك تشديد وتأكيدٌ لترك التخلّف عن الجماعة. انتهى (^١).
(عَنْهَا) أي عن صلاة الجماعة في المسجد (إِلَّا مُنَافِقٌ، مَعْلُومُ النِّفَاقِ) ولأبي داود: "بَيِّنُ النفاق" أي ظاهر نفاقه (وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ) المراد به الرجل المريض (يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى) بالبناء للمفعول (بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ) وفي نسخة: "بين رجلين" بالتنكير، والمعنى: أنه يمشي بينهما، يمسكانه من جانبيه بعضديه، يَعْتَمِد عليهما، من ضعفه وتمايله؛ لشدة المرض، وهو من تهادت المرأة: إذا تمايلت (حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ) أي حتى يقيمه الرجلان في الصفّ، وفي هذا كله تأكيد أمر الجماعة، وتَحَمُّل المشقة في حضورها، وأنه إذا أمكن المريضَ ونحوَهُ التوصل إليها ينبغي أن يحضرها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن مسعود -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ١١٣٥ - ١١٣٦.
[ ١٤ / ٢٤٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٥/ ١٤٨٨ و١٤٨٩] (٦٥٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٠)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٤٩) وفي "الكبرى" (٩٢٢)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٧٧٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٣١٣)، و(عبد الرّزّاق) في "مصنّفه" (١٩٧٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤١٤ و٤١٩ و٤٥٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٨٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٠٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٦٢ و١٢٦٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦١ و١٤٦٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٨٥٩٦ و٨٥٩٧ و٨٥٩٨ و٨٥٩٩ و٨٦٠٠ و٨٦٠١ و٨٦٠٢ و٨٦٠٣ و٨٦٠٤ و٨٦٠٥ و٨٦٠٦ و٨٦٠٧ و٨٦٠٨ و٨٦٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٥٨ و٥٩)، واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب المحافظة على الصلوات الخمس حيث ينادى بهنّ.
٢ - (ومنها): أنه لا يجوز لأحد أن يتخلف عن صلاة الجماعة في المساجد إلا لعذر؛ لأنها من سنن الهدى التي جاء بها رسول اللَّه -ﷺ-، وقام بها حقّ القيام، وحثّ عليها أمته.
٣ - (ومنها): أن من ترك الصلاة في الجماعة بدون عذر ضَلّ سعيه وخاب، وخَسِر.
٤ - (ومنها): فضل إكمال الوضوء، والمشي إلى المساجد، وأن كل خطوة يخطوها إليها تستوجب حسنةً، وترفع درجةً، وتكفر خطيئةً.
٥ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃-، من حرصهم على استكثار الخيرات، بحيث يقاربون بين الخطأ في المشي إلى المساجد، كما دلّت عليه الزيادة في رواية النسائيّ: "ولقد رأيتنا نقارب بين الخطأ".
٦ - (ومنها): بيان شدّة حرصهم على ملازمة صلاة الجماعة حتى في حالة شدّة المرض، فيخرجون إليها معتمدين على أيدي الرجال.
٧ - (ومنها): أن التخلُّف عن صلاة الجماعة من علامات النفاق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٤ / ٢٤٩ ]