وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٢] (٦٥٦) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ (^١)، فَقَعَدَ وَحْدَهُ، فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) وفي نسخة: "بعدما صلّى المغرب".
[ ١٤ / ٢٥٧ ]
يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الْحَنْظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ الْمَخْزُومِيُّ) أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) العبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ حَكِيم) بن عَبّاد بن حُنيف الأنصاريّ الأوسيّ، أبو سهل المدنيّ، ثم الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات قبل (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٥ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) الأنصاريّ النجاريّ، واسم أبي عمرة عمرو بن مِحْصَن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن مِحْصَن، وقيل: أُسَيد بن مالك، وقيل: يُسَير بن عمرو بن مِحْصن بن عَتِيك بن عمرو بن مبذول بن مالك بن النجّار، ثقةٌ، من كبار [٣].
رَوَى عن أبيه، وعثمان بن عفان، وعبادة بن الصامت، وزيد بن خالد، وأبي سعيد الخدريّ، وأبي هزيرة، وجدّته كبشة بنت ثابت أخت حسان.
ورَوَى عنه ابنه عبد اللَّه، وخارجة بن زيد بن ثابت، وخالد بن المهاجر بن خالد بن الوليد، وشريك بن أبي نَمِر، وعبد اللَّه بن عمرو بن عثمان، ومحمد بن يحيى بن حبان، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم، وهلال بن أبي ميمونة، ومجاهد بن جبر، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقةً، كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "صحيح مسلم" (^١) عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة أن عبد الرحمن هذا كان قاصًّا بالمدينة، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": ليست له صحبة. انتهى.
_________________
(١) سيأتي -إن شاء اللَّه تعالى- في "كتاب التوبة" برقم (٢٧٥٨).
[ ١٤ / ٢٥٨ ]
قال الحافظ -﵀-: وهو يُفْهِم أنه روى عن النبيّ -ﷺ- شيئًا، وقد ذكره مُطَيَّن في "الصحابة"، وأورد له حديثًا، وأورد له ابن السكن آخر، وذكره ابن سعد فيمن وُلد على عهد النبيّ -ﷺ-. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٦٥٦) و(١٠٣٩) و(١٧١٩) و(٢٧٥٨) و(٢٩٦٤).
٦ - (عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمس الأمويّ، أمير المؤمنين، ذو النورين، استُشهد -﵁- في ذي الحجة سنة (٣٥) وعمره (٨٠)، وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من عثمان بن حكيم، وشيخه مروزيّ، والباقيان بصريّان.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد الخلفاء الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وأحد السابقين إلى الإسلام، ذو مناقب جمّة، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة -﵁-.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، أنه (قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) -﵁- (الْمَسْجِدَ) أي النبويّ، فـ "أل" فيه للعهد (بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ) وفي نسخة: "بعدما صلّى المغرب" (فَقَعَدَ وَحْدَهُ) وفي رواية مالك في "الموطّأ" من طريق محمد بن إبراهيم التيميّ، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، أنه قال: جاء عثمان بن عفان إلى صلاة العشاء، فرأى أهل المسجد قليلًا، فاضطجع في مؤخَّر المسجد، ينتظر الناس أن يكثروا، فأتاه ابن أبي عمرة، فجلس إليه، فسأله من هو؟ فأخبره، فقال له: ما معك من القرآن؟ فأخبره، فقال عثمان:
[ ١٤ / ٢٥٩ ]
"من شَهِد العشاء، فكأنما قام نصف ليلة، ومن شَهِد الصبح، فكأنما قام ليلة". انتهى (^١).
ولا تعارض بين هذا الموقوف، وبين المرفوع في رواية المصنّف؛ لأن عند من رفع زيادةَ علم، وزيادة الثقة الحافظ مقبولة، على أن الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ) أي إلى عثمان -﵁- (فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي) أراد به أخوّة الإسلام، لا أخوّة النسب؛ لأنه قرشيّ، وعبد الرحمن أنصاريّ (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ، فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ) أي مع صلاته العشاء في جماعة أيضًا، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الثالثة -إن شاء اللَّه تعالى- (فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ") قال القرطبيّ -﵀-: معناه أنه قام نصفَ ليلة، أو ليلةً لم يُصَلِّ فيها العشاء والصبح في جماعة؛ إذ لو صلى ذلك في جماعة، لَحَصَل له فضلها، وفضل القيام.
وقال البيضاويّ -﵀-: نَزَّل صلاة كلٍّ من طرفي الليل منزلة نوافل نصفه، ولا يلزم منه أن يبلغ ثوابه من قام الليل كله؛ لأن هذا تشبيه مطلق مقدار الثواب، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه، ولو كان قدر الثواب سواءً، لم يكن لمصلي العشاء والصبح جماعةً منفعةٌ في قيام الليل غير التَّعَبِ. انتهى (^٢).
وقال الحافظ المنذريّ -﵀- في "الترغيب والترهيب": قال ابن خزيمة في "صحيحه": "باب فضل صلاة العشاء والفجر، وبيان أن صلاة الفجر في الجماعة أفضل من صلاة العشاء في الجماعة، وأن فضلها في الجماعة ضِعْفَا فضل العشاء في الجماعة"، ثم ذكر حديث عثمان -﵁- هذا بنحو لفظ مسلم، قال المنذريّ: ولفظ أبي داود، والترمذيّ أي بلفظ: "ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان له كقيام ليلة"، يدفع ما ذهب إليه. انتهى.
_________________
(١) "الموطأ" بنسخة "التمهيد" ٢٣/ ٣٥٢.
(٢) "شرح الزرقانيّ على الموطأ" ١/ ٣٨٨.
[ ١٤ / ٢٦٠ ]
قال المباركفوريّ -﵀-: الأمر كما قال المنذريّ -﵀-. انتهى، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الثالثة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ١٤٩٢ و١٤٩٣] (٦٥٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٥)، و(الترمذيّ) فيها (٢٢١)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٣٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٠٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٥٨ و٦٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٠٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٧٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٥٨ و٢٠٥٩ و٢٠٦٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٥٤ و١٢٥٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٥ و١٤٦٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٤ و٣/ ٦٠ - ٦١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٨٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة.
٢ - (ومنها): بيان عظيم فضل اللَّه تعالى، وواسع رحمته على هذه الأمة، حيث جعل صلاة العشاء والفجر في جماعة تقوم مقام قيام ليلة كاملة، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].
٣ - (ومنها): أنه قد وفّق العلماء بين رواية مسلم هذه التي تقتضي بظاهرها أن من صلى العشاء والفجر في جماعة كان له قيام ليلة ونصف، وبين رواية أبي داود، والترمذيّ التي تدُلّ على أن له قيام ليلة، فقالوا: إن المراد بقوله: "ومن صلى الصبح في جماعة" في رواية مسلم، أي منضمًّا لصلاة العشاء جماعةً، قاله المناويّ، وقال القاري في "المرقاة" في شرح قوله: "فكأنما صلى الليل كله" أي بانضمام ذلك النصف، فكأنه أحيى نصف الليل
[ ١٤ / ٢٦١ ]
الأخير. انتهى، وهذا هو المتعين؛ جمعًا بين الروايتين (^١).
وقال في "عون المعبود": جعل بعضهم حديث مسلم على ظاهره، وأن جماعة العَتَمة توازي في فضيلتها قيام نصف ليلة، وصلاة الصبح في جماعة توازي في فضيلتها قيام ليلة، واللفظ الذي خرّجه أبو داود يفسِّره، ويُبَيِّن أن المراد بقوله: "ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كله"، يعني ومن صلى الصبح والعشاء.
وطُرُق هذا الحديث مصرِّحة بأنّ كل واحد منهما يقوم مقام نصف ليلة، وأن اجتماعهما يقوم مقام ليلة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الجمع الذي ذُكر من أن المراد برواية المصنّف: "ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما صلى الليل كلّه" أي مع صلاته العشاء جماعة، فالمجموع يكون كقيام ليلة، ومما يبيّن هذا التأويل، ما أخرجه ابن حبّان في "صحيحه" بإسناد صحيح، بلفظ: "من صلّى العشاء والغداة في جماعة، فكأنما قام الليل"، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَهْلٍ، عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عُمَر بن درهم، أبو أحمد الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، إلا أنه قد يُخطئ في
_________________
(١) راجع: "تحفة الأحوذي" ٢/ ١١.
(٢) "عون المعبود" ٢/ ١٨٣.
[ ١٤ / ٢٦٢ ]
حديث الثوريّ (^١) [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ الإمام الحجة المشهور [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
و"أبو سهل" هو: عثمان بن حكيم المذكور في السند الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد عثمان بن حكيم الماضي، وهو: عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان -﵁-.
وقوله: (مِثْلَهُ) يعني أن سفيان الثوريّ حدّث عن عثمان بن حكيم، مثل حديث عبد الواحد بن زياد، عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٢) فقال:
(١٤٦٦) أخبرنا سليمان بن أحمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ (ح) وحدّثنا أبو عليّ الصوّاف، ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبد الرحمن، وعبد الرزاق، قالا: سفيان (^٢)، عن عثمان بن حكيم، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان بن عفان، قال: قال النبيّ -ﷺ-: "من صلى صلاة العشاء والصبح في جماعة، فهو كقيام ليلة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٤] (٦٥٧) - (وَحَدَّثَنِي (^٣) نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ،
_________________
(١) لكنه هنا مما لم يُخطئ فيه؛ لأن مسلمًا أخرجه من طريقه؛ لكونه محفوظًا، وأيضًا تابعه عليه عبد الرزّاق، فلم ينفرد به، فتنبّه.
(٢) هكذا النسخة، والظاهر أنه سقط لفظ: "حدّثنا"، فليُحرّر.
(٣) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٤ / ٢٦٣ ]
يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ (^١)، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَيُدْرِكَهُ، فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِي الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (بِشْرُ بْنُ مُفَضَّل) بن لاحق الرَّقَاشيّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٥.
٣ - (خَالِدُ) بن مِهْرَان الحذّاءُ، أبو الْمَنَازل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
٤ - (أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أبو موسى، وقيل: أبو حمزة، وقيل: أبو عبد اللَّه البصريّ، أخو محمد بن سيرين، وُلِد لسنة، أو لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ودخل على زيد بن ثابت، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن مولاه، وابن عباس، وابن عمر، وجُندَب البجليّ، وأبي زيد بن أخطب، وشُرَيح القاضي، وأبي مِجْلَز، وجماعة.
ورَوَى عنه شعبة، والحمادان، وابن عون، وخالد الحذّاء، وهشام بن حسان، وهمام بن يحيى، ويونس بن عبيد، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال محمد بن عيسى بن السكن الواسطيّ، عن ابن معين: أولَادُ سيرين ستة (^٢): أثبتهم محمد، وأنس دونه، ولا بأس به، وقال العجليّ: تابعيّ ثقة.
قال خليفة: مات سنة (١١٨)، وقال أحمد: مات سنة (١٢٠)، وقال ابن سعد: تُوُفّي بعد أخيه محمد، وكان ثقةً، قليلَ الحديث.
_________________
(١) وفي نسخة: "ابن المفضّل".
(٢) تقدّم أن أولاد سيرين ثلاثة وعشرون، والمشهور برواية الحديث ستة، أربعة من الذكور: محمد، وأنس، ويحيى، ومعبد، واثنتان من النساء: حفصة، وكريمة.
[ ١٤ / ٢٦٤ ]
وحكى أبو الوليد الباجيّ في "كتاب رجال البخاريّ" عن عليّ ابن المدينيّ أنه سئل عن حديثٍ رواه شعبة، عن أنس بن سيرين، قال: "رأيت القاسم يتطوع في السفر"، فقال: ليس هذا بشيء، لم يرو أنس، عن القاسم شيئًا. انتهى.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث، برقم (٦٥٧) وأعاده بعده، و(٦٧٧) و(٧٠٢) و(٧٤٩) و(١٤٣٨) و(١٤٧١) وأعاده بعده.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن سفيان البجَليّ، ثم الْعَلَقيّ، أبو عبد اللَّه الصحابيّ -﵁-، مات بعد الستّين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٦.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستّة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين من أوله إلى آخره، وجُندب -﵁- كان بالكوفة، ثم خرج إلى البصرة، ثم خرج منها، قاله البخاريّ -﵀- (^١).
٥ - (ومنها): رواية تابعيّ، عن تابعيّ: خالد الحذّاء، عن أنس بن سيرين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ) الأنصاريّ، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) -﵁-، وفي الرواية الثالثة: "عن جندب بن سفيان"، وهو جندب بن عبد اللَّه بن سفيان، نسب هنا لأبيه، وهناك لجدّه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ) شرطيّة، جوابها جملة: "فهو. . . إلخ" (صَلَّى الصُّبْحَ) قيل: معناه صلّاها في جماعة، والظاهر العموم، واللَّه تعالى أعلم.
(فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ) أي في عهده، أو ضمانه، أو أمانه في الدنيا والآخرة،
_________________
(١) "التاريخ الكبير" ١/ ٢/ ١٢٢.
[ ١٤ / ٢٦٥ ]
وهذا غير الأمان الذي ثبت له بكلمة التوحيد (فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ) أي لا يؤاخذكم، وهو من باب: "لا أرينّك ههنا"، والمراد نهيهم عن أذيّته، والتعرّض لما يوجب مطالبة اللَّه إياهم (^١). (مِنْ ذِمَّتِهِ) "من" بمعنى "لأجل"، والضمير في "ذمّته" إما للَّه تعالى، وإما لـ "مَنْ" وفيه مضاف محذوف، أي لأجل ترك ذمّته، أو "من" بيانيّة، والجارّ والمجرور حالٌ عن "شيء"؛ لأنه في الأصل نعت له، فلما قُدّم عليه أعرب حالًا؛ لأن القاعدة أن نعت النكرة إذا قُدّم عليها يُعرب حالًا، كما في قول الشاعر:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلُ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
(بِشَيْءٍ) أي يسير، وفي "المصابيح": "بشيء من ذمّته": قيل: أي بنقض عهده، والتعرّض لمن له ذمّة بالأذى، أو المراد بالذّمّة الصلاة الموجبة للأمان، أي لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض به العهد الذي بينكم وبين ربّكم، فيطلبكم به (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "لا يطلبنّكم اللَّه" من باب: "لا أرينّك ها هنا" وقع النهي على مطالبة اللَّه تعالى إياهم عن نقض العهد، والمراد نهيهم عن التعرّض لما يوجب مطالبة اللَّه إياهم، وفيه مبالغات؛ لأن الأصل: لا تُخْفِروا ذمّته، فجيء بالنهي كما ترى، وصرّح بضمير اللَّه، ووضع المنهيّ الذي هو مسبَّبٌ موضعَ التعرّض الذي هو سبب فيه، ثم أعاد المطلب، وكرّر الذمّة، ورتَّبَ عليه الوعيد.
والمعنى: من صلّى صلاة الصبح، فهو في ذمّة اللَّه تعالى، فلا تتعرّضوا له بشيء يسير، فإنكم إن تعرّضتم له يُدرككم اللَّه تعالى، ولن تفوتوه، فيُحيط بكم من جوانبكم، كما يُحيط المحيط بالمحاط، ويكبّكم في النار.
قال: والضمير في "ذمّته" يجوز أن يعود إلى اللَّه تعالى، وإلى "مَنْ".
وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالذمّة الصلاة المقتضية للأمان، فيكون المعنى: لا تتركوا صلاة الصبح، فينتقض العهد الذي بينكم، وبين ربّكم، فيطلُبكم به.
_________________
(١) "المرعاة" ٢/ ٢٣٤.
(٢) "المرعاة" ٢/ ٢٣٤.
[ ١٤ / ٢٦٦ ]
وإنما خصّ صلاة الصبح بالذكر؛ لما فيها من الْكُلْفَة والمشقّة، وأداؤها مظنّة خلوص الرجل، ومَئِنّة إيمانه، ومن كان مؤمنًا خالصًا، فهو في ذمّة اللَّه تعالى وعهده. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^١)، وهو تحقيقٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم.
(فَيُدْرِكَهُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإدراك، وهو منصوب؛ لوقوعه بعد الفاء السببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والضمير المنصوب لـ "شيء" (فَيَكُبَّهُ) بفتح أوله، وضمّ ثالثه، أي يقلبه على وجهه، يقال: كَبَبتُ الإناء كَبًّا، من باب نصر: قَلَبتُهُ على رأسه، وكَبَبتُ زيدًا كَبًّا أيضًا: ألقيته على وجهه، فأكبّ هو بالألف، وهو من الأفعال النوادر التي يتعدّى ثلاثيّها، ويلزم رباعيّها، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠]، ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، أفاده الفيّوميّ (^٢).
والضمير المنصوب لـ "شيء" أيضًا على حذف مضاف، أي صاحبه، وقوله: (فِي نَارِ جَهَنَّمَ") متعلّق بـ "يكبّه"، وفي الرواية التالية: "فلا يطلبنّكم اللَّه من ذمّته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمّته بشيء يُدْركه، ثم يكُبّه على وجهه في نار جهنّم"، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جندب بن عبد اللَّه -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٧/ ١٤٩٤ و١٤٩٥ و١٤٩٦] (٦٥٧)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٢٢٢)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٤٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٣٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٦٨٣ و١٦٨٤)،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٨٩٦.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٢٣.
[ ١٤ / ٢٦٧ ]
و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٤٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٢٧٦ و١٢٧٧ و١٢٧٨ و١٢٧٩ و١٢٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٦٧ و١٤٦٨) وفي "الحلية" (٣/ ٩٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٦٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل صلاة الصبح.
٢ - (ومنها): بيان أن العبد إذا صلّى الصبح دخل في ذمة اللَّه ﷿، وفي جواره، قد استجار باللَّه تعالى، واللَّه تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرّض له بضرّ، أو أذى، فمن فعل ذلك، فاللَّه يطلُب بحقّه، ومن يطلبه اللَّه تعالى لم يجد مَفَرًّا، ولا مَلْجَأً، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن يتعرّض للمصلّين.
٣ - (ومنها): بيان انتقام اللَّه تعالى ممن يتعرّض لعباده الصالحين، فهو بمعنى الحديث الذي أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرّب إلي عبدي بشيء أحبّ إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يَكْرَه الموت، وأنا أكره مُساءته". انتهى.
٤ - (ومنها): بيان أن اللَّه تعالى لن يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولن يفوته أحد أراد الانتقام منه، فهو كقوله ﷿: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ (^١) يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٤ / ٢٦٨ ]
إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا الْقَسْرِيَّ (^١) يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"خالد" هو الحذّاء.
وقوله: (جُنْدَبًا الْقَسْرِيَّ) وفي نسخة: "جندب بن عبد اللَّه القسريّ"، قال النوويّ -﵀-: قوله: "القَسْريّ" هو بفتح القاف، وإسكان السين المهملة، وقد توقّف بعضهم في صحة قولهم: "القسريّ"؛ لأن جندبًا ليس من بني قَسْر، وإنما هو بَجَليّ عَلَقِيّ، وعَلَقَة بطن من بَجِيلة، هكذا ذكره أهل التواريخ والأنساب والأسماء، وقَسْرٌ: هو أخو عَلَقَة. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض -﵀-: قوله: "جندبًا القسريّ" كذا للجلوديّ، وسقط لغيره، وهو غير معروف في نسبه، وإنما هو بجليّ عَلَقيّ، وعَلَق بطن من بَجِيلة، كذا قال البخاريّ، وقال أبو نصر الحافظ: هو علقة بن عبقر بن بَجِيلة، وقَيْر بن عبقر بن بَجِيلة، قال القاضي: ولعل لجندب حِلْفًا في بني قَسْر، أو سَكَنًا، أو جِوَارًا، فنُسب إليها لذلك، أو لعل بني عَلَقَة يُنسَبُون إلى عمهم قسر، كغير واحد من القبائل، يُنسَبون بنسبة بني عمهم؛ لكثرتهم، أو شهرتهم. انتهى (^٣).
وقوله: (فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ) الضمير في "فإنه" للشأن، والضمير المسكنّ في "يطلبه" للَّه، والبارز لـ "مَنْ".
_________________
(١) وفي نسخة: "جندب بن عبد اللَّه القسريّ".
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٥٨.
(٣) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٣٠.
[ ١٤ / ٢٦٩ ]
وقوله: (مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ) يعني من يطلبه اللَّه تعالى للمؤاخذة بما فرّط من حقّه، والقيام بعهده يُدركْهُ اللَّه تعالى؛ إذ لا يفوته هارب.
وقوله: (ثُمَّ يَكُبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أي يُلقيه اللَّه تعالى على وجهه في نار جهنّم أعاذنا اللَّه تعالى منها بمنه وكرمه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِهَذَا، وَلَمْ يَذْكُرْ (^١): "فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٣ - (دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ) القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار الأنصاريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ مشهورٌ، يرسل كثيرًا، ويُدلّس، رأس الطبقة [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٦.
٥ - (جُنْدَبُ بْنُ سُفْيَانَ) هو: جندب بن عبد اللَّه بن سفيان الصحابي المذكور في السند السابق.
وقوله: (بِهَذَا) أي بالحديث السابق.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ. . . إلخ) وفي نسخة: "ولم يذكر فيه. . . إلخ"، وهو
_________________
(١) وفي نسخة: "ولم يذكر فيه".
[ ١٤ / ٢٧٠ ]
بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير الحسن، يعني أن الحسن لم يذكر في روايته قوله: "فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ".
[تنبيه]: رواية الحسن، عن جندب -﵁- هذه ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٢) فقال:
(١٤٦٨) حدّثنا محمد بن عبد الرحمن بن مخلد، ثنا سهل بن موسى، ثنا محمد بن بشار بندار (ح) وحدّثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أبو بكر بن أبي عاصم، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قالا: ثنا يزيد بن هارون، أنبا داود بن أبي هند، عن الحسن، عن جندب، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من صلى الصبح، فهو في ذمة اللَّه، فإياك يا ابن آدم، أن يطلبك اللَّه بشيء من ذمته". انتهى، ونحوه لأبي عوانة في "مسنده" (١/ ٣٥٦).
[تنبيه آخر]: إن قلت: كيف أخرج المصنّف -﵀- رواية الحسن، عن جندب -﵁-، وهي منقطعة، على ما روي عن ابن أبي حاتم في "المراسيل" أن الحسن لا يصحّ له سماع من جندب؟.
[قلت]: إنما أخرجه المصنّف -﵀- من باب المتابعة، فقد أخرج الحديث قبل هذا متّصلًا من رواية أنس بن سيرين، عن جندب -﵁-، ومن القواعد المشهورة أنه قد يُغتفر في المتابعات والشواهد ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه بهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.