وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٥] (٤٩٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ -يَعْنِي الْأَحْمَرَ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ (^١)، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى
_________________
(١) وفي نسخة: "حسين المعلّم قال: عن بُديل".
[ ١١ / ٢٩٠ ]
يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ"، وَفي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ: "وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، [١٠]، (ت ٢٣٤) تقدم في "المقدمة" (ع) ٢/ ٥.
٢ - (أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ) سليمان بن حيّان الأزديّ الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (١٩٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلَمُ) هو: حسين بن ذكوان المكتب الْعَوذيّ البصريّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه المذكور في السند الماضي.
٥ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٦ - (بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ) الْعُقَيليّ -بضم العين المهملة- البصريّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أنس، وأبي الجوزاء، وعبد اللَّه بن شَقِيق، وعطاء، وعبد اللَّه بن الصامت، وعبد اللَّه بن عُبيد بن عمير، وأبي العالية، والبراء، وغيرهم.
ورَوَى عنه قتادة، ومات قبله، وشعبة، وحماد بن زيد، وإبراهيم بن طهمان، وحسين المعلّم، وأبان العطار، وابناه: عبد اللَّه وعبد الرحمن ابنا بُدَيل، وغيرهم.
قال ابن سعد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال البزار: لم يسمع من عبد اللَّه بن الصامت، وإن كان قديمًا، وذكره ابن حبان في "الثقات" في الطبقة الثالثة، وحَكَى البغويّ، عن محمد بن سعد، أنه قال: ميسرة والد بُديل هذا، هو ميسرة الفجر، صاحب رسول اللَّه -ﷺ-، قال البغويّ: وهو عندي وَهَمٌ. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ١/ ٣٧١.
[ ١١ / ٢٩١ ]
قال البخاريّ، عن عليّ ابن المدينيّ: مات سنة (١٣٠).
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٤٩٨) و(٥٨٨) و(٦٤٨) و(٧٣٠) و(٧٤٩) و(١٦٧٤) و(٢٨٧٢).
٧ - (أَبُو الْجَوْزَاءِ) -بالجيم، والزاي- هو: أوس بن عبد اللَّه الرَّبَعيّ -بفتح الموحّدة- البصريّ، من رَبَعَة (^١) الأزد، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعبد اللَّه بن عمرو، وصفوان بن عَسّال.
ورَوَى عنه بُديل بن ميسرة؛ وأبو أشهب، وعمرو بن مالك، وقتادة، وغيرهم.
قال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، وقال ابن حبان في "الثقات": كان عابدًا فاضلًا، وقال ابن عديّ: حَدَّث عنه عمرو بن مالك قدر عشرة أحاديث غير محفوظة، وأبو الجوزاء رَوَى عن الصحابة، وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصح روايته عنهم أنه سمع منهم، قال البخاريّ: في إسناده نظرٌ. انتهى. ويريد البخاريّ بهذا أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود، وعائشة، وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة.
قال الحافظ: حديثه عن عائشة في الافتتاح بالتكبير عند مسلم، وذكر ابن عبد البر في "التمهيد" أيضًا أنه لم يسمع منها، وقال جعفر الفريابيّ في "كتاب الصلاة": ثنا مُزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طَهْمان، ثنا بُدَيل الْعُقيليّ، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولًا إلى عائشة يسألها. . . فذكر الحديث، فهذا ظاهره أنه لم يشافهها، لكن لا مانع من جواز كونه توجه إليها بعد ذلك، فشافهها على مذهب مسلم في إمكان اللقاء، واللَّه أعلم.
قال: وقول البخاريّ: في إسناده نظرٌ، ويختلفون فيه، إنما قاله عَقِب حديث رواه له في "التاريخ" من رواية عَمرو بن مالك البَكْريّ، والبكري ضعيف عنده.
وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": أبو الجوزاء عن عمر، وعليّ مرسل.
_________________
(١) بفتحتين.
[ ١١ / ٢٩٢ ]
وحَكَى البخاريّ، عن يحى بن سعيد أنه قُتِل في الجماجم، سنة (٨٣).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٨ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀- وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه إسحاق، فما أخرج له ابن ماجه، وبُديل بن ميسرة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: بديل، عن أبي الجوزاء.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- أنها (قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ - يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ) أي يبدؤها، ويجعل التكبير فاتحتها، والمراد لفظ "اللَّه أكبر" كما بُيّن في الروايات الأخرى (وَالْقِرَاءَةَ) بالنصب عطفًا على "الصلاةَ"، أي يبتدأ القراءة (بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بالرفع على الحكاية، وإظهار ألف الوصل، ويجوز حذف همزة الوصل، وكذا جرّ الدال على الإعراب، قاله القاري (^١).
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "والقراءَة": أي يبتدئ القراءة بسورة الفاتحة، فيقرؤها، ثم يقرأ السورة، وذلك لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح، فإنه لا يسمّى في العرف قراءةً، ولا يدلّ على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ ليس المراد أنه كان يبتدئ القراءة بلفظ ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ [الفاتحة: ٢]، بل المراد منه أن يبدأ بقراءة السورة التي مُفْتَتَحُها ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]. انتهى (^٢).
وقال في "المرعاة" بعدما نقل كلام الطيبيّ المذكور ما حاصله: وبهذا
_________________
(١) "المرقاة" ٢/ ٤٩٩.
(٢) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٧٨ - ٩٧٩.
[ ١١ / ٢٩٣ ]
ظهر الردّ على من تمسّك بالحديث على مشروعيّة ترك الجهر بالبسملة في الصلاة، فإن المراد بذلك كما قلنا اسم السورة، لكن نوقش ذلك بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة -﵂-: "بالحمدُ"؛ لأنه وحده هو الاسم.
ورُدّ بأن "الحمد للَّه رب العالمين" اسم للسورة أيضًا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، عن أبي سعيد بن المعلى -﵁- قال مرّ بي النبيّ -ﷺ - وأنا أصلي. . . وفيه: ثم قال: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد؟ "، فذهب النبيّ -ﷺ- ليخرج من المسجد، فذَكَّرته، فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته".
وأخرج أبو داود في "سننه" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أمُّ القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني".
فهذا نصّ واضحٌ في أن الفاتحة تُسمّى بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويمكن الجواب عن ذلك التمسّك أيضًا بأنها ذَكَرت أول آية من الآيات التي تخصّ السورة، وتركت البسملة؛ لأنها مشركة بينها وبين غيرها من السور. انتهى (^١).
وقد تقدّم تحقيق هذه المسألة في موضعها من هذا الكتاب مستوفًى، فراجعه تستفد علمًا جمًّا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَكَانَ) -ﷺ- (إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ) بضمّ حرف المضارعة، من الإشخاص، قال الطيبيّ: أي لم يرفعه، من أشخصتُ كذا: رفعته، وشَخَصَ شُخُوصًا: إذا ارتفع.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا ضبطوه من الإشخاص رباعيًّا، والذي في "القاموس" أن ثلاثيّه يتعدّى أيضًا، وعبارته: وشَخَصَ كمنع شُخُوصًا: ارتفع، وبصرَه: فتح عينيه، وجعل لا يُطرِف، وبصرَهُ: رفعه. انتهى.
فدلّ قوله: "شخص بصره: رفعه" على أن ثلاثيّه يتعدّى، فعلى هذا يحتمل أن يُضبط قوله هنا: "لم يُشخص" بفتح الياء أيضًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "المرعاة في شرح المشكاة" ٣/ ٨.
[ ١١ / ٢٩٤ ]
(وَلَمْ يُصَوِّبْهُ) أي لم يُنكِّسه، من التصويب، وهو الإنزال من أعلى إلى أسفل، ومنه الصيِّب للمطر، يقال: صاب يصوب: إذا نزل، أي لم يخفضه خفضًا بليغًا، بل يعتدل فيه بين الخفض والتصويب، وهو التسوية، كما أشار إليه بقوله: (وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ) أي بين المذكور من الإشخاص والتصويب، بحيث يستوي ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة.
قال الطيبيّ -﵀-: "بين" وإن كان من حقّه أن يضاف إلى شيئين فصاعدًا، إلا أن "ذلك" لَمّا كان بمعنى شيئين من حيث إنه وقع مشارًا به إلى مصدر الفعلين المذكورين، حَسُنَ إضافته إليه. انتهى (^١).
وقال القاري -﵀-: قيل: كأن وجه الاستدراك بها -يعني قوله: "ولكن إلخ"- أن نفي ذينك لا يقتضي البينيّة الآتية، بل ربّما اقتضى خلافها، فبيّن أن المراد أنه كان إذا ركع يكون ركوعه بين ذلك. انتهى (^٢).
(وَكَانَ) -ﷺ- (إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، لَمْ يَسْجُدْ) أي لم ينزل إلى السجود (حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا) أي حتى يعتدل في قيامه (وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ) أي الأولى (لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا) قال الطيبيّ -﵀-: فيه دليلٌ على وجوب الاعتدال، وتعقّبه القاري، فقال: يَحتمل الحملَ على وجه الكمال، فلا يتمّ به الاستدلال، وحديث البخاريّ: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي" لا يدلّ على فرضيّة جميع أفعاله -ﷺ-؛ لأنّ بعض أفعاله وأقواله سنة إجماعًا انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب القاري غير سديد، فالحقّ وجوب الاعتدال في الجلوس، كالاعتدال في القيام من الركوع، وليس الاستدلال بحديث البخاريّ فقط، بل مع ما ينضمّ إليه مما يُثبت الوجوب، ومنه قوله -ﷺ- في حديث المسيء صلاته: "ثم اجلس حتى تطمئنّ جالسًا"، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإسناده بهذا اللفظ، والأمر للوجوب، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٧٩.
(٢) "المرقاة" ٢/ ٤٩٩.
(٣) "المرقاة" ٢/ ٤٩٩.
[ ١١ / ٢٩٥ ]
(وَكَانَ) -ﷺ- (يَقُولُ) أي يقرأ (فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) أي بعدهما (التَّحِيَّةَ) بالنصب على المفعوليّة، قال القاري: وقيل: بالرفع، أي "التحيّات إلخ"، قال: ولا يبعد أن يكون "التحيّة" مبتدأ خبره "في كلّ ركعة". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: بُعد هذا الوجه مما لا يخفى، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
والمعنى: أنه -ﷺ - كان يتشهّد في كلّ ركعتين بقوله: "التحيّات للَّه إلخ".
وسُمّي هذا الذكر تحيّةً؛ لاشتماله على التحيّة، وهو الثناء الحسن، وتشهّدًا؛ لاشتماله على الشهادتين.
(وَكَانَ يَفْرِشُ) بضمّ الراء، وكسرها، والضمّ أشهر، أي يبسطها، يقال: فرشتُ البساطَ وغيره فَرْشًا، من باب نصر، وفي لغة من باب ضرب: بسطته، وافترشته، فافترش هو (^١). (رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَنْصِبُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، أي يُقيمها، يقال: نصبتُ الخشبةَ نصبًا، من باب ضرب: أقمتها (^٢). (رِجْلَهُ الْيُمْنَى) يعني أنه يضع أصابعها على الأرض، ويرفع عقبها.
واستدلّ به من قال بمشروعيّة النصب والفرش في التشهّدين جميعًا، ووجهه الإطلاق، وعدم التقييد في مقام التصدّي لوصف صلاته -ﷺ-، لا سيّما بعد وصفها للذكر المشروع في كلّ ركعتين.
وتُعُقّب ذلك بأن حديث أبي حميد الساعديّ -﵁- في عشرة من أصحاب النبيّ -ﷺ-، زيادة تفصيل، فإنه فرّق بين الجلوسين، فجعل الافتراش في التشهّد الأول، والتورّك في التشهّد الثاني، فيلزم العمل به.
وحاصله أن حديث عائشة -﵂- فيه إجمال، وحديث أبي حميد -﵁- فيه تفصيل، أو يُحمل حديث عائشة -﵂- على أنه -ﷺ- فعله فيهما لبيان الجواز، وسيأتي البحث في ذلك مستوفًى في محلّه -إن شاء اللَّه تعالى-.
(وَكَانَ يَنْهَى) بفتح أوله وثالثه: أي يمنع (عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ) بضم العين المهملة، وسكون القاف، فموحّدة، فسّرها أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهيّ عنه، وهو أن يُلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض،
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٨.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٠٧.
[ ١١ / ٢٩٦ ]
كما يفرش الكلب وغيره من السباع، وأما تفسيرها بافتراش القدمين، والجلوس بالأليتين على العقبين فغلطٌ؛ لأنه سنة ثابتة عن النبيّ -ﷺ-، كما رواه مسلم وغيره.
وقال النوويّ -﵀-: قولها: "وكان ينهى عن عقبة الشيطان" هو الإقعاء الذي فَسَّرناه، وهو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير الذي ذكرناه، وأما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا، في حديث ابن عباس -﵄- أنه سنة، فهو غير هذا، كما سنفسره في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى- انتهى (^١).
(وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الزَجُلُ ذِرَاعَيْهِ) أي يبسطهما في حال السجود، قال الطيبيّ -﵀-: التقييد بالرجل يدلّ على أن المرأة تفترش. انتهى. (افْتِرَاشَ السَّبُعِ) أي كافتراشه، ولا حاجة لتفسير السبع بالكلب؛ لأن هذه الصفة تعمّ الكلب، وغيره من السباع، ووروده في بعض الرواية بلفظ الكلب ليس للتقييد، بل للتمثيل والتنبيه بذكر بعض الأنواع.
وافتراش السبع هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود، ويُفضي بمرفقيه وكفّيه إلى الأرض، والسنّة أن يرفع ذراعيه، ويكون الموضوع على الأرض هو الكفّ فقط، نعم إن طال عليه السجود، فتضرّر به، فله الاعتماد بمرفقيه على فخذيه؛ لما تقدّم من أن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- شكوا إليه مشقّة السجود، فقال: "استعينوا بالرُّكب"، وقد سبق أن الأرجح إرساله، لكن المرسل في مثل هذا يُعمل به؛ للمشقّة؛ لأن المرسل حجة عند بعض العلماء مطلقًا، وعند بعضهم بشروط، وهو الصحيح، كما أوضحت بيان ذلك في "شرح المقدّمة"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
(وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ") أي تسليم الخروج، واستُدلّ به على تعيّن التسليم للخروج من الصلاة؛ اتّباعًا لمواظبته -ﷺ- عليه، ولقوله -ﷺ-: "وتحليلها التسليم"، وهو حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن، غير النسائيّ، فإن الإضافة تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحليلها التسليم، أي انحصرت صحّة تحليلها في التسليم، لا تحليل لها غيره.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٥.
[ ١١ / ٢٩٧ ]
وقال ابن العربيّ -﵀- ما معناه: قوله: "تحليلها التسليم" يقتضي حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال والأقوال المناقضة للصلاة؛ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف كالإضافة، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذُكر، ونفيه عما لم يُذكر، وسلبه منه، وعبَّر عنه بعضهم بأنه الحصر، وأبو حنيفة يخالف فيه، حيث إنه يرى الخروج منها بكلّ فعل وقول يضادّ الصلاة، كالحدث ونحوه؛ حملًا على السلام، وقياسًا عليه، وهذا يقتضي إبطال الحصر الذي بيّنّاه. انتهى (^١).
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرِ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ) الأحمر (وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عَقِبِ الشَّيْطَانِ) بفتح العين المهمَلة، وكسر القاف، هذا هو المشهور، وحُكِي ضمّ العين، وهو ضعيف، وهو بمعنى "عُقْبة الشيطان" المذكور في رواية إسحاق بن إبراهيم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى)؛ حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
[تنبيه]: تقدّم أن بعضهم أعلّوا هذا الحديث بالانقطاع؛ لأن أبا الجوزاء لم يسمعه من عائشة -﵂-، قال جعفر الفريابيّ في "كتاب الصلاة": ثنا مُزاحم بن سعيد، ثنا ابن المبارك، ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا بُديل الْعُقيليّ، عن أبي الجوزاء، قال: أرسلت رسولأ إلى عائشة يسألها. . . فذكر الحديث، قالوا: ظاهر هذا أنه لم يشافهها.
لكن يُجاب عن المصنّف: بأنه لا مانع من جواز كونه توجّه إليها بعد ذلك، فشافهها به، ومذهبه الاكتفاء بالمعاصرة مع إمكان اللقيّ، وهذا متحقّق هنا.
ونقل في "المرعاة" عن "جامع الأصول" أنه قال: أبو الجوزاء سمع من عائشة (^٢)، فإن صحّ هذا فقد زالت العلّة المذكورة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
_________________
(١) راجع: "عارضة الأحوذي" ١/ ٣٨.
(٢) راجع: "المرعاة شرح المشكاة" ٣/ ١٠.
[ ١١ / ٢٩٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ١١١٥] (٤٩٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٨٣)، و(ابن ماجه) فيها (٨١٢ و٨٦٩)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٤١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣١ و١٧١ و١٩٤ و٢٨١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٥ و١٧٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٨٥ و١٥٩٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٠ و١١٠١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان النبيّ -ﷺ- يفتتح الصلاة به، وهو التكبير.
٢ - (ومنها): إثبات التكبير في أول الصلاة، وأنه يتعين لفظ التكبير؛ لأنه ثبتٌ أن النبيّ -ﷺ- كان يفعله، وأنه قال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي"، بل ثبت أمره -ﷺ- للمسيء صلاته بالتكبير، فقد قال له -ﷺ-: "إذا قُمت إلى الصلاة، فكبّر"، متّفقٌ عليه، وأمره للوجوب.
قال النوويّ -﵀-: وهذا الذي ذكرناه من تَعَيُّن التكبير، هو قول مالك، والشافعيّ، وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- وجمهور العلماء من السلف والخلف، وقال أبو حنيفة -﵀-: يقوم غيره من ألفاظ التعظيم مقامه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم تصويب ما قاله الجمهور، وتفنيد ما قاله في محلّه، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٣ - (ومنها): أن قولها: "والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " [الفاتحة: ٢]، استَدَلّ به مالك وغيره، ممن يقول: إن البسملة ليست من الفاتحة، وجواب الشافعيّ والأكثرين القائلين بأنها من الفاتحة، أن معنى الحديث أنه يبتدئ القرآن بسورة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا بسورة أخرى، فالمراد بيان السورة التي يبتدأ بها، وقد قامت الأدلة على أن البسملة منها، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٤.
[ ١١ / ٢٩٩ ]
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تقدّم أيضًا تحقيق هذه المسألة مستوفًى في محلّه، فراجعه هناك، وباللَّه تعالى التوفيق.
٤ - (ومنها): أن السنة للراكع أن يُسَوِّي ظهره بحيث يستوي رأسه ومؤخره.
٥ - (ومنها): أن فيه وجوب الاعتدال إذا رفع من الركوع، وأنه يجب أن يستوي قائمًا؛ لقوله -ﷺ- للمسيء صلاته: "ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا"، وأمره للوجوب، وكان -ﷺ- يواظب على الجلوس بين السجدتين، وقال: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي".
٦ - (منها): وجوب الجلوس بين السجدتين، لقوله -ﷺ- للمسيء صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئنّ جالسًا"، وأمره للوجوب، ولمواظبته عليه.
٧ - (ومنها): أن قولها: "وكان يقول في كل ركعتين التحية" فيه حجة لأحمد بن حنبل، ومن وافقه من فقهاء أصحاب الحديث، أن التشهد الأول والأخير واجبان، وقال مالك، وأبو حنيفة رحمهما اللَّه والأكثرون: هما سنّتان، ليسا واجبتين، وقال الشافعي -﵀-: الأول سنّة، والثاني واجب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله الإمام أحمد -﵀-، ومن وافقه من وجوب التشهّدين جميعًا هو الحقّ؛ لقوله -ﷺ-: "فإذا قعد أحدكم في الصلاة، فليقل التحيات للَّه"، متّفقٌ عليه، والأمر للوجوب، ولحديث الباب، مع قوله -ﷺ-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلي"، ولما أخرجه مسلم من حديث ابن عبّاس -﵄-: "كان رسول اللَّه -ﷺ- يعلّمنا التشهد كما يعلّمنا السورة من القرآن".
وأما احتجاج الأكثرين بأن النبيّ -ﷺ - ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو، ولو وجب لم يصحّ جبره كالركوع وغيره من الأركان.
فجوابه أن جبره بالسجود لا يستلزم عدم الوجوب، وإنما غايته أنه مما لا يُبطل الصلاة تركه، فتبصّر.
وأما قولهم: إنه -ﷺ- لم يعلّمه الأعرابي حين علّمه فروض الصلاة.
فجوابه أن الواجبات ليست منحصرة في حديث المسيء صلاته، فالمعروف عند أهل العلم أن كلّ ما ذُكر في ذلك التعليم، واجب، ولا عكس، فكلّ ما دلّ عليه دليل الوجوب من صيغة الأمر أو نحوه يزاد على ذلك التعليم،
[ ١١ / ٣٠٠ ]
فتنبّه لذلك، وهذا البيان قد سبق تحقيقه في شرح حديث المسيء صلاته مستوفًى، فارجع إليه تستفد علمًا جمًّا.
٨ - (ومنها): أن قولها: "وكان يَفْرُش رجله اليسرى، ويَنْصِب رجله اليمنى" معناه: يجلس مفترشًا، وفيه حجة لأبي حنيفة -﵀-، ومن وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشًا، سواء فيه جميع الجلسات، وعند مالك: يُسَنّ متوركًا، بأن يُخْرِج رجله اليسرى من تحته، ويُفضِي بوَرِكِه إلى الأرض، وقال الشافعيّ -﵀-: السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشًا، إلا التي يَعْقُبها السلام، والجلسات عند الشافعي: أربع: الجلوس بين السجدتين، وجِلْسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام، والجلسة للتشهد الأول، والجلسة للتشهد الأخير، فالجميع يُسَنُّ مفترشًا، إلا الأخيرة، فلو كان مسبوقًا، وجلس إمامه في آخر صلاته متوركًا جلس المسبوق مفترشًا؛ لأن جلوسه لا يعقبه سلام، ولو كان على المصلي سجود سهو فالأصحّ أنه يجلس مفترشًا في التشهد، فإذا سجد سجدتي السهو تَوَرَّك، ثم سلَّم. هذا تفصيل مذهب الشافعي -﵀-.
واحتج أبو حنيفة -﵀- بإطلاق حديث عائشة -﵂- هذا، واحتج الشافعي: بحديث أبي حميد الساعديّ في "صحيح" البخاريّ، وفيه التصريح بالافتراش في الجلوس الأول، والتورك في آخر الصلاة، وحَمَلَ حديث عائشة -﵂- هذا على الجلوس في غير التشهد الأخير؛ للجمع بين الأحاديث، قاله النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: جمع الإمام الشافعيّ -﵀- في هذا حسنٌ، وأحسن منه جمع الإمام أحمد -﵀-، وهو أن جلسات الصلاة كلّها بالافتراش، إلا الصلاة التي فيها جلستان، فالأولى تكون بالافتراش، والثانية بالتورّك، وإنما رجّحت هذا؛ لأن حديث أبي حميد الساعديّ -﵁- إنما جاء هكذا، فقد أخرج البخاريّ -﵀- حديثه في "صحيحه" عن محمد بن عمرو بن عطاء، أنه كان جالسًا مع نفر من أصحاب النبيّ -ﷺ-، فذكرنا صلاة النبي -ﷺ-، فقال أبو حميد الساعديّ: أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول اللَّه -ﷺ-، رأيته إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هَصَر ظهره (^١)، فإذا رفع
_________________
(١) ثنَاه، وأماله.
[ ١١ / ٣٠١ ]
رأسه استوى حتى يعود كل فَقَار مكانه، فإذا سجد وضع يديه، غير مفترش، ولا قابضِهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة، قَدَّم رجله اليسرى، ونصب الأخرى، وقعد على مَقْعَدته"، وهذا الحديث لم يُخرجه مسلم.
فقد نصّ فيه أن الصلاة التي فيها تشهّدان، فالجلوس للأول بالافتراش، وللثافي بالتورّك، وأما الصلاة التي ليس فيها تشهّدان فتبقى على حديث عائشة -﵂-، فتأمله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ -﵀-: وجلوس المرأة كجلوس الرجل، وصلاة النفل كصلاة الفرض في الجلوس، هذا مذهب الشافعيّ ومالك -رحمهما اللَّه تعالى- والجمهور، وحَكَى القاضي عياض عن بعض السلف أن سنة المرأة التربُّع، وعن بعضهم التربع في النافلة، والصواب الأول، ثم هذه الهيئة متساوية، فلو جلس في الجميع مفترشًا، أو متوركًا، أو متربعًا، أو مُقْعِيًا، أو مادًّا رجليه صحَّت صلاته، وإن كان مخالفًا. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد سبق أن القول بالتفرقة بين الرجال والنساء في هيئة الصلاة مما لم يصحّ عليه دليلٌ من الكتاب أو السنّة، بل كلّ ما صحّ من صفة صلاة النبيّ -ﷺ-، قولًا أو فعلًا فإنه يشمل الرجال والنساء، فقوله -ﷺ-: "صلُّوا كما رأيتموني أصلّي" يشملهما جميعًا.
وقد أخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه" بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعيّ أنه قال: تفعل المرأة في الصلاة كما يفعل الرجل.
وروى البخاريّ في "التاريخ الصغير" (^٢) بسند صحيح، وعلّقه في "الصحيح" بصيغة الجزم، عن أم الدرداء، أنها كانت تجلس في صلاتها جِلْسة الرجل، وكانت فقيهة.
وأما حديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل، فهو مرسل لا يصحّ، رواه أبو داود في "المراسيل" عن يزيد بن أبي حبيب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٤.
(٢) راجع: "التاريخ الصغير" (ص ٩٥).
[ ١١ / ٣٠٢ ]
وأما ما رواه الإمام أحمد في مسائل ابنه عبد اللَّه عنه (ص ٧١) عن ابن عمر -﵄- أنه كان يأمر نساءه يتربّعن في الصلاة، فلا يصحّ؛ لأن فيه عبد اللَّه بن عمر العمري، وهو ضعيف (^١).
والحاصل أن المرأة في هيئة الصلاة كالرجل فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن قولها: "وكان يختم الصلاة بالتسليم" فيه دليلٌ على وجوب التسليم، فإنه صحّ قوله -ﷺ-: "وتحليلها التسليم"، وقد قدّمنا أنه يفيد الحصر، فلا خروج منها إلا بالتسليم، هذا مع مواظبته -ﷺ- على الخروج منها به، وقوله -ﷺ-: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي".
قال النوويّ -﵀-: واختَلَف العلماء فيه، فقال مالك، والشافعيّ وأحمد -رحمهم اللَّه تعالى- وجمهور العلماء من السلف والخلف: السلام فرضٌ، ولا تصح الصلاة إلا به، وقال أبو حنيفة، والثوريّ، والأوزاعي -رحمهم اللَّه تعالى-: هو سنة، لو تركه صحّت صلاته، قال أبو حنيفة: لو فَعَلَ منافيًا للصلاة من حدَث، أو غيره في آخرها صحّت صلاته، واحتج بأن النبيّ -ﷺ- لم يعلّمه الأعرابيّ في واجبات الصلاة حين علّمه واجبات الصلاة، واحتَجّ الجمهور بما ذكرناه، وبالحديث الآخر في سنن أبي داود والترمذيّ: "مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحليلُها التسليم".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: واحتّج ابن حزم بحديث: "وإذا شَكّ أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم لْيُسَلِّم، ثم يسجدْ سجدتي السهو". متّفق عليه، قال: فقد أمره -ﷺ- بالتسليم من كلّ صلاة، وأمره -ﷺ- فرض. انتهى كلامه باختصار (^٢)، وهو احتجاج قويّ.
قال: ومذهب الشافعيّ، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور -رحمهم اللَّه تعالى- أن المشروع تسليمتان، ومذهب مالك -﵀- في طائفة: المشروع تسليمةٌ، وهو قولٌ ضعيفٌ عن الشافعيّ -﵀-، ومن قال بالتسليمة الثانية، فهي عنده سنةٌ، وشذّ بعض الظاهرية، والمالكية، فأوجبها، وهو ضعيفٌ، مخالف
_________________
(١) راجع: "صفة صلاة النبيّ -ﷺ-" للشيخ الألبانيّ -﵀- (ص ١٥١).
(٢) راجع: "المحلّى" ٣/ ٢٧٥.
[ ١١ / ٣٠٣ ]
لإجماع من قبله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: دعواه الإجماع فيه نظر، فقد نقل ابن حزم عن الحسن بن حيّ أنه قال: التسليمتان معًا فرضٌ.
والحاصل أن القول بفرضيّة التسليمتين هو الظاهر؛ لظواهر النصوص، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.