وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٧] (٣٣) - (حَدَّثَنِي (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٤ / ٢٧١ ]
عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي، وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ سَالَ الْوَادِي الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ لَهُمْ، وَدِدْتُ أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي، فَتُصَلِّي في مُصَلًّى، فَأَتَّخِذَهُ مُصَلًّى (^١)، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، قَالَ عِتْبَانُ: فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، قَالَ: فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى (^٢) رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ: وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرٍ، صَنَعْنَاهُ لَهُ (^٣)، قَالَ: فَثَابَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ حَوْلَنَا، حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، ذَوُو عَدَدٍ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ " (^٤)، قَالَ: قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ".
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ الْحُصَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيَّ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي سَالِمٍ، وَهُوَ مِنْ سَرَاتَّهِمْ، عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ) أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ
_________________
(١) وفي نسخة: "في مصلّى في بيتي، فأتّخذه مصلّى".
(٢) وفي نسخة: "فكبّر، وقمنا وراءه، فصلّى بنا".
(٣) وفي نسخة: "صنعنا له في البيت".
(٤) وفي نسخة: "يبتغي بها وجه اللَّه".
[ ١٤ / ٢٧٢ ]
ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب بن عبد اللَّه بنَ الحارث بن زُهْرة بن كلاب القرشيّ الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ فقيهٌ إمامٌ، من رؤوس الطبقة [٤] (ت ١٢٥) وقيل غير ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٥ - (مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيُّ) هو: محمود بن الربيع بن سُرَاقة بن عمرو الخزرجيّ، أبو نعيم، أو أبو محمد المدنيّ، صحابيّ صغير، وجلّ روايته عن الصحابة -﵃- (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٦ - (عِتْبَانُ بْنُ مَالِك) بن عمرو العَجْلانيّ الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، مات -﵁- في خلافة معاوية -﵁-، (خ م كد س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ: محمود، عن عتبان -﵄-.
٥ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، إلا في قوله: "عن ابن شهاب"، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريّ (أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ الرَّبِيعِ) بفتح الراء، مكبّرًا (الْأَنْصَارِيَّ حَدَّثَهُ) أي حدّث ابن شهاب (أَنَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ) الخزرجيّ السالميّ، من بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، وهو -بكسر
[ ١٤ / ٢٧٣ ]
العين المهملة، وبعدها تاء مثنّاة من فوقُ ساكنة، ثم باء موحدة- قال النوويّ: وهذا الذي ذكرناه من كسر العين، هو الصحيح المشهور الذي لم يَذْكُر الجمهور سواه، وقال صاحب "المطالع": وقد ضبطناه من طريق ابن سَهْل بالضم أيضًا. انتهى (^١).
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان بن زيد بن غَنْم بن سالم بن عوف، شهد بدرًا وأُحدًا -كما في هذا الحديث- ولم يذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وكان ذهب بصره في عهد النبيّ -ﷺ-، وكان يؤم قومه وهو ضرير البصر وهو شيخ كبير إلى أن توفي في زمن معاوية (^٢).
(وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا) -بفتح الموحّدة، وسكون الدال المهملة-: هي اسم بئر بين مكة والمدينة، كانت بها الوقعة المشهورة للنبيّ -ﷺ-، والبئر نُسبت إلى بدر بن يخلد بن النضر بن كنانة (^٣)، وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة (مِنَ الأَنْصَارِ) بالفتح: هم: جماعة من أهل المدينة من الصحابة -﵁-، من أولاد الأوس والخزرج، قيل لهم: الأنصار؛ لنُصْرتهم رسول اللَّه -ﷺ- (^٤).
(أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) وفي رواية ثابت، عن أنس، عن عتبان عند مسلم (^٥) أنه بعث إلى النبيّ -ﷺ- يطلب منه ذلك، فيَحْتَمِل أن يكون نَسَب إتيان رسوله إلى نفسه مجازًا، ويَحْتَمِل أن يكون أتاه مرّة، وبعث إليه أخرى، إما مُتقاضِيًا، وإما مُذكِّرًا.
وفي الطبرانيّ من طريق أبي أويس، عن ابن شهاب بسنده، أنه قال للنبيّ -ﷺ- يوم جمعة: "لو أتيتني يا رسول اللَّه، وفيه أنه أتاه يوم السبت"، وظاهره أن مخاطبة عتبان بذلك كانت حقيقةً لا مجازًا، قاله في "الفتح" (^٦).
_________________
(١) "شرح مسلم" ١/ ٢٤٢.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب ٣/ ١٧٦.
(٣) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٨٨.
(٤) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٦٤.
(٥) تقدّمت في "كتاب الإيمان" برقم [١٥٧] (٣٣).
(٦) "الفتح" ١/ ٦١٩.
[ ١٤ / ٢٧٤ ]
(فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ بَصَرِي) كذا ذكره جمهور أصحاب ابن شهاب، كما للمصنف من طريق يونس، وللبخاريّ من طريق إبراهيم بن سعد، ومعمر، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيْديّ، والأوزاعيّ، وله من طريق أبي أُويس: "لَمّا ساء بصري"، وللإسماعيليّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر: "جَعَلَ بصري يَكِلُّ"، وللمصنّف من طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت المتقدّمة في "الإيمان": "أصابني في بصري بعض الشيء"، وكلُّ ذلك ظاهر في أنه لم يكن بَلَغَ الْعَمَى إذ ذاك.
لكن أخرجه البخاريّ في "صحيحه" من طريق مالك، عن ابن شهاب، فقال فيه: "إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، وأنه قال لرسول اللَّه -ﷺ-: إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر. . ." الحديث، وقد قيل: إن رواية مالك هذه مُعارِضة لغيره.
قال الحافظ -﵀-: وليست عندي كذلك، بل قول محمود: إن عتبان كان يؤم قومه، وهو أعمى، أي حين لقيه محمود، وسمع منه الحديث، لا حين سؤاله للنبيّ -ﷺ-، ويبيّنه قوله في رواية يعقوب: "فجئت إلى عتبان، وهو شيخ أعمى، يؤمُّ قومه".
وأما قوله: "وأنا رجل ضرير البصر" أي أصابني فيه ضرٌّ، كقوله: "أنكرت بصري".
ويؤيد هذا الحمل قوله في رواية ابن ماجه، من طريق إبراهيم بن سعد أيضًا: "لَمَّا أنكرت من بصري"، وقوله في رواية مسلم الماضية: "أصابني في بصري بعض الشيء"، فإنه ظاهرٌ في أنه لم يَكْمُل عماه، لكن رواية مسلم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت الماضية في "كتاب الإيمان"، بلفظ: "إنه عَمِيَ، فأرسل. . .".
وقد جمع ابنُ خزيمة بين رواية مالك وغيره من أصحاب ابن شهاب، فقال: قوله: "أنكرت بصري" هذا اللفظ يُطْلَق على مَن في بصره سوء، وإن كان يبصر بَصَرًا ما، وعلى من صار أعمى لا يبصر شيئًا. انتهى.
والأولى أن يقال: أَطلَق عليه عَمِيَ؛ لقربه منه، ومشاركته له في فوات
[ ١٤ / ٢٧٥ ]
بعض ما كان يَعْهَده في حال الصحة، وبهذا تأتلف الروايات. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم (^١).
(وَأَنَا أُصَلِّي لِقَوْمِي) أي لأجلهم، والمراد أنه كان يؤمُّهم، وصَرَّح بذلك أبو داود الطيالسيّ، عن إبراهيم بن سعد.
(وَإِذَا كَانَتِ الْأَمْطَارُ) "كان" هنا تامّةٌ، أي نزلت، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها محذوف، أي نازلةً (سَالَ الْوَادِي) أي سال الماء في الوادي، فهو من إطلاق المحلّ على الحالّ، وللطبرانيّ من طريق الزُّبَيديّ: "وإن الأمطار حين تكون يمنعني سيل الوادي".
وقوله: (الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ) وفي رواية الإسماعيليّ: "يَسيل الوادي الذي بين مسكني وبين مسجد قومي، فيحول بيني وبين الصلاة معهم".
(وَلَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ آتِيَ مَسْجِدَهُمْ، فَأُصَلِّيَ لَهُمْ) بالنصب عطفًا على "آتي" (وَدِدْتُ) -بكسر الدال الأولى-: أي تَمَنَّيتُ، وحَكَى القزّاز جواز فتح الدال في الماضي، والواو في المصدر، والمشهور في المصدر الضمّ، وحكى فيه أيضًا الفتح، فهو مثلَّثٌ، قاله في "الفتح".
وفي "المصباح": وَدِدتُهُ أَوَدّه، من باب تَعِبَ وُدًّا، بفتح الواو وضمّها: أحببتُهُ، والاسم المودّة، وَوَدِدْتُ لو كان كذا أَوَدُّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادَةً بالفتح: تمنّيتُهُ، وفي لغة وَدَدْتُ أَوَدُّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين، وقال الزّجّاجْ لم يقل الكسائيّ إلا ما سَمِعَ، ولكنه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (^٢).
(أَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي) بفتح الهمزة؛ لوقوعها في موضع المفعول به لـ "وَدِدتُ"، والتقدير: وودِدتُ إتياك، قال في "الخلاصة":
وَهَمْزَ "إِنَّ" افْتَحْ لِسَدِّ مَصْدَرِ … مَسَدَّهَا وَفِي سِوَى ذَاكَ اكْسِرِ
(فَتُصَلِّي) بسكون الياء؛ لأنه مرفوع عطفٌ على "تأتي"، ويجوز النصب؛ لوقوع الفاء التي بعد التمني المستفاد من الودادة، قاله في "العمدة" (^٣). (فِي
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦١٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٣.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ٢٤٨.
[ ١٤ / ٢٧٦ ]
مُصَلًّى) أي في مكان صلاة، وفي بعض النسخ: "في مصلّى في بيتي" (فَأَتَّخِذَهُ) بالرفع، ويجوز النصب، كما في "فتصلّي" (مُصَلًّى) أي مكان صلاة (قَالَ) عتبان -﵁- (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَأَفْعَلُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ") علّقه بمشيئة اللَّه تعالى؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] قال الكرمانيّ: وليس لمجرّد التبرّك؛ إذ محلّ استعماله إنما هو فيما كان مجزومًا به. انتهى (^١).
قال في: "الفتح": ويجوز أن يكون للتبرك؛ لاحتمال اطلاعه -ﷺ- بالوحي على الجزم بأن ذلك سيقع. انتهى (^٢).
(قَالَ عِتْبَانُ) -﵁-، قال في "الفتح": ظاهر هذا السياق أن الحديث من أوله إلى هنا من رواية محمود بن الربيع، بغير واسطة، ومن هنا إلى آخره من روايته عن عتبان، صاحب القصة، وقد يقال: القدر الأول مرسلٌ؛ لأن محمودًا يَصْغُر عن حضور ذلك، لكن وقع التصريح في أوله بالتحديث بين عتبان ومحمود من رواية الأوزاعيّ، عن ابن شهاب، في رواية مسلم الآتية آخر البيت، وكذا وقع تصريحه بالسماع عند البخاريّ من طريق معمر، ومن طريق إبراهيم بن سعد، فيُحْمَل قوله: قال عتبان على أن محمودًا أعاد اسم شيخه اهتمامًا بذلك؛ لطول الحديث، أفاده في "الفتح" (^٣).
(فَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) زاد الإسماعيليّ: "بالغد"، وللطبرانيّ من طريق أبي أويس، أن السؤال وقع يوم الجمعة، والتوجه إليه وقع يوم السبت (وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ) -﵁- لم يذكر جمهور الرواة عن ابن شهاب غيره، حتى إن في رواية الأوزاعيّ: "فاستأذنا، فأذنت لهما"، لكن في رواية أبي أُويس: "ومعه أبو بكر وعمر"، وتقدّم للمصنّف في "الإيمان" من طريق أنس، عن عتبان: "فأتى النبيّ -ﷺ-، ومن شاء اللَّه من أصحابه"، وللطبراني من وجه آخر، عن أنس: "في نفر من أصحابه".
فيَحْتَمِل الجمع بأن أبا بكر صَحِبَه وحده في ابتداء التوجه، ثم عند الدخول، أو قبله اجتمع عمر وغيره من الصحابة، فدخلوا معه (حِينَ ارْتَفَعَ
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٤/ ٢٤٨.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٢٠.
(٣) "الفتح" ١/ ٦٢٠.
[ ١٤ / ٢٧٧ ]
النَّهَارُ، فَاستَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ) قال القاضي عياض -﵀-: زعم بعضهم أن قوله: "حتى دخل" غَلَط، وليس كذلك، بل المعنى: فلم يجلس في الدار ولا غيرها حتى دخل البيت مبادرًا إلى ما جاء بسببه، وفي رواية يعقوب عند البخاريّ، وكذا عند الطيالسيّ: "فلما دخل لم يجلس حتى قال: أين تُحِبّ"، وكذا للإسماعيليّ من وجه آخر، وهي أبين في المراد؛ لأن جلوسه إنما وقع بعد صلاته، بخلاف ما وقع منه في بيت مُليكة، حيث جلس، فأكل، ثم صلى؛ لأنه هناك دُعِي إلى الطعام، فبدأ به، وهنا دُعِي إلى الصلاة، فبدأ بها، قاله في "الفتح" (^١).
(ثُمَّ قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ") قال في "الفتح": كذا للأكثر، والجمهور من رُواة الزهريّ، ووقع عند الكشميهني وحده: "في بيتك". انتهى (قَالَ) عتبان (فَأَشَرْتُ إِلَى نَاحِيَةٍ) أي جهة (مِنَ الْبَيْتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا وَرَاءَهُ، فَصَلَّى) وفي نسخة: فكبّر، وقمنا وراءه، فصلّى بنا" (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ) عتبان (وَحَبَسْنَاهُ) أي منعناه من الرجوع (عَلَى خَزِيرٍ صَنَعْنَاهُ لَهُ) (^٢) وفي بعض النسخ: "على خزير صنعنا له في البيت"، وفي رواية البخاريّ: "على خزيرة صنعناها له" بهاء التأنيث، هي: -بخاء معجمة مفتوحة، بعدها زاي مكسورة، ثم ياء تحتانية، ثم راء، ثم هاء-: نوعٌ من الأطعمة، قال ابن قتيبة: تُصْنَع من لحم يُقَطَّع صغارًا، ثم يُصَبّ عليه ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرَّ عليه الدقيق، وإن لم يكن فيه لحم، فهو عَصِيدة، وكذا ذكر يعقوب نحوه، وزاد: "من لحم بات ليلةً"، قال: وقيل: هي حِسَاءٌ من دقيق، فيه دَسَمٌ، وحَكَى في "الْجَمْهَرة" نحوه، وحَكَى الأزهريّ، عن أبي الهيثم: أن الخزيرة من النُّخَالة، وكذا حكاه البخاريّ في "كتاب الأطعمة" عن النضر بن شُميل، قال عياض: المراد بالنخالة دقيقٌ لم يُغَرْبَل.
قال الحافظ: ويؤيد هذا التفسير قوله في رواية الأوزاعيّ عند مسلم الآتية: "على جَشِيشة" بجيم ومعجمتين، قال أهل اللغة: هي أن تُطْحَن الحنطة قليلًا، ثم يُلْقَى فيها شحمٌ، أو غيره.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٢٠.
(٢) وفي نسخة: "صنعنا له في البيت".
[ ١٤ / ٢٧٨ ]
وقال ابن رجب -﵀-: "والخزيرة": مرقةٌ تُصْنَع من النخالة، وقيل: من الدقيق -أيضًا-، وقيل: إنه لا بد أن يكون معها شيء من دَسَم من شحم أو لحم، وخص بعضهم دسمها باللحم خاصة. انتهى (^١).
وفي "المطالع": أنها رُويت في "الصحيحين" بحاء وراءين مهملات، وحَكَى البخاريّ في "الأطعمة" عن النضر أيضًا أنها -أي التي بمهملات- تُصْنَعُ من اللبن. انتهى (^٢).
(قَالَ) عتبان (فَثَابَ رِجَالٌ) -بمثلثة، وبعد الألف موحدةٌ- أي جاءوا متواترين، بعضهم في إثر بعض، قاله ابن رجب (^٣).
وقال في "الفتح": أي اجتمعوا بعد أن تفرقوا، قال الخليل: المثابة: مُجْتَمع الناس بعد افتراقهم، ومنه قيل للبيت: مثابةٌ، وقال صاحب "المحكم": يقال: ثاب: إذا رجع، وثاب: إذا أقبل.
(مِنْ أَهْلِ الدَّارِ) أي دار بني سالم بن عوف، وهم قوم عتبان، و"الدار": المحلّة، كقوله: "خير دور الأنصار دار بني النجار": أي محلتهم، والمراد أهلها، ويقال: الدار القبيلة أيضًا، وإنما جاءوا لسماعهم بقدوم النبيّ -ﷺ- (^٤)، وقوله: (حَوْلَنَا) منصوب على الظرفيّة متعلّق بحال من "أهل الدار" (حَتَّى اجْتَمَعَ فِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، ذَوُو عَدَدٍ) أي كثيرون (فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ) لم يُسمّ هذا المبتدئ (أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ؟) -بضم الدال والشين، وسكون الخاء بينهما، وحُكِي كسر أوله- وفي رواية معمر: ""فقال رجلّ منهم: أين مالك بن الدُّخْشُن، أو ابن الدُّخيشن" -بضم الدال المهملة، وفتح الخاء المعجمة، وسكون الياء التحتانية بعدها شين معجمة مكسورة، مصغّرًا-.
قال في "الفتح": والشكّ فيه من الراوي، هل هو مصغرٌ أو مكبرٌ؟، وفي رواية المستملي هنا -أي في "الصلاة" عند البخاريّ- في الثانية بالميم بدل النون، وفي "المحاربين" من رواية معمر: "الدُّخْشُن" بالنون مكبرًا من غير
_________________
(١) "شرح البخاري" لابن رجب ٣/ ١٨٨.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٢٠ - ٦٢١.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب ٣/ ١٨٨.
(٤) "عمدة القاري" ٤/ ٢٤٩.
[ ١٤ / ٢٧٩ ]
شكّ، وكذ لمسلم من طريق يونس-يعني هذه الرواية- وله من طريق معمر -يعني الرواية التالية- بالشك.
ونَقَلَ الطبرانيّ عن أحمد بن صالح أن الصواب "الدُّخْشُم" بالميم، وهي رواية الطيالسيّ، وكذا لمسلم من طريق ثابت، عن أنس، عن عتبان -يعني الماضية في "الإيمان"-، والطبرانيّ من طريق النضر بن أنس، عن أبيه.
(فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ مُنَافِقٌ، لَا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) قال في "الفتح": قيل: هذا القائل هو عتبان راوي الحديث، قال ابن عبد البرّ في "التمهيد": الرجل الذي سارّ النبيّ -ﷺ- في قتل رجل من المنافقين، هو عتبان، والمنافق المشار إليه هو مالك بن الدُّخْشُم، ثم ساق حديث عتبان المذكور في هذا الباب، وليس فيه دليلٌ على ما ادّعاه من أن الذي سارّه هو عتبان.
وأغرب بعض المتأخرين، فنَقَلَ عن ابن عبد البر أن الذي قال في هذا الحديث: "ذلك منافق" هو عتبان أخذًا من كلامه هذا، وليس فيه تصريح بذلك.
وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف في شهود مالك بدرًا، وهو الذي أَسَرَ سهيل بن عمرو، ثم ساق بإسناد حسن عن أبي هريرة، أن النبيّ -ﷺ- قال لمن تكلم فيه: "أليس قد شهد بدرًا؟ ".
وفي "المغازي" لابن إسحاق: إن النبيّ -ﷺ- بعث مالكًا هذا، ومَعْن بن عديّ، فَحَرَّقا مسجد الضِّرار، فدَلَّ على أنه بريء مما اتُّهِم به من النفاق، أو كان قد أقلَعَ عن ذلك، أو النفاق الذي اتُّهِم به ليس نفاق الكفر، إنما أنكر الصحابة عليه تودُّدَه للمنافقين، ولعل له عذرًا في ذلك، كما وقع لحاطب. انتهى (^١)، قاله في "الفتح".
وقال ابن رجب -﵀- في "شرحه": وقد شهد مالك بن الدخشم مع النبي -ﷺ- بدرًا وأُحُدًا والمشاهد كلها، واختلفوا: هل شهد مع الأنصار بيعة العقبة، أم لا؟، وقد روي أن النبي -ﷺ- بعثه مع عاصم بن عديّ (^٢) لتحريق مسجد الضرار وهدمه. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٢١.
(٢) هكذا، وتقدّم في عبارة ابن إسحاق: "مع معن بن عديّ" فليُتأمل.
[ ١٤ / ٢٨٠ ]
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ) أي القول بأنه منافقٌ (أَلَا) أداة استفتاح، وتنبيه (تَرَاهُ قَدْ قَالَ) وللطيالسيّ: "أما يقول": (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وفي رواية أنس الماضية في "الإيمان": "أليس يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه"، وقوله: (يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ ") وفي نسخة: "يبتغي بذلك وجه اللَّه"، أراد به أنه مخلص في إيمانه، وهذا شهادة من النبيّ -ﷺ- للرجل بإيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق، قاله في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": وكأنهم فَهِمُوا من هذا الاستفهام أن لا جزم بذلك، ولولا ذلك لم يقولوا في جوابه: "إنه ليقول ذلك، وما هو في قلبه"، كما وقع عند مسلم، في "الإيمان" من طريق أنس، عن عتبان. انتهى.
(قَالَ) عتبان (قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) أي بحقيقة ذلك، وموافقة شهادته بلسانه لما في قلبه من التصديق (قَالَ) عتبان: قالوا أيضًا (فَإِنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ) أي توجهه (وَنَصِيحَتَهُ لِلْمُنَافِقِينَ) وفي رواية البخاريّ: "ونصيحته إلى المنافقين" بـ "إلى" بدل اللام، فقال الكرمانيّ: فإن قلت: يقال: نصحت له، لا إليه، ثم أجاب عنه بقوله: قد ضُمِّنَ معنى الانتهاء، وقال الحافظ: كذا قال، والظاهر أن قوله: "إلى المنافقين" متعلق بقوله: "وجهه"، فهو الذي يتعدى بـ "إلى"، وأما متعلق "نصيحته" فمحذوف؛ للعلم به. انتهى.
وتعقّب العينيّ كلام الكرمانيّ والحافظ المذكور بما هو راجع إلى ما قالاه (^٢)، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(قَالَ) عتبان (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ) المراد من التحريم هنا تحريم التخليد؛ جمعًا بينه وبين ما ورد من دخول أهل المعصية فيها، وتوفيقًا بين الأدلة (مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أي مع "محمد رسول اللَّه"، من باب الاكتفاء، وقد تقدّم في "كتاب الإيمان" مصرّحًا به، ولفظه: "لا يشهد أحد أن لا إله إلا اللَّه، وأني رسول اللَّه، فيدخلَ النار" (يَبْتَغِي) أي يطلب (بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ") فيه ردّ على المرجئة الغُلاة القائلين بأنه يكفي في الإيمان النطق فقط، من غير اعتقاد.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٠.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٠.
[ ١٤ / ٢٨١ ]
وقال ابن رجب -﵀-: وقد رَوَى أسد بن موسى: ثنا حماد بن سلمة، عن عاصم بن بَهْدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن رجلًا من الأنصار أرسل إلى رسول اللَّه -ﷺ- في داره، فأتاه النبي -ﷺ-، واجتمع قومه، وتغيّب رجل منهم، فقال النبي -ﷺ-: "أين فلان؟ "، فغمزه رجل منهم، فقال: إنه، وإنه! فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أليس قد شهد بدرًا؟ " قالوا: بلى. قال: "فلعل اللَّه قد اطلع إلى أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^١).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزهريّ بالإسناد الماضي، ووَهِمَ من قال: إنه تعليق، قاله في "الفتح" (ثُمَّ سَأَلْتُ) زاد في رواية الكشميهني: "بعد ذلك" (الْحُصَيْنَ) -بضمّ الحاء المهملة، وبالصاد المهملة المفتوحة- وهكذا ضبطه جميع الرواة، إلا القابسيّ، فإنه ضبطه بالضاد المعجمة، "وغَلَّطوه في ذلك" (^٢). (ابْنَ مُحَمَّدٍ الأَنْصَارِيَّ) المدنيّ، من ثقات التابعين (وَهُوَ أَحَدُ بَني سَالِمٍ، وَهُوَ) أي الحصين بن محمد (مِنْ سَرَاتِهِمْ) أي من سراة بني سالم، و"السَّرَاةُ" -بفتح المهملة-: أي خيارهم، وهو جمع سَرِيّ، قال أبو عبيد: هو المرتفع القدرِ، من سَرُوَ الرجلُ يَسْرُو: إذا كان رفيع القدر، وأصله من السَّرَاة، وهو أرفع المواضع من ظهر الدابة، وقيل: هو رأسها، وهو أرفع الجسم، وفي "الصحاح": وجمع السَّرِيّ سَرَاةٌ، وهو جمع عزيز، أن يُجْمَع فَعِيل على فَعَلَة، ولا يُعرَف غيره. انتهى (^٣).
(عَنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ) متعلّق بـ "سألتُ" (فَصَدَّقَهُ بِذَلِكَ) أي بالحديث المذكور، وهذا يَحْتَمِل أن يكون الحصين سمعه أيضًا من عتبان، ويَحْتَمِل أن يكون حمله عن صحابي آخر.
[تنبيه]: ليس للحصين بن محمد هذا، ولا لعتبان بن مالك في "الصحيحين" (^٤) سوى هذا الحديث، وقد سمعه من عتبان أيضًا أنس بن مالك،
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٣/ ١٨٩.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٠.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٤) وقد أخرجه البخاريّ في أكثر من عشرة مواضع مطولًا، ومختصرًا، وأما المصنّف، فأخرجه في "الإيمان"، و"الصلاة"، فتنبّه.
[ ١٤ / ٢٨٢ ]
وقد تقدّم لمسلم في "كتاب الإيمان"، وسمعه أبو بكر بن أنس مع أبيه من عتبان، أخرجه الطبرانيّ، أفاده في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث عتبان بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تخريجه، وبيان مسائله، في "كتاب الإيمان" (^٢)، وإنما أذكر مسألتين:
(المسألة الأولى): في إتمام الفوائد التي تتعلّق بهذا الحديث التي تقدّم ذكر معظمها في "كتاب الإيمان":
١ - (فمنها): أن في هذا الحديث بيان ما كان عليه رسول اللَّه -ﷺ- من حسن الخلق، وجميل الأدب في إجابته كلَّ من دعاه إلى ما دعاه إليه، ما لم يكن إثمًا (^٣).
٢ - (ومنها): أنه يُستحبّ لمن قال: سأفعل كذا أن يقول: "إن شاء اللَّه"؛ لآية: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، ولهذا الحديث.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الاستئذان على الرجل في منزله، وإن كان صاحبه قد تقدّم منه استدعاء.
٤ - (ومنها): أنه يُستحبّ لأهل المحلّة وجيرانهم إذا ورد رجل عالم إلى منزل بعضهم أن يجتمعوا إليه، ويحضروا مجلسه؛ لزيارته وإكرامه، والاستفادة منه.
٥ - (ومنها): بيان أنه لا يُخلَّد في النار من مات على التوحيد (^٤).
٦ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- في هذا الحديث: استحباب اتخاذ آثار النبيّ -ﷺ- ومواضع صلواته مصلى يصلى فيه، وقد ذكر ابن سعد، عن الواقديّ، أن بيت عتبان الذي صلى فيه النبيّ -ﷺ- يصلي فيه الناس بالمدينة إلى يومه ذاك.
وبشهد لهذا المعنى -أيضًا-: قول عمر -﵁- للنبيﷺ-: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ فَنَزَلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥].
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٢٢.
(٢) راجع: ١/ ٦٨٦ - ٦٨٩.
(٣) "الاستذكار" ٢/ ٣٦٢.
(٤) "شرح النووي" ٥/ ١٦١.
[ ١٤ / ٢٨٣ ]
وقد نَقَل أحمد بن القاسم وسِنديّ الخواتيميّ، عن الإمام أحمد، أنه سئل عن إتيان هذه المساجد؟ فقال: أما على حديث ابن أم مكتوم (^١): أنه سأل النبي -ﷺ- أن يصلي في بيته فيتخذه مصلى، وعلى ما كان يفعل ابن عمر يتبع مواضع النبي -ﷺ- وأثره، فلا بأس أن يأتي الرجل المشاهد، إلا أن الناس قد أفرطوا في هذا، وأكثروا فيه.
وفي رواية ابن القاسم: أن أحمد ذكر قبر الحسين، وما يفعل الناس عنده - يعني: من الأمور المكروهة المحدثة.
وهذا فيه إشارة إلى أن الإفراط في تتبع مثل هذه الآثار يُخشَى منه الفتنة، كما كُره اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وقد زاد الأمر في ذلك عند الناس حتى وقفوا عنده، واعتقدوا أنه كافٍ لهم، واطَّرَحُوا ما لا ينجيهم غيره، وهو طاعة اللَّه تعالى ورسوله -ﷺ-.
وقد رأى الحسن قومًا يزدحمون على حمل نعش بعض الموتى الصالحين، فقال: في عمله فتنافسوا.
يشير إلى أن المقصود الأعظم متابعته في عمله، لا مجرد الازدحام على حمل نعشه.
وكذلك من يبالغ في تزيين المصحف وتحسينه، وهو مُصِرّ على مخالفة أوامره وارتكاب مناهيه.
وقد رُوي عن عمر -﵁- ما يدل على كراهة ذلك -أيضًا-:
فرُوي عن المعرور بن سويد، قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها، فلما انصرف رأى الناسُ مسجدًا فبادروه، فقال: ما هذا؟ قالوا: مسجد صلى فيه النبي -ﷺ-. فقال: هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعًا، مَن عَرَضَت له فيه صلاة فليصلّ، ومن لم تعرض له صلاة فليمض.
وقال نافع: كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول اللَّه -ﷺ- تحتها بيعة الرضوان، فيصلّون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت.
_________________
(١) هكذا وقع ابن أم مكتوم، والصواب أنه عتبان بن مالك، كما هو واضح من روايات "الصحيحين"، وغيرهما، وسيأتي التنبيه عليه في كلام ابن رجب -﵀-.
[ ١٤ / ٢٨٤ ]
وقال ابن عبد البر: كَرِه مالك وغيره من أهل العلم طلب موضع الشجرة التي بويع تحتها بيعة الرضوان؛ وذلك -واللَّه أعلم- مخالفة لما سلكه اليهود والنصارى فِي مثل ذَلِكَ، ذكره فِي "الاستذكار" فِي الكلام عَلَى حَدِيْث: "اشتَدّ غضب اللَّه عَلَى قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
وقال: ذكر مالك بإثر هذا الحديث حديث عتبان بن مالك؛ ليبيّن لك أن معنى هذا الحديث مخالفٌ للذي قبله.
قال: والتبرك والتأسي بأفعال رسول اللَّه -ﷺ- إيمانٌ به وتصديقٌ، وحبٌّ في اللَّه وفي رسوله -ﷺ-. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن المطر والسيول عذر يباح له التخلف عن الصلاة في المسجد.
وقد روي: أن النبي -ﷺ- لم يرخص له.
قال الإمام أحمد: ثنا سفيان، عن الزهري، فسئل سفيان: عمن هو؟ قال: هو محمود -إن شاء اللَّه-، أن عتبان بن مالك كان رجلًا محجوب البصر، وإنه ذكر للنبي -ﷺ- التخلف عن الصلاة، فقال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. فلم يرخص له، وكذا رواه محمد بن سعد، عن سفيان، وهو يدل على أن سفيان شكّ في إسناده، ولم يحفظه.
وقال الشافعي: أنبا سفيان بن عيينة: سمعت الزهري يحدث، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إني محجوب البصر، وإن السيول تحول بيني وبين المسجد، فهل لي من عذر؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. فقال له النبي -ﷺ-: "لا أجد لك من عذر إذا سمعت النداء"، قال سفيان: وفيه قضيّة لم أحفظها.
قال الشافعي: هكذا حدثنا سفيان، وكان يتوقّاه، ويُعَرِّف أنه لم يضبطه.
قال: وقد أوهم فيه -فيما نرى-، والدلالة على ذلك: ما أنبا مالك، عن ابن شهاب - ثم ذكر حديث عتبان المذكور في الباب، على ما رواه الجماعة عن الزهري.
_________________
(١) "الاستذكار" ٢/ ٣٦١.
[ ١٤ / ٢٨٥ ]
قال البيهقي: اللفظ الذي رواه ابن عيينة في هذا الإسناد إنما هو في قصّة ابن أم مكتوم الأعمى.
قال ابن رجب -﵀-: وقد اشتبهت القصتان على غير واحد، وقد سبق عن الإمام أحمد أنه ذكر أن ابن أم مكتوم سأل النبي -ﷺ- أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى، وإنما هو عتبان بن مالك.
وقد اشتبه على بعض الرواة محمود بن الربيع الراوي له عن عتبان، فسماه محمود بن لبيد، وهو -أيضًا- وَهَمٌ، وقد وقع فيه بعض الرواة للحديث عن مالك.
وقال يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن محمود بن الربيع -أو الربيع بن محمود- شك يزيد.
وقد روي عن ابن عيينة بإسناد آخر: أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد"، من طريق عبيد اللَّه بن محمد: ثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة -إن شاء اللَّه-، عن عتبان بن مالك، أنه سأل رسول اللَّه -ﷺ- عن التخلف عن الصلاة، فقال: "أتسمع النداء؟ " قَالَ: نَعَمْ. فَلَمْ يرخص لَهُ.
وهذا الإسناد غير محفوظ، ولهذا شك فيه الراوي -إما عن سفيان أو غيره-، وقال: "إن شاء اللَّه"، وإنما أراد حديث محمود بن الربيع.
وأما ابن أم مكتوم، فقد خرّجه مسلم من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: أتى النبي -ﷺ- رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، أنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فسأل رسول اللَّه -ﷺ- أن يرخص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم. قال: "فأجب".
وأخرج الإمام أحمد وابن حبان في "صحيحه" من حديث عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد اللَّه، قال: أتى ابن أم مكتوم إلى النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، منزلي شاسع، وأنا مكفوف البصر، وأنا أسمع؟ قال: "فإن سمعت الأذان فأجب، ولو حبوًا، ولو زحفًا".
وعيسى بن جارية، تُكُلِّم فيه.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة في
[ ١٤ / ٢٨٦ ]
"صحيحه"، والحاكم، من حديث عاصم بن بَهْدَلة، عن أبي رَزِين، عن ابن أم مكتوم، أنه سأل النبي -ﷺ-، فقال: يا رسول اللَّه، إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: "هل تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "لا أجد لك رخصة".
وفي إسناده اختلاف على عاصم، وروي عنه، عن أبي رزين مرسلًا، ورواه أبو سنان سعيد بن سنان، عن عمرو بن مرة، عن أبي رزين، عن أبي هريرة، وأبو سنان، قال أحمد: ليس بالقوي.
وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، من حديث عبد الرحمن بن عابس، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن أم مكتوم، أنه قال: يا رسول اللَّه، إن المدينة كثيرة الهوام والسباع. فقال النبي -ﷺ-: "تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح؟ "، قال: نعم. قال: "فحيهلا".
وأخرج الإمام أحمد من حديث عبد العزيز بن مسلم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن شداد، عن ابن أم مكتوم؛ أن رسول اللَّه -ﷺ- أتى المسجد فرأى في القوم رِقَّةً، فقال: "إني لأهمّ أن أجعل للناس إمامًا، ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه"، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول اللَّه، إن بيني وبين المسجد نخلًا وشجرًا، ولا أقدر على قائد كلَّ ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ قال: "أتسمع الإقامة؟ " قال: نعم. قال: "فَأْتِها".
وأخرجه ابن خزيمة، والحاكم من رواية أبي جعفر الرازي، عن حصين، به - بنحوه.
وقد روي هذا الحديث من رواية البراء بن عازب وأبي أمامة وكعب بن عجرة. وفي أسانيدها ضعف. واللَّه أعلم.
وقد أشكل وجه الجمع بين حديث ابن أم مكتوم وحديث عتبان بن مالك، حيث جعل لعتبان رخصةً، ولم يجعل لابن أم مكتوم رخصة:
فمن الناس: من جمع بينهما بأن عتبان ذكر أن السيول تحول بينه وبين مسجد قومه، وهذا عذر واضح؛ لأنه يتعذر معه الوصول إلى المسجد، وابن أم مكتوم لم يذكر مثل ذلك، وإنما ذكر مشقة المشي عليه، وفي هذا ضعف؛ فإن
[ ١٤ / ٢٨٧ ]
السيول لا تدوم، وقد رَخَّص له في الصلاة في بيته بكل حال، ولم يخصه بحالة وجود السيل، وابن أم مكتوم قد ذكر أن المدينة كثيرة الهوام والسباع، وذلك يقوم مقام السيل المخوف.
وقيل: إن ابن أم مكتوم كان قريبًا من المسجد، بخلاف عتبان، ولهذا ورد في بعض طرق حديث ابن أم مكتوم: أنه كان يسمع الإقامة، ولكن في بعض الروايات أنه أخبر أن منزله شاسع كما تقدم.
ومن الناس من أشار إلى نسخ حديث ابن أم مكتوم بحديث عتبان، فإن الأعذار التي ذكرها ابن أم مكتوم يكفي بعضها في سقوط حضور المسجد.
وقد أشار الجْوُزَجاني إلى أن حديث ابن أم مكتوم لم يقل أحد بظاهره.
يعني: أن هذا لم يوجب حضور المسجد على من كان حاله كحال ابن أم مكتوم.
وقيل: إن النبي -ﷺ- إنما أراد أنه لا يجد لابن أم مكتوم رخصة في حصول فضيلة الجماعة مع تخلفه وصلاته في بيته.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد قدّمت أن هذا الوجه من الجمع هو الأقرب عندي، واللَّه تعالى أعلم.
قال: واستَدَلّ بعض من نصر ذلك -وهو: البيهقي- بما خرّجه في "سننه" من طريق أبي شهاب الحناط، عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، عن ابن أم مكتوم، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن لي قائدًا لا يلائمني في هاتين الصلاتين؟ قَالَ: "أيّ الصلاتين؟ " قلت: العشاء والصبح، فقال النبي -ﷺ-: "لو يعلم القاعد عنهما ما فيهما لأتاهما ولو حبوًا".
وحديث ابن أم مكتوم يدل على أن العمى ليس بعذر في ترك الجماعة، إذا كان قادرًا على إتيانها، وهو مذهب أصحابنا.
ولو لم يمكنه المجيء إلا بقائد ووجد قائدًا متبرعًا له، فهل يجب عليه حضور المسجد؟ على وجهين، ذكرهما ابن حامد من أصحابنا.
وهذا بناء على قول أحمد: إن حضور المسجد للجماعة فرض عين.
وقد يُستَدَلّ بحديث عتبان على أن الجماعة في البيت تكفي من حضور المسجد خصوصًا للأعذار.
[ ١٤ / ٢٨٨ ]
ويَحْتَمِل أن يكون عتبان جعل موضع صلاة النبي -ﷺ- من بيته مسجدًا يؤذن فيه، ويقيم، ويصلي بجماعة أهل داره ومن قرب منه، فتكون صلاته حينئذ في مسجد: إما مسجد جماعة، أو مسجد بيت يُجَمَّع فيه، وأما ابن أم مكتوم فإنه استأذن في صلاته في بيته منفردًا، فلم يأذن له، وهذا أقرب ما جُمِع به بين الحديثين، واللَّه أعلم.
لكن في "سنن البيهقيّ" من حديث كعب بن عجرة، أن رجلًا أعمى أتى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: إني أسمع النداء، ولعلي لا أجد قائدًا، أفأتخذ مسجدًا في داري؟ فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: "تسمع النداء؟ " قال: نعم. قال: "فإذا سمعت النداء فأخرج".
وفي إسناده اختلاف، وقد قال أبو حاتم فيه: أنه منكر.
ومع هذا؛ فلا دلالة فيه على أنه أراد أن يصلي في بيته جماعة، إنما فيه أنه أراد أن يجعل في داره مسجدًا لصلاته في نفسه.
٨ - (ومنها): أن فيه دليلًا على جواز إمامة الأعمى، وجواز الجماعة في صلاة التطوع -أحيانًا- وجواز إمامة الزائر بإذن المزور في بيته.
٩ - (ومنها): أن قولَهُ: "وحبسناه على خزيرة صنعناها له" يَدُلّ على أن الزائر وإن كان صاحب المنزل قد استدعاه إلى بيته لحاجة له، فإنه يستحب له أن يُضِيفه، وإن حبسه لذلك في بيته بعد انقضاء حاجته لم يضرّ ذلك، بشرط ألا يكون على الزائر فيه مشقة.
١٠ - (ومنها): أن في قول النبي -ﷺ-: "لا تقل ذلك" نَهْيٌ أن يُرْمَى أحدٌ بالنفاق؛ لقرائن تظهر عليه، وقد كان النبيّ -ﷺ- يجري على المنافقين أحكام المسلمين في الظاهر، مع علمه بنفاق بعضهم، فكيف بمسلم يرمي بذلك بمجرد قرينة؟.
١١ - (ومنها): أن مَن رَمَى أحدًا بنفاق، وذَكَرَ سوء عمله، فإنه ينبغي أن تُرَدّ عليه غيبتُهُ، ويُذْكَرَ صالحُ عمله؛ ولهذا ذكر النبيّ -ﷺ- أنه يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا عبده ورسوله، ولا يُلْتَفَتُ إلى قول من قال: إنما يقولها تَقِيّةً ونِفاقًا.
١٢ - (ومنها): أنه إنما لم يأمر النبيّ -ﷺ- بِهَجْر مالك بن الدُّخْشُن؛ لأنه
[ ١٤ / ٢٨٩ ]
لم يُعْرَف عنده بما يُخْشَى عليه من النفاق، ولم يَثُبت ذلك ببينة، وإنما رُمِي بذلك، بخلاف الثلاثة الذين خُلِّفوا؛ فإنهم اعترفوا بما يُخْشَى عليهم منه النفاق؛ ولهذا عَذَرَ المعتذرين ووَكَلَهم إلى اللَّه، وكان كثيرٌ منهم كاذبًا. انتهى ملخّصًا مما كتبه ابن رجب -﵀- (^١) في "شرح البخاريّ" (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في بيان الأعذار التي تُبيح التخلّف عن فرض صلاة الجماعة:
(اعلم): أنه ذَكَر الإمام الحافظ أبو حاتم بن حبان -﵀- الأعذار التي تسقط فرض الجماعة، فقال: وأما العذر الذي يكون المتخلف عن إتيان الجماعات به معذورًا، فقد تتبعته في السنن كلها، فوجدتها تدل على أن العذر عشرة أشياء، ثم ذكرها، وهاك خلاصتها، قال -﵀-:
(الأول): المرض الذي لا يقدر المرء معه أن يأتي الجماعات، لحديث أنس -﵁- في كونه -ﷺ- كشف الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر -﵁-، فأراد أبو بكر أن يرتدّ، فأشار إليهم أن امكثوا، وألقى السجف.
(الثاني): حضور الطعام؛ لحديث: "إذا حَضَر العشاءُ، وأقيمت الصلاة، فابدءوا بالعشاء"، متّفقٌ عليه.
(الثالث): النسيان الذي يَعْرِض في بعض الأحوال؛ لحديث أبي قتادة -﵁- في نومهم عن صلاة الصبح، متّفقٌ عليه.
(الرابع): السِّمَنُ الْمُفْرِط الذي يمنع المرء من حضور الجماعات؛ لحديث أنس -﵁-، قال: قال رجل من الأنصار -وكان ضخمًا- للنبيّ -ﷺ-: إني لا أستطيع الصلاة معك، فلو أتيتَ منزلي، فصليت فيه، فأقتدي بك، فصنع له الرجل طعامًا، ودعاه إلى بيته، فبسط له طرف حصير لهم، فصلى عليه ركعتين (^٣).
_________________
(١) يبدأ كلام ابن رجب -﵀- من رقم (٦) إلى (١٢).
(٢) راجع: "فتح الباري" لابن رجب ٣/ ١٧٦ - ١٩٠.
(٣) أخرجه البخاريّ في "صحيحه" بنحوه.
[ ١٤ / ٢٩٠ ]
(الخامس): وجود المرء حاجة الإنسان في نفسه -يعني البول والغائط- لما أخرجه أصحاب السنن بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن الأرقم -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا وجد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة".
والمراد أن يؤذيه ذلك بحيث يشغله عن الصلاة، لا ما لا يتأذى به؛ لحديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يصلِّ أحدكم، وهو يدافعه الأخبثان"، رواه ابن حبّان بإسناد قويّ.
(السادس): خوف الإنسان على نفسه وماله في طريقه إلى المسجد؛ لحديث عتبان بن مالك المذكور في الباب.
(السابع): وجود البرد الشديد المؤلم؛ لحديث ابن عمر -﵄- أنه وجد ذات ليلة بردًا شديدًا، فأَذَّن من معه، فصَلَّوا في رحالهم، وقال: إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- إذا كان مثل هذا أمر الناس أن يصلوا في رحالهم، صححه ابن حبّان.
(الثامن): وجود المطر المؤذي؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: "ألا صلوا في الرحال"، متّفقٌ عليه.
(التاسع): وجود العلة التي يَخاف المرء على نفسه العثر منها؛ لحديث ابن عمر أيضًا، قال: كنا إذا كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في سفر، فكانت ليلة ظلماء، أو ليلة مطيرة، أذن مؤذن رسول اللَّه -ﷺ-، أو نادى مناديه: "أن صلوا في رحالكم"، صححه ابن حبّان.
(العاشر): أكل الثوم والبَصَل إلى أن يذهب ريحها؛ لحديث: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة، فلا يقربن مصلانا حتى يذهب ريحها"، متّفقٌ عليه. انتهى ما ذكره ابن حبان في "صحيحه" من أعذار سقوط فرض الجماعة حسبما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة بتصرّف، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٤ / ٢٩١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ (^١)، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ يُونُسَ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَفَرًا، فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: مَا أَظُن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ مَا قُلْتَ، قَالَ: فَحَلَفْتُ إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ، نَرَى أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ رَبِيعٍ) وفي بعض النسخ: "ابن الربيع".
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير معمر.
وقوله: (فَقَالَ رَجُلٌ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُنِ، أَوِ الدُّخَيْشِنِ؟) بالنون، تقدّم اختلاف الروايات فيه في شرح الحديث الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "محمود بن الربيع".
[ ١٤ / ٢٩٢ ]
وقوله: (وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ) فاعل "زاد" ضمير معمر أيضًا.
وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ) أي ابن الربيع الراوي عن عتبان بن مالك -﵄-.
وقوله: (فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ) إشارة إلى حديث عتبان بن مالك -﵁- المذكور قبله.
وقوله: (نَفَرًا) أي جماعةً.
وقوله: (فِيهِمْ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ) اسمه خالد بن زيد بن كُليب الصحابيّ الشهير، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، ونزل النبيّ -ﷺ- عليه حين قَدِم المدينة، ومات غازيًا بالروم سنة خمسين، وقيل: بعدها، وتقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
وقوله: (فَقَالَ) أي أبو أيوب -﵁-، منكرًا ما حدّثه به، من هذا الحديث.
وقوله: (مَا أَظُنُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ مَا قُلْتَ) إنما أنكره عليه؛ لما يقتضيه ظاهره من أن النار مُحَرَّمة على جميع الموحدين، وأحاديث الشفاعة دالّة على أن بعضهم يُعَذَّب، لكن للعلماء أجوبة عن ذلك، منها جواب ابن شهاب المذكور بعده، ومنها غير ذلك، وقد استوفينا بيانه في "كتاب الإيمان"، فراجعه تستفد.
وقوله: (قَالَ: فَحَلَفْتُ) القائل هو محمود بن الربيع -﵁-.
(إِنْ رَجَعْتُ إِلَى عِتْبَانَ أَنْ أَسْأَلَهُ، قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْخًا كَبِيرًا، قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، وَهُوَ إِمَامُ قَوْمِهِ، فَجَلَسْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَحَدَّثَنِيهِ كَمَا حَدَّثَنِيهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ: ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَرَائِضُ وَأُمُورٌ) أراد الزهريّ بهذا أن قوله -ﷺ- في هذا الحديث: "فإن اللَّه قد حرّم على النار. . ." الحديث كان في أول الإسلام، قبل أن تشرع الأحكام، فلما شُرعت، ففرضت الفرائض، وحُرّمت المحرّمات، وجب على الناس التزامها، فمن خالف، فقد عصى، والعصاة متوعّدون بالنار.
لكن تعقّب قوله: "ثم نزلت بعد ذلك إلخ" بأن الصلوات الخمس نزل فرضها قبل هذه الواقعة قطعًا، وظاهره يقتضي أن تاركها لا يُعَذَّب إذا كان موحِّدًا.
[ ١٤ / ٢٩٣ ]
وقيل: المراد أن من قالها مخلصًا لا يترك الفرائض؛ لأن الإخلاص يَحْمِل على أداء اللازم.
وتُعُقِّب بمنع الملازمة.
وقيل: المراد تحريم التخليد، أو تحريم دخول النار المعدَّة للكافرين، لا الطبقة المعدَّة للعصاة.
وقيل: المراد تحريم دخول النار بشرط حصول قبول العمل الصالح، والتجاوز عن السيئ، ذكر هذا كلّه في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح تأويل من أوّله بأن المراد تحريم التخليد، وبه يحصل الجمع بين هذا الحديث، وبين النصوص التي تدلّ على أن بعض العصاة يدخلون النار، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (نَرَى) قال النوويّ -﵀-: ضبطناه بفتح النون، وضمّها. انتهى.
وقوله: (أَنَّ الْأَمْرَ انْتَهَى إِلَيْهَا) أي إلى تلك الفرائض، والأمور الأخرى، يعني أنه نزل بعد هذا الرجاء الواسع فرائض، وواجبات، ومنهيّات، قُرن بها الوعيد والتخويف، فلم يبق على إطلاقه، وأن مجرّد الشهادتين لا يكفي بدون التمسّك بتلك الأمور.
وقوله: (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَغْتَرَّ، فَلَا يَغْتَرَّ) يعني أنه لا يسع المكلّف عدم العمل بتلك الفرائض، والأمور الأخرى؛ اتّكالًا على ما اقتضاه ظاهر هذا الحديث، من أن مجرد الشهادتين دونها يكفي، فإن هذا اغترار خاطئ، وأمنيّة كاذبة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٤٩٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (^١) الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: إِنِّي
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٢٩٤ ]
لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنَا، قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ بَصَرِي قَدْ سَاءَ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: "فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، وَحَبَسْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى جَشِيشَةٍ، صَنَعْنَاهَا لَهُ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ مِنْ زِيَادَةِ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ دَلْوٍ فِي دَارِنَا) قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في "صحيح مسلم"، وزاد في رواية البخاريّ: "مَجّها في وجهي"، قال العلماء: الْمَجُّ طرح الماء من الفم بالتزريق، كما قال:
يَمُجُّ لُعَاعَ الْبَقْلِ فِي كُلِّ مَشْرَبِ
وإنما فعل النبيّ -ﷺ- ذلك مباسطةً للصبيّ، وتأنيسًا له، كما قال: "يا أبا عُمَيْرُ ما فعل النُّغَير؟ " (^١)، ففيه مشروعيّة ملاطفة الصبيان، وتأنيسهم، وإكرام آبائهم بذلك، وجواز المزاح، قال بعضهم: ولعل النبيّ -ﷺ- أراد بذلك أن يحفظه محمودٌ، فينقله كما وقع، فتَحْصُل له فضيلةُ نقل هذا الحديث، وصحة صحبته، وإن كان في زمن النبيّ -ﷺ- مميِّزًا، وكان عمره حينئذ خمس سنين، وقيل: أربعًا.
وفيه أيضًا دليلٌ على جواز سماع الصغير إذا عَقَل، وتثبّت، ثم أدّاه بعد بلوغه. انتهى (^٢).
وقوله: (قَالَ مَحْمُودٌ: فَحَدَّثَنِي عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ) هذه الرواية فيها بيان سماع محمود من عتبان -﵄-.
_________________
(١) رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذيّ من حديث أنس بن مالك -﵁-.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٦١ - ١٦٢ بزيادة من "المفهم" ٢/ ٢٨٥.
[ ١٤ / ٢٩٥ ]
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير الأوزاعيّ.
وقوله: (عَلَى جَشِيشَةٍ) -بجيم، وشينين معجمتين، بينهما ياء تحتانيّة- قال شَمِر: هي أن تُطْحَن الحنطة طَحْنًا قليلًا، ثم يُلْقَى فيها لحمٌ، أو تمرٌ، فتطبخ به، وقال ابن قُتيبة: الخزيرة: هي لحم يُقطع صغارًا، ثم يُصبّ عليها ماءٌ كثيرٌ، فإذا نَضِجَ ذُرّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة، وقال أبو الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حَريرة، وإذا كانت من نُخَالة فهي خزيرة، وقال ابن السكّيت: الخزيرة: اللَّفِيتة من لبن، أو ماء ودقيق، وقال النضر: الخزيرة من النخالة، والحَرِيرة من اللبن. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ هذه ساقها البيهقيّ -﵀- في "السنن الكبرى" (٣/ ٩٦) فقال:
(٤٩٣٨) - أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ الوليد بن مسلم، عن الأوزاعيّ، قال: حدّثني الزهريّ، عن محمود بن الربيع، قال: إني لأعقل مَجّةً مجها رسول اللَّه -ﷺ- من دلو في دارنا، قال محمود: فحدثني عتبان بن مالك، قال: قلت: يا رسول اللَّه، إن بصري قد ساء، وإن الأمطار إذا اشتدّت، وسال الوادي، حال بيني وبين الصلاة في مسجد قومي، فلو صليت في منزلي مكانًا، أتخذه مصلى، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "نعم"، قال: فغدا عليّ رسول اللَّه -ﷺ-، ومعه أبو بكر، فاستأذنا، فأَذِن لهما، فما جلس حتى قال: "أين تُحِبّ أن أصلي في منزلك؟ "، فأشرت له إلى ناحية، فتقدم رسول اللَّه -ﷺ-، فصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين، وحبسنا رسول اللَّه -ﷺ- على جَشِيشة صنعناها له. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.
[ ١٤ / ٢٩٦ ]