وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٦] (٤٩٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي (^٢) مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٢ - (سِمَاك) بن حرب بن أوس بن خالد الباهليّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ في روايته عن عكرمة اضطراب، وتغيّر بآخره [٤] (١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٣ - (مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ) بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو عيسى، أو أبو محمد المدنيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ فاضلٌ [٢] ويقال: وُلد في عهده -ﷺ- (ت ١٠٣) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٣.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٢) وفي نسخة: "ولا بال" بحذف الياء.
[ ١١ / ٣٠٤ ]
٤ - (أَبُوهُ) طلحة بن عبيد اللَّه بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة التيميّ، أبو محمد المدنيّ، أحد العشرة، استُشهد أيّام الجمل (٣٦) وهو ابن (٦٣) تقدم في "الإيمان" سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١٠٩.
وشيوخه الثلاثة تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، فما أخرج له أبو داود وابن ماجه، وأبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وسماك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وقتيبة، فبغلانيّ، والصحابيّ مدنيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدّثنا أبو الأحوص" إشارة إلى اختلاف صيغ أداء شيوخه؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وقد تقدّم بيان ذلك مفصّلًا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن قوله: "أبو الأحوص" تنازعه "أخبرنا"، و"حدّثنا"، فأعمل البصريون الثاني؛ لقربه، والكوفيّون الأول؛ لسبقه، كما تقدّم غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: سماك، عن موسى، ورواية الابن، عن أبيه.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة -﵃-، وغاب عن بدر، فضرب له النبيّ -ﷺ- بسهمه وأجره، وشهد أُحُدًا، وأبلى فيه، فكان أبو بكر -﵁- إذا ذُكر يوم أحد يقول: ذاك يومٌ كلُّه لطلحة، وكانت يده شلاء؛ وقى بها النبيّ -ﷺ- فيه -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ) طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ
[ ١١ / ٣٠٥ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا وَضَعَ) بالبناء للفاعل (أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمامه، وفي رواية أبي عوانة في "مسنده" من طريق زائدة، عن سماك: "ليجعل أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، ثم لْيُصلّ".
قال في "المرعاة": وهذا مطلق، وقد ورد في حديث بلال -﵁- أن النبيّ -ﷺ- صلّى في الكعبة، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع، فينبغي للمصلّي أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاثة أذرع، وقال البغويّ: استَحَبّ أهل العلم الدنوّ من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر إمكان السجود، وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنوّ منها. انتهى (^١).
أخرج الإمام أحمد، وأبو داود والنسائيّ، بإسناد صحيح، عن سهل بن أبي حَثْمَة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَة فَلْيَدْنُ منها، لا يقطعِ الشيطانُ عليه صلاته".
(مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ) بنصب "مثل" على المفعوليّة لـ "وَضَعَ"، أي يضع سُترةً مثلَها.
قال النوويّ -﵀-: "الْمُؤْخِرة" -بضم الميم، وكسر الخاء، وهمزة ساكنة- ويقال: بفتح الخاء، مع فتح الهمزة، وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة، وتخفيف الخاء، ويقال: آخرة الرحل، بهمزة ممدودة، وكسر الخاء، فهذه أربع لغات، وهي العود الذي في آخر الرحل. انتهى (^٢).
وعبارة "القاموس" و"شرحه": والآخِرَةُ من الرَّحْلِ: خلاف قَادِمَتِهِ، وكذا من السرج، وهي التي يَستَنِدُ إليها الراكب، والجمع: الأواخرُ، وهذه أفصح اللغات، كما في "المصباح"، كآخِرِهِ، من غير تاءٍ، ومُؤَخَّره، كمُعَظَّم، ومُؤَخَّرته، بزيادة التاء، وتُكسر خاؤهما، مخفَّفَةً، ومُشَدَّدَةً، أمّا الْمُؤْخِرُّ، كمُؤْمِنٍ، فلغة قليلةٌ، وقد جاء في بعض روايات الحديث، وقد منع منها بعضهم، والتشديدُ مع الكسر أنكره ابن السِّكِّيتِ، وجعله في "المصباح" من اللحن. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المرعاة" ٢/ ٤٨٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٦.
(٣) "القاموس" مع شرحه "تاج العروس" ٣/ ٩.
[ ١١ / ٣٠٦ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تحصّل من مجموع ما سبق أن لآخرة الرحل ثماني لغات: آخرةٌ كقائمةٍ، وآخرٌ كقائمٍ، ومُؤَخَّرٌ، ومُؤَخَّرَةٌ، بصيغة اسم المفعول المضعَّف، كمُعَظَّمٍ ومُعَظَمَةٍ، وَمُؤَخِّرٌ، ومؤَخِّرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المضعّف، كمُعَلِّمٍ، ومُعَلِّمَةٍ، ومُؤْخِرٌ، ومُؤْخِرَةٌ، بصيغة اسم الفاعل المخفّف، كمُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وأفصحها آخرةٌ.
ومعناه: العُودُ الذي يستند إليه الراكب من كُور البعير، قال الحافظ -﵀-: اعتبَرَ الفقهاء مُؤْخِر الرحل في مقدار أقلّ السترة، واختَلَفُوا في تقديرها، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراع، وهو أشهر، لكن في مصنّف عبد الرزّاق عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع، وقال النوويّ: في هذا الحديث بيان أن أقلّ السترة مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصُل بأي شيء أقامه بين يديه، قال: وليس في هذا الحديث دليلٌ على بطلان الخطّ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن لم يدلّ على بطلان الخطّ إلا أن الخطّ لا يصحّ حديثه، فلا ينبغي أن يفعله المصلّي، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي) بإثبات الياء، فـ "لا" نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، وفي بعض النسخ بحذف الياء، وعليه فـ "لا" ناهية، جُزم بها الفعل، والفاعل ضمير "أحدكم".
قال الفيّوميّ -﵀-: وقولهم: لا أباليه، ولا أبالي به: أي لا أهتمّ به، ولا أكْتَرِثُ له، ولم أبال، ولم أُبَلْ للتخفيف، كما حذفوا الياء من المصدر، فقالوا: لا أباليه بَالَةً، والأصلُ باليَةً، مثلُ عافاه مُعافاةً وعافيةً، قالوا: ولا يُستعمل إلا مع الْجَحْد، والأصل فيه قولهم: تبَالَى القومُ: إذا تبادروا إلى الماء القليل، فاستَقَوا، فمعنى "لا أبالي": لا أُبادر إهمالًا له. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- (^١).
(مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ") "من" موصولة في محلّ نصب على المفعوليّة،
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٢.
[ ١١ / ٣٠٧ ]
والمعنى: لا يبالي المصلّي بمرور أحد وراء السترة، من المرأة، أو نحوها، ولا يلزمه دفعه، لإشارة، أو غيرها؛ لأنه لا يضرّه بقطع صلاته.
ويحتمل أن يكون "مَنْ مَرّ" مرفوعًا على الفاعليّة لـ "يبالي"، والمعنى: أن مَن مرّ وراء تلك السترة، لا يبالي بذلك؛ لجواز ذلك له، فلا يلحقه به إثم.
ولفظ أبي داود: "إذا جعلت بين يديك مثلَ مؤخرة الرَّحْل، فلا يضُرّ مَن مرّ بين يديك".
قال في "المنهل": قوله: "فلا يضرّ من مرّ بين يديك"، يعني لا ينقص من ثواب صلاتك من مرّ خلف السترة، حال صلاتك بخلاف من مرّ بينك وبينها، وأخبر -ﷺ- بنفي الضرر؛ لأنه قد فَعَلَ ما يُؤْذِنُ بأنه يصلّي، وهو وضعُ السترة، فالمراد بالضرر نقص الصلاة، وفيه إشعارٌ بأن من وضع السترة بين يديه لا ينقص من ثواب صلاته شيء بمرور من مرّ بين السترة والقبلة، ويحصُل النقص إذا لم يتّخذ سُترةً، وكذا إذا مَرّ المارّ بينه وبين السترة. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١١٦ و١١١٧] (٤٩٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٨٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٥)، و(ابن ماجه) فيها (٩٤٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٢٩٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٧٩ و٢٣٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٢٠٢ و١١٠٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ١٤٩)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع "المنهل العذب المورود في شرح سنن أبي داود" ٥/ ٧٧.
[ ١١ / ٣٠٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة اتخاذ السترة للمصلّي.
٢ - (ومنها): بيان أقلّ مقدار الستّرة، وهو قدر مُؤخرة الرحل، قال النوويّ -﵀-: وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخِرَة الرَّحْل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع، ويحصل بأيّ شيء أقامه بين يديه هكذا، وشرط مالك: أن يكون في غلظ الرمح.
قال: قال أصحابنا: ينبغي له أن يدنو من السترة، ولا يزيد ما بينهما على ثلاث أذرع، فإن لم يجد عصًا ونحوها، جمع أحجارًا أو ترابًا، أو متاعه، وإلا فليبسط مصلى، وإلا فليخطّ الخطّ، وإذا صلى إلى سترة منع غيره من المرور بينه وبينها، وكذا يمنع من المرور بينه وبين الخط، ويحرُم المرور بينه وبينها، فلو لم تكن له سترةٌ، أو تباعد عنها، فقيل: له منعه، والأصح أنه ليس له؛ لتقصيره، ولا يحرم حينئذ المرور بين يديه، لكن يُكْره، ولو وجد الداخلُ فُرْجةً في الصف الأول، فله أن يَمُرّ بين يدي الصف الثاني، ويَقِف فيها؛ لتقصير أهل الصف الثاني بتركها، والمستحب أن يَجعل السترة عن يمينه أو شماله، ولا يصمُد لها؛ لما أخرجه أحمد، وأبو داود بسند ضعيف، عن ضُباعة بنت المقداد بن الأسود، عن أبيها، أنه قال: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صَلَّى إلى عَمُود، ولا عُود، ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن والأيسر، ولا يَصْمُد له صَمْدًا (^١). انتهى كلام النوويّ بزيادة (^٢).
٣ - (ومنها): بيان أن من صلّى إلى سترة لا يضرّ صلاته مرور من مرّ بينها وبين القبلة.
٤ - (ومنها): بيان أن من لم يتّخذ سترة تتضرّر صلاته بمرور المارّ، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك.
٥ - (ومنها): ما قال العلماء: الحكمة في مشروعيّة اتّخاذ الستة منع المرور بين يدي المصلّي، وقيل: كفّ النظر عما وراء السترة.
_________________
(١) أي لا يقصدها بالاستقبال، بل يميل إما يمنة، أو يسرة.
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢١٧.
[ ١١ / ٣٠٩ ]
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: والأول أظهر، وأشبه بظواهر النصوص، والْعَنَزَة ونحوها لا تكفّ النظر. انتهى (^١).
٦ - (ومنها): أنه استَدَلّ القاضي عياض بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي، قال: وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد بن حنبل -﵀-، فهو ضعيف.
واختُلِف فيه، فقيل: يكون مُقَوَّسًا، كهيئة المحراب، وقيل: قائمًا بين يدي المصلي إلى القبلة، وقيل: من جهة يمينه إلى شماله، قال: ولم يَرَ مالك -﵀-، ولا عامة الفقهاء الخطّ. انتهى كلام القاضي -﵀-.
قال النوويّ -﵀-: وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضَعْفٌ، واضطرابٌ، واختَلَف قول الشافعيّ -﵀- فيه، فاستحبَّهُ في "سنن حرملة"، وفي القديم، ونفاه في البويطيّ، وقال جمهور أصحابه باستحبابه، وليس في حديث مؤخرة الرحل دليل على بطلان الخط. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه القاضي عياض -﵀-، من أن الخطّ لا يكفي في السترة؛ لأن النبيّ -ﷺ- بَيَّنَ مقدار السترة المشروعة لَمّا سُئل عنها، فلو كان يكفي أقلّ من ذلك، كالخطّ لبينه، فاتّضح بذلك أن ما كان أقلّ من مؤخرة الرحل لا يُعتَبرُ سُترة شرعيّةً، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث الخطّ هو ما أخرجه أبو داود في "سننه"، فقال:
(٦٨٩) حدّثنا مسدد، حدّثنا بشر بن المفضَّل، حدَّثنا إسماعيل بن أمية، حدَّثني أبو عمرو بن محمد بن حُريث، أنه سمع جدَّه حُريثًا يحدث عن أبي هريرة، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا صَلَّى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخطط خطًّا، ثم لا يضرّه ما مرَّ أمامه".
وأخرجه أحمد، وابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه"، والبيهقيّ، وذكر أبو داود عن ابن عيينة قال: لم نجد شيئًا نشدّ به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٢٢.
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢١٦ - ٢١٧.
[ ١١ / ٣١٠ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار ابن عيينة إلى ضعف هذا الحديث، وأنه لا متابع، ولا شاهد له يقؤيه، وكذا ضعّفه الشافعيّ، والبغويّ، وغيرهم.
والحاصل أنه حديث ضعيف؛ لاضطرابه، ولجهالة أبي محمد بن عمرو بن حُريث، وجدّه، فلا يصلح للاحتجاج به.
وأما ما ردّ به الحافظ قول ابن عيينة: "لم نجد شيئًا نشُدّ به هذا الحديث إلخ"، في "نكته على ابن الصلاح" (٢/ ٧٧٣) بأن الطبرانيّ! رواه من حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁-، وفي إسناده أبو هارون العبديّ، وهو ضعيف. انتهى.
فمما لا يُلتَفَت إليه؛ لأن أبا هارون هذا لا يُعتبر به، ففي "التقريب": عُمَارة بن جُوَين -مصغَّرًا- أبو هارون العبديّ مشهور بكنيته، متروكٌ، ومنهم من كذّبه، شيعيّ من الرابعة. انتهى.
فكيف ساغ له أن يردّ برواية هذا المتروك، بل المكذّب قول ابن عيينة المذكور؟ إن هذا لشيء عجيب غريب من الحافظ، ومثلُ هذا أيضًا تحسينه هذا الحديث في "بلوغ المرام" ليس مما ينبغي.
والحاصل أن حديث الخطّ لا يصحّ، ولا يثبت، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه تجد علمًا جمًّا (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم اتّخاذ السترة:
ذهب الأكثرون إلى استحباب اتّخاذها للمصلّي، وإن كان في فضاء.
ورخّصت طائفة من العلماء لمن صلّى في فضاء أن يُصلّي إلى غير سترة، منهم الحسن، وعروة، وكان القاسم، وسالم يصلّيان في السفر إلى غير سترة، وروي عن الإمام أحمد نحوه، نقله عنه الأثرم وغيره، وهو أيضًا مذهب مالك.
ورخّصت طائفة في الصلاة إلى غير سترة مطلقًا، رُوي عن الشعبيّ، قال: لا بأس أن يصلّي إلى غير سترة، وقال ابن سيرين: قلتُ لعبيدة: ما يستر
_________________
(١) "ذخيرة العقبى" ٩/ ١٧٢ - ١٧٧.
[ ١١ / ٣١١ ]
المصلّي، وما يَقطع الصلاة؟ قال: يسترها التقوى، ويقطعها الفجور، قال: فذكرته لشُرَيح، فقال: أطيب لنفسك أن تجعل بين يديك شيئًا، أخرجهما وكيع، ورَوَى بإسناده عن ابن مسعود -﵁- قال: من الجفاء أن يصلّي الرجل إلى غير سترة.
قال ابن رجب -﵀-: وحيث تُستحبّ الصلاة إلى السترة، فليس ذلك على الوجوب عند الأكثرين، وهو المشهور عند أصحاب الإمام أحمد.
ومنهم من قال: هي واجبة، لكن لا تبطل الصلاة بتركها حتى يوجد المرور المبطل للصلاة الذي لأجله شُرِعت السترة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الحقّ قول من قال: بوجوب اتّخاذ السترة مطلقًا، سواء صلّى في البيت، أو في الفضاء هو الحقّ؛ لصحّة الأحاديث بذلك، قولًا وفعلًا.
أما فعلًا فقد أخرج الشيخان وغيرهما أحاديث فعل النبيّ -ﷺ-، كما هو مذكور في أحاديث هذا الباب.
وأما قولًا، فقد أخرج ابن خزيمة، وابن حبّان في "صحيحيهما" عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تُصلِّ إلا إلى سُترة، ولا تَدَع أحدًا يمرّ بين يديك، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان" (^٢).
وأخرج الحاكم عن سبرة بن معبد الْجُهنيّ -﵁- مرفوعًا: "ليستتر أحدكم في صلاته، ولو بسهم"، قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
وأخرج أبو داود، وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة، ولْيَدْنُ منها، ولا يَدَعْ أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحد يمرّ فليقاتله، فإنه شيطان" (^٣).
فقد صحّ أمره -ﷺ-، وهو للوجوب عند جمهور الأصوليين، وصحّ أيضًا فعلًا في الحضر والسفر، فالحقّ أن اتّخاذ السترة واجب مطلقًا.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٢٢.
(٢) "صحيح ابن خزيمة" (٨٠٠)، و"صحيح ابن حبّان" (٢٣٦٢).
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود (٦٩٧)، وابن ماجه (٩٥٤).
[ ١١ / ٣١٢ ]
وأما الذين أجازوا الصلاة بلا سترة مطلقًا، أو في الفضاء، فتردّهم هذه الأحاديث الصحيحة قولًا وفعلًا، ويُمكن أن يُعتذر لهم بأنهم لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة، أو تأوّلوها بما لا يوافقهم فيه غيرهم، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
وقد استوفيت البحث في هذا في "شرح النسائيّ"، فراجعه (^١)، تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي، وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ (^٢) بَيْنَ يَدَيْهِ"، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: "فَلَا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ) هو: عمر بن عُبيد بن أبي أُمية الطَّنافسيّ -بفتح الطاء المهملة، والنون، وبعد الألف فاء مكسورة، ثم سين مهملة- الحنفيّ الإياديّ مولاهم، أبو حفص الكوفيّ، صدوقٌ [٨].
رَوَى عن أبيه، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وسعيد بن مسروق، وسماك بن حرب، والأعمش، ومنصور، وأشعث بن سُليم، وغيرهم.
وروى عنه أخواه: يعلى، وإبراهيم، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابنا أبي شيبة، وعمرو الناقد، ومحمد بن سَلَام البِيكَنديّ، ومحمد بن
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ٩/ ١٧٢ - ١٧٧.
(٢) وفي نسخة: "من مرّ".
[ ١١ / ٣١٣ ]
عبد اللَّه بن نُمير، وأبو كريب، وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، وغيرهم.
قال أحمد بن حنبل: لم نُدرك بالكوفة أحدًا أكبر منه، ومن المطلب بن زياد، وقال ابن معين: صالحٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال ابن سعد: كان شيخًا قديمًا ثقةً، وقال الدارقطنيّ: عمر، ويعلى، ومحمد، أولاد عُبيد كلهم ثقاتٌ، وأبوهم ثقةٌ، وكذا قال الإمام أحمد قبله، وقال عثمان الدارميّ: سألته -يعني ابن معين- عن يعلى، ومحمد؟ فقال: ثقتان، قلت: فعمر؟ قال: ثقةٌ، قلت: كأنه دونهما؟ قال: نعم، وقال العجليّ: عمر أخو يعلى ومحمد، وهو أسن منهما، وهو دونهما في الحديث، وكان صدوقًا، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن سعد وغيره: مات سنة (١٨٥)، وقال ابن حبّان: مات سنة (٨٧) وكذا أَرَّخه خليفة، وهارون بن حاتم، وغير واحد، وقيل: مات سنة (٨)، وذكر ابن زَبْرٍ أنه ولد سنة (١٠٤).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٤٩٩)، وحديث (٢٠٤٩): "الكمأة من المنّ. . . ".
وشيخاه تقدّما في الباب الماضي، والباقون في السند الماضي.
وقوله: (وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو؛ لأن الجملة الواقعة حالًا تارة تربط بالضمير، كجاء زيد يده على رأسه، وتارةً بالواو، كهذا الحديث، وتارةً بهما، كجاء زيد وهو يضحك، إلا المبدوءة بالمضارع المثبت، فإنها تربط بالضمير فقط، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ "جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ"
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
وقوله: (فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي سألناه عن حكمه، هل الصلاة جائزة، أم لا؟.
[ ١١ / ٣١٤ ]
وقوله: (مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ) "مثلُ" مبتدأ خبره جملة "تكون إلخ"، و"تكون" يَحْتَمِل أن تكون تامّة، بمعنى توجد، و"بين" ظرف متعلّقٌ بها، يعني أنها تُركَز أمامكم، ويَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، وخبرها الظرف، أي تكون قائمةً بين يدي أحدكم.
وقوله: (مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ) "ما" موصولة، عامّة للعقل وغيره، أي لا يضرّه الشيء الذي مرّ أمامه، من إنسان، أو دابّة، وفي بعض النسخ: "مَنْ مرّ"، وفيه تغليب العاقل، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت فيما قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٨] (٥٠٠) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيَدَ) المقرئ (^١)، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢٣٢) بمكة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) مِقْلاص، أبو يحيى الخُزاعيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
_________________
(١) [تنبيه]: وقع في برنامج الحديث هنا غلط، حيث ترجم هنا لعبد اللَّه بن يزيد مولى الأسود بن سفيان المقرى المدنيّ، شيخ مالك، والصواب ما هنا، وذلك لأن مولى الأسود متقدّم من الطبقة السادسة، ما أدركه زهير بن حرب، ولا ابن نمير؛ لأنه مات سنة (١٤٨) وزهير ولد سنة (١٦٠) أي بعد موته بنحو اثنتي عشرة سنة، وقد وقع لهم قبل هذا نفس الغلط في الحديث المتقدّم في "المقدمة" رقم (٤/ ١٥) ونبّهت عليه هناك، وكذلك في الحديث المتقدم في "الصلاة" رقم (٣١/ ١٠٠٠)، وسيأتي كذلك أسانيد أخرى وقع فيها نفس الغلط، وجملة ما وقع فيه الغلط (١٨) حديثًا، فتنبّه لهذا الغلط الكثير، وباللَّه تعالى التوفيق.
[ ١١ / ٣١٥ ]
٤ - (أَبُو الْأَسْوَدِ) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسديّ المدنيّ، يتيم عُروة، ثقةٌ [٦] مات سنة بضع وثلاثين ومائة (ع) تقدم في "الطهارة" ٩/ ٥٧٣.
٥ - (عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوّام بن خُويلد الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه مشهورٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، ذُكرت في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الثاني مسلسلٌ بالمدنيين، وشيخه نسائيّ، ثم بغداديّ، وعبد اللَّه بن يزيد مكيّ، وسعيد مصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا الأسود محمد بن عبد الرحمن، يقال له: يتيم عروة؛ لأن أباه كان أوصى به إلى عروة، وكان جدّه الأسود من مهاجري الحبشة.
٥ - (ومنها): أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة المجموعين في قول بعضهم:
إِذَا قِيلَ مَنْ فِي الْعِلْمِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ … مَقَالَتُهُمْ لَيْسَتْ عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ
فَقُلْ هُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ … سَعِيدٌ أَبُو بَكْرٍ سُلَيْمَانُ خَارِجَهْ
٦ - (ومنها): أن عائشة -﵂- من المكثرين السبعة المجموعين في قولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الأَبَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ الآخِرُ
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵄- (أَنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) زاد في الرواية التالية: "في غزوة تبوك" (عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟) أي عن مقدار ما يكفي أن يكون
[ ١١ / ٣١٦ ]
ساترًا للمصلي عما يقطع صلاته (فَقَالَ) -ﷺ- ("مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ") برفع "مثلُ" بتقدير مبتدأ، أي هي مثلُ مؤخِرة الرحل، أو مبتدأ حُذف خبره، أي مثلُ مؤخرة الرحل يكفي في السترة، وتقدّم ضبط "مؤخرة" في الحديث الماضي، ومعناها: العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب، من كور البعير، وقُدّر بعظم الذراع.
و"الرَّحْلُ" بفتح، فسكون: مَرْكبٌ للبعير، كالرَّاحُول، جمعه أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ، أفاده في "القاموس" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١١٨ و١١١٩] (٥٠٠)، و(النسائيّ) في "الصلاة" (٢/ ٦٢ رقم ٧٤٦) وفي "الكبرى" رقم (٨٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٤ و١١٠٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١١٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، عَنْ سُتْرَةِ الْمُصَلِّي؟ فَقَالَ: "كمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صفوان بن مالك التُجيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ٣/ ٣٨٣.
[ ١١ / ٣١٧ ]
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ) بفتح التاء، وضمّ الموحّدة، قال الفيّوميّ -﵀-: باكت الناقة تَبُوك بَوْكًا: سَمِنَتْ، فهي بائكٌ بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غزوة تبوك؛ لأن النبيّ -ﷺ- غزاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خاليةً عن البؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة "تَبُوكَ" بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريبٌ من مدين الذين بعث اللَّه تعالى إليهم شُعيبًا ﵇. انتهى (^١). والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تخريجه في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٠] (٥٠١) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ، أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ، فَتُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا، وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ، فَمِنْ ثَمَّ اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سُنيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد اللَّه بن نُمير المذكور في السند الماضي.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] مات سنة (بضع و١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٦٦.
[ ١١ / ٣١٨ ]
٥ - (نَافِع) مولى ابن عمر، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) هو: عبد اللَّه بن عمر بن الخطّاب الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات في أول سنة (٧٣) أو أول (٧٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلّهم رجال الجماعة.
٢ - (ومنها): أن شيخه الأول أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بلا واسطة، وهم تسعة، نظمتهم بقولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ الْبَارِعِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
وقد تقدَّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من عُبيد اللَّه، وابن المثنّى بصريّ، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عبيد اللَّه، عن نافع.
٥ - (ومنها): أن ابن عمر -﵄- ذو مناقب جمّة، أحد المكثرين السبعة، كما تقدّم في الحديث الماضي، ومن أشدّ الناس اتّباعًا للأثر، ومن العبادلة الأربعة المجموعين في قول السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث":
وَالْبَحْرُ وَابْنَا عُمَرٍ وَعَمْرِو … وَابْنُ الزُّبَيْرِ فِي اشْتِهَارٍ يَجْرِي
دُونَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَهُمْ عَبَادِلَهْ … وَغَلَّطُوا مَنْ غَيْرَ هَذَا مَالَ لَهْ
وقد تقدّم هذا غير مرّة، وإنما أعدته تذكيرًا؛ لطول العهد به، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٣١٩ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ) أي لأجل أداء صلاة العيد في الصحراء؛ لأنه -ﷺ- يصلّي العيد خارج المسجد (أَمَرَ بِالْحَرْبَةِ) أي أمر خادمه بحمل الحربة، وهي -بفتح الحاء المهملة، وسكون الراء-: دون الرُّمح، عَريضة النَّصْل.
وفي رواية للبخاريّ في "العيدين" من طريق الأوزاعيّ، عن نافع: "كان يغدو إلى المصلَّى، والْعَنَزَة تُحْمَل، وتُنْصَب بين يديه، فيصلي إليها"، زاد ابن ماجه، وابن خزيمة، والإسماعيليّ: "وذلك أن المصلَّى كان فَضَاءً، ليس فيه شيء يستره".
(فَتُوضَعُ) أي تلك الحَرْبة (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي أمام النبيّ -ﷺ- (فَيُصَلِّي إِلَيْهَا) أي إلى تلك الحربة؛ لتستره عن المارّة، وفيه مشروعيّة اتّخاذ السترة للمصلّي، وفي تعبيره بـ "كان" دلالةٌ على أنه كان يلازم ذلك.
(وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، والرابط الواو والضمير، ويَحْتَمل أن يكون "الناس" معطوفًا على الفاعل الضمير؛ للفصل بالجارّ والمجرور، كما قال في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
(وَكَانَ) -ﷺ- (يَفْعَلُ ذَلِكَ) أي الأمر بالحربة، ونصبها بين يديه، والصلاة إليها، وذلك حيث لا يكون جدار هنا (فِي السَّفَرِ) أي في حال خروجه من بيته للغزو، أو للنسك، يعني أن حمل الحربة، ونصبها عند الصلاة ليس مختصًّا بيوم العيد (فَمِنْ ثَمَّ) -بفتح الثاء المثلّثة، وتشديد الميم- أي من أجل ذلك (اتَّخَذَهَا الْأُمَرَاءُ) أي أمر الأمراء خَدَمهم باتّخاذ الحربة، يُخرج بها بين أيديهم في العيد ونحوه، والضمير في "اتَّخذها" يَحْتَمِل عوده إلى الحربة التي اتّخذها النبيّ -ﷺ-، يعني أن الأمراء كانوا يداولونها واحدًا بعد واحد، ويَحْتَمِلُ أن يعود إلى جنس الحربة، فيكون فيه استخدام (^١).
_________________
(١) راجع: "المنهل العذب المورود" ٥/ ٧٨.
[ ١١ / ٣٢٠ ]
[تنبيه]: اختُلف في الحربة التي كان يضعها النبيّ -ﷺ- أمامه للصلاة، فقيل: هي التي أهداها له النجاشيّ، فقد رَوَى عُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" من حديث سعد القَرَظ: أن النجاشيّ أهدى إلى النبيّ -ﷺ- حربةً، فأمسكها لنفسه، فهي التي يُمْشَى بها مع الإمام يوم العيد.
وقيل: كانت لرجل من المشركين، يدلّ عليه ما رُوي من طريق الليث أنه بلغه أن العنزة التي كانت بين يدي النبيّ -ﷺ- كانت لرجل من المشركين، فقتله الزبير بن العوّام -﵁- يوم أُحُد، فأخذها منه النبيّ -ﷺ-، فكان يَنصِبها بين يديه إذا صلى.
ويَحَتَمِل الجمع بأن عَنَزَة الزبير كانت أوّلًا قبل حربة النجاشيّ، أفاده في "الفتح" (^١).
[تنبيه آخر]: أخرج الإمام ابن ماجه حديث الباب، فجعل قوله: "فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء" من قول نافع، ونصّه:
(١٣٠٥) حدّثنا سُوَيد بن سعيد، حدّثنا عليّ بن مُسهِر، عن عبيد اللَّه، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان النبيّ -ﷺ- إذا صلى يوم عيد، أو غيره، نُصِبت الْحَرْبة بين يديه، فيصلي إليها، والناس من خلفه، قال نافع: فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء انتهى.
قال في "الفتح": هذه الجملة الأخيرة -يعني قوله: "فمن ثَمّ اتّخذها الأمراء"- فَصَلَها عليّ بن مُسْهِر من حديث ابن عمر -﵄-، فجعلها من كلام نافع، كما أخرجه ابن ماجه، وأوضحته في "كتاب المدرج". انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٠ و١١٢١] (٥٠١)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٩٤ و٤٩٨ و٩٧٢)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٨٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٦٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٣ و١٨ و٩٨ و١٠٦ و١٤٥ و١٥١)،
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٨٣.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٨٣.
[ ١١ / ٣٢١ ]
و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٩٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٧٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠٦ و١٤٠٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٦ و١١٠٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة اتّخاذ السترة للصلاة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الاحتياط، وأخذ آلة دفع الأعداء، ولا سِيَّما في السفر.
٣ - (ومنها): جواز الاستخدام، وأمر الخادم بنصب السترة، ونحو ذلك.
٤ - (ومنها): أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال في "العمدة": وادّعى بعضهم فيه الإجماع، نقله ابن بطّال (^١)، وقد ترجم عليه الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال: "بابُ سترة الإمام سترة من خلفه"، فأورد أحاديث ابن عبّاس، وابن عمر، وأبي جحيفة -﵃- المذكورة في هذا الباب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٥ - (ومنها): استحباب اتّخاذ الْحَربة في السفر؛ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، كما اتّخذها الأمراء من بعده، لكن قال الحافظ ابن رجب -﵀- ما نصّه: وما ذُكر في حديث ابن عمر -﵄- من اتّخاذ الأمراء لها، فالأمراء الذين عناهم في زمنه إنما اتّخذوها تعاظمًا وكبرًا، ولم يتّخذوها لأجل الصلاة، كما كان النبيّ -ﷺ- يتّخذها للصلاة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قال ابن رجب -﵀-، وهو على إطلاقه محلّ نظر، فإن الأمراء فيهم أهل خير وصلاح، ومن يريد الخير واتّباع السنّة، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (ومنها): "مشروعيّة اتّخاذ السترة لمن يُصلّي في الفضاء، قال ابن قُدامة -﵀-: يُسْتَحبّ للمصلي أن يصلي إلى سترة، فإن كان في مسجد، أو بيت صلى إلى الحائط، أو سارية، وإن كان في فضاء صلى إلى شيء شاخص بين
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٤٠٤.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٢١.
[ ١١ / ٣٢٢ ]
يديه، أو نَصَب بين يديه حَرْبةً، أو عصى، أو عَرَض البعير، فصلى إليه، أو جعل رَحْله بين يديه، وسئل أحمد: يصلي الراحل إلى سترة في الحضر والسفر؟ قال: نعم، مثل مؤخرة الرحل، ولا نعلم في استحباب ذلك خلافًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ترجيح القول بوجوب اتّخاذ السترة، لقوّة أدلّته، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى في شرح حديث طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-، فراجعه تستفد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم هل سترة الإمام سترة لمن خلفه أم لا؟:
قال ابن قُدامة -﵀- ما حاصله: سترة الإمام سترة لمن خلفه، نَصّ على هذا أحمد، وهو قول أكثر أهل العلم، كذلك قال ابن المنذر، وقال الترمذيّ: قال أهل العلم: سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال أبو الزناد: كلُّ من أدركت من فقهاء المدينة الذين يُنْتَهَى إلى قولهم: سعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، وسليمان بن يسار، وغيرهم يقولون: سترة الإمام سترة لمن خلفه.
ورُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، والأوزاعيّ، ومالك، والشافعيّ، وغيرهم.
وذلك لأن النبيّ -ﷺ- "صَلَّى إلى سترة"، ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى، وفي حديث ابن عباس -﵄- قال: "أقبلت راكبًا على حمارٍ أَتَانٍ، والنبيّ -ﷺ- يصلي بالناس بمنى إلى غير جدارٍ، فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، فأرسلت الأتان تَرْتَع، فدخلت في الصفّ، فلم يُنْكِر عليّ أحدٌ"، متّفقٌ عليه.
ومعنى قولهم: سترةُ الإمام سترة لمن خلفه، أنه متى لم يَحُلْ بين الإمام وسترته شيء، يقطع الصلاة فصلاة المأمومين صحيحة، لا يضرُّها مرور شيء
_________________
(١) "المغني" لابن قُدامة -﵀- ٢/ ٦٦ - ٦٧.
[ ١١ / ٣٢٣ ]
بين أيديهم في بعض الصفّ، ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مَرّ ما يَقطَع الصلاة بين الإمام وسترته، قَطَع صلاته وصلاتهم، وقد دلّ على هذا ما رَوَى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هَبَطنا مع النبيّ -ﷺ- من ثَنِيّة أَذَاخِر، فحضرت الصلاة، يعني فصلَّى إلى جدار، فاتخذه قبلة، ونحن خلفه، فجاءت بَهْمَةٌ تمرّ بين يديه، فما زال يُدارؤها حتى لَصِقَ بطنه بالجدار، ومرّت من ورائه" (^١).
فلولا أن سترته سترةٌ لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرقٌ. انتهى كلام ابن قُدامة -﵀-.
وقال الإمام ابن رجب -﵀- ما ملخّصه: قول جمهور العلماء أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، قال ابن المنذر: رُوي ذلك عن ابن عمر، وبه قال النخعيّ، ومالكٌ، والأوزاعيّ، وأحمد. انتهى.
ومنهم من قال: الإمام سترة لمن خلفه، وهو قول طائفة من أصحاب مالك.
قال: ومعنى كون سترة الإمام سترة لمن خلفه أن المأمومين لا يُشرع لهم أن ينصبوا بين أيديهم سترة غير سترة إمامهم، وأنه لا يضرّهم من مرّ بين أيديهم إذا لم يمرّ بين يدي إمامهم، ويدلّ على ذلك أيضًا ما روى هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: هبطنا مع النبيّ -ﷺ-. . . فذكر الحديث الماضي، قال: وهذا يدلّ على أن المرور بين الإمام وسترته محذورٌ بخلاف المرور بين يدي من خلفه إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، وأما جواز المرور بين يدي المأمومين إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، ففيه قولان: أحدهما: أنه منهيّ عنه أيضًا، نصّ عليه أحمد في رواية الأثرم.
والقول الثاني: جوازه من غير كراهة، وأنه غير داخل في النهي، قال: وذكر ابن عبد البرّ في "التمهيد" أن المأموم لا يدفع من مرّ بين يديه، وقال: لا أعلم بين أهل العلم فيه خلافًا، وذكر في "الاستذكار" أن مالكًا يرخّص في ذلك لمن لم يجد منه بُدًّا، وأن غيره لا يرى به بأسًا، يعني بكلّ حال، سواء
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود برقم (٧٠٨).
[ ١١ / ٣٢٤ ]
اضطرّ إليه أو لا؛ لحديث ابن عبّاس -﵄-، قال: وقد قدّمنا أن الإمام سترة لمن خلفه، فالماشي خلفه أمامَ الصفّ كالماشي خلفه دون صفّ.
قال: وحكي عن أحمد أن من كان بين يديه فرجة فلا يكره له أن يمشي عَرْضًا بين الصفوف حتى يقوم فيها، قال: وهذا قول ثالث بالرخصة في ذلك لحاجة إليه، وإن لم يكن ضرورةً.
وذهبت طائفة من العلماء إلى أن سترة الإمام ليست سترة لمن خلفه من المأمومين، فروى الْجُوزَجانيّ وغيره من طريق ابن سيرين أنه بلغه أن الحكم الغفاريّ أمّ جيشًا، وأنه كان بين يديه رُمحٌ، فمرّ به ما يقطع الصلاة، فأعاد بالقوم الصلاة، فلما انصرف ذُكر ذلك له، فقال: أوَ لم تروا إلى ما مرّ بين أيدينا؛ فأنا ومن يليني قد سترنا الرمح، فإنما أعدت الصلاة من أجل العامّة، قال ابن المنذر في كتابه الكبير: ورُوي عن عطاء نحوه.
وروى عُمر بن شَبّة في كتاب "أخبار قضاة البصرة" بسنده عن يونس، قال: كان موسى بن أنس يصلّي بالناس في صحن المسجد، فكان كلبٌ يمرّ بين أيديهم، فسألوا الحسن؟ فقال: أما الإمام، ومن كان إلى سارية، ومن كان خلف الصفّ، فلا يُعيد، ومن كان بين السواري فليُعد. انتهى مختصر كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق من عرض أقوال العلماء، وأدلتهم أن الأرجح أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، كما هو مذهب الجمهور، ومذهب الإمام البخاريّ أيضًا، فقد ترجم عليه في "صحيحه"، فقال: "باب سترة الإمام سترة لمن خلفه"؛ وذلك لقوّة حجته، كحديث مرور ابن عبّاس -﵄- بين يدي بعض الصفّ راكبًا أتانًا، ولم يُنكر ذلك عليه، وحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه -﵁- المتقدّم.
والحاصل أن سترة الإمام سترة لمن خلفه من الصفوف، فلا يضرّهم مَن مرّ بين أيديهم إذا كانت سترة الإمام محفوظةً، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ١٢ - ١٨.
[ ١١ / ٣٢٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢١ (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَرْكُزُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ الْعَنَزَةَ، وَيُصَلِّي إِلَيْهَا، زَادَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: وَهِيَ الْحَرْبَةُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبديّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
والباقون تقدّموا في الباب، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد اللَّه بن نمير.
وقوله: (كَانَ يَرْكُزُ) بضمّ الكاف، وكسرها، يقال: رَكَز الرمحَ يَرْكُزُهُ وَيَرْكِزُهُ رَكْزًا، من بابي نصر وضرب: غَرزه وأثبته في الأرض، والْمَرْكِز وزانُ مَسْجِدٍ، وتفتح الكاف أيضًا: موضع الثبوت (^١).
وقوله: (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَغْرِزُ) يعني أن شيخه أبا بكر بن أبي شيبة قال في روايته بدل قول ابن نُمير: "يركز": "يغرز" مضارع غَرَزَ، يقال: غَرَزَه غَرْزًا، من باب ضرب: أثبته بالأرض، وأغرزته بالألف لغة، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقوله: (الْعَنَزَةَ) بالنصب على المفعوليّة، تنازعه "يركز"، و"يغرِز"، وهي بفتحتين: عصًا أقصر من الرمح، ولها زُجٌّ من أسفلها، والجمع عَنَزٌ، وعَنَزَاتٌ، مثلُ قَصَبة وقَصَبٍ وقَصَبَات (^٣).
وقوله: (وَهِيَ الْحَرْبَةُ) يعني أن الْعَنَزة هي الحربة، قال في "القاموس": الْحَرْبَةُ: الأَلَّةُ، جمعها حِرَابٌ (^٤)، وقال في مادّة "أَلّ" ما حاصله: الأَلّةُ: الْحَرْبَةُ الْعَرِيضة النّصْلِ، جمعها أَلّ. انتهى (^٥). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "المصباح"، و"القاموس"، و"اللسان" في مادّة "ركز".
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٥.
(٣) "المصباح" ٢/ ٤٣٢.
(٤) "القاموس المحيط" ١/ ٥٣.
(٥) راجع: "القاموس" ٣/ ٣٣٠.
[ ١١ / ٣٢٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٢] (٥٠٢) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْرِضُ (^١) رَاحِلَتَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي إِلَيْهَا (^٢) ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيبانيّ، أبو عبد اللَّه المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة الأعلام، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ مجتهدٌ، رأس [١٠] (ت ٢٤١) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) بن طرخان التيميّ، أبو محمد البصريّ، يُلقّب بالطفيل، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ١٨٧) وقد جاوز (٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٥.
والباقون تقدّموا قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أن فيه أحد الأئمة الأربعة، وإمام السنة، ورأس المحدثين أحمد بن حنبل -﵀-، وروى عنه المصنّف في هذا الكتاب نحو تسعة عشر حديثًا، وقد تقدّم له قبل هذا حديثان، برقم (١٦٦) و(٢١٥).
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّم قبله، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) -﵄- ("أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْرِضُ) بفتح الياء، وكسر الراء، ورُوي بضم الياء، وتشديد الراء، ومعناه: يجعلها معترضة بينه وبين القبلة، قاله النوويّ -﵀- (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: "يُعَرِّض" بضم أوله، وتشديد الراء.
(٢) وفي نسخة: "ويصلّي إليها".
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٨.
[ ١١ / ٣٢٧ ]
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قوله: "يعرض راحلته" -بكسر الراء-: أي يُنيخها معترضةً بينه وبين جهة القبلة، وفيه لغة أخرى "يَعْرُضُ" بضمّ الراء، ذكرها صاحب "كشف المشكل". انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
وفي بعض النسخ: "يُعَرِّض" مضبوطًا بالقلم بضمّ أوله، وكسر رائه المشدّدة، من التعريض، أي يجعلها عَرْضًا، وهذا هو الذي ذكره في "الفتح" (^٢)، و"العمدة" (^٣).
وقوله: (رَاحِلَتَهُ) بالنصب على المفعوليّة، قال الفيّوميّ -﵀-: الراحلة: الْمَرْكَبُ من الإبل ذكرًا كان أو أُنثى، وبعضهم يقول: الراحلةُ: الناقة التي تصلح أن تُرْحَلَ، وجمعها رَوَاحلُ، ورَحَلْتُ البعيرَ رَحْلًا، من باب نَفَعَ: شددتُ عليه رَحْلَهُ، وأرحلتُ فلانًا بالألف: أعطيته راحلةً. انتهى بتصرّف (^٤).
وقوله: (وَهُوَ يُصَلّي إِلَيْهَا") يحتمل أنها جملة معطوفة على جملة "يعرض"، ويَحْتَمِل أن تكون في محلّ نصب على الحال، وهي من الحال المقدّرة، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي مقدّرين الخلود؛ لأن الخلود لا يكون إلا بعد الدخول، والمعنى هنا أنه يعرض راحلته، مُقَدّرًا الصلاة إليها.
وفي بعض النسخ: "ويصلي إليها"، بحذف "هو"، فيكون معطوفًا على "يعرض"، وفي رواية البخاريّ: "فيُصلّي إليها" بالفاء.
[تنبيه]: هذا الحديث اختصره المصنّف، وقد ساقه البخاريّ مطوّلًا، فقال:
(٥٠٧) حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدَّميّ، حدّثنا معتمر، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يعرض راحلته، فيصلي إليها، قلت: أفرأيت إذا هَبَّت الركاب؟ قال: كان يأخذ هذا الرحل، فَيُعَدِّله، فيصلي إلى آخرته، أو قال: مُؤَخَّره، وكان ابن عمر يفعله. انتهى.
وقوله: "هبّت الركاب" معناه: قامت الإبل للسير، قاله الهرويّ وغيره، ويقال للنائم إذا قام من النوم: هبّ من منامه.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٦٨.
(٢) ١/ ٦٩١.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ٤١٩.
(٤) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
[ ١١ / ٣٢٨ ]
والمراد إذا لم يكن عنده إبل باركةٌ يستتر بها.
وقال الخطّابيّ: هَبّت: أي هاجت، يقال: هبّ الفحل هَبِيبًا: إذا هاج، قال: يريد أن الإبل إذا هاجت لم تهدأ، ولن تقرّ، فتفسد على المصلّي إليها صلاته.
قال ابن رجب: وهذا الذي قاله في غاية البعد، وإن كان محتملًا في اللفظ، فليس هو المراد في الحديث.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أنه لا بُعد فيما قاله الخطّابيّ، وهو الذي اعتمده الحافظ في "الفتح"، والعينيّ في "العمدة"، فتأمّله، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: "يأخذ الرحل": رحلُ البعير هو ما على ظهره مما يُركب عليه، والراحلة هي ما يرتحله الرجل، أي يركبه في ارتحاله، بعيرًا كان، أو ناقةً، قاله الأزهريّ وغيره، ومنه قوله -ﷺ-: "تجدون الناس كإبلٍ مائةٍ، لا يجد الرجل فيها راحلةً"، متّفقٌ عليه.
وقوله: "فيعدله" بفتح الياء، وكسر الدال، قال الخطّابيّ: أي يقيمه تلقاء وجهه.
و"آخرة الرحل" بكسر الخاء: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب على الرحل، وقد سبق الخلاف في تقديرها، هل هي ذراعٌ تامّ بالذراع الذي يُذرع به، أو ذراع بعظم الإنسان، وهو نحو ثلثي ذراع مما يُذرع به؟ ذكره ابن رجب -﵀-.
وقال الحافظ -﵀-: اعتَبَر الفقهاء مُؤَخَّرة الرحل في مقدارِ أقلِّ السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك، فقيل: ذراع، وقيل: ثلثا ذراغ، وهو أشهر، لكن في "مصنف عبد الرزاق"، عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "قلتُ: أفرأيت" ظاهره أنه كلام نافع، والمسؤول ابن عمر، لكن بَيّن الإسماعيليّ من طريق عَبِيدة بن حُميد، عن
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀٤/ ٦٨ - ٧٠، و"فتح الباري" لابن حجر -﵀- ١/ ٦٩٢.
[ ١١ / ٣٢٩ ]
عبيد اللَّه بن عمر، أنه كلام عبيد اللَّه، والمسئول نافع، فعلى هذا هو مرسل؛ لأن فاعل "يأخذ" هو النبيّ -ﷺ-، ولم يدركه نافع.
وقوله: "هَبّت الركاب" أي هاجت الإبل، يقال: هَبّ الفحل: إذا هاج، وهَبّ البعير في السير: إذا نَشِطَ، و"الرِّكَاب": الإبل التي يُسار عليها، ولا وأحد لها من لفظها، والمعنى: أن الإبل إذا هاجت شَوَّشت على المصلي؛ لعدم استقرارها، فَيَعْدِل عنها إلى الرحل، فيجعله سُترةً.
وقوله: "فيعدله" -بفتح أوله، وسكون العين، وكسر الدال- أي يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد.
وقوله: "إلى أَخَرَته" بفتحات، بلا مدّ، ويجوز المدّ، و"مؤخرته" بضم أوله، ثم همزة ساكنة، وأما الخاء فجزم أبو عبيد بكسرها، وجوَّز الفتح، وأنكر ابن قتيبة الفتحَ، وعَكَس ذلك ابن مكيّ، فقال: لا يقال: مُقْدِمٌ، ومُؤْخِرٌ بالكسر إلا في العين خاصّةً، وأما في غيرها فيقال بالفتح فقط، ورواه بعضهم بفتح الهمزة وتشديد الخاء، والمراد بها العود الذي في آخر الرحل الذي يستند إليه الراكب. انتهى (^١). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٢ و١١٢٣] (٥٠٢)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٧)، و(أبو داود) فيها (٦٩٢)، و(الترمذيّ) فيها (٣٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣ و٢٦ و١٠٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٠١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٧٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٤٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤١٤ و١٤١٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٠٨ و١١٠٩)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩١ - ٦٩٢.
[ ١١ / ٣٣٠ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية اتّخاذ السترة للصلاة إليها.
٢ - (ومنها): جواز الصلاة إلى الحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف الصلاة في أعطان الإبل، فإنها مكروهة؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك؛ لأنه يُخاف هناك نُفورها، فيذهب الخشوع، بخلاف هذا، قاله النوويّ -﵀- (^١).
٣ - (ومنها): مشروعية الاستتار برَحْلِ الراحلة، قال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد تبيّن بهذا الحديث جواز الاستتار بالراحلة، وبالبعير، سواء كان مرتحلًا، أو غير مرتحل، اللَّهمّ إلا أن يكون غيرُ المرتحل هائجًا، فيُخشى من هَيَجانه إفساد الصلاة على من يُصلّي إليه، كما ذكره الخطّابيّ. انتهى (^٢).
وقال القرطبي -﵀-: في هذا الحديث دليل على جواز التستر بما يستقر من الحيوان، ولا يعارضه النهي عن الصلاة في معاطن الإبل؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء، وكراهة الصلاة حينئذ عندها إما لشدة نتنها، وإما لأنهم كانوا يَتَخَلَّون بينها، مستترين بها. انتهى.
وقال غيره: علة النهي عن ذلك كون الإبل خُلِقت من الشياطين، فقد أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "صَلُّوا في مَرَابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل، فإنها خُلِقت من الشياطين".
قال في "الفتح": فيُحْمَل ما وقع منه في السفر من الصلاة إليها على حالة الضرورة، ونظيره صلاته إلى السرير الذي عليه المرأة؛ لكون البيت كان ضَيّقًا، وعلى هذا فقول الشافعيّ في البويطيّ: لا يستتر بامرأة ولا دابة، أي في حال الاختيار.
ورَوَى عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عبد اللَّه بن دينار، أن ابن عمر -﵄- كان يَكْره أن يصلي إلى بعير إلا وعليه رَحْلٌ، وكأن الحكمة في ذلك
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١٨.
(٢) "فتح الباري" ٤/ ٧٠.
[ ١١ / ٣٣١ ]
أنها في حال شَدّ الرحل عليها أقرب إلى السكون من حال تجريدها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن الصلاة إلى الراحلة لا يتقيّد بحالة الضرورة؛ لأن قوله: "كان -ﷺ- يعرض راحلته فيصلّي إليها" يدلّ على تكرّر ذلك منه؛ لأن "كان" تدلّ على الاستمرار، ومما يؤيّد ذلك أنه -ﷺ- لم يَعْدِل إلى الاستتار بالرحل، إلا إذا هاجت الركاب، فلو كان الاستتار بالراحلة للضرورة، لتركها، واستتر برحلها، فدلّ على أن الاستتار بالراحلة جائز إذا لم تكن هائجة، فعند ذلك يستتر برحلها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، "أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى رَاحِلَتِهِ"، وقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: "إِنَّ النَّبيَّ -ﷺ- صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلهم تقدّموا في هذا الباب، غير "أَبي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ"، وهو: سليمان بن حيّان، فتقدّم في الباب الماضي.
وقوله: (صَلَّى إِلَى بَعِيرٍ) وفي نسخة: "إلى بعيره"، وهو بمعنى راحلته؛ لأن الراحل هي المركوب من الإبل، ذكرًا كان أو أُنثى، كما تقدّم قريبًا، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الذي قبله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٤] (٥٠٣) - (حَدَّثَنَا (^٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٢.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١١ / ٣٣٢ ]
جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِبهِ، قَالَ: أَتَبْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ، فِي قُبَّةٍ لَهُ حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَمِ، قَالَ: فَخَرَجَ بِلَالٌ بِوَضُوئهِ (^١)، فَمِنْ نَائِلٍ، وَنَاضِحٍ، قَالَ: فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ (^٢)، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ، قَالَ: فَتَوَضَّأَ، وَأَذَّنَ بِلَالٌ، قَالَ: فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا، يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: ثُمَّ رُكِزَتْ لَهُ عَنَزَةٌ، فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بَبْنَ يَدَيْهِ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، لَا يُمْنَعُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (وَكِيع) بن الجرَاح تقدّم قبل باب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق بن حبيب الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فقيه إمامٌ حجةٌ، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٣ - (عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائيّ -بضمّ السين المهملة- الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، ومسلم بن رِيَاح الثقفي، وله صحبة، والمنذر بن جرير البجلي، وعبد الرحمن بن سُمَير، ومِخْنَف بن سُلَيم، وغيرهم.
ورَوَى عنه شعبة، والثوري، وقيس بن الربيع، ومالك بن مِغْوَل، وحجاج بن أرطاة، وصدقة بن أبي عِمْران، وأبو العُمَيس، وغيرهم.
قال ابن معين، وأبو حاتم، والنسائي: ثقةٌ. وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال خليفة: مات في آخر ولاية خالد على العراق. وقال ابن قانع: مات سنة ست عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٥٠٣) وكرّره ثلاث مرّات، وحديث (١٠١٧) وكرّره مرّتين، و(٢٨٦٩).
٤ - (أَبُوهُ) هو: وَهْب بن عبد اللَّه بن مسلم بن جُنَادة بن حبيب بن سُواءة
_________________
(١) وفي نسخة: "بوَضُوء".
(٢) وفي نسخة: "وعليه حلّة حمراء".
[ ١١ / ٣٣٣ ]
-بضم السين المهملة، وتخفيف الواو، والمدّ- ابن عامر بن صَعْصَعة، ويقال: اسم أبيه وهب، أبو جُحَيفة السُّوَائيّ، يقال له: وهب الخير.
قَدِم على النبيّ -ﷺ- في أواخر عمره، وحفظ عنه، ثم صَحِب عليًّا بعده، وولّاه شُرْطة الكوفة لَمّا ولي الخلافة.
وفي "الصحيح" عنه: رأيت النبيّ -ﷺ-، وكان الحسن بن عليّ يُشبهه، وأمر لنا بثلاثة عشر قَلُوصًا، فمات قبل أن نقبضها، وكان عليّ يُسمّيه وهب الخير.
رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن عليّ، والبراء بن عازب.
ورَوَى عنه ابنه عون، وسَلَمة بن كُهيل، والشعبي، والسَّبِيعي، وإسماعيل بن أبي خالد، وزياد الأعسم، وأبو عمر الْمُنَبِّهِيُّ، وعلي بن الأقمر، والحكم بن عتيبة.
قال الواقديّ: مات في ولاية بشر بن مروان، وقال غيره: سنة أربع وسبعين، وقال أبو بكر بن أبي شيبة: مات أبو جحيفة قبل أبي عبد الرحمن السُّلَمِيّ، وهو قول ابن حبان، وقال أبو نعيم: كان على شُرْطة عليّ، واستعمله على خمس المتاع.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستّة أحاديث فقط، برقم (٥٠٣) وكرره ثلاث مرات، و(١٩٦١) و(٢٣٤٢) و(٢٣٤٣) و(٢٨٦٩).
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
[ ١١ / ٣٣٤ ]
شرح الحديث:
عن عون بن أبي جحيفة (عَنْ أَبِيهِ) أبي جُحَيفة، وهب بن عبد اللَّه السُّوَائيّ -﵁- أنه (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمَكَةَ، وَهُوَ بِالْأَبْطَحِ) قال النوويّ -﵀-: هو الموضع المعروف على باب مكة، ويقال له: البطحاء أَيضًا. انتهى (^١).
ووقع في رواية للبخاريّ بلفظ "بالبطحاء"، قال في "الفتح": يعني بطحاء مكة، وهو موضع خارج مكة، وهو الذي يقال له الأبطح. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: البَطْحاء: هي الحصى الصغار، وبطحاء الوادي، وأبطحه حصاه اللَّيِّن في بطن المسيل، ومنه حديث "صلَّى بالأبطح" يعني أبطح مكة، وهو مَسِيل واديها، ويُجمع على البِطَاح، والأباطيح. انتهى (^٣).
وقال الفيّوميّ -﵀-: البَطِيحةُ والأبطحُ: كلُّ مكان مُتَّسِعٍ، والأبطح بمكة هو المحصَّبُ. انتهى (^٤).
وقال في "العمدة": الأبطح: هو المكان المعروف، ويقال له: البطحاء، ويقال: إنه إلى منى أقرب، وهو المحصّب، وهو خيف بني كنانة، وزعم بعضهم أنه ذو طُوَى، وليس كذلك، كما نبّه عليه ابن قرقول، وعند النسائيّ: "وهو في قبّة حمراء، في نحو من أربعين رجلًا" (^٥).
(فِي قُبَّةٍ) بضم القاف، وتشديد الموحّدة، قال الفيّوميّ: الْقُبّة من البنيان معروفةٌ، وتُطلق على البيت المدوّر، وهو معروف عند التُّرْكُمَان والأَكْراد، والجمع قِبَاب، مثلُ بُرْمَة وبِرَام. انتهى.
وقال في "العمدة": قال الجوهريّ: القُبّة من البناء، والجمع قُبَبٌ وقِبَابُ قال: المراد من القبة هنا هي التي تُعْمَل من الجلد، وقد فَسَّر ذلك بكلمة "من" البيانية. انتهى.
وقوله: (لَهُ) متعلّق بصفة لـ "قُبّة"، أي كائنة له -ﷺ- (حَمْرَاءَ) صفة بعد صفة، ممنوع من الصرف؛ لألف التأنيث الممدودة (مِنْ أَدَمٍ) قال في
_________________
(١) "شرح النووي" ٤/ ٢١٨.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٨٣.
(٣) "النهاية" ١/ ١٢٤ - ١٢٥.
(٤) "المصباح" ١/ ٥١.
(٥) "عمدة القاري" ٤/ ١٤٨.
[ ١١ / ٣٣٥ ]
"المختار": الأدَمُ -بفتحتين-: جمع أَدِيمٍ، وقد يُجمع على آدِمة، كرغيف وأَرْغِفة (^١)، وقال في "المصباح": الأَدِيم: الجلد المدبوغ، والجمع أدم بفتحتين، وبضمّتين أيضًا، وهو القياس، مثلُ بَرِيدٍ وبُرُد (^٢).
وفي "اللسان": الأَدِيم الجلدُ ما كان، وقيل: الأحمر، وقيل: هو المدبوغ، وقيل: هو بعد الأَفِيق، وذلك إذا تَمَّ واحْمَرَّ، والأَفِيق هو الجلد الذي لم يَتِمَّ دِباغه، وقيل: هو ما دُبِغ بغير القرظ، قاله ابن الأثير، والأَدَمُ -بفتح الدال- اسم للجمع عند سيبويه، مثلُ أَفِتي وأَفَقٍ، والآدام جمع أَدِيم، كيتيم وأَيتَام، وإن كان هذا في الصفة أكثر، وقد يجوز أن يكون جمع أَدَمٍ. انتهى (^٣).
(قَالَ) أبو جحيفة -﵁- (فَخَرَجَ بِلَالٌ) هو ابن رَبَاح، وأمّه حمامةُ، مولى أبي بكر الصدّيق -﵁-، الموذّن المعروف، من السابقين الأولين، شهد بدرًا، وما بعدها، ومات بالشام سنة (١٧) أو (١٨) وقيل: (٢٠)، تقدّمت ترجمته مستوفاة في (٢٣/ ٦٤٨). (بِوَضُوئِهِ) وفي نسخة: "بوضوء" بلا إضافة، وهو هنا بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضّأ به، وأما بالضم فالفعل، وقد قيل: هما لغتان فيهما، قاله القرطبيّ -﵀- (^٤).
وقوله: (فَمِنْ نَائِلٍ) أي آخذ من ذلك الوضوء (وَنَاضِحٍ) أي متمسّح بما أصابه من يد صاحبه، كما فُسّر في الرواية الآتية، وقال النوويّ -﵀-: معناه: فمنهم من ينال منه شيئًا، ومنهم من يَنْضَح عليه غيره شيئًا مما ناله، ويَرُشُّ عليه بَلَلًا مما حَصَلَ له، وهو معنى ما جاء في الحديث الآخر: "فمن لم يُصب أخذ من يد صاحبه".
(قَالَ) أبو جُحيفة -﵁- (فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ) وفي نسخة: "وعليه حلّة حمراء"، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
و"الْحُلّة"-بضمّ الحاء المهملة، وتشديد اللام- جمعه: حُلَلٌ، كغُرْفة وغُرَف، قال الفيّوميّ: -﵀-: "الْحُلّة" -بالضمّ- لا تكون إلا ثوبين من جنس واحد. انتهى (^٥).
_________________
(١) "مختار الصحاح" (ص ٢٨).
(٢) "المصباح" ١/ ٩.
(٣) "لسان العرب" ١٢/ ١٠.
(٤) "المفهم" ٢/ ١٠٢.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٤٨.
[ ١١ / ٣٣٦ ]
وقال في "النهاية": "الحُلّة": واحدة الْحُلَل، وهي برود اليمن، ولا تُسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. انتهى (^١).
وقال في "الدرّ النثير": قال الخطّابيّ: الحلّة ثوبان: إزار ورداء، ولا تكون حلّة إلا وهي جديدة تُحَلُّ من طَيِّها، فتُلبس. انتهى.
وقال في "اللسان": وقال اليماميّ: الحلّة: كلُّ ثوب جيّد جديد تلبسه، غليظٍ، أو دقيقٍ، ولا يكون إلا ثوبين، وقال ابن شُمَيل: الحلّة: القميص والإزار والرداء، لا تكون أقلّ من هذه الثلاث، وقال شَمِر: الحلّة عند الأعراب: ثلاثة أثواب، وقال ابن الأعرابيّ: يقال للإزار والرداء حُلّة، ولكلّ منهما على انفراده حُلّة، قال الأزهريّ: وأما أبو عبيد، فإنه جعل الحلّة ثوبين، والجمع حُلُل، وحِلالُ، وأنشد ابن الأعرابي [من الرجز]:
لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُسْمِنِ الْمُخْتَالِ … وَلَا الَّذِي يَرْفُلُ فِي الْحِلَالِ
انتهى من "اللسان" باختصار (^٢).
وقال في "القاموس": "الْحُلّةُ" بالضمّ: إزار ورداءٌ، بُرْدٌ أو غيره، ولا تكون حُلّةً إلا من ثوبين، أو ثوب له بِطَانة. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: المشهور أن الحلّة لا تُطلق إلا على ثوبين، كإزار ورداء، أو ما كان في حكمهما، كالمبطّن، واللَّه تعالى أعلم.
وفي رواية أبى داود: "وعليه حُلّة حمراء، برودٌ، يمانيةٌ قِطْريّ".
قوله: "برود" جمع بُرْد مرفوعٌ؛ لأنه صفة لـ "حلّة"، وقوله: "يمانية" صفة لـ "برود"، أي منسوبة إلى اليمن، وقوله: "قِطْريّ" بكسر القاف، وسكون الطاء، والأصل قَطَريّ بفتح القاف والطاء؛ لأنه نسبة إلى قَطَر بلد بين عُمان وسِيف البحر، ففي النسبة خَفَّفوها، وكسروا القاف، وسكنوا الطاء، ويقال: القِطْريّ: ضرب من البرود، فيها حمرة، ويقال: ثياب حُمْرٌ لها أعلام، فيها بعض الخشونة، وقيل: حُلَلٌ جِيادٌ، تُحْمل من قِبَل البحرين، وإنما لم يقل: "قِطْرية" مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط؛ لأنه بكثرة الاستعمال صار
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٤٣٢.
(٢) "لسان العرب" ١١/ ١٧٢.
(٣) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٥٩.
[ ١١ / ٣٣٧ ]
كالاسم لذلك النوع من الحلل، ووَصَف الحلة بثلاث صفات: الأولى صفة الذات، وهي قوله: "حمراء"، والثانية صفة الجنس، وهي قوله: "برود"، بَيَّن به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية، والثالثة صفة النوع، وهي قوله: "قِطْريّ"؛ لأن البرود اليمانية أنواع، نوعٌ منها قَطْريّ، بيّنه بقوله: قَطْري.
وقيل: إنما لبس النبيّ -ﷺ- الحلة الحمراء في السفر؛ ليتأهب للعدوّ، ويجوز أن يلبس في الغزو ما لا يلبس في غيره.
وتُعُقّب بأنه لم يكن في هذا السفر للغزو؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يَبْقَ له غزو إذ ذاك، قاله في "العمدة" (^١).
[تنبيه]: ظاهر قوله: "حمراء" يدلّ على أنها كانت حمراء خالصةً، لكن فسرها بعضهم بأنها إنما كانت بُرد مخطّطًا فيه خُطَطٌ حمر، ولم يكن كلّه أحمر، وإلى هذا ميل الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ" (^٢).
وقوله: (كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ) -ﷺ-، ذكره تأكيدًا لكلامه، وأنه لم ينس الواقعة حتى إنه الآن ليستحضر نظره إلى بياض ساقه -ﷺ- (قَالَ) أبو جحيفة (فَتَوَضَّأَ) -ﷺ-، قال النوويّ -﵀-: فيه تقديم وتأخير، تقديره: "فتوضّأ، فمن نائل بعد ذلك، وناضح"؛ تبرّكًا بآثاره -ﷺ-، وقد جاء مبيّنًا في الحديث الآخر: "فرأيت الناس يأخذون من فضل وَضُوئه". انتهى.
(وَأَذَّنَ بِلَالٌ) -﵁-، أي شرع في الأذان (قَالَ) أبو جحيفة (فَجَعَلْتُ) أي شرعتُ وأخذت (أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا) وقوله: (يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا) بيان للمعنى المشار إليه بقوله: "ها هنا وها هنا" على اللفّ والنشر، فقوله: "يمينًا" يعود إلى "ها هنا" الأول، وقوله: "وشمالًا" يعود إلى "ها هنا" الثاني، ثم أوضح وقت التفاته يمينًا وشمالًا بقوله: (يَقُولُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ) فالتفاته يمينًا عند قوله: "حيّ على الصلاة"، والتفاته شمالًا عند قوله: "حيّ على الفلاح"، وسيأتي تمام البحث في هذا الفوائد -إن شاء اللَّه تعالى-.
(قَالَ) أبو جحيفة (ثُمَّ رُكِزَتْ) بالبناء للمفعول، والذي ركزها هو
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١٤٨ - ١٤٩.
(٢) راجع: "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٤٣٦ - ٤٤١.
[ ١١ / ٣٣٨ ]
بلال -﵁-، ففي الرواية التالية من طريق عمر بن أبي زائدة، عن عون: "ثم رأيت بلالًا أخرج عَنَزَةً، فركزها" (لَهُ) -ﷺ- (عَنَزَة) -بفتحات- هي: عصًا في أسفلها حديدة (فَتَقدَّمَ) -ﷺ- أمام الناس (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ) أي لكونه مسافرًا (يَمُرُّ) بالبناء للفاعل (بَيْنَ يَدَيْهِ) -ﷺ-، والمراد وراء تلك العنزة، لا بينه وبينها، كما بيّن في الروايات الآتية، وقوله: (الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ) مرفوع على الفاعليّة، وجملة "يمرّ إلخ" حال من الفاعل، والرابط الضمير في "يديه".
وفي رواية عمر بن أبي زائدة: "ورأيت الناس، والدوابّ يمرّون بين يدي الْعَنَزة"، وفي رواية الحكم عن أبي جحيفة: "وكان يمرّ من ورائها المرأة، والحمار"، وفي حديث -﵁- المتقدّم: "ولا يبالي من مرّ وراء ذلك"، وفي لفظ: "ثم لا يضرّه من مَرّ بين يديه".
قال النوويّ -﵀-: معناه: يمرّ الحمار والكلب وراء السُّترة، وقُدّامها إلى القبلة، كما بُيِّن في الروايات الآخرى.
(لَا يُمْنَعُ) بالبناء للمفعول، ونائب الفاعل ضمير يعود إلى المذكور، أي لا يُمنع كلّ من الحمار والكلب عن المرور بين يدي تلك العنزة، والجملة حال من الفاعل.
(ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) الظاهر أنه صلّى العصر في وقته؛ لأن "ثُمّ" تقتضي المهلة، ويَحْتَمِل أنه جمع بين الظهر والعصر (ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ) ظاهر قوله: "ثم لم يزل إلخ" يشعر بأن ما قصّة أبي جحيفة -﵁- هذه كانت بعد خروجه -ﷺ- من مكّة (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي جُحيفة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١٢٤ و١١٢٥ و١١٢٦ و١١٢٧ و١١٢٨]
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٦٨٤.
[ ١١ / ٣٣٩ ]
(٥٠٣)، و(البخاريّ) في "الوضوء" (١٨٧) و"الصلاة" (٣٧٦ و٤٩٥ و٤٩٩ و٥٠١) و"الأذان" (٦٣٣ و٦٣٤) و"المناقب" (٣٥٥٣ و٣٥٦٦) و"اللباس" (٥٧٨٦ و٥٨٥٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٨٨)، و(النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٧٣)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (١٩٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ٦٦ - ٦٧)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٨٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣١٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠٧ و٣٠٨ و٣٠٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٤١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٢٦٨ و٢٣٩٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٢/ ٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١ و٢٥٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٣٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠٨ و١٤٠٩ و١٤١٠ و١٤١١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١١٠ و١١١١ و١١١٢ و١١١٣)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٢٠٢)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة وضع السترة للمصلّي بين يديه، والاكتفاء فيها بمثل غلظ العنزة.
٢ - (ومنها): استحباب حمل العنزة في السفر؛ لهذا الغرض، ونحوه.
٣ - (ومنها): جواز لبس الحلّة الحمراء، وفيه اختلاف بين العلماء، والراجح جوازه، وسيأتي البحث فيه مستوفًى في "كتاب اللباس والزينة" برقم (٢٠٧٧) -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): جواز الصلاة في الثوب الأحمر، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك الحنفية، فإنهم قالوا: يكره، وتأوّلوا حديث الباب بأنها كانت حُلّة من بُرُود فيها خطوط حُمْرٌ، ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود، من حديث عبد اللَّه بن عمرو -﵄- قال: مَرّ بالنبي -ﷺ- رجلٌ، وعليه ثوبان أحمران، فسلّم عليه، فلم يرُدّ عليه، وهو حديثٌ ضعيفُ الإسناد، وإن وقع في بعض نسخ الترمذيّ أنه قال: حديث حسنٌ لأن في سنده أبا يحيى القتّات، وهو ضعيف، وعلى تقدير أن يكون مما يُحتجّ به فقد عارضه ما هو أقوى منه، كحديث
[ ١١ / ٣٤٠ ]
الباب، وهو واقعة عين، فَيَحْتَمِل أن يكون ترك الرد عليه بسبب آخر.
وحمله البيهقي على ما صُبغ بعد النسج، وأما ما صبغ غزله، ثم نُسِج فلا كراهية فيه.
وقال ابن التين: زعم بعضهم أن لبس النبيّ -ﷺ- لتلك الحلّة كان من أجل الغزو، وفيه نظرٌ؛ لأنه كان عقب حجة الوداع، ولم يكن له إذ ذاك غزو، قاله في "الفتح" (^١).
٥ - (ومنها): جواز الاستعانة بمن يركز له عنزةً، ونحو ذلك.
٦ - (ومنها): بيان طهارة الماء المستعمل إذا كان المراد أنهم كانوا يأخذون ما سال من أعضائه -ﷺ-، وكذلك إن كان المراد أنهم أخذوا ما فضل من وضوئه -ﷺ-؛ لأنه تناوله بيده، وتقاطر فيه غسالة أعضائه، فدلّ على ذلك كلّه، وهذا قول الجمهور، وخالف في ذلك بعض الحنفيّة، فقالوا بنجاسة الماء المستعمل، وهو خلاف الصواب، فهذا الحديث ونحوه من الأحاديث تردّه، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن قصر الصلاة في السفر أفضل من الإتمام؛ لما يُشعر به هذا الحديث من مواظبة النبيّ -ﷺ- عليه، وأنه يشرع القصر، وإن كان بقرب بلد ما لم ينو الإقامة فيه أربعة أيام فصاعدًا، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
٨ - (ومنها): بيان أن الساق ليست بعورة، وأنه يجوز النظر إليها، وهذا مجمع عليه في الرجال.
٩ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبيّ -ﷺ-، ومحبّته.
١٠ - (ومنها): مشروعيّة الأذان في السفر، قال النوويّ: قال الشافعيّ -﵀-: ولا أكره من تركه في السفر ما أكره من تركه في الحضر؛ لأن أمر المسافر مبنيّ على التخفيف. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الفرق يحتاج إلى نصّ، فإنه -ﷺ- لم يترك الأذان في السفر، وأمر به المسافر، حيث قال لمالك بن الحويرث وصاحبه لَمّا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥٧٩.
[ ١١ / ٣٤١ ]
أرادا السفر: "إذا حضرت الصلاة فأذّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما"، ولأحمد، وأصحاب السنن: "إذا سافرتما فأذّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما"،
فدلّ على أن الأذان لا يُرخَّص فيه بسبب السفر، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا برأسه وعنقه، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ: ففيه التبرّك بآثار الصالحين، واستعمال فضل طَهورهم، وطعامهم، وشرابهم، ولباسهم انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "بآثار الصالحين" محلّ نظر؛ لأن هذا لم يُنقل مع غيره -ﷺ-، فإن الصحابة والتابعين يعرفون فضل أبي بكر، والخلفاء الراشدين، بل وفضل أصحاب رسول اللَّه -﵃- كلّهم، ولم يُنقل أن أحدًا منهم تبرّك بوضوئهم، ولا بغير ذلك، فما لم يثبت عنهم لا يسع لمن جاء بعدهم أن يفعله؛ لأنه داخل في محدثات الأمور، وقد صحّ عنه -ﷺ- التحذير عنها فيما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية -﵁- مرفوعًا في حديث طويل، قال فيه: "فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وأرزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الالتفات في الأذان:
قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في استدارة المؤذّن، فرخّصت طائفة فيه، فممن رخّص فيه: الحسن البصريّ، والنخعيّ، والثوريّ، والنعمان، وصاحباه، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأبو ثور.
وكرهت طائفة الاستدارة في الأذان، منهم ابن سيرين، ومالك، وقال أحمد: لا يدور إلا أن يكون في منارة يريد أن يُسمع الناس، وكذلك قال
_________________
(١) "شرح النووي" ٤/ ٢١٩.
[ ١١ / ٣٤٢ ]
إسحاق. انتهى ملخّص كلام ابن المنذر -﵀- (^١).
وقال النوويّ: أنه يُسَنّ للمؤذن الالتفات في الحيعلتين يمينًا وشمالًا برأسه وعنقه، قال أصحابنا: ولا يحوّل قدميه وصدره عن القبلة، وإنما يَلْوي رأسه وعنقه، واختلفوا في كيفية التفاته على مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا:
أصحُّها، وهو قول الجمهور أنه يقول: "حي على الصلاة" مرتين عن يمينه، ثم يقول عن يساره مرتين: "حي على الفلاح".
والثاني: يقول عن يمينه: "حي على الصلاة" مرةً، ثم مرةً عن يساره، ثم يقول: "حيّ على الفلاح" مرةً عن يمينه، ثم مرةً عن يساره.
والثالث: يقول عن يمينه: "حي على الصلاة" ثم يعود إلى القبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: "حي على الصلاة"، ثم يلتفت عن يساره فيقول: "حي على الفلاح"، ثم يعود إلى القبلة، ويلتفت عن يساره فيقول: "حي على الفلاح". انتهى (^٢).
وقال في "الفتح" عند شرح قوله: "أتتبّع فاه ها هنا وها هنا" ما نصّه: وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان، وأن محلّه عند الحيعلتين، وبَوّب عليه ابن خزيمة: "انحرافُ المؤذن عند قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، بفمه لا ببدنه كلّه"، قال: وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، ثم ساق الحديث من طريق وكيع أيضًا، بلفظ: "فجعل يقول في أذانه هكذا، ويُحَرِّف رأسه يمينًا وشمالًا".
وفي رواية عبد الرزاق، عن الثوريّ في هذا الحديث زيادتان: إحداهما: الاستدارة، والأخرى: وضع الإصبع في الأذن، ولفظه عند الترمذيّ: رأيت بلالًا يؤذن، ويدور، ويتبع فاه ها هنا وها هنا، وإصبعاه في أذنيه، فأما قوله: "ويدور" فهو مدرج في رواية سفيان، عن عون، بَيَّن ذلك يحيى بن آدم، عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: رأيت بلالًا أذّن، فأتبع فاه ها هنا وها هنا، والتفت يمينًا وشمالًا، قال سفيان: كان حجاج -يعني ابن أرطاة- يذكر لنا عن
_________________
(١) "الأوسط" ٣/ ٢٦ - ٢٧.
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢١٩.
[ ١١ / ٣٤٣ ]
عون أنه قال: "فاستدار في أذانه"، فلما لَقِينا عونًا لم يذكر فيه الاستدارة، أخرجه الطبرانيّ، وأبو الشيخ، من طريق يحيى بن آدم، وكذا أخرجه البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن الوليد العَدَنيّ، عن سفيان، لكن لم يُسَمِّ حجاجًا، وهو مشهور عن حجاج، أخرجه ابن ماجه، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم من طريقه.
ولم ينفرد به، بل وافقه إدريس الأودي، ومحمد الْعَرْزميّ، عن عون، لكن الثلاثة ضعفاء.
وقد خالفهم من هو مثلهم، أو أمثل، وهو قيس بن الربيع، فرواه عن عون، فقال في حديثه: "ولم يستدر"، أخرجه أبو داود.
ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عَنَى استدارة الرأس، ومن نفاها عَنَى استدارة الجسد كلّه.
ومشى ابن بطال ومن تبعه على ظاهره، فاستدلّ به على جواز الاستدارة بالبدن كلّه.
وقال ابن دقيق العيد: فيه دليل على استدارة المؤذنين للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختُلِف هل يستدير ببدنه كلّه، أو بوجهه فقط، وقدماه قارّتان مستقبل القبلة؟.
واختُلِف أيضًا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة، وفي الثانيتين مرة، أو يقول: حَيّ على الصلاة عن يمينه، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى؟، قال: ورُجِّح الثاني؛ لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما، قال: والأول أقرب إلى لفظ الحديث. انتهى (^١).
وفي "المغني" عن أحمد: لا يدور إلا إن كان على منارة، يقصد إسماع أهل الجهتين.
[تنبيه]: وأما وضع الإصبعين في الأذنين، فقد رواه مُؤَمَّل أيضًا عن سفيان، أخرجه أبو عوانة، قال الحافظ -﵀-: وله شواهد، ذكرتها في "تغليق التعليق"، من أصحها ما رواه أبو داود، وابن حبان، من طريق أبي سلّام
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٧٦ - ١٧٧.
[ ١١ / ٣٤٤ ]
الدمشقيّ، أن عبد اللَّه الْهَوْزنيّ حدّثه، قال: قلت لبلال: كيف كانت نفقة النبيّ -ﷺ-؟ فذكر الحديث، وفيه قال بلال: فجعلت إصبعي في أذني، فأذّنت.
ولابن ماجه، والحاكم، من حديث سَعْد القرظ، أن النبيّ -ﷺ- أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وفي إسناده ضعف.
قال العلماء: في ذلك فائدتان:
إحداهما: أنه قد يكون أرفع لصوته، وفيه حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال.
ثانيهما: أنه علامة للمؤذن؛ ليعرف مَن رآه على بُعْد، أو كان به صَمَمٌ أنه يؤذن، ومن ثَمّ قال بعضهم: يجعل يده فوق أذنه حسبُ.
قال الترمذيّ -﵀-: استَحَبّ أهل العلم أن يدخل المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان، قال: واستحبه الأوزاعيّ في الإقامة أيضًا.
[تنبيه آخر]: لم يَرِد تعيين الإصبع التي يُسْتَحب وضعها، وجزم النوويّ أنها المسبحة، وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة.
[تنبيه آخر]: وقع في "المغني" للموفق نسبة حديث أبي جحيفة -﵁- بلفظ: "أن بلالًا أذّن، ووَضَع إصبعيه في أذنيه" إلى تخريج البخاريّ ومسلم، وهو وَهَمٌ، وساق أبو نعيم في "المستخرج" حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، وعبد الرزاق، عن سفيان، بلفظ عبد الرزاق من غير بيان، فما أجاد؛ لإيهامه أنهما روايتان، وقد عرفت ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج، وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك، واللَّه المستعان. انتهى ما في "الفتح"، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا (^٢) عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، أَنَّ أَبَاهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي قُبَّةٍ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١١ / ٣٤٥ ]
حَمْرَاءَ، مِنْ أَدَمٍ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ وَضُوءًا، فَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخْرَجَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيِ الْعَنَزَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوق فاضل ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد العميّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ) الْهَمْدانيّ الوادعيّ الكوفيّ، أخو زكريّا، صدوقٌ رُمي بالقدر [٦] (ت بعد ١٥٠) (خ م س) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٨.
والباقيان ذُكرا في السند الماضي.
وقوله: (يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ) أي يتسابقون في أخذه، يقال: بادره مُبادرةً، وبِدارًا، وابتدره، وبَدَرَ غيره إليه: عاجله، وبدره الأمرُ وإليه: عَجِلَ إليه، واستبق، قاله في "القاموس" (^١).
وقوله: (فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا) منصوب على الحال، وهو اسم فاعل من التشمير، يقال: شَمّر إزاره تشميرًا: إذا رفعه، أي رافعها إلى أنصاف ساقيه، ونحو ذلك، كما قال في الرواية السابقة: "كأني أنظر إلى بياض ساقيه"، وفيه رفع الثوب عن الكعبين (^٢).
وقوله: (فَصَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ) هما ركعتا الظهر؛ لأنه كان مسافرًا، ففي الرواية السابقة: "فتقدَّم، فصلّى الظهر ركعتين".
وقوله: (وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَي الْعَنَزَةِ) فيه تغليب العاقل؛ إذ حقّ "الدوابّ" أن يقول: "تمرّ".
[تنبيه]: وقع في رواية البخاريّ لهذا الحديث من طريق شعبة، عن
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٣٦٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١.
[ ١١ / ٣٤٦ ]
عون بن أبي جحيفة بلفظ: "والمرأة والحمار يمرّون"، قال في "الفتح": كذا ورد بصيغة الجمع، فكأنه أراد الجنس، ويؤيده رواية: "والناسُ والدواب يمرون"، كما تقدّم، أو فيه حذفٌ، تقديره: وغيرهما، أو المراد الحمار براكبه، وقد تقدم بلفظ: "يمر بين يديه المرأة والحمار"، فالظاهر أن الذي وقع هنا من تصرف الرواة.
وقال ابن التين: الصواب "يمرّان"؛ إذ في "يمرون" إطلاق صيغة الجمع على الاثنين.
وقال ابن مالك: أعاد ضمير الذكور العقلاء على مؤنث ومذكر غير عاقل، وهو مشكل، والوجه فيه أنه أراد المرأة والحمار وراكبه، فحذف الراكب؛ لدلالة الحمار عليه، ثم غَلَّب تذكير الراكب المفهوم على تأنيث المرأة، وذا العقل على الحمار، وقد وقع الإخبار عن مذكور ومحذوف في قولهم: "راكبُ البعير طليحان" (^١)، أي البعير وراكبه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب التوجيهات أن يقال: إنه من باب إطلاق ضمير الجمع على الاثنين، وهو واقع في فصيح الكلام، كقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] الآية، وقد اختُلف في أقلّ الجمع، فقيل: اثنان، وهو مرويّ عن مالك -﵀-، وهو الذي رجحته في "التحفة المرضيّة" في الأصول، والجمهور أنه ثلاثة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٦] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^٣) إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: (ح) وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، كِلَاهُمَا عَنْ
_________________
(١) وقع في نسخة "الفتح" "طريحان" بالراء، والصواب باللام، ومعناه مهزولان، يقال: بعير طَلِيح: أي مهزول.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٨٦.
(٣) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٣٤٧ ]
عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِ حَدِيثِ سُفْيَانَ، وَعُمَرَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ: "فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ، خَرَجَ بِلَالٌ، فَنَادَى بِالصَّلَاةِ").
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَجُ، أبو يعقوب التميميّ المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْد) بن نصر الْكِسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (جَعْفَرُ بْنُ عَوْن) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزوميّ، أبو عون الكوفيّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٤ - (أَبُو عُمَيْسٍ) عتبة بن عبد اللَّه بن عتبة بن عبد اللَّه بن مسعود الْهُذليّ المسعوديّ الكوفيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٥.
٥ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطّحّان، وربما نُسب إلى جدّه، ثقةٌ [١١] (ت في حدود ٢٥٠) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٦ - (حُسَيْنُ بْنُ عَلِيُّ) بن الوليد الْجُعفيّ الكوفيّ المقرئ، ثقةٌ عابد [٩] (ت ٣ أو ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥٤.
٧ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ سنّيّ [٧] (ت ١٦٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٨ - (مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ) أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
والباقيان ذكرا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ: (ح» فاعل "قال" ضمير المصنّف -﵀-.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لأبي عميس، ومالك بن مِغْوَل.
وقوله: (يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) يعني أن بعض هؤلاء الأربعة: سفيان، وعمر، وأبي عُميس، ومالك بن مِغْوَل زيادة في روايتهم على رواية الآخرين.
وقوله: (فَلَمَّا كَانَ بِالْهَاجِرَةِ) الظاهر أن اسم "كان" ضمير يعود على الشأن
[ ١١ / ٣٤٨ ]
والأمر المفهوم من السياق، والباء فيه بمعنى "في"، أي فلمّا كان شأن الناس، وأمرهم واقعًا في الهاجرة، أي في نصف النهار.
قال ابن الأثير -﵀-: الْهَجِير، والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النهار، والتهجير، والتهَجُّر، والإهجار: السير في الهاجرة. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": والْهَجِير، والهَجِيرةُ، والْهَجْرُ، والهاجرةُ: نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يستكنّون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، وشدّةُ الحرّ. انتهى (^٢).
وقوله: (فَنَادَى بِالصَّلَاةِ) أي أذّن للصلاة، أو نادى الناس بقوله: "حيّ على الصلاة".
[تنبيه]: رواية أبي العُمَيس التي أحالها المصنّف هنا ساقها الحافظ أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٨) فقال:
(١٤١٣) حدّثنا كعب الذراع، قال: ثنا عمر بن حفص، قال: حدّثني أبي، عن أبي عُمَيس، قال: حدّثني عون، عن أبيه، قال: "أَذّن بلال لرسول اللَّه -ﷺ- وهو بالأبطح، في قبة من شعر، فخرج، فصلى والعنزة بين يديه، والناس والحمير تمر بين يديه، فصلى ركعتين". انتهى.
وأما رواية مالك بن مغول، فساقها الإمام البخاريّ -﵀-، في "صحيحه" فقال:
(٣٥٦٦) حدّثنا الحسن بن الصباح، حدّثنا محمد بن سابق، حدثنا مالك بن مِغْوَل، قال: سمعت عون بن أبي جُحيفة، ذَكَر عن أبيه، قال: "دُفِعتُ إلى النبيّ -ﷺ-، وهو بالأبطح، في قبة كان بالهاجرة، خَرَج بلال، فنادى بالصلاة، ثم دخل، فأخرج فضل وَضوء رسول اللَّه -ﷺ-، فوقع الناس عليه، يأخذون منه، ثم دخل، فأخرج العَنَزة، وخرج رسول اللَّه -ﷺ- كأني أنظر إلى وَبِيص ساقيه، فرَكَز العنزة، ثم صلى الظهر ركعتين، والعصر ركعتين يمر بين يديه الحمار والمرأة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "النهاية" ٥/ ٢٤٦.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ١٥٨.
[ ١١ / ٣٤٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، قَالَ شُعْبَةُ: وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِيهِ، أَبِي جُحَيْفَةَ: "وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْحَكَمُ) بن عُتيبة الْكِنْديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، لكنّه ربّما دلّس [٥] (ت ١١٣) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا قبل باب، والصحابيّ في السند الماضي.
وقوله: (فَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ) قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على القصر والجمع في السفر، وفيه أن الأفضل لمن أراد الجمع، وهو نازل في وقت الأولى، أن يقدِّم الثانية إلى الأولى، وأما من كان في وقت الأولى سائرًا، فالأفضل تأخير الأولى إلى وقت الثانية، كذا جاءت الأحاديث، ولأنه أرفق به. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أنه -ﷺ- جمع بين الصلاتين احتمال، وقد سبق أن قوله: "ثمّ صلى العصر" يقتضي أنه صلاها في وقتها؛ لأن "ثُمّ" للمهلة، فيمكن أن تحمل هذه الرواية على تلك.
والحاصل أن الأمر محتملٌ، واللَّه تعالى أعلم.
وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق، وهو متّفقٌ عليه، وتقدّمت مسائله قبل حديثين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٢١.
[ ١١ / ٣٥٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْحَكَمِ: "فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئِهِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ مَهْديّ) هو: عبد الرحمن بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٣) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
وقوله: (بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا مِثْلَهُ) يعني أن شعبة حدّث ابنَ مهديّ، ومن معه بإسناد عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، وإسناد الحكم، عن أبي جحيفة -﵁-.
[تنبيه]: أما رواية شعبة، عن الحكم التي فيها الزيادة المذكورة، فساقها الإمام البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(١٨٨) حدّثنا آدم، قال: حدّثنا شعبة، قال: حدّثنا الحكم، قال: سمعت أبا جحيفة يقول: "خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ- بالهاجرة، فأُتي بوَضوء، فتوضأ، فجعل الناس يأخذون من فضل وَضُوئه، فيتمسحون به، فصلى النبيّ -ﷺ- لظهر ركعتين، والعصر ركعتين، وبين يديه عَنَزَة". انتهى.
وأما رواية شعبة، عن عون، فأخرجها البخاريّ أيضًا، فقال:
(٤٩٥) حدّثنا أبو الوليد، قال: حدّثنا شعبة، عن عون بن أبي جُحيفة، قال: "سمعت أبي أن النبيّ -ﷺ- صلى بهم بالبطحاء، وبين يديه عَنَزَة الظهرَ ركعتين، والعصرَ ركعتين، تمر بين يديه المرأة والحمار". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١١ / ٣٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٢٩] (٥٠٤) - (حَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى أَتَانٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى، فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ (^٢)، فَنَزَلْتُ، فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين [٧] (١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، الفقيه الحافظ المتقن المتفقه على جلالته وإتقانه، رأس [٤] (ت ١٢٥) أو قبلها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد اللَّه البحر الحبر -﵄-، مات سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "بين يدي بعض الصفّ".
[ ١١ / ٣٥٢ ]
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالفقهاء.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ الأسانيد، كما نُقل عن الإمام النسائيّ -﵀- (^١).
٧ - (ومنها): أن فيه عبيد اللَّه بن عبد اللَّه من الفقهاء السبعة، وقد تقدّموا قريبًا.
٨ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس -﵄- من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وقد تقدّموا قريبًا أيضًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: أقبَلْتُ رَاكبًا) منصوب على الحال (عَلَى أَتَانٍ) وفي رواية يونس التالية: "على حمار"، وفي رواية البخاريّ: "على حمار أتان"، و"الأتان": بفتح الهمزة، وشذَّ كسرها، كما حكاه الصغانيّ: هي الأنثى من الحمير، وربما قالوا للأنثى: أتانةٌ، حكاه يونس، وأنكره غيره، فجاء في الرواية على اللغة الفصحى.
و"الحمار" اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، كقولك: بعيرٌ، وقد شذّ حمارة بالهاء في الأنثى، حكاه في "الصحاح".
و"حمارٍ أتانٍ" بالتنوين فيهما على النعت، أو البدل، ورُوي بالإضافة.
وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على كونها أنثى؛ للاستدلال بطريق الأَولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة؛ لأنهن أشرف.
وتعقّبه الحافظ -﵀-، فقال: هو قياس صحيح من حيثُ النظر، إلا أن الخبر الصحيح لا يُدفع بمثله. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لقد أجاد الحافظ في هذا التعقّب، وسيأتي البحث، في هذا مستوفًى قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
_________________
(١) راجع شرحي على الألفيّة السيوطيّة ١/ ٣٤، وتقييده هناك برواية ابن عبّاس، عن عمر -﵃- لا يضرّ، فتنبّه.
[ ١١ / ٣٥٣ ]
(وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ) أي قاربت البلوغ الشرعيّ، قال الفيّوميّ -﵀-: نَهَزَ نَهْزًا، من باب نَفَعَ: نَهَضَ ليتناول الشيءَ، وإذا قَرُبَ المولود من الْفِطَام قيل: نَهَزَ لِلْفَطَام يَنْهَزُ له، فالابن ناهزٌ، والبنت ناهزةٌ، ويقال أيضًا: ناهز للفطام مناهَزَةً، قال الأزهريّ: وأصل النَّهْز الدفع، وانتهز الْفُرْصة: انتهض إليها مبادرًا. انتهى (^١).
ومحلّ الجملة "وأنا يومئذ. . . إلخ" نصبٌ على الحال من الفاعل بعد الحال، وكذا قوله: (وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ) فهي أحوال متدخلة، أو مترادفة، على خلاف في هذا، كما تقدّم غير مرّة.
[تنبيه]: اختَلَف العلماء في سِنّ ابن عباس عند وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، فقيل: عشر سنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: خمس عشرة، وهو رواية سعيد بن جبير عنه، قال أحمد بن حنبل -﵄-: وهو الصواب، قاله النوويّ -﵀- (^٢).
وقال في "الفتح" في "كتاب فضائل القرآن" -عند شرح قول ابن عباس -﵄-: "تُوُفّي رسول اللَّه -ﷺ-، وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم (^٣) "-: وقد استَشْكَل عياضٌ قول ابن عباس: توفي رسول اللَّه -ﷺ-، وأنا ابن عشر سنين بما تقدم في "الصلاة" من وجه آخر عن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع ناهز الاحتلام، وسيأتي في "الاستئذان" من وجه آخر أن النبيّ -ﷺ- مات، وأنا ختين، وكانوا لا يختنون الرجل حتى يُدرِك، وعنه أيضًا أنه كان عند موت النبيّ -ﷺ- ابن خمس عشرة سنة، وسَبَق إلى استشكال ذلك الإسماعيليّ، فقال: حديث الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس -يعني حديث الباب- يخالف هذا، وبالغ الداوديّ، فقال: حديث أبي بشر -يعني الذي فيه: وأنا ابن عشر سنين- وَهَمٌ.
وأجاب عياض بأنه يَحْتَمِل أن يكون قوله: "وأنا ابن عشر سنين" راجع إلى حفظ القرآن، لا إلى وفاة النبيّ -ﷺ-، ويكون تقدير الكلام: تُوُفي النبيّ -ﷺ-، وقد جمعت الْمُحْكَم، وأنا ابن عشر سنين، ففيه تقديم وتأخير.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٨.
(٢) "شرح النوويّ" ٤/ ٢١.
(٣) أي الذي ليس فيه منسوخ.
[ ١١ / ٣٥٤ ]
وقد قال عمرو بن عليّ الفلاس: الصحيح عندنا أن ابن عباس كان له عند وفاة النبيّ -ﷺ- ثلاث عشرة سنةً، قد استكملها، ونحوه لأبي عبيد، وأسند البيهقيّ عن مصعب الزبيريّ أنه كان ابن أربع عشرة، وبه جزم الشافعيّ في "الأم"، ثم حَكَى أنه قيل: ست عشرة، وحُكِي قولُ ثلاث عشرة، وهو المشهور، وأورد البيهقيّ عن أبي العالية، عن ابن عباس: "قرأت المحكم على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأنا ابن ثنتي عشرة"، فهذه ستة أقوال، ولو وَرَد إحدى عشرة لكانت سبعة؛ لأنها من عشر إلى ست عشرة.
قال الحافظ: والأصل فيه قول الزبير بن بكار وغيره من أهل النسب، أن ولادة ابن عباس -﵄- كانت قبل الهجر بثلاث سنين، وبنو هاشم في الشِّعْب، وذلك قبل وفاة أبي طالب، ونحوُهُ لأبي عبيد.
ويمكن الجمع بين مختلف الروايات إلا ست عشرة، وثنتي عشرة، فإن كلًّا منهما لم يثبت سنده، والأشهر بأن يكون ناهز الاحتلام، لَمّا قارب ثلاث عشرة، ثم بلغ لما استكملها، ودخل في التي بعدها، فإطلاق خمس عشرة بالنظر إلى جبر الكسرين، وإطلاق العشر، والثلاث عشرة بالنظر إلى إلغاء الكسر، وإطلاق أربع عشرة بجبر أحدهما.
وقال في "كتاب الاستئذان" -ردًّا على الإسماعيليّ، حيث قال: "الأحاديث عن ابن عبّاس في هذا مضطربة"-: دعوى الاضطراب مردودة، مع إمكان الجمع، أو الترجيح، فإن المحفوظ الصحيح أنه وُلد بالشعب، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة، وبذلك قطع أهل السير، وصححه ابن عبد البر، وأورد بسند صحيح عن ابن عباس أنه قال: وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهذا لا ينافي قوله: "ناهزت الاحتلام"، أي قاربته، ولا قوله: "وكانوا لا يَختنون الرجل حتى يُدْرك" لاحتمال أن يكون أدرك، فخُتِن قبل الوفاة النبوية، وبعد حجة الوداع، وأما قوله: "وأنا ابن عشر"، فمحمول على إلغاء الكسر.
ورَوَى أحمد من طريق أخرى، عن ابن عباس، أنه كان حينئذ ابن خمس عشرة.
ويمكن رَدّه إلى رواية ثلاث عشرة، بأن يكون ابن ثلاث عشرة وشيء،
[ ١١ / ٣٥٥ ]
ووُلد في أثناء السنة، فجَبَر الكسرين بأن يكون وُلِد مثلًا في شوال، فله من السنة الأولى ثلاثة أشهر، فأطلَق عليها سنة، وقُبِض النبيّ -ﷺ- في ربيع، فله من السنة الأخيرة ثلاثة أخرى، وأكمل بينهما ثلاث عشرة، فمن قال ثلاث عشرة ألغَى الكسرين، ومن قال خمس عشرة جبرهما، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا يخفى ما في الجمع المذكور من التكلّف، فالأولى عندي طريق الترجيح، فيُرجّح كونه ابن ثلاث عشرة؛ كما صححه ابن عبد البرّ -﵀-، ونَقَلَ بسند صحيح عن ابن عباس كونه وُلِدت وبنو هاشم في الشِّعْب، وهو موافق لمعنى قوله: "قد ناهزت الاحتلام"، فهذا أقرب التوجيهات، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
(بِمِنًى) متعلّق بـ "يصلّي"، وهو بالقصر الموضع المعروف بمكة، وهو محلّ رمي الجمَرَات، وذبح الهدايا.
قال النوويّ -﵀-: "منى" فيها لغتان: الصرف وعدمه، ولهذا يكتب بالألف والياء، والأجود صرفها وكتابتها بالألف، سُمِّيت منى؛ لما يُمْنَى بها من الدماء، أي يراق، ومنه قول اللَّه تعالى: ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]. انتهى (^٢).
وقال في "القاموس": "ومنى" كـ "إلى" قرية بمكة، وتُصرف، سُمّيت لما يُمنى -أي يُرَاق- فيها من الدماء، وقال ابن عبّاس -﵄-: لأن جبريل ﵇ لَمّا أراد أن يفارق آدم قال له: تمنّ، قال: أتمنّى الجنّة، فسُمّيت منى؛ لأمنيّة آدم -﵀-. انتهى (^٣).
وقال في "المصباح": ومنًى: اسم موضع بمكة، والغالب عليه التذكير، فيُصرف، وإذا أُنّث مُنِع من الصرف، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمّي منًى؛ لما يُمنى به من الدماء، أي يُراق. انتهى (^٤).
وقد عدّ الحريريّ: "منًى" في جملة الأسماء المصروفة، حيث قال في "مُلحته":
_________________
(١) "الفتح" "كتاب الاستئذان" ١١/ ٩٣ رقم الحديث (٦٢٩٩).
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢٢٢.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٩٢.
(٤) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٢.
[ ١١ / ٣٥٦ ]
وَلَيْسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَيْنٍ وِمِنًى وَبَدْرِ … وَدَابِقٍ وَوَاسِطٍ وَحِجْرِ
[فائدة]: يجوز في أسماء: القائل، والأرضين، والكَلِم الصرف على تأويلها باللفظ، والمكان، والحيّ، أو الأب، وعدَمُهُ على إرادة الكلمة، والبقعة، والقبيلة، إلا إذا سُمع فيه أحدهما فقط، فلا يُتجاوز، كما سُمع الصرف في كَلْبٍ، وثَقِفٍ، ومَعَذٍ، باعتبار الحيّ، وبدرٍ، وحُنينٍ، على المكان، وكمنعه في يهودَ، ومجوسَ، عَلَمين باعتبار القبيلة، ودِمَشْقَ، على البقعة، وإلا إذا تحقّق مانع غير التأنيث المعنويّ، فيُمنع بكلّ حالٍ، كتغلبَ، وباهلةَ، وخولانَ، وبغداد، أفاده في "التسهيل"، و"شرحه"، ونقله الخضريّ في "حاشيته على شرح ابن عقيل على الخلاصة" بزيادة (^١)، وهي فائدة حسنة مهمةٌ، فاغتنمها، وباللَّه تعالى التوفيق.
وقوله أيضًا: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى) كذا قال مالك، وأكثر أصحاب الزهريّ، ووقع من رواية ابن عيينة عن الزهريّ الآتية بلفظ: "بعرفة"، قال النوويّ -﵀-: يُحْمَلُ ذلك على أنهما قضيتان.
وتُعُقُّب بأن الأصل عدم التعدّد، ولا سيّما مع اتّحاد مخرج الحديث، فالحقّ أن قول ابن عيينة: "بعرفة" شاذّ.
ويأتي أيضًا من رواية معمر، عن الزهريّ بلفظ: "وذلك في حجة الوداع، أو يوم الفتح" بالشكّ، وهذا الشك من معمر لا يُعَوَّل عليه، والحقّ أن ذلك كان في حجة الوداع، أفاده في "الفتح" (^٢).
(فَمَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ) وفي بعض النسخ: "بين يدي بعض الصفّ"، وهو مجاز عن الأَمَام -بفتح الهمزة- لأن الصفّ ليس له يدٌ، و"بعض الصفّ" يَحْتَمِل أن يراد به صفّ من الصفوف، أو بعضٌ من أحد الصفوف، هكذا قال الكرمانيّ، لكن زاد البخاريّ في "الحج" من رواية ابن أخي ابن شهاب، عن عمّه قوله: "حتى سِرْتُ بين يدي بعض الصف الأول"، وهو يُعَيِّن الاحتمال الثاني، فتنبّه (^٣).
_________________
(١) "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة".
(٢) "الفتح" ١/ ٦٨١.
(٣) "الفتح" ١/ ٦٨١.
[ ١١ / ٣٥٧ ]
(فَنَزَلْتُ) أي عن الأتان (فَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ) أي ترعى، يقال: رَتَعَت الماشية رَتْعًا، من باب نَفَعَ، ورُتُوعًا: إذا رَعَت كيف شاءت، والجملة في محلّ نصب على الحال المقدَّر؛ لأن الرتع لا يحصل حالة الإرسال، أي مقَدَّرًا رُتُوعها.
وقال في "الفتح": قوله: "تَرْتَعُ" -بمثناتين مفتوحتين، وضم العين- أي تأكل ما تشاء، وقيل: تُسْرِع في المشي، وجاء أيضًا بكسر العين، بوزن "يَفتَعِلُ"، من الرَّعْي، وأصله تَرْتَعِي، لكن حذفت الياء تخفيفًا، والأول أصوب، ويدل عليه رواية البخاريّ في "الحج": "نَزَلتُ عنها، فَرَتَعَتْ". انتهى (^١).
(وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ) وفي رواية عند البخاريّ: "فدَخَلتُ في الصفّ" بالفاء، (فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ) أي لا النبيّ -ﷺ-، ولا الصحابة الذين مرّ بين أيديهم.
قال العلامة ابن دقيق العيد -﵀-: استَدَلَّ ابن عباس بترك الإنكار على الجواز، ولم يَسْتَدِلّ بترك إعادتهم للصلاة؛ لأن ترك الإنكار أكثر فائدةً.
قال الحافظ -﵀-: وتوجيهه أن ترك الإعادة يدلّ على صحتها فقط، لا على جواز المرور، وترك الإنكار يدلّ على جواز المرور، وصحةِ الصلاة معًا، ويُستفاد منه أن ترك الإنكار حجةٌ على الجواز بشرطه، وهو انتفاء الموانع من الإنكار، وثبوت العلم بالاطلاع على الفعل.
ولا يقال: لا يلزم مما ذُكِر اطّلاع النبيّ -ﷺ- على ذلك؛ لاحتمال أن يكون الصفّ حائلًا دون رؤية النبيّ -ﷺ- له؛ لأنا نقول: قد تقدم أنه -ﷺ- كان يرى في الصلاة من ورائه كما يرى من أمامه، وتقدم أيضًا أن في رواية البخاريّ في "الحج" أنه مَرّ بين يدي بعض الصفّ الأول، فلم يكن هناك حائلٌ دون الرؤية، ولو لم يَرِد شيء من ذلك، لكان توفُّر دواعيهم على سؤاله -ﷺ- عما يَحْدُث لهم كافيًا في الدلالة على اطّلاعه على ذلك. انتهى كلام الحافظ -﵀-، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٠٦.
[ ١١ / ٣٥٨ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ١١٢٩ و١١٣٠ و١١٣١ و١١٣٢] (٥٠٤)، و(البخاريّ) في "العلم" (٧٦) و"الصلاة" (٤٩٣) و"الأذان" (٨٦١) و"جزاء الصيد" (١٨٥٧) و"المغازي" (٤٤١٢) و"فضائل القرآن" (٥٠٣٦) و"الاستئذان" (٦٢٩٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧١٥)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٦٤)، و(ابن ماجه) (٩٤٧)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٥ - ١٥٦)، و(الشافعيّ) في "المسند" (١/ ٦٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٥٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٨ - ٢٨٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤٧٥)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢١٩ و٢٦٤ و٣٤٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٣٣ و٩٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢١٥١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣٠ و١٤٣١ و١٤٣٢ و١٤٣٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١١٤ و١١١٥ و١١١٦ و١١١٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن سترة الإمام سترةٌ لمن خلفه، وقد ترجم الإمام البخاريّ في "صحيحه" بهذا، فقال: "باب سترة الإمام سترة من خلفه".
قال في "الفتح": ولفظ ترجمة الباب ورد في حديث مرفوع، رواه الطبرانيّ في "الأوسط" من طريق سُويد بن عبد العزيز، عن عاصم، عن أنس -﵁-، مرفوعًا: "سُترة الإمام سترة لمن خلفه"، وقال: تَفَرّد به سُويد عن عاصم. انتهى. وسُويد ضعيف عندهم، ووردت أيضًا في حديث موقوف على ابن عمر -﵄-، أخرجه عبد الرزاق. انتهى.
قال القاضي عياض -﵀-: واختلفوا هل سترةُ الإمام بنفسها سترة لمن خلفه، أم هي سترة له خاصّةً، وهو سترة لمن خلفه؟ مع الاتّفاق على أنهم مُصَلّون إلى سترة.
[ ١١ / ٣٥٩ ]
قال الحافظ -﵀-: ويظهر أثر الخلاف الذي نقله عياض فيما لو مَرّ بين يدي الإمام أحدٌ فعلى قول من يقول: إن سترة الإمام سترةُ مَن خلفه يَضُرّ صلاته وصلاتهم معًا، وعلى قول من يقول: إن الإمام نفسه سترة من خلفه يضر صلاته، ولا يضر صلاتهم (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول بأن سترة الإمام سترة لمن خلفه هو الأرجح؛ لظاهر حديث ابن عبّاس -﵄- هذا، واللَّه تعالى أعلم.
قال القاضي أيضًا: ولا خلاف أن السترة مشروعة إذا كان في موضع لا يَأْمَن المرور بين يديه، واختلفوا إذا كان في موضع يأمن المرور بين يديه، وهما قولان في مذهب مالك، قال النووي: ومذهبنا أنها مشروعة مطلقًا؛ لعموم الأحاديث، ولأنها تصون بصره، وتمنع الشيطان المرور، والتعرض لإفساد صلاته، كما جاءت الأحاديث. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن السترة مشروعة، بل واجبة مطلقًا؛ لأمره -ﷺ- بها، وأمره للوجوب، وقد أسلفت تحقيقه، فلا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٢ - (ومنها): بيان أن صلاة الصبيّ صحيحة.
٣ - (ومنها): ما قيل: إن فيه جواز تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة الخفيفة؛ لأن المرور مَفْسَدة خفيفة، والدخول في الصلاة مصلحة راجحة، واستدَلَّ ابن عباس -﵄- على جواز المرور بعدم الإنكار؛ لانتفاء الموانع إذ ذاك، ولا يقال: منع من الإنكار اشتغالهم بالصلاة؛ لأنه نَفَى الإنكار مطلقًا، فتناول ما بعد الصلاة، وأيضًا فكان الإنكار يمكن بالإشارة.
٤ - (ومنها): أن الإمام البخاريّ احتجّ به على صحّة تحمّل الصبيّ الحديث، فترجم له، فقال: "باب متى يصحّ سماع الصغير"، ثم أورده، قال في "الفتح": وفيه ما ترجم له، أن التحمل لا يشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، قال: ويُلْحَق بالصبيّ في ذلك العبد، والفاسق، والكافر، وقامت حكاية ابن عباس لفعل النبيﷺ-، وتقريره مقام حكاية قوله؛ إذ لا فرق
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٨٢.
[ ١١ / ٣٦٠ ]
بين الأمور الثلاثة في شرائط الأداء (^١).
٥ - (ومنها): أن مَن عَلِمَ الشيء صغيرًا وأداه كبيرًا جاز، ولا خلاف فيه، وأخطأ من حَكَى فيه خلافًا، وكذا الفاسق والكافر، إذا أدّيا حال الكمال (^٢).
٦ - (ومنها): فيه جواز الركوب إلى صلاة الجماعة.
٧ - (ومنها): ما قال الْمُهَلَّب: فيه أن التقدّم إلى القعود لسماع الخطبة، إذا لم يضرّ أحدًا، والخطيبُ يَخطُب جائز، بخلاف ما إذا تخطى رقابهم.
٨ - (ومنها): أنه إذا فُعِل بين يدي النبيّ -ﷺ- شيءٌ، ولم ينكره فهو حجة.
٩ - (ومنها): جوازُ إرسال الدّابّة من غير حافظٌ، أو مع حافظٌ غير مكلَّف.
١٠ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة، فيكون ناسخًا لحديث أبي ذرّ -﵁- الذي سيأتي للمصنّف: في كون مرور الحمار يقطع الصلاة، وكذا مرور المرأة، والكلب الأسود.
وتُعُقِّب بأن مرور الحمار مُتَحَقّق في حال مرور ابن عباس، وهو راكبه، وقد تقدّم أن ذلك لا يَضُرُّ؛ لكون الإمام سترةً لمن خلفه، وأما مروره بعد أن نزل عنه، فيحتاج إلى نقل.
١١ - (ومنها): ما قال الإمام ابن عبد البرّ -﵀-: حديث ابن عباس -﵄- هذا يَخُصّ حديث أبي سعيد -﵁-: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يَدَعْ أحدًا يمرّ بين يديه"، فإن ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، فأما المأموم فلا يضرُّه مَن مَرّ بين يديه؛ لحديث ابن عباس -﵄- هذا، قال: وهذا كلُّه لا خلاف فيه بين العلماء، وكذا نقل عياض: الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة، لكن اختلفوا هل سترتهم سترة الإمام، أم سترتهم الإمام نفسه؟ انتهى.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لما رواه عبد الرزاق، عن الحكم بن عمرو الغفاريّ الصحابيّ أنه صلى بأصحابه في سفر، وبين يديه سترة، فمرّت حَمِير بين يدي أصحابه، فأعاد بهم الصلاة، وفي رواية له أنه قال لهم: إنها لم تقطع صلاتي، ولكن قطعت صلاتكم.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) "عمدة القاري" ٢/ ١٠٥.
[ ١١ / ٣٦١ ]
فهذا يَعْكُر على ما نُقِل من الاتفاق.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: خلاصة القول أن كون سترة الإمام سترة لمن خلفه، وإن لم يكن مجمعًا عليه، إلا أنه مذهب الجمهور، وهو الحقّ، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ أَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى حِمَارٍ، وَرَسولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ، يُصَلِّي بِمِنًى، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، يُصَلِّي بِالنَّاسِ، قَالَ: فَسَارَ الْحِمَارُ (^٢) بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ، ثُمَّ نَزَلَ عَنْهُ، فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه المصريّ الحافظ، تقدّم قبل باب.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (يُصَلِّي بِالنَّاسِ) تفصيل بعد إجمال، فإن قوله: "يصلّي بمنى" يَحْتَمِل أن يكون منفردًا، ويَحتَمِل أن يكون مع الناس، فبيّنه بهذه الجملة.
قَالَ: (فَسَارَ الْحِمَارُ) وفي نسخة: "فسار بالحمار".
وقوله: (ثُمَّ نَزَلَ) فيه التفات؛ إذ الظاهر أن يقول: ثم نزلتُ.
وقوله: (عَنْهُ) أي عن الحمار، وقد سبق أنها أتان، وهي أنثى الحمير، وإنما ذكّره هنا نظرًا للفظ "الحمار" فإنه مذكّر، وإن كان يُطلق على الأنثى أيضًا، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "فسار بالحمار".
[ ١١ / ٣٦٢ ]
وقوله: (فَصَفَّ مَعَ النَّاسِ) أي دخل ابن عبّاس -﵄- في صفّ الناس الذين يصلون وراء النبيّ -ﷺ-، وتمام شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣١] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي بِعَرَفَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدّموا قريبًا، أما عمرو الناقد، وابن عيينة، فتقدّما قبل باب، وأما الباقون ففي هذا الباب.
وقوله: (بِهَذَا الإِسْنَادِ) أي بإسناد الزهريّ السابق، وهو: عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن عبد اللَّه بن عبّاس -﵄-.
وقوله: (وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي بِعَرَفَةَ) تقدّم أن هذا مما خالف فيه ابن عيينة الرواة عن ابن شهاب، فالظاهر أنه وَهَم، وقد حال النوويّ في دفع هذا الوَهَم، فقال: هو محمول على أنهما قضيّتان، لكن الظاهر أنه غلطٌ؛ لاتّحاد مخرج الحديث، وقد كنت ملت في شرح النسائيّ إلى قول النووي -﵀-، لكن الآن يترجّح لي خلافه؛ لما ذكرت، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(١٨٩٤) حدّثنا سفيان، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه، عن ابن عباس: جئت أنا والفضل، ونحن على أتان، ورسول اللَّه -ﷺ- يصلي بالناس بعرفة، فمررنا على بعض الصف، فنزلنا عنها، وتركناها تَرْتَعُ، ودخلنا في الصف، فلم يقل لي رسول اللَّه -ﷺ- شيئًا. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[ ١١ / ٣٦٣ ]
[١١٣٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ "مِنًى"، وَلَا "عَرَفَةَ"، وَقَالَ: "في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عبد الرزّاق) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (معمر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: ("فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَوْ يَوْمَ الْفَتْحِ") هكذا بالشكّ في رواية معمر، وقد تقدّم أن الصواب "في حجة الوداع" بدون شكّ، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية معمر، عن الزهريّ هذه ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٣٤٤٤) حدّثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر، وعبدُ الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس، قال: جئت إلى النبيّ -ﷺ- في حجة الوداع، أو قال: يوم الفتح، وهو يصلي، أنا والفضل مرتدفان على أتان، فقطعنا الصفّ، ونزلنا عنها، ثم دخلنا الصفّ، والأتان تمر بين أيديهم، لم تقطع صلاتهم، وقال عبد الأعلى: كنت رَدِيف الفضل على أتان، فجئنا، ونبيّ اللَّه -ﷺ- يصلي بالناس بمنى. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثناه".
[ ١١ / ٣٦٤ ]