وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٣] (٥٠٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَع أَحَدًا يَمُرُّ (^١) بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلْيَدْرَأْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدَويّ مولاهم، أبو عبد اللَّه، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيه، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ) الأنصاريّ الْخَزْرجيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (١١٢) عن (٧٧) سنةً (خت م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٣ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ المدنيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقيان ذُكرا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وعبد الرحمن علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
_________________
(١) وفي نسخة: "أن يمرّ".
[ ١١ / ٣٦٥ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، وهو من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن أبا سعيد صحابيّ ابن صحابيّ، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي) أي إلى شيء يستره عن المارّ؛ لما في الرواية التالية: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع في نحره. . . "، فإطلاق هذه الرواية مقيّد بما في هذه الرواية (فَلَا يَدَعْ) أي لا يترك، وهو: مضارع وَدَعَ، يقال: وَدَعته أَدَعُهُ وَدْعًا: إذا تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثَمَّ حُذفت الواو، ثُمّ فُتِح لمكان حرف الحلق، وقد اشتهر أن العرب أماتت ماضيه، ومصدره، واسم فاعله، لكن الصواب أنه قليل الاستعمال، وقد جاء في الأحاديث الصحيحة، كحديث: "لينتهينّ قوم عن وَدْعهم الجمعات. . . " الحديث، أخرجه مسلم (^١)، وحديث: "دَعُوا الحبشة ما ودعوكم. . . " حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود، والنسائيّ (^٢)، وقُرئ في الشاذّ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] بتخفيف الدال.
(أَحَدًا) منصوب على المفعوليّة، وقول: (يَمُرُّ) في محلّ نصب نعتٌ لـ "أحدًا"، ويَحْتَمِلُ نصبه على الحال منه، وإن كان نكرةً؛ لوقوعه في سياق النفي، كما قال في "الخلاصة":
وَلَمْ يُنَكَّرْ غَالِبًا ذُو الْحَالِ … إِنْ لَمْ يَتَأَخَّرْ أَوْ يُخَصَّصْ أَوْ يَبِنْ
مِنْ بَعْدِ نَفْيٍ أَوْ مُضَاهِيهِ كَـ "لَا … يَبْغِي امْرُؤ عَلَى امْرِىٍ مُسْتَسْهِلَا"
وفي بعض النسخ: "أن يمرّ" بزيادة "أن" المصدريّة، وعليه فالمصدر
_________________
(١) سيأتي في "كتاب الجمعة" برقم (٨٦٥).
(٢) حديث حسنٌ، أخرجه أبو داود برقم (٤٣٠٢)، والنسائيّ برقم (٣١٧٦).
[ ١١ / ٣٦٦ ]
المؤوّل بدل من "أحدًا" بدل اشتمال، أي مُرُورَه، كما تقول: أعجبني زيدٌ علمه (بَيْنَ يَدَيْهِ) متعلّق بـ "يمرّ"، أي أمامه، والمراد بينه وبين السترة، وأما ما وراء السترة فليس محلّ دفعه؛ لأن المرور فيه جائزٌ، كما سبق في حديث طلحة -﵁-: "ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك" (وَلْيَدْرَأْهُ) أي ليدفع، وهو مضارع درأ، يقال: درأت الشيءَ بالهمز دَرْءًا، من باب نفع: دَفَعتُهُ، ودارأته: دافعته، وتدارءوا: تدافعوا (^١)، والمعنى: أن المصلّي يدفع من أراد المرور بينه وبين سترته (مَا اسْتَطَاعَ) "ما" مصدريّة ظرفيّةٌ، أي مدّة استطاعته.
ثم إن ظاهر هذا الأمر وجوب الدفع، وبه قال أهل الظاهر، وقال النوويّ -﵀-: الأمر بالدفع أمر ندب متأكّد، ولا أعلم أحدًا من العلماء أوجبه، بل صرّح أصحابنا وغيرهم بأنه مندوب غير واجب. انتهى (^٢).
قال في "الفتح": فكأنه لم يُراجع كلام أهل الظاهر، أو لم يعتدّ بخلافهم. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا عجيب، كيف لا يعتدّ بمن كان ظاهر النصّ معه، وهل هناك نصّ آخر يصرف الأمر عن الوجوب؟ فأين هو؟ هيهات.
قال القاضي عياض -﵀-: اتّفقوا على أنه لا يجوز له المشي إليه من موضعه ليردّه، وإنما يدفعه، ويردّه من موقفه؛ لأن مفسدة المشي في صلاته أعظم من مروره من بعيد بين يديه، وإنما أبيح له قدر ما تناله يده من موقفه، ولهذا أُمر بالقرب من سُترته، وإنما يردّه إذا كان بعيدًا منه بالإشارة، أو التسبيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقييده الدفع بموقفه فقط محلّ نظر، فأين الدليل على ذلك؟، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنْ أَبَى) أي امتنع المارّ عن الرجوع، يقال: أبى الرجل يأبى إباءً -بالكسر والمدّ- وإباءةً: امتنع، فهو آبٍ، وأَبِيٌّ، على فاعل، وفَعِيلٍ، وتأبَّى مثله، وبناؤه شاذٌّ؛ لأن فَعَلَ يَفْعَلُ -بفتحتين- يكون حلقيَّ العين، أو اللام،
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٩٤.
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢٢٣.
(٣) "الفتح" ١/ ٦٩٥.
[ ١١ / ٣٦٧ ]
وحَكَى ابن سِيدَهْ عن قومٍ: أَبِيَ يَأْبَى، كنَسِيَ يَنْسَى، وحَكَى ابن جني، وصاحب "القاموس": أَبَى يَأْبِي، كضَرَبَ يَضْرِبُ.
(فَلْيُقَاتِلْهُ) وفي رواية أبي صالح الآتية: "فليدفع في نحره، فإن أبى فليقاتله"، أي يدفع بيده في نحره، فإن لم يندفع بذلك، فليدفعه، ولو بما أَدَّى إلى قتله.
وأخرج عبد الرزّاق، عن ابن عمر -﵄- قال: "لا تَدَعْ أحدًا يمرّ بين يديك، وأنت تصلّي، فإن أبى إلا أن تقاتله فقاتله".
قال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فليدفعه" أي بالإشارة، ولطيف المنع، وقوله: "فليقاتله" أي يزيد في دفعه الثاني أشدّ من الأول، قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح؛ لمخالفة ذلك لقاعدة الإقبال على الصلاة، والاشتغال بها، والخشوع فيها. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله القرطبيّ: مخالف للحديث، فإن رواية المصنّف بلفظ: "فليدفع في نحره" صريحة، أو كالصريح في الدفع باليد، لا بالإشارة، وأصرح منها رواية الإسماعيليّ، ولفظه: "فإن أبى، فليجعل يده في صدره، ويدفعه"، وأما دعواه مخالفة الإقبال على الصلاة والخشوع، فليست مسلّمةً؛ لأن من أمر بالخشوع في الصلاة هو الذي شرع المقاتلة فيها، فلا تنافي، ولا تعارض؛ إذ كلّ من عند اللَّه تعالى، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": وأطلق جماعة من الشافعية أن له أن يقاتله حقيقةً، واستَبْعَد ابن العربيّ ذلك في "القبس"، وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة.
وأغرب الباجيّ، فقال: يَحْتَمِل أن يكون المراد بالمقاتلة اللعن، أو التعنيف.
وتُعُقّب بأنه يستلزم التكلم في الصلاة، وهو مبطل، بخلاف الفعل اليسير.
ويمكن أن يكون أراد أنه يلعنه داعيًا لا مخاطبًا، لكن فعل الصحابيّ يخالفه، وهو أدرى بالمراد.
[ ١١ / ٣٦٨ ]
وقد رواه الإسماعيلي بلفظ: "فإن أبَى فليجعل يده في صدره ويدفعه"، وهو صريح في الدفع باليد.
ونَقَلَ البيهقيّ عن الشافعيّ أن المراد بالمقاتلة دفعٌ أشدُّ من الدفع الأول.
قال: وقال أصحابنا -يعني الشافعيّة-: يردُّه بأسهل الوجوه، فإن أبى فبأشدَّ، ولو أدَّى إلى قتله، فلو قتل فلا شيء عليه؛ لأن الشارع أباح له مقاتلته، والمقاتلة المباحة لا ضمان فيها.
ونَقَل عياض وغيره أن عندهم خلافًا في وجوب الدية في هذه الحالة.
ونَقَل ابن بطال وغيره الاتفاق على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه، ولا العمل الكثير في مدافعته؛ لأن ذلك أشدّ في الصلاة من المرور.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد علمت ما في هذا عند تعقّب كلام القرطبيّ، فلا تكن من الغافلين.
قال: وذهب الجمهور إلى أنه إذا مَرّ، ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يردّه؛ لأن فيه إعادةً للمرور.
ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود وغيره أن له ذلك، ويمكن حمله على ما إذا ردَّه، فامتنع وتمادى، لا حيث يُقَصِّر المصلي في الردّ. انتهى (^١).
وقال ابن المنذر -﵀-: وقد اختلف أهل العلم في ردّ المصلّي من مرّ بين يديه من حيث جاء، فرخّص قوم في ردّه إذا مرّ، روي هذا القول عن عبد اللَّه بن مسعود، وكذلك فعله سالمٌ، ورُوي عن الحسن البصريّ.
وقال آخرون: لا يردّه بعد أن جاز، كذلك قال الشعبيّ والثوريّ وإسحاق ابن راهويه، وكذلك نقول؛ لأن رجوعه من حيث جاء يكون مرورًا ثانيًا بين يدي المصلّي، وليس لذلك وجهٌ. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن القول الثاني هو الأرجح، كما رجحه ابن المنذر -﵀-، وذكر حجته، فتأمله، واللَّه تعالى أعلم.
(فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ") الفاء تعليليّة؛ لأن ذلك المارّ الآبي عن الرجوع شيطان، وفي حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- الآتي: "فإن معه القرين"، أي الشيطان.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٥.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٩٥ - ٩٦.
[ ١١ / ٣٦٩ ]
قال القاضي عياض -﵀-: قيل: معناه: فإنما حمله على مروره، وامتناعه من الرجوع الشيطان، وقيل: معناه يَفْعَل فِعْلَ الشيطان؛ لأن معنى الشيطان البعيد من الخير، وقبولِ السنة، من قولهم: ومنه سُمّي الشيطان؛ لبعده عن رحمة اللَّه تعالى، فسمّاه شيطانًا؛ لاتّصافه بوصفه، كما يقال: فلان الأسد، أي يبطش ويَقْوَى كبطشة الأسد وقوّته، وقيل: المراد بالشيطان هنا قرين الإنسان اللازم له، كما قال في الرواية الأخرى: "فإن معه القرين"، ويكون هذا من معنى قوله في الحديث الآخر: "فإن الشيطان يحول بينكم وبينها"، فيكون على هذا يمنع الإنسان الجواز بين يدي المصلّي من أجل الشيطان اللازم له؛ لكونه خبيثًا نجسًا، ويكون اللَّه تعالى يمنعه من التسلّط على المشي أمام المصلّي، وقطع صلاته إذا اجتهد العبد في الدنُوّ من قبلته، وامتثل ما أُمر به، ولم يجعل له سبيلًا إليه، بخلافه إذا لم يدْنُ من السترة. انتهى كلام القاضي -﵀- (^١). واللَّه أعلم.
وقال في "الفتح": قوله: "فإنما هو شيطان" أي فعله فعلُ الشيطان؛ لأنه أبى إلا التشويش على المصلي، وإطلاق الشيطان على المارد من الإنس سائغ شائع، وقد جاء في القرآن قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١١٣٣ و١١٣٤] (٥٠٥)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٩) و"بدء الخلق" (٣٢٧٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٩٧ و٦٩٨ و٧٠٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٦٦)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٤)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٧٩ و٢٨٣)،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١.
[ ١١ / ٣٧٠ ]
و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٤ و٤٣ و٤٤ و٦٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٢٤٠)، و(علي بن الجعد) في "مسنده" (٣١٩٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨١٦ و٨١٨ و٨١٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٧ و٢٣٧٢)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٦٠ و٤٦١) و"مشكل الآثار" (٣/ ٢٥٠)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٦٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٧ و٢٦٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٨ و١٣٨٩ و١٣٩٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١١٨ و١١١٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة دفع المارّ، ويكون ذلك بالأسهل، فالأسهل، فإن لم يرتدع فبالأشدّ، ولو أدّى إلى مقاتلته.
٢ - (ومنها): التشديد في المرور بين يدي المصلّي وبين سترته، حيث إن المارّ شُرع دفعه، ولو أدّى إلى قتله، وكذلك سمّاه شيطانًا.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: يُستدلّ بالحديث على تحريم المرور بين المصلّي وسترته؛ لأنه جعله من عمل الشيطان، وأمر بالعقوبة عليه، وذلك من أدلّة التحريم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أن قوله في رواية أبي صالح التالية: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس. . . إلخ" يدلّ على أن حقّ دفع المارّ إذا كان المصلى متّخذًا سترة، وإلا فلا يحقّ له الدفع.
قال ابن المنذر -﵀-: ليس لأحد أن يمرّ بين يدي من يصلّي إلى سُترة، وإن مرّ بين يديه، وهو يصلّي إلى سترة كان له دفعه، فإن لم يندفع قاتله، إن أبى إلا أن يمرّ بين يديه، وقد رخّص في المرور بين يدي من يصلّي إلى غير سترة بعض أهل العلم، واحتجّ بحديث المطّلب بن أبي وداعة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار بحديث ابن أبي وَداعة إلى ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، عن المطَّلِب بن أبي وَدَاعة، قال:
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀٤/ ٨٨.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٩٥.
[ ١١ / ٣٧١ ]
رأيت النبيّ -ﷺ- حين فرغ من أسبوعه، أتى حاشية الطَّوَاف، فصلى ركعتين، وليس بينه وبين الطُّوّاف أحد.
لكن الحديث ضعيف؛ وقد بيّنته في "شرح النسائيّ" (^١)، والأولى الاحتجاج برواية المصنّف -﵀-، حيث قال: "إلى شيء يستره"، فإنه يدلّ على أن الدفع لمن له سُترة، وأما غيره فلا، واللَّه تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز إطلاق لفظ الشيطان على مَنْ يَفْتِن في الدين، وأن الحكم للمعاني دون الأسماء؛ لاستحالة أن يصير المارّ شيطانًا بمجرّد مروره، قاله ابن بطّال -﵀-.
قال في "الفتح": وهو مبنيّ على أن لفظ "الشيطان" يُطْلَق حقيقة على الجنيّ، ومجازًا على الإنسيّ، وفيه بحث.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن لفظ الشيطان يُطلق حقيقة على الإنسيّ، وغيره من الحيوان المتمرّد، كما قال اللَّه تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ الآية [الأنعام: ١١٢]، قال في "القاموس": الشيطان معروفٌ، وكلُّ عَاتٍ متمرِّدٍ من إنس، أو جنّ، أو دابّة. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": وفي الشيطان قولان:
أحدهما: أنه من شَطَنَ: إذا بَعُد عن الحقّ، أو عن رحمة اللَّه، فتكون النون أصليّة، ووزنه فَيْعَال، وكلّ عاتٍ متمرّد من الجنّ والإنس، والدوابّ، فهو شيطان، ووصف أعرابيّ فرسه، فقال: كأنه شيطان في أشطان (^٣).
والقول الثاني: أن الياء أصليّة، والنون زائدة، عكس الأول، وهو شاط يشيط إذا بطل، أو احترق، فوزنه فعلان. انتهى (^٤).
والحاصل أنه لا داعي لدعوى المجاز، فإن الشيطان يُطلق حقيقةً على كلّ متمرّد إنسيّ، أو جنّيّ، أو غيرهما، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: "ذخيرة العقبى" ٩/ ٢٢٨ - ٢٣٣.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٢٤٠.
(٣) جمع شَطَن بفتحتين: وهو الحبل.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٣١٣.
[ ١١ / ٣٧٢ ]
٥ - (ومنها): أنه في المنازعات ينبغي رفع الحكم إلى الحاكم، ولا ينتقم الخصم بنفسه، هكذا قيل (^١).
٦ - (ومنها): أن رواية العدل مقبولة، وإن كان الراوي لها منتفعًا بها، فإن أبا سعيد -﵁- حدّث بالحديث؛ احتجاجًا على ما فعله بالشابّ.
٧ - (ومنها): أن ابن أبي جمرة: استنبط من قوله: "فإنما هو شيطان" أن المراد بقوله: "فليقاتله" المدافعة اللطيفة، لا حقيقة القتال، قال: لأن مقاتلة الشيطان إنما هي بالاستعاذة، والتستر عنه بالتسمية ونحوها، وإنما جاز الفعل اليسير في الصلاة للضرورة، فلو قاتله حقيقة المقاتلة لكان أشدّ على صلاته من المارّ.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ما قاله ابن جمرة: فيه نظرٌ، بل الأولى حمل المقاتلة على حقيقتها، كما هو صريح الحديث، وفهمه الصحابيّ الراوي له -﵁-، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وهل المقاتلة لخلل يقع في صلاة المصلي من المرور، أو لدفع الإثم عن المارّ؟ الظاهر الثاني. انتهى.
وقال غيره: بل الأول أظهر؛ لأن إقبال المصلي على صلاته أولى له من اشتغاله بدفع الإثم عن غيره.
وقد رَوَى ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود -﵁-: "إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته".
ورَوَى أبو نعيم، عن عمر -﵁-: "لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه، ما صلى إلا إلى شيء يستره من الناس".
قال الحافظ -﵀-: فهذان الأثران مقتضاهما أن الدفع لخلل يتعلق بصلاة المصلي، ولا يختص بالمارّ، وهما وإن كانا موقوفين لفظًا، فحكمهما حكم الرفع؛ لأن مثلهما لا يقال بالرأي. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٤٢٨.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٩٥ - ٦٩٦.
[ ١١ / ٣٧٣ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ هِلَالٍ، يَعْنى حُمَيْدًا، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثًا، إِذْ قَالَ أَبُو صَالِح السَّمَّانُ: أَنَا أُحَدِّثُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَأَيْتُ مِنْهُ، قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ، يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ، مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ، أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ، فَنَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ، فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ، فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ، فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلابْنِ أَخِيكَ، جَاءَ يَشْكُوكَ؟ (^١) فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَي شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ في نَحْرِهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م دس) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) الْقَيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثقةٌ قاله ابن معين [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، توقّف فيه ابن سيرين؛ لدخوله في عمل السلطان [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٤ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) الزيّات، ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وأبو سعيد -﵁- ذُكِر قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "يشتكيك".
[ ١١ / ٣٧٤ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فتفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي صالح، وهو والصحابيّ مدنيان.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث.
٥ - (ومنها): أن البخاريّ لم يُخرج لسليمان بن المغيرة هذا حديثًا موصولًا إلا هذا الحديث مقرونًا بيونس بن عُبيد، وأورد له أربعة أحاديث تعليقًا، وأما المصنّف فأخرج له (٣٩) حديثًا، فاحفظه، فإنه نفيس، وباللَّه تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ ابن رجب -﵀-: لم يُخرج البخاريّ لسليمان بن المغيرة إلا هذا الحديث متابعةً لحديث يونس بن عُبيد، وإنما خرّجه بعد إسناد حديث يونس؛ لما فيه من الزيادة في إسناده ومتنه.
أما في إسناده، ففيه التصريح بسماع حميد له من أبي صالح، وسماع أبي صالح له من أبي سعيد.
وأما في المتن، فإن فيه ذكر الصلاة إلى الستر، وليس هو في حديث يونس.
وكذلك رواه سَلِيم بن حيّان، عن حميد، ولم يقل أيضًا: "إذا صلّى أحدكم إلى شيء يستره من الناس"، وحينئذ، فلفظ الحديث الذي ساقه البخاريّ لسليمان بن المغيرة، وحَمَلَ حديث يونس عليه، ولم يُنبّه على ما في حديث سليمان من الزيادة، وقد نَبّه على ذلك الإسماعيليّ.
وكذلك روى مالك، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمرّ بين يديه، ولْيَدْرَأْه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان"، خرّجه مسلم.
[ ١١ / ٣٧٥ ]
وقد روي هذا الحديث عن أبي سعيد، من رواية عطاء بن يسار، وأبي الودّاك، ورُوي أيضًا من رواية عطاء بن يسار عنه، وليس في حديث أحد منهم ذكر الصلاة إلى السترة، وإنما تفرّد بها سليمان بن المغيرة في حديثه عن حميد بن هلال، واللَّه أعلم.
وتابعه على ذكرها ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، وقد خرّج حديثه أبو داود، وابن ماجه، وليس ابن عجلان بذاك الحافظ.
وتابعه أيضًا داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، خرّج حديثه عبد الرزاق عنه بسياق مطوّل، قال في "مصنّفه" (٢/ ٢٠):
عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، قال: بينا أبو سعيد الخدريّ يصلي، إذ جاءه شابّ يريد أن يمرّ قريبًا من سترته، وأمير المدينة يومئذ مروان، قال: فدفعه أبو سعيد حتى صَرَعَهُ، قال: فذهب الفتى حتى دخل على مروان، فقال: ها هنا شيخ مجنون دفعني حتى صرعني، قال: هل تعرفه؟ قال: نعم، قال: وكانت الأنصار تدخل عليه يوم الجمعة، قال: فدخل عليه أبو سعيد، فقال مروان للفتى: هل تعرفه؟ قال: نعم، هو هذا الشيخ، قال مروان للفتى: أتعرف مَن هذا؟ قال: لا، قال: هذا صاحب رسول اللَّه -ﷺ-، قال: فرَحّب به مروان، وأدناه حتى قعد قريبًا من مجلسه، فقال له: إن هذا الفتى يذكر أنك دفعته حتى صرعته، قال: ما فعلت فردّها عليه، وهو يقول: إنما دفعت شيطانًا، قال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إذا أراد أحد أن يمر بين يديك وبين سترتك، فَرُدَّه، فإن أبى فادفعه، فإن أبى فقاتله، فإنما هو شيطان". انتهى كلام ابن رجب بزيادة (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن بما سبق أن زيادة "إلى شيء يستره من الناس" لم ينفرد بها سليمان بن المغيرة، بل تابعه داود بن قيس، وهو ثقةٌ فاضلٌ، وابن عجلان، وهو -وإن قال ابن رجب: ليس بذاك الحافظ، فالحقّ
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀٤/ ٧٨ - ٨٠.
[ ١١ / ٣٧٦ ]
أنه صالح في المتابعة، فقد وثّقه الأئمة: أحمد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائيّ، وغيرهم، وإنما قالوا اختلطت عليه أحاديث سعيد المقبريّ، عن أبي هريرة -﵁-، وهذه ليست منها.
والحاصل أن زيادة سليمان هذه، أعنى قوله: "إلى شيء يستره"، صحيحة بلا ريب، كما هو رأي الشيخين، حيث أخرجاها في "صحيحيهما"، وقد رواها ثلاثة من الثقات: سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هلال، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وداود بن قيس، وابن عجلان، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
شرح الحديث:
عن حُميد بن هلال: أنه (قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا) تقدّم الكلام على "بينما"، و"بينا" غير مرّة، وخلاصته أن أصلهما "بين" الظرفيّة، زيدت عليها "ما"، فصارت "بينما"، أو أُشبعت الفتحة، فصارت "بينا"، وهما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويُضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتمّ به المعنى، وكثيرًا ما يُقرن جوابهمابـ "إذ"، أو "إذا"، نحو: بينما زيد جالسٌ إذ دخل عليه عمرو، أو إذا دخل عليه عمرو، ومنه قول [من الطويل]:
فَبَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالأَمْرُ أَمْرُنا … إِذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ
وبعضهم يقول: الأفصح في جوابها أن لا تُقرن بهما، لكن المسموع في الأحاديث الصحيحة، وكلام العرب كثير، واللَّه تعالى أعلم (^١).
(وَصَاحِبٌ لِي نَتَذَاكَرُ حَدِيثًا) أي نتدارسه، ويذكّر بعضنا بعضًا (إِذْ قَالَ أَبُو صَالِحٍ) "إذ" هي الفجائيّة، أي فاجأني قول أبي صالح (السَّمَّانُ) واسمه ذكوان، كما سَبق آنفًا (أنَا أُحَدِّثُكَ) بكسر الدال المشدّدة، من التحديث (مَا) موصول بمعنى الذي، أو موصوف بمعنى شيئًا، منصوب على المفعوليّة (سَمِعْتُ) بحذف العائد؛ لكونه فضلةً، كما قال في "الخلاصة":
. . . . . . . . . . . . . . … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كَثِيرٌ مُنْجَلِي
_________________
(١) راجع: "لسان العرب" ١٣/ ٦٣ - ٦٧.
[ ١١ / ٣٧٧ ]
فِي عَائِدٍ مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْلٍ أَوْ وَصْفٍ كَـ "مَنْ نَرْجُو يَهَبْ"
(مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريّ -﵁-، أراد به المرفوع، وهو قوله -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره. . . " الحديث (وَرَأَيْتُ مِنْهُ) أي يعني الفعل الذي صدر منه مع ذلك الشابّ الذي أراد المرور بين يديه، وهو يصلّي، وقوله: (قَالَ) بيان وتفسير لقوله: "ما سمعت من أبي سعيد. . . إلخ" (بَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَبِي سَعِيدٍ) -﵁- (يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال، أي حال كونه مصلّيًا يوم الجمعة (إِلَى شَيْءٍ) متعلّقٌ بـ "يصلي" (يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "شيء" (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ) سبق آنفًا أن "إذ" فجائيّة، أي فاجأني مجيء شابّ، يقال: شَبّ الصبيّ يَشِبّ، من باب ضرب شَبَابًا، وشَبِيبةً، وهو شابّ، وذلك سنٌّ قبل الْكُهُولة، وقومٌ شُبّان، مثلُ فارس وفُرْسَان، والأنثى شابّةٌ، والجمع شَوابّ، مثلُ دابّة ودَوَابّ (^١). (مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ) بضم الميم، وفتح العين المهملة، وسكون الياء، آخره طاء مهملة، مصغّرًا، وهو تصغير أمعط، وهو الذي لا شعر عليه، والأمعط، والأمر سواء، وأبو معيط في قريش، واسمه: أبان بن أبي عمرو ذكوان بن أُميّة الأكبر، وهو والد عقبة بن أبي مُعيط الذي قتله رسول اللَّه -ﷺ- صبرًا، قاله في "العمدة" (^٢).
قال في "الفتح": وقع في "كتاب الصلاة" لأبي نعيم أنه الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط، أخرجه عن عبد اللَّه بن عامر الأسلميّ، عن زيد بن أسلم قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بيق يديه، فدفعه، فأبى إلا أن يمر بين يديه، فدفعه، هذا آخر ما أورده من هذه القصة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: هذا آخر القصّة، هكذا قال في "الفتح"، لكن يُخالفه ما ذكره ابن رجب في "شرحه"، ونصّه: وروى أبو نعيم في "كتاب الصلاة": ثنا عبد اللَّه بن عامر، عن زيد بن أسلم، قال: بينما أبو سعيد قائم يصلي في المسجد، فأقبل الوليد بن عقبة بن أبي مُعيط، فأراد أن يمر بين يديه، فدرأه، فأبى إلا أن يمر، فدفعه، ولطمه، وقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٢.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٤٢٥.
[ ١١ / ٣٧٨ ]
يقول: "إن أبى إلا أن يمرّ فاردده، فإن أبى إلا أن يمرّ فادفعه، فإنما تدفع الشيطان".
قال: عبد اللَّه بن عامر الأسلميّ فيه ضعف، وزيد بن أسلم إنما رواه عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، كما تقدّم، وتسمية الوليد بن عقبة غريبٌ غير محفوظ. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الحافظ -﵀-: وفي تفسير الذي وقع في "الصحيح" بأنه الوليد هذا نظرٌ؛ لأن فيه أنه دخل على مروان، زاد الإسماعيليّ: ومروان يومئذ على المدينة. انتهى. ومروان إنما كان أميرًا على المدينة في خلافة معاوية، ولم يكن الوليد حينئذ بالمدينة؛ لأنه لما قُتل عثمان تَحَوَّل إلى الجزيرة، فسكنها حتى مات في خلافة معاوية، ولم يَحضُر شيئًا من الحروب التي كانت بين عليّ ومن خالفه، وأيضًا فلم يكن الوليد يومئذ شابًّا، بل كان في عشر الخمسين، فلعله كان فيه، فأقبل ابن للوليد بن عقبة فيتجه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حاصل ما تقدّم أنه كون المارّ الوليد بن عقبة لا يصحّ سندًا، ولا يوافقه التاريخ أيضًا، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
ورَوَى عبد الرزاق حديث الباب، عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه، فقال فيه: "إذ جاء شابٌّ"، ولم يسمه أيضًا.
وعن معمر، عن زيد بن أسلم، وقال فيه: "فذهب ذو قرابة لمروان".
ومن طريق أبي العلاء، فيه عن أبي سعيد، فقال فيه: "مَرّ رجل بين يديه، من بني مروان".
وللنسائي من وجه آخر: "فمَرّ ابن لمروان"، وسماه عبدُ الرزاق من طريق سليمان بن موسى: "داود بن مروان"، ولفظه: "أراد داود بن مروان أن يمرّ بين يدي أبي سعيد، ومروان يومئذ أمير المدينة"، فذكر الحديث، وبذلك جزم ابن الجوزيّ، ومن تبعه في تسمية المبهم الذي في "الصحيح" بأنه داود بن مروان.
وفيه نظرٌ؛ لأن فيه أنه من بني أبي مُعَيط، وليس مروان من بنيه، بل أبو
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٨٦ - ٨٧.
[ ١١ / ٣٧٩ ]
معيط ابن عمّ والد مروان؛ لأنه أبو معيط بن أبي عمرو بن أمية، ووالد مروان هو الحكم بن أبي العاص بن أمية، وليست أمّ داود، ولا أمّ مروان، ولا أم الحكم من ولد أبي مُعيط، فيَحْتَمِل أن يكون داود نُسِب إلى أبي مُعيط من جهة الرضاعة، أو لكون جدّه لأمه عثمان بن عفان كان أخًا للوليد بن عقبة بن أبي معيط لأمه، فنُسِب داود إليه مجازًا.
قال الحافظ -﵀-: وفيه بُعْدٌ، والأقرب أن تكون الواقعة تعددت لأبي سعيد مع غير واحد، ففي "مصنف ابن أبي شيبة" من وجه آخر، عن أبي سعيد، في هذه القصة: "فأراد عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يمرّ بين يديه"، الحديث، وعبد الرحمن مخزوميّ ما له من أبي مُعيط نسبة. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله حسن، إلا أن الوليد بن عقبة لا يدخل في التعدّد؛ لما تقدّم من أن ذكره هنا لا يصحّ أصلًا، واللَّه تعالى أعلم.
(أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ) بالجيم من الجواز، وهو المرور، يقال: جاز الموضع يجوزه جوازًا، واجتازه: سلكه، وسار فيه، وأجازه: خلّفه وقطعه (^٢). (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي قدّامه، والظاهر أنه كان بينه وبين سترته، إذ لو لم يستتر لما دفعه، بدليل قوله في احتجاجه: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس. . . إلخ" (فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ) أي صدر ذلك الشابّ، قال الفيّوميّ -﵀-: "النحر": موضع القلادة من الصدر، والجمع نُحُورٌ، مثلُ فَلْس وفُلُوس، وتُطلَق النحور على الصدور. انتهى (^٣). (فَنَظَرَ) أي ذلك الشابّ (فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا) بفتح الميم، وبالغَين المعجمة: أي طريقًا يمكنه المرور منها، يقال: ساغ الشراب في الحلق: إذا نزل من غير ضرر، وساغ الشيءُ: طاب (^٤). (إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ) -﵁- (فَعَادَ) الشابّ إلى أن يمرّ بين يديه، حيث فقد المساغ (فَدَفَعَ) أبو سعيد (فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى) أي من المرّة الأولى، قال
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٤.
(٢) راجع: "مختار الصحاح" (ص ٧٣).
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٥.
(٤) "عمدة القاري" ٤/ ٤٢٥.
[ ١١ / ٣٨٠ ]
الفيّوميّ -﵀-: "الدَّفْعَة" بالفتح: المرّة، وبالضمّ: اسمٌ لما يُدفع بمرّة، يقال: دَفَعتُ من الإناء دَفْعَةً بالفتح بمعنى المصدر، وجمعُها دَفَعَاتٌ، مثلُ سَجْدة وسَجَدَات، وبَقِيَ في الإناء دُفْعَةٌ بالضمّ: أي مقدارٌ يُدفع. انتهى (^١). (فَمَثَلَ قَائِمًا) أي انتصب الشابّ قائمًا، يقال: مَثَلَ بين يديه مُثُولًا: من باب قَعَد: إذا انتصب قائمًا، قاله في "المصباح" (^٢)، وزاد في "القاموس": "مَثُل" بضمّ المثلّثة، ككرُم.
فـ "قائمًا" حال مؤكّد لعامله، وهو "مَثَلَ"، على حدّ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، قال ابن مالك في "خلاصته":
وَعَامِلُ الْحَالِ بِهَا قَدْ أُكِّدَا … فِي نَحْوِ"لَا تَعْثَ فِي الأَرْضِ مُفْسِدَا"
(فَنَالَ) الشابّ (مِنْ أَبِي سَعِيدٍ) -﵁- أي أصاب من عِرْضه بالشتم، أو نحوه، وهو من النيل، وهو الإصابة (ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ) أي من المسجد.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وفيما فعله أبو سعيد -﵁- دليلٌ على دفع المارّ بين المصلّي، وبين سترته، وإن ازدحم الناس، ولم يجد المارّ سبيلًا سوى ذلك، ويدلّ عليه أيضًا قول النبيّ -ﷺ-: "لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه، لكان أن يقِفَ أربعين خيرٌ له من أن يمرّ"، فإنه يدلّ على أن وقوفه أربعين ينتظر مسلكًا يُباح له المرور فيه خيرٌ له من المرور بين يدي المصلّي، وإن لم يجد طريقًا غيره.
وقد قال بعض الشافعيّة والمالكيّة، والحنابلة: لا يكره المرور حينئذ، ولا يمنع منه، قال الحنابلة: لكن يضع المارّ شيئًا يمرّ من ورائه، أو يخطّ خطًّا إذا لم يجد.
قال: والرجوع إلى ما فَهِمه الصحابيّ من الحديث الذي رواه، وعمل به مستدلًّا به أولى.
قال: وقول النبيّ -ﷺ-: "إذا كان أحدكم يصلّي، فلا يدع أحدًا يمُرّ بين يديه، وليدرأ ما استطاع" أمرٌ بدفع المارّ، ونهي عن تمكينه من المرور، وظاهره الوجوب، وقد وقع في كلام ابن عبد البرّ ما يقتضيه، وأنه لا يعلم فيه خلافًا،
_________________
(١) "المصباح" ١/ ١٩٦.
(٢) راجع: "المصباح" ٢/ ٥٦٤.
[ ١١ / ٣٨١ ]
ووقع في كلامه أيضًا ما يقتضي أنه على الندب دون الوجوب. انتهى كلام ابن رجب (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أجاد الحافظ ابن رجب في تحقيقه هذا.
أما أوّلًا فإن ما فهمه أبو سعيد -﵁- من أن الدفع على إطلاقه، سواء كان للمارّ مندوحة أم لا؟ هو الحق الذي ينبغي أن لا يُتجاوز إلى غيره إلا بدليل أوضح منه، من نصّ أو إجماع؛ لأن الصحابي من أهل اللسان يفهم دقائق اللغة العربيّة، ويفهم حقائق الشريعة، حيث جالس صاحبها -ﷺ-، وفهم مقاصده، فينبغي أن يُقدّم على فهم غيره، واللَّه تعالى أعلم.
وأما ثانيًا فقوله: "وظاهره الوجوب"، هو الذي سبق لنا ترجيحه، وإن كان الأكثرون على خلافه؛ لأن الأمر والنهي للوجوب والتحريم، ما لم يصرفهما صارف، ولم يذكر القائلون بالندبيّة هنا صارفًا معتبرًا، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة الأمويّ، أبو عبد الملك المدنيّ، يقال: إنه رأى النبيّ -ﷺ-، قاله الواقديّ، ولم يَحفَظ منه شيئًا، توُفّي النبيّ -ﷺ-، وهو ابن ثمان سنين، ولي الخلافة في آخر سنة (٦٤)، ومات بدمشق لثلاث خلون من رمضان سنة (٦٥ هـ) وهو ابن (٦١ أو ٦٣) سنة، وله ذكر عند المصنّف، وأخرج له البخاريّ، والأربعة.
(فَشَكَا إِلَيْهِ) أي إلى مروان (مَا) موصولة، أي الذي (لَقِيَ) بفتح أوله، وكسر ثانيه، من باب تعب، أي أصابه من أبي سعيد من الدفع على نحره (قَالَ) أبو صالح (وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ) -﵁- (عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"لك" خبره وقوله: (وَلابْنِ أَخِيكَ) عطف على "لك" بإعادة الخافض، وهو لازم عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك، كما أشار إليه في "الخلاصة" بقوله:
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا
وَلَيْسَ عِنْدِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٨٠ - ٨١.
[ ١١ / ٣٨٢ ]
وأطلق الأُخُوّة باعتبار الإيمان، وهذا يؤيّد أن المارّ غير الوليد؛ لأن أباه عُقبة قُتل كافرًا، واستَدَلَّ الرافعيّ بهذه القضة على مشروعية الدفع، ولو لم يكن هناك مَسْلَكٌ غيره، خلافًا لإمام الحرمين.
وقوله: (جَاءَ يَشْكُوكَ؟) أي يُخبر عنك بسوء فعلك به، وفي بعض النسخ: "يشتكيك"، وهو بمعناه، قال في "المختار": شكاه، من باب عَدَا وشِكَايَةً بالكسر، وشَكِيّةً، وشكاةً بالفتح: أي أخبر عنه بسوء فعله به، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٌّ، والاسم: الشَّكْوَى، وأشكاه: فَعَلَ به فعلًا أحوجه إلى أن يشكوه، وأشكاه أيضًا: أعتبه من شكواه، ونزع عنه شِكايته، وأزاله عمّا يشكوه، وهو من الأضداد، واشتكاه مثلُ شكاه. انتهى (^١). وأفاد في "القاموس" أن شَكَيت بالياء لغة في شَكَوت بالواو (^٢).
والجملة محلّ نصب على الحال من "ابن أخيك".
(فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ) -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ) قال ابن دقيق العيد -﵀-: ولو أخذ من هذا جواز التستّر بالأشياء عمومًا، لكان فيه ضعفٌ؛ لأن مقتضى العموم جواز المقاتلة عند وجود كل شيء ساتر، لا جواز الستر بكلّ شيء، إلا أن يُحمل الستر على الأمر الحسيّ، لا الأمر الشرعيّ، وبعض الفقهاء كَرِه التستّر بآدميّ، أو حيوان غيره؛ لأنه يصير في صورة المصلّي إليه، وكرهه مالك في المرأة. انتهى (^٣).
(فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ) أي يمرّ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي بينه وبين الساتر الذي أمامه، وليس المراد ما يعم ما وراء السترة؛ لأن المرور وراءها جائز، كما تقدّم في حديث طلحة -﵁- حيث قال: "ولا يبالي مَن مرّ وراء ذلك". (فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ) أي صدر مريد المرور (فَإِنْ أَبَى) أي امتنع عن الرجوع (فَلْيُقَاتِلْهُ) بكسر لام الأمر، وسكونها (فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ") أي لكونه متمرّدًا عن الاستجابة لترك المنكر، فكلّ من عَتَى، وتَمَرّد عن الحقّ، فهو شيطان، أو المراد أن الذي حمله على هذا العصيان شيطانه الذي تسلّط عليه، ويؤيّد هذا حديث ابن
_________________
(١) "مختار الصحاح" (ص ١٦٩).
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٣٥٠.
(٣) "إحكام الأحكام" ٢/ ٤٥٤ بنسخة الحاشية.
[ ١١ / ٣٨٣ ]
عمر -﵄- بلفظ: "فإن معه القرين"، والحديث متّفقٌ عليه، وقد سبقت مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٥] (٥٠٦) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَلَا يَدَعْ أَحَدًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن مروان الْحَمّالُ، أبو موسى البغداديّ البزّاز، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ الزاهد، ثقةٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ) الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٤ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَان) بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
٥ - (صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ) الْجَزَريّ، نزيل مكة، ثقة [٤].
رَوَى مالك بن أوس بن الْحَدَثان، وسعيد بن جبير، وطاووس بن كيسان، والقاسم بن محمد، والزهريّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
وروى عنه شعبة، وابن جريج، ومالك، وابن إسحاق، ومعمر، والسفيانان، والضحاك بن عثمان، وجرير بن عبد الحميد، وجماعة.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقة من الثقات، وقال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، قال: قلت له: من أهل مكة؟ فقال: من أهل الجزيرة، سكن مكة، وقال له سفيان: بلغني أنك
[ ١١ / ٣٨٤ ]
من الخوارج، قال: كنت منهم، فعافاني اللَّه منه، قال أبو داود: كان مُتَوَحِّشًا يصلي بمكة جمعةً، وبالمدينة جمعةً، وقال ابن سعد: تُوُفّي في أول خلافة بني العباس، وكان ثقةً قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر بعضهم أنه عَمّ محمد بن إسحاق بن يسار، وهو وَهَمٌ ممن قاله، وقال النسائيّ، ويعقوب بن سفيان: ثقةٌ.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث فقط.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب -﵄-، ذُكر في الباب الماضي.
وقوله: (فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ) أي مصاحبه من الشياطين، قال ابن الأثير -﵀-: القرين يكون في الخير والشرّ، قال: ومنه الحديث: "ما من أحد إلا وُكل به قرينه"، أي مصاحبه من الملائكة والشياطين، وكلّ إنسان فإن معه قرينًا منهما، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، ويحُثّه عليه، وقرينه من الشياطين يأمره بالشرّ، ويَحثّه عليه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار ابن الأثير بهذا إلى ما أخرجه المصنّف -﵀- عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا وقد وُكِل به قَرينه من الجنّ"، قالوا: وإياك يا رسول اللَّه؟ قال: "وإياي، إلا أن اللَّه أعانني عليه فأسلمُ، فلا يأمرني إلا بخير" (^٢).
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده"، عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ليس منكم من أحد، إلا وقد وُكِل به قرينه من الشياطين"، قالوا: وأنت يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلم" (^٣).
وأخرج الدارميّ في "سننه" عن عبد اللَّه -يعني ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ما منكم من أحد إلا ومعه قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك؟ قال: "نعم وإياي، ولكن اللَّه أعانني عليه، فأسلم".
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٥٤.
(٢) سيأتي للمصنف في "صفة القيامة" برقم (٢٨١٤).
(٣) "المسند" برقم (٢٣١٩).
[ ١١ / ٣٨٥ ]
قال أبو محمد: من الناس من يقول: أسلمَ استسلم، يقول: ذَلَّ. انتهى (^١).
وتمام شرح الحديث، وفوائده، تقدّمت في شرح الأحاديث الماضية.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد اللَّه بن عمر -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١١٣٥ و١١٣٦] (٥٠٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٢ و٢٣٧٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٥٧٣)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٦١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٨٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٨)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد اللَّه بن شريك بن زهير بن سارية أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ [٩].
رَوَى عن أفلح بن حميد، وأسامة بن زيد الليثيّ، وخُثَيم بن عِراك،
_________________
(١) "سنن الدارميّ" برقم (٢٦١٨).
(٢) وفي نسخة: "حدّثنيه إسحاق"، وفي أخرى: "حدّثني".
[ ١١ / ٣٨٦ ]
وسعيد بن أبي عروبة، والثوريّ، ومالك، وكثير بن زيد، والهيثم بن رافع، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ ابن المدينيّ، وأبو موسى، وبُندار، وعمرو بن عليّ، وإسحاق بن منصور، وعباس بن عبد العظيم، وهارون الحمّال، ومحمد بن رافع، وبكر بن خلف، وأبو خَيثمة، ومحمد بن يحيى الذُّهْليّ، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: ثقةٌ، وقال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: أنا أحدث عنه، وقال أبو زرعة: هم ثلاثة إخوة، وهم ثقات، وقال العجليّ: بصريّ ثقةٌ، وقال العُقَيليّ: عبد الكبير ثقةٌ، وأخوه أبو عليّ ثقةٌ، والأخ الثالث ضعيف، يعني عُميرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: هم إخوة أربعة: أبو بكر، وأبو عليّ، وأبو المغيرة، واسمه عُمير، وشَرِيكٌ، وقال الدارقطنيّ: هم أربعة إخوة، لا يُعْتَمَد منهم إلا على أبي بكر، وأبي عليّ.
وقال محمد بن سعد: كان ثقةً، وتُوُفّي بالبصرة سنة أربع ومائتين، وفيها أرَّخه أبو داود.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب عشرة أحاديث فقط.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (قَالَ، بِمِثْلِهِ) الضمير لأبي بكر الحنفيّ، أي قال أبو بكر، عن الضحّاك بن عثمان بمثل رواية محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك، عنه.
[تنبيه]: رواية أبي بكر الحنفيّ هذه ساقها الإمام ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٩) فقال:
(٨٠٠) أنا أبو طاهر (^١)، نا أبو بكر (^٢)، ثنا بُندار، ثنا أبو بكر -يعني الحنفيّ- ثنا الضحاك بن عثمان، حدثني صدقة بن يسار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تُصَلّ إلا إلى سُتْرة، ولا تَدَعْ أحدًا يَمُرُّ بين
_________________
(١) هو حفيد ابن خزيمة: محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة الراوي عن جدّه، المتوفّى سنة (٣٨٧ هـ).
(٢) هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، صاحب الصحيح.
[ ١١ / ٣٨٧ ]
يديك، فإن أبى فلتقاتله، فإن معه القرين". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.