وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٠] (٦٥٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: "قُومُوا، فَأُصَلِّيَ لَكُمْ"، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَقُمْتَ إِلَى حَصِيرٍ لنَا، قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (مَالِك) بن أنس بن أبي عامر بن عمرو الأصبحيّ، أبو عبد اللَّه، إمام دار الهجرة الفقيه الحجة الحافظ المتقن [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجةٌ [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
٤ - (أَنَسُ بْنُ مَالِك) بن النضر الأنصاريّ الخزرجيّ، الصحابيّ الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٩١) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
[ ١٤ / ٢٩٧ ]
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة أيضًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي عن عمّه، فأنس -﵁- عمّ لإسحاق.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- هو خادم رسول اللَّه -ﷺ-، خدمه عشر سنين، فدعا له بخيري الدنيا والآخرة، كما سيأتي في الحديث الثالث، وهو آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، ومن المعمّرين، فقد جاوز عمره المائة -﵁-، ومن المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ووقع عند الكشميهنيّ، والحمويّ في رواية البخاريّ: "عن إسحاق بن أبي طلحة" منسوبًا إلى جده (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- (أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ) بصيغة التصغير، قال القاضي عياض -﵀-: ضبطاه في مسلم وغيره بضمّ الميم، وفتح اللام، وكذا ذكره الناس، وحَكَى ابن عتّاب عن الأصيليّ أنها مَلِيكة بفتح الميم، وكسر اللام. انتهى (^١).
وهو بالنصب بدلٌ من اسم "أن"، والضمير في "جدته" يعود على إسحاق، كما جزم به ابن عبد البرّ، وعبد الحقّ، والقاضي عياض، وصححه النوويّ.
وجزم ابن سعد، وابن منده، وابن الحصار بأنها جدة أنس، والدة أمه، أم سليم، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين في "النهاية"، ومن تبعه، وكلام عبد الغنيّ في "العمدة"، وهو ظاهر السياق.
قال الحافظ -﵀-: ويؤيده ما رويناه في "فوائد العراقيين" لأبي الشيخ من طريق القاسم بن يحيى المقدَّميّ، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس -﵁-، قال: "أرسلتني جدّتي إلى النبيّ -ﷺ-، واسمها مُلَيكة، فجاءنا، فحضرت الصلاة. . ." الحديث.
وقال ابن سعد في "الطبقات": أم سليم بنت مِلْحان، فساق نسبها إلى
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٦٣٥.
[ ١٤ / ٢٩٨ ]
عديّ بن النجّار، وقال: وهي الغُمَيصاء، ويقال: الرُّميصاء، ويقال: اسمها سَهْلة، ويقال: أُنَيفة -أي بالنون، والفاء، مصغرة- ويقال: رُمَيثة، وأمها مُلَيكة بنت مالك بن عديّ، فساق نسبها إلى مالك بن النجار، ثم قال: تزوجها -أي أم سليم- مالك بن النضر، فولدت له أنس بن مالك، ثم خَلَف عليها أبو طلحة، فولدت له عبد اللَّه، وأبا عمير.
قال الحافظ: وعبد اللَّه هو والد إسحاق، رَاوِي هذا الحديث عن عمه أخي أبيه لأمه، أنس بن مالك -﵁-.
ومقتضى كلام من أعاد الضمير في "جدته" إلى إسحاق أن يكون اسم أم سليم مُلَيكة، ومستندهم في ذلك ما رواه ابن عيينة، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "صَفَفْتُ أنا ويتيم في بيتنا خلف النبيّ -ﷺ-، وأمي أم سليم خلفنا". هكذا أخرجه البخاريّ في أبواب الصفوف، والقصة واحدة طَوَّلها مالك، واختصرها سفيان، ويَحْتَمِل تعددها، فلا تخالف ما تقدم، وكون مُليكة جدة أنس لا ينفي كونها جدة إسحاق؛ لما بيّناه.
لكن الرواية التي رواها الدارقطني في "غرائب مالك" عن البغويّ، عن عبد اللَّه بن عون، عن مالك، ولفظه: "صنعت مليكة لرسول اللَّه -ﷺ- طعامًا، فأكل منه، وأنا معه، ثم دعا بوضوء، فتوضأ" الحديث، ظاهرة في أن مُليكة اسم أم سليم نفسها، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: عندي أن الحمل على تعدد الواقعة أولى؛ لأنه لا يؤدِّي إلى التكلُّف، والتعسُّف بالتأويل البارد، واللَّه تعالى أعلم.
(دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) جملة في محل رفع خبر لـ "أن" (لِطَعَامٍ) أي لأجل تناول طعام، قال الحافظ -﵀-: وهو مشعر بأن مجيئه كان لذلك؛ لا ليصلي بهم، ليتخذوا مكان صلاته مُصَلًّى لهم، كما في قصة عتبان بن مالك المتقدّمة، وهذا هو السر في كونه بدأ في قصة عتبان بالصلاة قبل الطعام، وهنا بالطعام قبل الصلاة، فبدأ في كل منهما بأصل ما دُعي لأجله. انتهى (^٢).
واعترضه العينيّ، فقال: لا مانع في الجمع بين الدعاء للطعام، وبين
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٨٤.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٤.
[ ١٤ / ٢٩٩ ]
الدعاء للصلاة، ولهذا صلى رسول اللَّه -ﷺ- في هذا الحديث، والظاهر أن قصد مليكة من دعوتها كان للصلاة، ولكنها جعلت الطعام مقدمة لها.
وقوله: وهذا هو السر. . إلخ فيه نظر؛ لأنه يَحْتَمِل أن الطعام كان قد حضر، وتهيأ في دعوة مليكة، والطعام إذا حضر لا يؤخر، فيقدَّم على الصلاة، وبدأ بالصلاة في قصة عتبان، لعدم حضور الطعام. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: هذا الذي ردّ به العينيّ على الحافظ غير صحيح؛ فإن ظاهر الحديثين صريح فيما قاله الحافظ، ففي حديث أنس -﵁- قال: "إن جدته مليكة دعت رسول اللَّه لطعام"، وهذا صريح في كون الدعوة للطعام، وفي حديث عتبان -﵁- قال: "وددت يا رسول اللَّه أن تأتيني فتصلي في بيتي مكانًا أتخذه مصلى" وهذا صريح في كون الدعوة للصلاة، فما أبداه الحافظ -﵀- رأي معقول، واستنباط مقبول، فتبصّر، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(صَنَعَتْهُ) جملة فعلية في محل جر صفة لـ "طعام"، ولفظ البخاريّ: "صنعته له"، وللنسائيّ: "قد صنعته له" (فَأَكَلَ مِنْهُ) أي أكل -ﷺ- بعض ذلك الطعام (ثُمَّ قَالَ) بعد الأكل ("قُومُوا) قال في "الفتح": استُدِلّ به على ترك الوضوء مما مست النار؛ لكونه صلى بعد الطعام، وفيه نظر؛ لرواية الدارقطنيّ السابقة، ففيها: "ثم دعا بوَضُوء، فتوضأ. . ." الحديث.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: لكن ترك الوضوء مما مست النار، له أدلّة صحيحةٌ صريحةٌ، قد تقدم البحث عنها مُستَوْفًى في موضعها من "كتاب الطهارة"، فراجعه تزدد علمًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
(فَأُصَلِّيَ لَكُمْ") أي لأجلكم، وقوله: "فلأصلي" هكذا وقع في معظم النسخ، وعليه فـ "أصليَ" منصوب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب الأمر، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
ووقع في نسخة شرح النوويّ بلفظ: "فلأصلِّ لكم"، وعليه فهو مجزوم
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١١١.
[ ١٤ / ٣٠٠ ]
بلام الأمر، ووقع في شرح القاضي عياض: "فلأصلي بكم"، وفي رواية البخاريّ: "فلأصلي لكم"، قال في "الفتح": كذا في روايتنا بكسر اللام، وفتح الياء، وفي رواية الأصيليّ بحذف الياء، قال ابن مالك: رُوي بحذف الياء، وثبوتها مفتوحةً وساكنةً، ووجهه أن اللام عند ثبوت الياء مفتوحة لام "كي" والفعل بعدها منصوب بـ "أن" مضمرة، واللام ومصحوبها خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: قوموا، فقيامُكم لأصليَ لكم، ويجوز على مذهب الأخفش أن تكون الفاء زائدة، واللام متعلقة بـ "قوموا".
وعند سكون الياء يَحْتَمل أن تكون اللام أيضًا لام "كي"، وسكنت الياء تخفيفًا، أو لام الأمر، وثبتت الياء في الجزاء إجراءً للمعتلّ مجرى الصحيح، كقراءة قنبل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠]. بإثبات الياء في "يتقي".
وعند حذف الياء اللامُ لام الأمر، وأمرُ المتكلم نفسه بفعل مقرون باللام فصيحٌ، قليل الاستعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، قال: ويجوز فتح اللام، ثم ذكر توجيهه. وفيه لغيره بحث اختصرته؛ لأن الرواية لم ترد به، وقيل: إن في رواية الكشميهني: "فأصل" بحذف اللام، وليس هو فيما وقفت عليه من النسخ الصحيحة.
وحَكَى ابن قرقول عن بعض الروايات "فلنصلّ" بالنون، وكسر اللام، والجزم، واللامُ على هذا لام الأمر، وكسرها لغة معروفة. انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "فلأصلي لكم" فيه ستة أوجه من الإعراب:
[الأول]: "فلأصلي" بكسر اللام، وضمّ الهمزة، وفتح الياء، ووجهه أن اللام فيه لام "كي"، والفعل بعدها منصوب بـ "أن" المقدرة، تقديره: فلأن أصلي، قال القرطبيّ: رَوَيناه كذا، والفاء زائدة، أو الفاء جواب الأمر، ومدخول الفاء محذوف، تقديره: قوموا، فقيامكم لأصلي لكم، ويجوز أن تكون الفاء زائدة، على رأي الأخفش، واللام متعلِّق بـ "قوموا".
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٨٥.
[ ١٤ / ٣٠١ ]
[الوجه الثاني]: "فلأصلي" مثلها إلا أنها ساكنة الياء، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف في مثل هذا لغة مشهورة.
[الثالث]: "فلأصل" بحذف الياء؛ لكون اللام لام الأمر، وهي رواية الأصيليّ.
[الرابع]: "فأصلي" على صيغة الإخبار عن نفسه، وهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: فأنا أصلي، والجملة جواب الأمر.
[الخامس]: "فلنصلِّ" بكسر اللام في الأصل، وبنون الجمع، ووجهه أن اللام لام الأمر، والفعل مجزوم بها، وعلامة الجزم سقوط الياء.
[السادس]: "فَلَأصلي" بفتح اللام، ورُوي هكذا في بعض الروايات، ووجهه أن تكون اللام لام الابتداء؛ للتأكيد، أو تكون جواب قسم محذوف، والفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن قمتم فواللَّه لأصلي لكم. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال السهيليّ -﵀-: الأمر في قوله: "فلأصلِّ لكم" بمعنى الخبر، وهو كقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥] ويحتمل أن يكون أمرًا لهم بالائتمام، لكنه أضافه إلى نفسه لارتباط فعلهم بفعله. انتهى (^٢).
(قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- (فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين- قال في "المحكم": هي سَفِيفةٌ تُصْنَعُ من بَرْديّ، وأَسَلٍ، ثم تُفْرَش، سُمِّي بذلك؛ لأنه على وجه الأرض، ووجه الأرض يُسَمَّى حصيرًا.
و"السَّفِيفة" -بفتح السين المهملة، وبالفاءين-: شيءٌ يُعْمَل من الْخُوص، كالزَّنْبِيل.
و"الأَسَلُ" -بفتح الهمزة، والسين المهملة، وفي آخره لام-: نباتٌ له أغصان كثيرةٌ دُقَاقٌ، لا وَرَقَ لها.
وفي "الجمهرة": والحصير عربيّ سُمِّي حصيرًا؛ لانضمام بعضها إلى بعض.
وقال الجوهريّ: الحصير: الباريّة، ذكره في "العمدة" (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١٦٥.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٤.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ١٦١.
[ ١٤ / ٣٠٢ ]
وقال الفيّوميّ: والحصير: الباريّةُ، وجمعها حُصُر، مثلُ بَرِد وبُرُد، وتأنيثها بالهاء عاميّ. انتهى (^١).
وقوله: (لَنَا) الجار والمجرور متعلِّق بمحذوف صفة لـ "حصير"، وقوله: (قَدِ اسْوَدَّ) جملة في محل جر صفة بعد صفة لـ "حصير"، أو في محل نصب على الحال منه.
(مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ) "ما" مصدرية و"لُبِسَ" بالبناء للمفعول، صلتها، أي من طول لبسه، وهو كناية عن كثرة استعماله.
وقال النوويّ -﵀-: احتَجّ بقوله: "من طول ما لُبِس" أصحاب مالك في المسألة المشهورة بالخلاف، وهي إذا حلف لا يلبس ثوبًا، ففرشه، فعندهم يَحْنَث، وأجاب أصحابنا -يعني الشافعيّة- بأن لُبْس كل شيء بحسبه، فحملنا اللبس في الحديث على الافتراش؛ للقرينة، ولأنه المفهوم منه، بخلاف مَن حلف لا يلبس ثوبًا، فإن أهل العرف، لا يفهمون من لبسه الافتراش. انتهى.
وقال في "الفتح": فيه أن الافتراش يسمى لبسًا، وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، ولا يَرِدُ على ذلك أن من حلف لا يلبس حريرًا، فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. انتهى (^٢).
وقد اعتَرَض العينيّ على كلام الحافظ هذا بما لا يُسَلَّم له، فتبصر (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٤.
(٣) عمدة القاري ٤/ ١١١ حيث قال: وليس ههنا لُبِس، من لَبستُ الثوبَ، وإنما هو من قولهم: لَبِست امرأة، أي تمتعت بها زمانًا، فحينئذ يكوَن معناه: قد اسوَدّ من كثرة ما تُمُتِّع به طولَ الزمان، ومن هذا يظهر لك بطلان قول بعضهم -يعني الحافظ ابن حجر- وقد استُدِلّ به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير، وقصد هذا القائل الغمز فيما قال أبو حنيفة، من جواز افتراش الحرير، وتوسُّده، ولكن الذي يُدرك دقائق المعاني، ومدارك الألفاظ العربية يعرف ذلك، ويُقِرّ بأن أبا حنيفة لا يذهب إلى شيء سُدًى. انتهى كلام العينيّ. قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله العينيّ مجرّد تحامل، وتعضب، فإن تفسيره للبس بالتمتّع إن صحّ كما زعمه لغةً ليس معارضًا لما قاله الحافظ، فإنه =
[ ١٤ / ٣٠٣ ]
(فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ) من النَّضْح، وهو الرّشّ، وهذا النضح يَحْتَمِل أن يكون لتليين الحصير، أو لتنظيفه، ولا يصح الجزم بالأخير، بل المتبادر غيره؛ لأن الأصل الطهارة، قاله في "الفتح" (^١).
وقال القرطبيّ: قال إسماعيل بن إسحاق: إنما نضحه ليلين، وليتوطّأ للصلاة، والأظهر قول غيره: إن ذلك إما لنجاسة متيقَّنَةٍ، فيكون النضح هنا غسلًا، أو متوقَّعَة؛ لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشًّا لزوال الشكّ وتطييب النفس، وهذا هو الأليق، لا سيّما وقد كان عندهم أبو عُمير أخو أنس طفلًا صغيرًا حينئذ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قوله: "والأظهر إلخ" فيه نظرٌ، بل الأظهر ما قاله إسماعيل؛ لأن الأصل الطهارة كما قال في "الفتح"، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
(فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَفَفْتُ أَنَا) أتى بكلمة "أنا" لأجل العطف على ضمير الرفع المتصل، كما قال ابن مالك في "الخلاصة":
وَإِنْ عَلَى ضَمِيرِ رَفْعٍ مُتَّصِلْ … عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيرِ الْمُنْفَصِلْ
أَوْ فَاصِلٍ مَّا وَبِلَا فَصْلٍ يَرِدْ … فِي النَّظْمِ فَاشِيًا وَضُعْفَهُ اعْتَقِدْ
وقوله: (وَالْيَتِيمُ) يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى العطف على الضمير المتصل الفاعل، وأما النصب فعلى كون الواو واو المعية، والرفع أرجح؛ لوجود الفصل بالضمير.
وقد وقع عند البخاريّ في رواية المستملي، والحمويّ: "وصففت واليتيم" بدون الضمير المنفصل، وعليه يكون النصب أرجح؛ لكون العطف على الضمير المتصل بلا فاصل ضعيفًا.
_________________
(١) = فسّره بالأعمّ، فيدخل على قوله جميع أنواع التمتّع، إلا ما استُثني شرعًا، كإباحة لبسه للحكّة مثلًا، فيحرُم الالتحاف به، والاتّزار، والارتداء، والاشتمال، والافتراش، وجميع أنواع انتفاع الرجال به، إلا ما أُبيح لهم شرعًا، كالانتفاع بالبيع، والصدقة، ونحو ذلك، فلم يكن لدفاع العينيّ معنًى، فتبضر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(٢) ١/ ٥٨٥.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٨٦.
[ ١٤ / ٣٠٤ ]
وإلى هذا أشار ابن مالك -﵀- في "الخلاصة"، فقال:
وَالْعَطْفُ إِنْ يُمْكِنْ بِلَا ضَعْفٍ أَحَقْ … وَالنَّصْبُ مُخْتَارٌ لَدَى ضُعْفِ النَّسَقْ
و"اليتيم": هو ضُميرة بن أبي ضُميرة -بضم الضاد المعجمة، وفتح الميم، بصيغة التصغير- وأبو ضميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، كذا قاله الذهبي في "تجريد الصحابة"، ثمّ قال: له ولأبيه صحبة، وقال في "الكنى": أبو ضُميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ- كان من حِمْيَر، اسمه سعد، وكذا قال البخاريّ: إن اسمه سعد الْحِمْيريّ من آل ذي يزن، وقال أبو حاتم: سعد الحميري، هو جد حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة بن أبي ضميرة. انتهى.
ويقال: اسم أبي ضميرة روح بن سندر. وقيل: روح بن شير زاد، أفاده في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": قال صاحب "العمدة": اليتيم: هو ضميرة جدُّ حسين بن عبد اللَّه بن ضميرة، قال ابن الحذاء: كذا سماه عبد الملك بن حبيب، ولم يذكره غيره، وأظنه سمعه من حسين بن عبد اللَّه، أو من غيره من أهل المدينة، قال: وضميرة هو ابن أبي ضميرة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وقد اختُلِف في اسم أبي ضميرة، فقيل: رَوْحٌ. وقيل غير ذلك. انتهى.
ووهم بعض الشراح، فقال: اسم اليتيم ضميرة، وقيل: روح، فكأنه انتقل ذهنه من الخلاف في اسم أبيه إليه، ووهم أيضًا من قال: إن اسمه سليم، وجزم البخاريّ بأن اسم أبي ضميرة سعد الحميريّ، ويقال: سعيد، ونَسَبَهُ ابن حبّان ليثيًّا. انتهى (^٢).
(وَرَاءَهُ) أي خلف النبيّ -ﷺ-، وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ "صَفَفْتُ" (وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا) جملة اسمية في محل نصب على الحال، ويَحْتَمِل أن يُعْطَف "العَجُوزُ" على الفاعل، والظرف على الظرف، ففيه عطف المعمولين على معمولي عامل واحد، وهو "صَفّ"، وهو جائز بلا خلاف بين النحاة، كما بيّنه ابن هشام الأنصاري في "المغني" (^٣).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١١١.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٥.
(٣) "مغني اللبيب" ٢/ ١٠ بنسخة "حاشية الأمير".
[ ١٤ / ٣٠٥ ]
والمراد بالعجوز مليكة المذكورة أوَّلًا.
(فَصَلَّى لَنَا) أي لأجلنا، أو إمامًا بنا (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ) هذه الصلاة كانت تطوّعًا يدلّ على ذلك ما يأتي من قول أنس -﵁-: "في غير وقت صلاة" (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي من الصلاة، أو إلى بيته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٠] (٦٥٨)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٠) و"الأذان" (٧٢٧ و٨٦٠ و٨٧١ و٨٧٤) و"التهجّد" (١١٦٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦١٢)، و(الترمذيّ) فيها (٢٣٤)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠١) وفي "الكبرى" (٨٧٦)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ١٥٣)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٣٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١١٩٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٣١ و١٤٩ و١٦٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٢٩١ و١٣٨١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٣٩ و١٥٤٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ٧٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٢)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٠٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٩٦ و١٠٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٨٢٨ و٨٢٩)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة.
٢ - (ومنها): بيان جواز الصلاة على الحصير، ومثله سائر ما تنبته الأرض، وهو إجماع، إلا من شَذّ، وسيأتي البحث فيه مستوفى في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى-.
٣ - (ومنها): بيان موقف الإمام إذا كان معه اثنان، وامرأةٌ، وذلك أن يَصُفّ الاثنان خلفه، وتكون المرأة خلفهما صفًّا وحدها، قال القرطبيّ: فيه
[ ١٤ / ٣٠٦ ]
حجة لكافّة أهل العلم في أن هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): مشروعية إجابة الدعوة، ولو لم تكن عُرْسًا، ولو كان الداعي امرأة.
٥ - (ومنها): الأكل من طعام الدعوة.
٦ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن الخلق، والتواضع، حيث كان يزور أصحابه، ويصلي على البساط الذي عندهم، ولو كان ممتهنًا، ففي حديث أنس -﵁- الآتي بعد هذا قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن الناس خلقًا، فربما تحضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ثم يُنضَحُ، ثم يَؤُمُّ رسول اللَّه -ﷺ-، ونقوم خلفه. . . الحديث.
٧ - (ومنها): صلاة النافلة جماعة في البيوت، قال في "الفتح": وكأنه -ﷺ- أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة؛ لأجل المرأة، فإنها يخفى عليها بعض التفاصيل، لبعد موقفها. انتهى.
٨ - (ومنها): أن محل الفضل الوارد في صلاة النافلة منفردًا حيث لا يكون هناك مصلحة، كالتعليم، بل يمكن أن يقال: هو إذ ذاك أفضل، ولا سيما في حقه -ﷺ- (^٢).
٩ - (ومنها): تنظيف مكان المصلي.
١٠ - (ومنها): قيام الصبيّ مع الرجل صفًّا، قال القرطبيّ -﵀-: فيه حجة على أن من يَعْقِل الصلاة من الصبيان حكمهم في القيام خلف الإمام حكم الرجال، وهو مذهب الجمهور، ورُوي عن أحمد كراهة ذلك، وقال: لا يقوم مع الناس، إلا من بلغ، ورُوي عن عمر بن الخطّاب -﵁- وغيره أنه كان إذا أبصر صبيًّا في الصفّ أخرجه، وهذا عند الكافّة محمول على من لا يعقل الصلاة، ولا يكُفُّ عن العبث فيها. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي الأرجح ما قاله الإمام أحمد -﵀-، ونُقل
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٨٦.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٥.
(٣) "المفهم" ٢/ ٢٨٧.
[ ١٤ / ٣٠٧ ]
عن عمر -﵁- من أن الصبيّ لا يقوم مع الناس؛ لقوله -ﷺ-: "ليلني أولو الأحلام والنُّهَى، ثم الذين يلونهم. . ." الحديث، رواه مسلم.
وأخرج النسائيّ -﵀- في "سننه" بإسناد صحيح، عن قيس بن عُبَاد، قال: بينا أنا في المسجد في الصفّ المقدَّم، فجبذني رجل من خلفي جَبْذَةً، فنَحّاني، وقام مقامي، فواللَّه ما عَقَلت صلاتي، فلما انصرف، فإذا هو أُبَيّ بن كعب، فقال: يا فتى لا يسؤك اللَّه، إنّ هذا عَهْدٌ من النبيّ -ﷺ- إلينا، أن نَلِيَهُ.
وأما حديث أنس -﵁- فمحمول على ما إذا كان البالغ وحده، فيقوم الصبيّ معه؛ لئلا يكون منفردًا في الصفّ، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
١١ - (ومنها): قيام المرأة صفًّا وحدها إذا لم تكن معها امرأة غيرها.
١٢ - (ومنها): تأخير النساء عن صفوف الرجال.
١٣ - (ومنها): أن بعضهم استَدَلّ به على جواز صلاة المنفرد خلف الصف وحده، وفيه نظر؛ لأن هذا للمرأة، لا للرجل، فهو مخالف لهذا في هذا، فقد أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن وابصة بن معبد -﵁- قال: سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن رجل صلى خلف الصفوف وحده؟ فقال: "يعيد الصلاة".
وأخرجه أيضًا هو، والترمذيّ، والدارميّ بلفظ: "أن رجلًا صلى خلف الصفّ وحده، فأمره النبيّ -ﷺ- أن يعيد الصلاة".
فهذا صريح في مخالفة الرجل للمرأة في هذه المسألة، فالمرأة تصلّي وحدها خلف الرجال، على حديث أنس -﵁- هذا، والرجل لا يصلّي وحده على حديث وابصة -﵁- المذكور، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٤ - (ومنها): أن نافلة النهار يقتصر فيها على ركعتين، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: الأفضل أن يتنفل بأربع، سواء كان ليلًا، أو نهارًا، وسيأتي ذلك في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
١٥ - (ومنها): صحة صلاة المميِّز، ووضوئه.
١٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: يجوز أن يُتمسّك به على أن المرأة لا تؤمّ الرجال؛ لأنها إذا كان مقامها في الائتمام متأخّرًا عن مرتبة الرجال، فأبعد أن تتقدّمهم، وهو قول الجمهور، خلافًا للطبريّ، وأبي ثور في إجازتهما
[ ١٤ / ٣٠٨ ]
إمامة النساء للنساء والرجال جملة، وحُكي عنهما إجازة ذلك في التراويح إذا لم يوجد قارئ غيرها، واختُلف في إمامتها للنساء، فذهب مالك، وأبو حنيفة، وجماعة من العلماء إلى منع إمامتها للنساء، وأجاز ذلك الشافعيّ، وفيه رواية شاذّة عن مالك. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح جواز إمامة النساء لأهل دارها؛ فقد أخرج أحمد، وأبو داود بإسناد حسن عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث الأنصاري -﵂-، وكانت قد جَمَعَت القرآن، وكان النبيّ -ﷺ- قد أمرها أن تؤم أهل دارها، وكان لها مؤذِّن، وكانت تؤم أهل دارها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
١٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: قوله: "قد اسودّ من طول ما لُبِس يدلّ على أن لبس كل شيء بحسبه، فلبس الحصير هو بسطه، واستعماله في الجلوس عليه.
واستَدَلّ بذلك مَن حَرّم الجلوس على الحرير وافتراشه؛ لأن افتراش فرش الحرير وبسطه لباس له، فيدخل في نصوص تحريم لباس الحرير.
وزعم ابن عبد البر: أن هذا يؤخذ منه أن مَن حَلَف لا يلبس ثوبًا، وليس له نية ولا ليمينه سبب، فإنه يحنث بما يتوطأ ويبسط من الثياب؛ لأن ذلك يسمى لباسًا.
وهذا الذي قاله فيه نظر؛ فإن اللبس المضاف إلى الثوب إنما يراد به اشتمال البدن أو بعضه به دون الجلوس عليه، بخلاف اللبس إذا أضيف إلى ما يجلس عليه ويُفْتَرش، أو أُطلق ولم يضف إلى شيء، كما لو حلف لا يلبس شيئًا، فجلس على حصير، أو حلف لا يلبس حصيرًا فجلس عليه.
ولو تعلق الحنث بما يسمى لباسًا بوجه ما، لكان ينبغي أن يحنث بمضاجعة زوجته وبدخول الليل عليه؛ قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ [النبأ: ١٠].
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ١٤ / ٣٠٩ ]
وكل ما لابس الإنسان من جوع أو خوف فهو لباس؛ قَالَ تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢].
ولا نعلم خلافًا أنه لو حلف لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض لم يحنث، وقد سمّاها اللَّه بساطًا، وكذلك لو حلف لا يجلس تحت سقف فجلس تحت السماء، وقد سمى اللَّه السماء سقفًا، وكذلك لو حلف لا يجلس في ضوء سراج فجلس في ضوء الشمس.
فإن هذه الأسماء غير مستعملة في العرف، والأيمان إنما تنصرف إلى ما يتعارفه الناس في مخاطباتهم دون ما يصدق عليه الاسم بوجه ما في اللغة على وجه التجوز، واللَّه أعلم.
وإنما قال أصحابنا -يعنى الحنبليّة-: لو حلف لَيَرَيَنّ امرأته عاريةً لابسةً أنه يَبَرُّ برؤيتها في الليل عاريةً؛ لأن جمعه بين عُرْيها ولُبْسها قرينة تدلّ على أنه لم يُرِد لبسها لثيابها؛ فإن ذلك لا يجتمع مع عريها. انتهى كلام ابن رجب -﵀-، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة على الحصير، والْخُمْرة، ونحو ذلك:
ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الصلاة على الحصير، والسجود عليه، وأن ذلك لا يكره إذا كان الحصير من جريد النخل أو نحوه مما ينبت من الأرض.
وممن رُوي عنه أنه صلى على الحصير: ابن عمر، وزيد بن ثابت، وجابر، وأبو ذر.
وقال النخعيّ: كانوا يصلون على الحصير والبوري.
وقال مجاهد: لا بأس بالصلاة على الأرض وما أنبتت.
ومذهب مالك: لا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها، والسجود على الأرض أفضل عنده، وعند كثير من العلماء. .
وكان ابن مسعود لا يصلي على شيء إلا على الأرض.
[ ١٤ / ٣١٠ ]
وروي عن أبي بكر الصديق، أنه رأى قومًا يصلون على بُسُط، فقال لهم: أَفْضُوا إلى الأرض، وفي إسناده نظر.
ورُوي عن ابن عمر، أنه كان يصلي على الخمرة ويسجد على الأرض، ونحوه عن علي بن الحسين، وقال النخعيّ في السجود على الحصير: الأرض أحب إليّ، وعنه، أنه قال: لا بأس أن يصلي الحصير، لكن لا يسجد عليهِ.
ونَقَلَ حَرْب، عن إسحاق، قال: مضت السنّة من النبيّ -ﷺ- أنه صلى على الخمرة والبساط، وعلى الثوب الحائل بينه وبين الأرض، قال: وإن سجد الرجل على الأرض فهو أحب إليّ، وإن أفضى بجبهته ويديه إلى الأرض فهو أحب إلينا.
وأكثر صلاة النبي -ﷺ- كانت على الأرض، يدلّ على ذلك: أنه لَمّا وَكَفَ المسجد وكان على عَرِيش فصلى النبي -ﷺ- صلاة الصبح، وانصرف وأثر الماء والطين على جبهته وأنفه.
وأخرج أبو داود من رواية شُريح بن هانئ، عن عائشة، قالت: لقد مُطِرنا مرةً بالليل، فطرحنا للنبي -ﷺ- نِطَعًا، فكأني انظر إلى ثقب فيه ينبع الماء منه، وما رأيته متقيًا الأرض بشيء من ثيابه قط.
وأخرجه الإمام أحمد، ولفظه: قالت: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يتقي الأرض بشيء، إلا مرة؛ فإنه أصابه مطر فجلس على طرف بناء، فكأني انظر إلى الماء ينبع من ثقب كان فيه.
وأخرجه ابن جرير، والبيهقيّ وغيرهما، وعندهم: أن شُريحًا قَالَ: سألت عائشة عن صلاة رسول اللَّه -ﷺ- فذكرت الحديث.
وفي رواية لابن جرير: أن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صلى على شيء قط، إلا أنه أصابنا مطر ذات ليلة، فاجتر نطعًا، فصلى عليه.
وأخرجه الطبراني، ولفظه: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى لا يضع تحت قدميه شيئًا، إلا أنّا مطرنا يومًا فوضع تحت قدميه نطعًا.
وهذه الرواية من رواية قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح عن أبيه.
وأخرج بَقِيّ بن مَخْلَد في "مسنده" من رواية يزيد بن المقدام بن شريح،
[ ١٤ / ٣١١ ]
عن أبيه، عن جده، قال: قلت لعائشة: يا أم المؤمنين، إن أناسًا يصلون على هذه الحصر، ولم أسمع اللَّه يذكرها في القرآن، إلا في مكان واحد: ﴿لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨]، أفكان النبي -ﷺ- يصلي على الحصير؟ قالت: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الحصير.
قال ابن رجب -﵀-: وهذا غريب جدًا.
ويزيد بن المقدام، قال أبو حاتم: يكتب حديثه.
وأخرج الإمام أحمد: ثنا عثمان بن عمر، ثنا يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يصلي على خمرة، فقال: "يا عائشة، ارفعي حصيرك، فقد خشيت أن يكون يفتن الناس".
قال ابن رجب: وهذا غريب جدًا، ولكنه اختلف فيه على يونس:
فرواه مُفَضَّل بن فَضَالة، عن يونس، عن الزهري، عن أنس، أن النبي -ﷺ- كان يصلي على الخمرة، يسجد لها.
ورواه شبيب بن سعيد، عن يونس، عن الزهري - مرسلًا.
ورواه ابن وهب في "مسنده" عن يونس، عن الزهري، قال: لم أزل أسمع أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى على الخمرة، وعن أنس بن مالك، قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الخمرة ويسجد لها، فرواه بالوجهين جميعًا.
وأما رواية عثمان بن عمر، عن يونس، فالظاهر أنها غير محفوظة، ولا تعرف تلك الزيادة إلا فيها، هكذا ذكر هذا البحث كلّه الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ" (^١)، وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تبيّن مما سبق أن الحقّ جواز الصلاة على الحصير ومثله ما في معناه مما يُفرش، سواء كان مأخوذًا من حيوان، أو نبات، بلا كراهة؛ لحديث الباب وغيره، وهذا إذا لم يكن عليه ما يَشْغَلُ المصلّي، ويُلهيه عن صلاته، من نقش أو غيره، وإلا فيُكره؛ لحديث الخميصة، فقد قال -ﷺ-: "اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وأتوني
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٣/ ١٨ - ٢٢.
[ ١٤ / ٣١٢ ]
بأنبجانيّته، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي"، وفي رواية: "كنت انظر إلى علَمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"، متّفقٌ عليه.
وقد حَكَى جواز ذلك الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه" عن أكثر أهل العلم، من الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، وهو قول أحمد، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وإسحاق، وجمهور الفقهاء.
والحاصل أن ما عليه الجمهور من الجواز هو الحقّ، والذي نُقل من كراهة ذلك عن بعض السلف، فيُحْمَل على أنه من باب التورّع، أو أنه لم يصل إليهم حديث الباب، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠١] (٦٥٩) - (وَحَدَّثَنَا (^١) شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، فَرُبَّمَا تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ في بَيْتِنَا، فَيَأْمُرُ بِالْبسَاطِ الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ، ثُمَّ يُنْضَحُ، ثُمَّ يَؤُمُّ (^٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) عن بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ الزهرانيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ، لم يتكلّم فيه أحدٌ بحجّة [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عُبيدة التَّنُّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يَثبُت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "ثم يقوم".
[ ١٤ / ٣١٣ ]
٤ - (أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حُميد الضُّبَعيّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٢٨) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٧/ ٦٥٩.
٥ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) -﵁- ذُكر في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٩٢) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والنسائيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخيه أيضًا، فالأول أُبُليّ، نسبة إلى أُبُلّة، بضمتين، وتشديد اللام قرية بالبصرة، والثاني بصريّ، ثم بغداديّ.
٤ - (ومنها): أن أبا التيّاح منفرد بهذه الكنية، فلا يوجد في الرواة من يُكنى أبا التيّاح، وتقدّم ما يتعلّق بأنس -﵁- في السند الماضي.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) -﵁- أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا) منصوب على التمييز، وهو بضمّتين: السَّجِيّة، وأخرجه المصنّف في "كتاب الأدب" بسند الباب، كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ يقال له: أبو عُمَير، قال: أحسبه قال: كان فَطِيمًا، قال: فكان إذا جاء رسول اللَّه -ﷺ-، فرآه، قال: "أبا عُمير ما فعل النُّغَيْر؟ "، قال: فكان يَلْعَبُ به.
وأخرجه البخاريّ في "الأدب" أيضًا، من طريق شعبة، عن أبي التّيّاح، قال: سمعت أنس بن مالك -﵁- يقول: إن كان النبيّ -ﷺ- ليخالطنا، حتى يقول لأخ لي صغير: "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ ".
ومن طريق مسدَّد، عن عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان النبيّ -ﷺ- أحسنُ الناس خُلُقًا، وكان لي أخٌ، يقال له: أبو عمير، قال: أحسبه فَطِيمًا، وكان إذا جاء قال: "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟ "، نُغَرٌ (^١) كان
_________________
(١) "النُّغَرُ" بضم، ففتح، وزان رُطَب، قيل: فَرْخ العُصفور، وقيل: ضرب من العصافير أحمر المنقار، وقيل: يُسمّى البُلْبُل، قاله في "المصباح" ٢/ ٦١٥.
[ ١٤ / ٣١٤ ]
يَلْعَب به، فربما حضر الصلاة، وهو في بيتنا، فيأمر بالبساط الذي تحته، فيُكْنَس، ويُنضَحُ، ثم يقوم، ونقوم خلفه، فيصلي بنا.
قال في "الفتح": قوله: "كان النبيّ -ﷺ- أحسن الناس خُلُقًا" هذا قاله أنس -﵁- تَوْطِئةً لما يريد أن يذكره من قصّة الصبيّ، وأول حديث شعبة المذكور، عن أنس: قال: "إن كان النبيّ -ﷺ- ليخالطنا"، ولأحمد من طريق المثنى بن سعيد، عن أبي التياح، عن أنس: "كان النبيّ -ﷺ- يزور أمَّ سُلَيم"، وفي رواية محمد بن قيس: "كان النبيّ -ﷺ- قد اختلط بنا أهلَ البيت"، يعني لبيت أبي طلحة وأم سليم، ولأبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: "كان النبيّ -ﷺ- يغشانا، ويخالطنا"، وللنسائيّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس: "كان النبيّ -ﷺ- يأتي أبا طلحة كثيرًا"، ولأبي يعلى من طريق خالد بن عبد اللَّه، عن حميد: "كان يأتي أم سُلَيم، وينام على فراشها، وكان إذا مشى يتوكأ"، ولابن سعد، وسعيد بن منصور، عن ربعي بن عبد اللَّه بن الجارود، عن أنس: "كان يزور أُمَّ سُلَيم، فتتحفه بالشيء تصنعه له". انتهى (^١).
وقوله: (فَرُبَّمَا) قال في "القاموس": ورُبَّ، ورُبّةَ، ورُبّما، بضمّهن، مشدّدات، ومخفَّفات، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفّفةً، ورُبْ كمُذْ: حرفٌ حافظٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليل، أو تكثير، أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليل، ولا لتكثير، بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": ورُبّ حرف يكون للتقليلٍ غالبًا، ويدخل على النكرة، فيقال: ربّ رجل قام، وتدخُل عليه التاء مُقحَمَة، وليست للتأنيث؛ إذ لو كانت للتأنيث لسَكَنتْ، واختَصَّت بالمؤنّث، وأنشد أبو زيد:
يَا حَاحِبًا رُبَّتَ إِنْسَانٍ حَسَنْ … يَسْأَلُ عَنْكَ الْيَوْمَ أَوْ يَسْأَلُ عَنْ (^٣)
واختار ابن هشام في "مغنيه" أنها حرف جرّ، وليس معناها التقليل دائمًا،
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٥٩٩ "كتاب الأدب" رقم (٦٢٠٣).
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٧١.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢١٤.
[ ١٤ / ٣١٥ ]
ولا التكثير دائمًا، بل ترد للتكثير كثيرًا، وللتقليل قليلًا. انتهى (^١).
فـ "رُبّ" هنا للتقليل (تَحْضُرُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ فِي بَيْتِنَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَيَأْمُرُ بِالْبِسَاطِ) بكسر الموحّدة: ما بُسِط، أي فُرِشَ، وهو: فِعَالٌ بمعنى مفعول، ومثله كتاب بمعنى مكتوب، وفِرَاشٌ بمعنى مفروش، ونحو ذلك، وجمعه بُسُط بضمّتين (الَّذِي تَحْتَهُ، فَيُكْنَسُ) بالبناء للمفعول، يقال: كَنَسَ البيت يَكْنُسُه كَنْسًا، من باب نصر: كَسَحَ الْقُمَامة عنه، وكُنَاسةُ البيت: ما كُسِح منه من التراب، فأُلقِي بعضه على بعض، أفاده في "اللسان" (^٢). (ثُمَّ يُنْضَحُ) بالبناء للمفعول أيضًا، أي يُرشّ بالماء، قال النوويّ -﵀-: وإنما نضحه؛ ليلين، فإنه كان من جريد النخل، كما صرح به في هذه الرواية، ويَذهَبَ عنه الغبار ونحوه، هكذا فسره القاضي إسماعيل المالكيّ، وآخرون، وقال القاضي عياض: الأظهر أنه كان للشك في نجاسته، وهذا على مذهبه في أن النجاسة المشكوك فيها تُطَهَّر بنضحها من غير غسل، ومذهبنا ومذهب الجمهور أن الطهارة لا تَحْصُل إلَّا بالغسل، فالمختار التأويل الأول. انتهى (^٣).
(ثُمَّ يَؤُمُّ) بالبناء للفاعل، وفي بعض النسخ: "ثمّ يقوم" (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَقُومُ خَلْفَهُ، فَيُصَلِّي بِنَا، وَكَانَ بِسَاطُهُمْ) أي بساط أهل ذلك العصر (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) "الْجَرِيد" -بفتح الجيم، وكسر الراء-: سَعَفُ النخَلِ، الواحدة: جَرِيدة، فَعِيلة بمعنى مفعولة، وإنما تُسَمَّى جَرِيدةً إذا جُرِدَ عنها خُوصُها، قاله في "المصباح" (^٤).
و"النَّخْل": اسم جمع، الواحدة "نَخْلَةٌ"، وكل جمع بينه وبين واحده الهاء، قال ابن السكيت: فأهل الحجاز يؤنثون أكثره، فيقولون: هي التمر، وهي البرّ، وهي النخل، وهي البقر، وأهل نجد وتميم يذكّرون، فيقولون: نَخْلٌ كريم، وكريمةٌ، وكرائم، وفي التنزيل: ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠]، ﴿نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]، وأما "النَّخِيلُ" بالياء، فمؤنثة، قال أبو حاتم: لا اختلاف
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ١/ ٢٦٥ تحقيق حسن أحمد.
(٢) "لسان العرب" ٦/ ١٩٧.
(٣) "شرح النوويّ" ٥/ ١٦٤.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٩٦.
[ ١٤ / ٣١٦ ]
في ذلك، ذكره الفيّوميّ (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠١] (٦٥٩) وفي "الأدب" بقصّة الصبيّ دون الصلاة، و(البخاريّ) في "الأدب" (٦١٢٩ و٦٢٠٣) وفي "الأدب المفرد" (٢٦٩)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٣٣) وفي "البرّ والصلة" (١٩٨٩)، و(النسائيّ) في "عمل اليوم والليلة" (٣٣٣ و٣٣٤ و٣٣٥ و٣٣٦)، و(ابن ماجه) قصة مزاحه في "الأدب" (٣٧٢٠ و٣٧٤٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١١٩ و٢١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٠٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٠٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صلاة النافلة جماعة، وجواز الصلاة على البساط.
٢ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من حسن الخلق، والتواضع حيث كان يزور أم سليم وأهل بيتها، ويصلي على البساط الممتَهَن.
٣ - (ومنها): جواز زيارة الرجل للمرأة الأجنبية إذا أُمِنت الفتنة.
٤ - (ومنها): تخصيص الإمام بعض الرعية بالزيارة، ومخالطة بعض الرعية دون بعض.
٥ - (ومنها): جواز مشي الحاكم وحده.
٦ - (ومنها): جواز الصلاة على الحصير، وترك التقزُّز؛ لأنه علم أن في البيت صغيرًا وصلى مع ذلك في البيت، وجلس فيه.
٧ - (ومنها): أن الأشياء على يقين الطهارة؛ لأن نضحهم البساط إنما كان للتنظيف على الراجح.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧.
[ ١٤ / ٣١٧ ]
٨ - (ومنها): أن الاختيار للمصلي أن يقوم على أروح الأحوال، وأمكنها، خلافًا لمن استحب من المشددين في العبادة أن يقوم على أجهدها.
٩ - (ومنها): جواز دخول الرجل بيت المرأة وزوجها غائبٌ، ولو لم يكن محرمًا إذا انتفت الفتنة.
١٠ - (ومنها): استحباب النضح فيما لم يُتَيَقَّن طهارته.
١١ - (ومنها): إكرام أقارب الخادم، وإظهار المحبة لهم؛ لأن جميع ما ذُكِر من صنيع النبيّ -ﷺ- مع أم سليم وذويها، كان غالبه بواسطة خدمة أنس -﵁- له -ﷺ-، وسيأتي ما يتعلّق من الفوائد بقصّة أبي عُمير في "كتاب الأدب" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٢] (٦٦٠) - (حَدَّثَنِي (^١) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْنَا، وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا وَأُمِّي، وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي، فَقَالَ: "قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ"، فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَصَلَّى بِنَا، فَقَالَ رَجُل لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، بِكُلِّ خَيْرٍ، مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ، ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ، أَنْ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ) بن مسلم الليثيّ مولاهم، أبو النضر البغداديّ، مشهور بكنيته ولقبُهُ قيصر، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٧) وله (٧٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٣١٨ ]
٣ - (سُلَيْمَانُ) بن المغيرة (^١) القَيْسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة ثبتٌ [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم الْبُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) وله (٨٦) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أنس) بن مالك -﵁- المذكور قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، وهاشم، فبغداديّان، وتقدّم ما يتعلّق بأنس -﵁-، وللَّه الحمد والمنّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ) -﵁- أنه (قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْنَا) أي في بيت أم سليم -﵂-، فقد أخرج الحديث البخاريّ في "صحيحه"، من طريق حُميد، عن أنس -﵁- دخل النبيّ -ﷺ- على أم سليم، فأتته بتمر، وسمن، قال: "أعيدوا سمنكم في سقائه، وتمركم في وعائه، فإني صائم"، ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سليم، وأهل بيتها، فقالت أم سليم: يا رسول اللَّه إن لي خُوَيِصّة، قال: "ما هي؟ " قالت: خادمك أنس، فما ترك خير آخرة، ولا دنيا، إلا دعا لي به، قال: "اللهم ارزقه مالًا وولدًا، وبارك له فيه"، فإني لمن أكثر الأنصار مالًا، وحدثتني ابنتي أُمَينة، أنه دُفِن لصلبي مَقْدَمَ حَجّاج البصرةَ بضع وعشرون ومائة.
ووقع في رواية أبي داود بسند صحيح، عن ثابت، عن أنس -﵁- أنه
_________________
(١) وقع في برنامج الحديث للكتب التسعة هنا غلط، وهو أنهم ذكروا هنا ترجمة سليمان التيميّ، والصواب سليمان بن المغيرة، كما صرّح به أبو نعيم في "مستخرجه" ٢/ ٢٥٥ رقم (١٤٧٣)، فتنبّه.
[ ١٤ / ٣١٩ ]
قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- دخل على أم حرام، فأتوه بسمن، وتمر، فقال: "رُدُّوا هذا في وعائه، وهذا في سقائه، فإني صائم"، ثم قام، فصلى بنا ركعتين تطوعًا، فقامت أم سليم، وأم حرام خلفنا، قال ثابت: ولا أعلمه إلا قال: أقامني عن يمينه على بساط.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: لا تعارض بين القصّتين؛ إذ يمكن حمله على تعدّد الواقعة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
(وَمَا هُوَ إِلَّا أَنَا) "ما" هنا نافية، و"هو" في محل رفع مبتدأ، وهو ضمير يفسِّره خبره، أي لا يُعْلَم ما يراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظًا ورتبةً، أفاده السمين الحلبيّ -﵀- في إعراب قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا﴾ [الأنعام: ٢٩] الآية.
والمواضع التي يعود الضمير فيها على متأخّر لفظًا ورُتبةً ستّة، نظمتها بقولي:
وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظًا وَرُتْبَةً أَتَى مُغْتَفَرَا
فِي مُضْمَرِ الشَّأْنِ وِ"نِعْمَ رَجُلَا" … وَ"رُبَّهُ فَتًى" كَذَا مَا أُبْدِلَا
مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى
فَتِلْكَ سِتٌّ وَسِوَاهَا أَوْجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرْجِعِ نَعْمَ الْمَطْلَبُ
وقوله: "إلا أنا" خبر المبتدأ.
(وَأُمِّي) أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصاريّة، يقال: اسمها سَهْلة، أو رُميلة، أو رُميثة، أو مُليكة، أو غير ذلك، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان -﵁-، وقد تقدمت ترجمتها في "الحيض" ٧/ ٧١٦. (وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي) هي أم حرام بنت مِلْحان، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حَرَام بن جندب بن عامر بن غَنْم بن عديّ بن مالك بن النجّار الأنصاريّة، خالة أنس بن مالك، وزوجة عُبادة بن الصامت، يقال: اسمها الْغُمَيصاء، ويقال: الرُّمَيصاء.
رَوَت عن النبيّ -ﷺ-، وروى عنها ابن أختها أنس بن مِالك، وعُمير بن الأسود العنسيّ، ويعلى بن شداد بن أوس، وعطاء بن يسار.
قال ابن سعد: تزوجت عبادة بن الصامت، فوَلَدت له محمدًا، ثم خَلَف
[ ١٤ / ٣٢٠ ]
عليها عمرو بن قيس بن زيد بن سَوّاد الأنصاريّ، كذا قال، والصحيح العكس، فقد قال غير واحد: إنها خرجت مع زوجها عُبادة في بعض غزوات البحر، وماتت في غَزَاتها، وَقَصَتها بغلتها عندما قفلوا، وذلك أول ما ركب المسلمون في البحر، في زمن معاوية، في خلافة عثمان -﵃-، زاد أبو نعيم الأصبهانيّ: وقُبِرَت بقُبْرُص، وزاد الإسماعيليّ في "مستخرجه" عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار، قال: رأيت قبرها، ووَقَفتُ عليه بِقُبْرص، جزيرة عظيمة من جزائر الروم.
أخرج لها البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب حديث واحد سيأتي في "كتاب الإمارة" برقم (١٩١٢) حديث: "أُريتُ قومًا من أمتي يركبون ظهر هذا البحر. . .".
(فَقَالَ) -ﷺ- ("قُومُوا، فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ") تقدّم إعراب هذه الجملة، وشرحها في حديث أنس -﵁- المذكور أولَ الباب، وقوله: (فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ) متعلّق بـ "قال"، أو متعلّق بخبر لمبتدأ محذوف، تقديره: وذلك كائنٌ في غير وقت صلاة، وأراد بذلك أن الوقت قال فيه ذلك كان غير وقت صلاة مفروضة، وليس المراد أنه صلى بهم في أوقات النهي (فَصَلَّى بِنَا) تقدّم في رواية البخاريّ: "ثم قام إلى ناحية من البيت، فصلّى غير المكتوبة"، وفي رواية عند أحمد، من طريق ثابت، عن أنس: "ثم صلّى ركعتين تطوّعًا، فأقام أم حرام، وأمّ سُليم خلفنا، وأقامني عن يمينه".
(فَقَالَ رَجُلٌ) وفي رواية أبي نعيم في "مستخرجه": "فقال رجلٌ من القوم"، ولا يُعرف هذا الرجل القائل، كما قاله صاحب "التنبيه" (^١). (لِثَابِتٍ) البنانيّ (أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟) -ﷺ-، أي على أي جهة منه أقامه؟ (قَالَ) ثابتٌ (جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ) أي جهة يمين النبيّ -ﷺ-، وفيه أن موقف المأموم الواحد عن يمين الإمام (ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ) بنصب "أهلَ" على الاختصاص، كما قال في "الخلاصة":
الاخْتِصَاصُ كَنِدَاءٍ دُونَ "يَا" … كَـ "أَيُّهَا الْفَتَى" بِإِثْرِ "ارْجُونِيَا"
_________________
(١) قال في "تنبيه المعلم" (ص ١٤٨): لا أعرفه.
[ ١٤ / ٣٢١ ]
وَقَدْ يُرَ ذَا دُونَ "أَيٍّ" تِلْوَ "أَلْ" … كَمِثْلِ "نَحْنُ الْعُرْبَ أَسْخَى مَنْ بَذَلْ"
ويَحْتَمِل أن يكون مفعولًا لفعل مقدّر، أي أعني أهل البيت، أي أهل بيت أنس -﵁-.
(بِكُلِّ خَيْرٍ) متعلّق بـ "دعا" (مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) هذا الدعاء لعموم أهل بيت أنس، غير الدعاء الخاصّ به الذي ذكره بقوله: (فَقَالَتْ أُمِّي) أمّ سُليم -﵂- (يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُوَيْدِمُكَ) تصغير خادم، صغّرته على معنى التلطُّف، لا التحقير، يقال: خَدَمه يَخْدُمه، ويَخْدِمه، من بأبي نصر، وضرب، خَدْمةً، فهو خادم غلامًا كان، أو جاريةً، والخادمة بالهاء في المونّث قليلٌ، والجمع خَدَم، بفتحتين، وخُدّام (^١).
فـ "خُويدمك" مبتدأ، خبره قوله: "ادع اللَّه له".
وفي رواية البخاريّ المتقدّمة: فدعا لأم سُليم وأهل بيتها، فقالت أم سُليم: يا رسول اللَّه إن لي خُوَيِصّةً، قال: "ما هي؟ " قالت: خادمك أنسٌ. . .، وفي رواية أحمد: "إن لي خُوَيصّة، خُويدمك أنسٌ، ادع اللَّه له".
(ادْعُ اللَّهَ لَهُ) أي مكافأة لإحسانه إليك بالخدمة زمنًا طويلًا، فقد أخرج البخاريّ -﵀- في "صحيحه"، عن أنس بن مالك -﵁-: "أنه كان ابن عشر سنين مَقْدَم رسول اللَّه -ﷺ- المدينةَ، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبيّ -ﷺ- فخدمته عشر سنين، وتوفي النبيّ -ﷺ-، وأنا ابن عشرين سنة. . ." الحديث.
وأخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن ثابت، قال أنس: ما شَمِمْت شيئًا عنبرًا قطّ، ولا مسكًا قطّ، ولا شيئًا قطّ أطيب من ريح رسول اللَّه -ﷺ-، ولا مَسَسْتُ شيئًا قطّ ديباجًا، ولا حريرًا، ألين مَسًّا من رسول اللَّه -ﷺ-. قال ثابت: فقلت: يا أبا حمزة، ألست كأنك تنظر إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وكأنك تسمع إلى نَغَمَته؟ فقال: بلى واللَّه، إني لأرجو أن ألقاه يوم القيامة، فأقول: يا رسول اللَّه خُويدمك، قال: خدمته عشر سنين بالمدينة، وأنا غلام، ليس كل أمري كما يَشْتَهِي صاحبي أن يكون، ما قال لي فيها: أُفّ، ولا قال لي: لم فعلت هذا؟ وألا فعلت هذا؟.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٦٥، و"القاموس المحيط" ٤/ ١٠٣.
[ ١٤ / ٣٢٢ ]
(قَالَ) أنس -﵁- (فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ) هذا يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- دعا لأنس -﵁- بدعوات كثيرة، غير هذا (أَنْ قَالَ) "أَنْ" بفتح الهمزة مصدريّة، والمصدر المؤوّل اسم "كان" مؤخّرًا، أي كان قوله: ("اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ، وَوَلَدَهُ، وَبَارِكْ لَهُ) وقوله: (فِيهِ") وكذا هو في رواية البخاريّ المتقدّمة بالإفراد؛ نظرًا إلى اللفظ، ولأحمد: "فيهم"؛ نظرًا إلى المعنى، وللبخاريّ في "الدعوات"، من طريق قتادة، عن أنس: "وبارك له فيما أعطيته".
ولم يقع في هذه الرواية التصريح بما دعا له من خير الآخرة؛ لأن المال والولد من خير الدنيا، وكأن بعض الرواة اختصره.
وسيأتي لمسلم في "الفضائل" من طريق الجعد، أبي عثمان، قال: حدّثنا أنس بن مالك -﵁-، قال: مَرّ رسول اللَّه -ﷺ-، فسمعت أمي، أم سليم صوته، فقالت: بأبي وأمي يا رسول اللَّه، أنيسٌ، فدعا لي رسول اللَّه -ﷺ- ثلاث دعوات، قد رأيت منها اثنتين في الدنيا، وأنا أرجو الثالثة في الآخرة.
ولم يبيّن هذه الثالثة، وهي المغفرة كما بيّنها سنان بن ربيعة بزيادة، وذلك فيما رواه ابن سعد، بإسناد صحيح عنه، عن أنس -﵁- قال: "اللهم أكثر ماله، وولده، وأطل عمره، واغفر ذنبه" (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٢ و١٥٠٣ و١٥٠٤] (٦٦٠) وفي "فضائل الصحابة" (٢٤٨١)، و(البخاريّ) في "الصوم" (١٩٨٢) و"الدعوات" (٦٣٣٤ و٦٣٤٤ و٦٣٧٨ و٦٣٨٥) وفي "الأدب المفرد" (٨٨)، و(أبو داود) في "الصلاة"، و(ابن ماجه) فيها (٩٧٥)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠٢ و٨٠٣ و٨٠٤)، وفي "الكبرى" (٨٧٧ و٨٧٨ و٨٧٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٠٢٧)، و(أحمد)
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٢٦٩ "كتاب الصوم" رقم (١٩٨٢).
[ ١٤ / ٣٢٣ ]
في "مسنده" (٣/ ١٩٣ و١٩٤ و٢١٧ و٢٥٨ و٢٦١)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٢٦٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٥٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٠٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^١):
١ - (منها): بيان جواز الجماعة في النافلة.
٢ - (ومنها): مشروعيّة الدعاء للخادم؛ مكافأة على إحسانه، فقد أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائيّ بإسناد صحيح، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "من استعاذ باللَّه فأعيذوه، ومن سألكم باللَّه فأعطوه، ومن استجار باللَّه فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفًا، فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له، حتى تعلموا أن قد كافأتموه".
٣ - (ومنها): جواز التصغير على معنى التلطّف لا التحقير.
٤ - (ومنها): تحفة الزائر بما حضر بغير تكلُّف.
٥ - (ومنها): جواز ردّ الهدية إذا لم يَشُقّ ذلك على المهدي، وأن أخذ من رد عليه ذلك له ليس من العود في الهبة.
٦ - (ومنها): حفظ الطعام وترك التفريط فيه، وجبر خاطر المزور إذا لم يؤكل عنده بالدعاء له.
٧ - (ومنها): مشروعية الدعاء عقب الصلاة، وتقديم الصلاة أمام طلب الحاجة.
٨ - (ومنها): استحباب الدعاء بخير الدنيا والآخرة؛ لأن كلّ ذلك بيد اللَّه ﷿، وقد رغّب اللَّه تعالى في ذلك حيث قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)﴾ [البقرة: ٢٠١، ٢٠٢]، وقال ﷿: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤].
_________________
(١) المراد فوائد الحديث بجميع رواياته المختلفة التي أوردتها في الشرح، لا خصوص سياق المصنّف هنا، فتنبّه.
[ ١٤ / ٣٢٤ ]
٩ - (ومنها): جواز الدعاء بكثرة المال والولد، وأن ذلك لا ينافي الخير الأخرويّ، وأنّ فَضْلَ التقلل من الدنيا يختلف باختلاف الأشخاص.
١٠ - (ومنها): زيارة الإمام بعض رعيته.
١١ - (ومنها): جواز دخول بيت الرجل في غيبته؛ لأنه لم يُنقَل في طرق هذه القصّة أن أبا طلحة -﵁- كان حاضرًا.
١٢ - (ومنها): إيثار الولد على النفس، وحسن التلطف في السؤال.
١٣ - (ومنها): أن كثرة الموت في الأولاد لا ينافي إجابة الدعاء بطلب كثرتهم، ولا طلب البركة فيهم؛ لما يحصل من المصيبة بموتهم، والصبرِ على ذلك من الثواب.
١٤ - (ومنها): التحدث بنعم اللَّه تعالى، وبمعجزات النبيّ -ﷺ- لما في إجابة دعوته من الأمر النادر، وهو اجتماع كثرة المال مع كثرة الولد، وكون بستان المدعوّ له صار يثمر مرتين في السنة دون غيره.
١٥ - (ومنها): أن فيه التاريخ بالأمر الشهير، ولا يَتَوَقَّف ذلك على صلاح المؤرَّخ به.
١٦ - (ومنها): أنه إنما دعا النبيّ -ﷺ- لأنس بالبركة في ماله؛ لأن مجرّد كثرة المال لا ينفع صاحبه إلا إذا بارك اللَّه تعالى له فيه، فقام بواجبه، وإلا يكون وبالًا عليه، فقد أخرج الشيخان من حديث أبي ذرّ -﵁-، مرفوعًا: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقليلٌ ما هم"، وأخرج أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة، إلا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، وهكذا، وقليلٌ ما هم، عن يمينه، وعن شماله، وبين يديه، ووراءه".
١٧ - (ومنها): أن اللَّه تعالى أكرم نبيّه -ﷺ- حيث استجاب دعاءه لأنس -﵁-، فكان أكثر الناس مالًا وولدًا، وطال عمره.
أما كثرة ماله، وولده، فقد أخرج مسلم في "فضائل الصحابة" من طريق إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس -﵁-، قال: جاءت بي أمي، أم أنس إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وقد أَزَّرَتني بنصف خمارها، ورَدّتني بنصفه، فقالت:
[ ١٤ / ٣٢٥ ]
يا رسول اللَّه، هذا أُنيس ابني أتيتك به يخدُمك، فادع اللَّه له، فقال: "اللهم أكثر ماله وولده"، قال أنس: فواللَّه إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة اليوم.
وفي "كتاب الصوم" من "صحيح البخاريّ": قال أنس: وحدّثتني ابنتي أُمينة أنه دُفِن لصلبي مَقْدَم الحجاج البصرة (^١) بضع وعشرون ومائة (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: كان أكثر الصحابة أولادًا، وقد قال ابن قُتيبة في "المعارف": كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كلُّ واحد منهم من ولده مائةَ ذكر لصلبه: أبو بكرة، وأنس، وخليفة بن بدر، وزاد غيره رابعًا، وهو المهلَّب بن أبي صُفْرة.
وأخرج الترمذيّ، عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان يجيء منه ريح المسك، ورجاله ثقات.
_________________
(١) قوله: "مقدم الحجاج البصرة" بالنصب على نزع الخافض: أي من أول ما مات لي من الأولاد إلى أن قدمها الحجاج، ووقع ذلك صريحًا في رواية ابن أبي عديّ، ولفظه: وذَكَر أن ابنته الكبرى أمينة أخبرته أنه دُفن لصلبه إلى مقدم الحجاج، وكان قدوم الحجاج البصرة سنة خمس وسبعين، وعمر أنس حينئذ نيف وثمانون سنة، وقد عاش أنس بعد ذلك إلى سنة ثلاث، ويقال: اثنتين، ويقال: إحدى وتسعين، وقد قارب المائة، قاله في "الفتح" ٤/ ١٦٩ "كتاب الصوم" رقم (١٩٨٢).
(٢) قوله: "بضع وعشرون ومائة" في رواية ابن أبي عديّ: "نيف على عشرين ومائة"، وفي رواية الأنصاريّ، عن حميد، عند البيهقي في "الدلائل": "تسع وعشرون ومائة"، وهو عند الخطيب في "رواية الآباء عن الأبناء"، من هذا الوجه، بلفظ: "ثلاث وعشرون ومائة"، وفي رواية حفصة بنت سيرين: "ولقد دفنت من صلبي سوى ولد ولدي خمسة وعشرين ومائة"، وفي "الحلية" أيضًا من طريق عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس، قال: "دفنت مائة لا سِقْطًا ولا ولد ولد"، ولعل هذا الاختلاف سبب العدول إلى البضع والنيف، وفي ذكر هذا دلالة على كثرة ما جاءه من الولد، فإن هذا القدر هو الذي مات منهم، وأما الذين بَقُوا ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس، عند مسلم: "وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّون على نحو المائة"، ذكره في "الفتح" ٤/ ٢٧٠.
[ ١٤ / ٣٢٦ ]
ولأبي نعيم في "الحلية" من طريق حفصة بنت سيرين، عن أنس، قال: "وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين، وما في البلد شيء يُثمر مرتين غيرها" (^١).
وأما طول عمره -﵁-، فقد ثبت في "الصحيح" أنه كان في الهجرة ابن تسع سنين، وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل، وقيل: سنة ثلاث، وله مائة وثلاث سنين، قاله خليفة، وهو المعتمد، وأكثر ما قيل في سنِّه أنه بلغ مائة وسبع سنين، وأقل ما قيل فيه: تسعًا وتسعين سنةً، أفاده في "الفتح" (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُخْتَارِ، سَمِعَ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (ح م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبَريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج الإمام الحجة الناقد البصير العابد، أمير المؤمنين في الحديث، وأول من فتّشَ بالعراق عن الرجال، وذبّ عن السنّة [٧] (١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُخْتَارِ) البصريّ، ثقة (^٣) [٧].
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٦٩ "كتاب الصوم" رقم (١٩٨٢).
(٢) راجع: "الفتح" ١١/ ١٤٩ "كتاب الدعوات" رقم (٦٣٤٤).
(٣) قال في "التقريب": لا بأس به، والحقّ أنه ثقةٌ؛ لأنه روى عنه جماعة، ومنهم شعبة، والحمادان، وغيرهم، ووثقه ابن معين، والنسائيّ، وغيرهم، وأخرج له =
[ ١٤ / ٣٢٧ ]
رَوَى عن زياد بن عِلاقة، والحسن، وابن سيرين، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وسعيد الْجُريريّ، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبي إسحاق السَّبِيعيّ، وموسى بن أنس بن مالك، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسرائيل، والحمادان، وشعبة، وشيبان بن عبد الرحمن، وشريك، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال النسائيّ، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وكذا ابن خلفون، وقال شعبة: كان من فتياننا، وكان أحدث مني سنًّا.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ في "الشمائل"، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٦٦٠)، وحديث (١٨٥٢): "إنه ستكون هنات وهنات. . . " الحديث.
٥ - (مُوسَى بْنُ أَنَس) بن مالك الأنصاريّ، قاضي البصرة، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أبيه، وابن عمه عمرو بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، وعبد اللَّه بن عباس.
وروى عنه ابنه حمزة، وعطاء بن أبي رباح، وهو أكبر منه، ومكحول الشاميّ، وهو من أقرانه، وحميد الطويل، وعبد اللَّه بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد اللَّه بن المختار، وشعبة، وسليمان بن بلال، وآخرون.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل البصرة، وقال: كان ثقةً، قليل الحديث، وقال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد أخيه النضر بن أنس.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (٦٦٠) و(٦٧٧) و(٢٣١٢) و(٢٣٥٩) وأعاده بعده.
و"أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ" ذُكر قبله.
وقوله: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى بِهِ، وَبِأُمِّهِ، أَوْ خَالَتِهِ. . . إلخ) "أو" فيه
_________________
(١) = مسلم، ولم يتكلم فيه أحد، وإنما قال أبو حاتم وحده: لا بأس به، فتنبّه، راجع ترجمته في "تهذيب الكمال" ١٦/ ١١١ - ١١٢، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١٤ / ٣٢٨ ]
للشكّ، وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى القطّان، عن شعبة: "صلّى بي رسول اللَّه -ﷺ-، وبامرأة من أهلي، فأقامني عن يمينه، والمرأة خلفنا".
[تنبيه]: أورد ابن حبّان -﵀- حديث موسى بن أنس هذا في "صحيحه" (٥/ ٥٨٣) رقم (٢٢٠٦) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة، ولفظه: "عن أنس بن مالك، أنه كان هو ورسول اللَّه -ﷺ-، وأمه وخالته، فصلّى بهم رسول اللَّه -ﷺ-، فجعل أنسًا عن يمينه، وأمه وخالته خلفهما".
والظاهر أن قوله: "وخالته" بالواو غلط، والصواب "أو خالته" بـ "أو"، كما هو في رواية المصنّف هنا، ومما يؤيّد هذا أن مسلمًا -﵀- ساق رواية محمد بن جعفر، عن شعبة بعد هذا، ثم أحالها على رواية معاذ بن معاذ هذه، فلو كان بين الروايتين مخالفة لنبّه عليها، كعادته في ذلك، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
والحديث أخرجه (المصنّف) هنا [٤٩/ ١٥٠٣ و١٥٠٤] (٦٦٠)، و(النسائيّ) في "الإمامة" (٨٠٥)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، المعروف بالزَّمِنِ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) الْهُذَليّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقة ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ١٤ / ٣٢٩ ]
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد شعبة السابق، وهو: عن عبد اللَّه بن المختار، عن موسى بن أنس، عن أنس بن مالك -﵁-.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، ساقها أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ٢٥٦) فقال:
(١٤٧٦) حدّثنا عبد اللَّه بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن منده، ثنا محمد بن المثنى، ثنا محمد بن جعفر غندر، ثنا شعبة بإسناده: "أنه كان هو ورسول اللَّه -ﷺ-، وامرأة وخالته (^١)، فصلى بهم رسول اللَّه -ﷺ-، فجعل أنسًا عن يمينه، وأمه أو خالته خلفه". انتهى.
وأما رواية ابن مهديّ، فلم أجد من ساقها، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٥] (٥١٣ مكرّر) - (حَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) تقدّم أول الباب.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان الواسطيّ المزنيّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
_________________
(١) هكذا النسخة: "وخالته" بالواو، والظاهر أنه بـ "أو"، كما هو عند المصنّف، ويدلّ عليه أيضًا آخر الحديث.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٤ / ٣٣٠ ]
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩.
٥ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد) بن الهاد الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٢] قُتِل بالكوفة سنة (٨١) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
٧ - (مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) -﵂-، ماتت سنة (٥١) (ع) تقدّمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في "الصلاة" [٥٣/ ١١٥١] (٥١٣)، وبقي الكلام على قوله: (وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى خُمْرَةٍ).
و"الخمرة" -بضم الخاء، وسكون الميم-: وزان غُرْفة، قال الطبريّ -﵀-: هو مصَلَّى صغير يُعْمَل من سَعَفِ النخل، سُمِّيت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين من حَرّ الأرض وبردها، فإن كانت كبيرة سميت حصيرًا، وكذا قال الأزهري في "التهذيب"، وصاحبه أبو عبيد الهرويّ، وجماعة بعدهم، قاله في "الفتح" (^١).
وقال ابن منظور -﵀-: الخُمْرة: حَصِيرةٌ أو سَجَّادة صغيرة، تُنْسَج من سَعَف النخل وتُرَمَّلُ بالخيوط، وقيل: حَصِيرة أصغر من المُصَلَّى، وقيل: الخمرة: الحصير الصغير الذي يُسجَدُ عليه. قال الزجاج: سُمِّيت خمرةً؛ لأنها تستر الوجه من الأرض. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: هي مقدار ما يَضَعُ الرجل عليه وجهه في سجوده من حصير، أو نَسِيج خُوص، ونحوه، من النبات، قال: ولا تكون خُمْرة إلا في هذا المقدار، وسُمِّيت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسعَفِها، وقد تكررت في الحديث، هكذا فسرت.
وقد جاء في "سنن أبي داود"، عن ابن عباس -﵄-، قال: "جاءت فأرة،
_________________
(١) ١/ ٥٧٢.
(٢) "لسان" ٢/ ١٢٦١.
[ ١٤ / ٣٣١ ]
فأخذت تَجُرُّ الفَتِيلة، فجاءت بها، فألقتها بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع درهم"، وهذا صريح في إطلاق الخمرة على الكبير من نوعها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الظاهر أن المراد هنا الكبيرة؛ إذ لو كانت صغيرة لقالت: "كان يسجد على خمرة".
وفي "المنهل": أن الخمرة يجعلها المصلي تحت جبهته؛ لتَقِيه من الحر، والبرد، وتُطْلَق أيضًا على الكبير من نوعها، وهو المراد في الحديث. انتهى (^٢).
وفيه دلالة على جواز الصلاة على الخمرة، قال ابن بطال: لا خلاف بين فقهاء الأمصار في جواز الصلاة على الخمرة، إلا ما رُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يؤتى بالتراب، فيوضع على الخمرة، فيسجد عليه، ولعله كان يفعله على جهة المبالغة في التواضع، والخشوع، فلا يكون فيه مخالفة للجماعة. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: مثل هذا الفعل لا ينبغي الاقتداء به، وإن كان عمر بن عبد العزيز عَمِلَ به مبالغة في التواضع، فالنبيّ -ﷺ- أشدّ تواضعًا منه، وهو القدوة الحسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فلا ينبغي العدول عما ثبت عنه؛ لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ الهداية في اتباعه فقط، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٦] (٦٦١) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٧٧ - ٧٨.
(٢) "المنهل العذب المورود" ٥/ ٤٦.
[ ١٤ / ٣٣٢ ]
يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْهَرَويّ الأصل، ثم الْحَدثانيّ، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قدماء [١٠] (ت ١٤٠) وله مائة سنة (م ت) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٥ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورع، إلا أنه يُدلس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٧ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٨ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٩ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
١٠ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد (٧٠) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
١١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان بن عُبيد الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
[ ١٤ / ٣٣٣ ]
وقوله: (يُصَلِّي عَلَى حَصِيرِ، يَسْجُدُ عَلَيْهِ) -بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين-: الذي يُبسط في البيَوت، وقد تقدّم تفسيره مستوفًى، وكذا بيان اختلاف العلماء في حكم الصلاة عليه في شرح حديث أنس -﵁- المذكور أوّل الباب.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في "باب الصلاة في الثوب الواحد" برقم [٥٤/ ١١٦١] (٥١٩) فراجعه هناك تستفد علمًا جمًّا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.