قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا معظم النسخ بلفظ "كتاب المساجد"، ولا يخفى مناسبة ذكر أحاديث المساجد في أبواب الصلاة؛ لأنها مراضع الصلاة، ولكن كان الأولى للمصنّف أن يقدّمه في أوائل الصلاة، كما فعل البخاريّ -﵀-، فقد أورد أحاديث فرض الصلاة، ثم أحاديث ستر العورة، ثم أحاديث المساجد، وهكذا، واللَّه تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٦] (٥٢٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ (^١) قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟، قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَهُوَ مَسْجِدٌ"، وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ: "ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّه (^٢)، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ")
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) هو: فُضيل بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ
_________________
(١) وفي نسخة: "أولًا" منصوبًا منوّنًا.
(٢) وفي نسخة: "فصلّ".
[ ١٢ / ٥ ]
[١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زياد الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقة [٨] (ت ١٧٦) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ) هو: إبراهيم بن يزيد بن شَرِيك، أبو أسماء الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، لكنه يُرسل، ويدلّس [٥] (ت ٩٢) وله (٤٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
٤ - (أَبُوهُ) يزيد بن شَرِيك بن طارق التيميّ الكوفيّ، يقال: إنه أدرك الجاهليّة [٢] مات في خلافة عبد الملك بن مروان (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٦.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) جندب بن جُنادة الصحابيّ الشهير -﵁-، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بين اثنين منهم؛ لاختلاف صيغ الأداء بسب اختلاف كيفيّة التحمّل، وذلك أن أبا كامل حدّثه وحده، ولذا قال: "حدّثني أبا كامل"، وصرّح عبد الواحد بتحديث الأعمش له، وأما أبو بكر، وأبو كريب، فحدّثاه مع غيره، ولذا قال: "وحدّثنا أبو بكر إلخ".
٢ - (ومنها): أن رجا له رجال الجماعة، سوى شيخيه: أبي كامل، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، وعلّق له البخاريّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير أبي كامل، وعبد الواحد، فبصريّان، والصحابيّ: مدنيّ، ثمّ رَبَذيّ، قرية قريبة من المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ) يزيد بن شَرِيك (عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة -﵁- أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟) "أَيّ" -بفتح الهمزة، وتشديد الياء-: اسم استفهام، مرفوع على الابتداء، وخبره جملة "وُضع"، وهو بالبناء للمفعول، و"أَوَّلُ" بالبناء على الضمّ؛ لقطعه
[ ١٢ / ٦ ]
عن الإضافة، ونيّة معناها، كـ "قبلُ"، و"بعد"، قال في "الخلاصة":
وَاضْمُمْ بِنَاءً "غَيْرًا" انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا
"قَبْلُ" كَـ "غَيْرُ" "بَعْدُ" "حَسْبُ" "أَوَّلُ" … وَ"دُونُ" وَالْجِهَاتُ أَيْضًا وَ"عَلُ"
وَأَعْرَبُوا نَصْبًا إِذَا مَا نُكِّرَا … "قَبْلًا" وَمَا مِنْ بَعْدِهِ قَدْ ذُكِرَا
وفي بعض النسخ بلفظ: "أَوَّلًا" فيكون منصوبًا على الظرفيّة متعلّقًا بـ "وُضِعَ".
وقال في "المرعاة": قوله: "أوَّلُ" بضم اللام، وهي ضمة بناء؛ لقطعه عن الإضافة مثل "قبل"، و"بعد"، قال أبو البقاء: وهو الوجه، والتقدير: أوّلُ كلِّ شيءٍ، ويجوز النصب مصروفًا، وغير مصروف؛ لوزن الفعل والوصفيّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢]. انتهى بتصرّف (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد نظم بعضهم ضابطَ "أوّلُ"، فقال [من الطويل]:
إِذَا "أَوَّلٌ" قَدْ جَاءَ مَعْنَاهُ أَسْبَقُ … فَمَنْعُ انْصِرَافٍ فِيهِ أَمْرٌ مُحَتَّمُ
لِوَصْفٍ وَوَزْنِ الْفِعْلِ فِيهِ أَيَا فَتَى … فَكُنْ حَافِظًا لِلْعِلْمِ تَحْظَى وَتَغْنَمُ
وَمَا جَاءَ ظَرْفًا مِثْلُ "قَبْلٍ" فَذَا لَهُ … كَـ "قَبْلُ" مِنَ الأَحْوَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(قَالَ) -ﷺ- ("الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ") بالرفع على أنه مبتدأ حُذف خبره؛ لدلالة السؤال عليه، أي المسجدُ الحرامُ وُضِع أوّلًا، ويحتمل أن يكون نائب فاعل لفعل محذوف، دلّ عليه السؤال أيضًا، أي وُضِعَ المسجد الحرام أوّلًا، قال أبو ذرّ -﵁- (قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟) يجوز تنوينه؛ لأن التنوين عوض عن المضاف إليه، وتركه بنيّة المضاف إليه، أي ثمّ أيُّ مسجد وُضع بعده، وقد تقدم البحث في هذا مستوفًى في شرح حديث ابن مسعود -﵁-: "أي العمل أحبّ إلى اللَّه".
قال في "الفتح": وهذا الحديث يفسّر المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ الآية [آل عمران: ٩٦]، ويدلّ على أن المراد بالبيت بيت العبادة، لا مطلق البيوت، وقد ورد صريحًا عن عليّ -﵁-، أخرجه إسحاق ابن راهويه، وابن أبي حاتم، وغيرهما بإسناد صحيح عنه، قال: "كانت البيوت قبله، ولكنه كان أوّل بيت وُضع لعبادة اللَّه". انتهى (^٢).
_________________
(١) "المرعاة" ٢/ ٤٦٨.
(٢) "الفتح" ٦/ ٤٧٠ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٦٦).
[ ١٢ / ٧ ]
(قَالَ) -ﷺ- ("الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى") يعني مسجدَ بيت المقدس، قيل له: الأقصى؛ لبعد المسافة بينه وبين الكعبة، وقيل: لأنه لم يكن وراءه موضع عبادة، وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث، والْمُقَدَّسُ: المطهر عن ذلك.
قال أبو ذرّ -﵁- (قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟) أي كم مدّةً بين وضع المسجدين؟ (قَالَ) -ﷺ- ("أَرْبَعُونَ سَنَةً) قال ابن القيّم -﵀-: وقد أشكل هذا الحديث على من لم يَعرف المراد به، فقال: معلوم أن سليمان بن داود هو بنى المسجد الأقصى، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام، قال: وهذا جهل من هذا القائل؛ فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده، لا تأسيسه، والذي أسّسه يعقوب بن إسحاق -صلى اللَّه عليهما وآلهما وسلّم- بعد بناء إبراهيم -﵇- الكعبة بهذا المقدار. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن الجوزيّ -﵀-: فيه إشكال؛ لأن إبراهيم -﵇- بَنَى الكعبة، وسليمان -﵇- بنى بيت المقدس، وبينهما أكثر من ألف سنة. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: ومُسْتَنَدُه في أن سليمان -﵇- هو الذي بَنَى المسجد الأقصى، ما رواه النسائيّ من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄- مرفوعًا بإسناد صحيح: "أن سليمان -﵇- لَمّا بنى بيت المقدس، سأل اللَّه تعالى خِلالًا ثلاثًا. . . " الحديث، وفي الطبرانيّ من حديث رافع بن عميرة: "أن داود -﵇- ابتدأ ببناء بيت المقدس، ثم أوحى اللَّه إليه إني لأقضي بناءه على يد سليمان"، وفي الحديث قصّةٌ. انتهى.
قال: وجوابه أن الإشارة إلى أوّل البناء، ووضع أساس المسجد، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بَنَى بيت المقدس، فقد رَوَينا أن أول مَن بَنَى الكعبة آدم، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وَضَعَ بيت المقدس، ثم بنى إبراهيم الكعبة بنصّ القرآن، وكذا قال القرطبيّ: إن الحديث لا يدلّ على أن إبراهيم وسليمان لَمّا بنيا المسجدين ابتدءا وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لِمَا كان أسسه غيرهما.
_________________
(١) "زاد المعاد" ١/ ٤٩.
[ ١٢ / ٨ ]
قال الحافظ: وقد مَشَى ابن حبان في "صحيحه" على ظاهر هذا الحديث، فقال: في هذا الخبر ردٌّ على من زعم أن بين إسماعيل وداود ألف سنة، ولو كان كما قال: لكان بينهما أربعون سنةً، وهذا عين المحال؛ لطول الزمان بالاتفاق بين بناء إبراهيم -﵇- البيت، وبين موسى -﵇-، ثم إن في نصّ القرآن أن قصة داود في قتل جالوت كانت بعد موسى بمدة.
وقد تعقب الحافظ الضياء بنحو ما أجاب به ابن الجوزيّ.
وقال الخطابيّ: يُشبه أن يكون المسجد الأقصى أوّلُ ما وَضَع بناءه بعض أولياء اللَّه قبل داود وسليمان، ثم داود وسليمان، فزادا فيه ووسعاه، فأضيف إليهما بناؤه، قال: وقد يُنسب هذا المسجد إلى إيلياء، فَيَحْتَمِل أن يكون هو بانيه أو غيره، ولست أُحَقِّق لِمَ أضيف إليه.
قال الحافظ: الاحتمال الذي ذكره أوّلًا مُوَجَّهٌ، وقد رأيت لغيره أن أول من أسس المسجد الأقصى آدم -﵇-، وقيل: الملائكة، وقيل: سام بن نوح -﵇-، وقيل: يعقوب -﵇-، فعلى الأولين يكون ما وقع ممن بعدهما تجديدًا، كما وقع في الكعبة، وعلى الأخيرين يكون الواقع من إبراهيم أو يعقوب أصلًا وتأسيسًا، ومن داود تجديدًا لذلك، وابتداءَ بناء، فلم يَكْمُل على يده حتى أكمله سليمان -﵇-.
لكن الاحتمال الذي ذكره ابن الجوزيّ أوجه.
قال: وقد وجدت ما يَشْهَد له، ويؤيد قولَ مَن قال: إن آدم هو الذي أسس كلًّا من المسجدين، فذكر ابن هشام في "كتاب التيجان" أن آدم لما بني الكعبة أمره اللَّه بالسير إلى بيت المقدس، وأن يبنيه فبناه، ونسك فيه، وبناء آدم للبيت مشهور.
وروى ابن أبي حاتم من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: "لَمّا كان زمن الطوفان رُفِع البيتُ، وكان الأنبياءُ يحجّونه، ولا يعلمون مكانه، حتى بوّأه اللَّه لإبراهيم، وأعلمه مكانه".
وروى البيهقيّ في "الدلائل" من طريق أخرى عن عبد اللَّه بن عمرو مرفوعًا: "بَعَثَ اللَّه جبريل إلى آدم، فأمره ببناء البيت، فبناه آدم، ثم أمره بالطواف به، وقيل له: أنت أوّل الناس، وهذا أولُ بيت وُضع للناس".
[ ١٢ / ٩ ]
وروى عبد الرزّاق، عن ابن جريج، عن عطاء: "أن آدم أول من بنى البيت"، وقيل: بنته الملائكة قبله، وعن وهب بن منبّه: أول من بناه شيث بن آدم، والأول أثبت.
ورَوَى ابن أبي حاتم، من طريق معمر، عن قتادة، قال: وضع اللَّه البيت مع آدم لَمّا هَبَطَ، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فقال اللَّه له: يا آدم إني قد أهبطت بيتًا يطاف به، كما يطاف حول عرشي، فانطَلِق إليه، فخرج آدم إلى مكة، وكان قد هبط بالهند، ومُدَّ له في خطوه، فأتى البيت، فطاف به، وقيل: إنه لما صلى إلى الكعبة أُمر بالتوجه إلى بيت المقدس، فاتخذ فيه مسجدًا، وصلى فيه؛ ليكون قبلةً لبعض ذريته.
وأما ظَنُّ الخطابيّ أن إيليا اسم رجل، ففيه نظر، بل هو اسم البلد، فأضيف إليه المسجد، كما يقال: مسجد المدينة، ومسجد مكة.
وقال أبو عبيد البكريّ في "معجم البلدان": إيليا مدينة بيت المقدس، فيه ثلاث لغات: مَدّ آخره، وقصره، وحذف الياء الأولى، قال الفرزدق [من الطويل]:
لَوَى ابْنُ أَبِي الرَّقْرَاقِ عَيْنَيْهِ بَعْدَ مَا … دَنَا مِنْ أَعَالِي إِيلِيَاءَ وَغَوَّرَا
وعلى ما قاله الخطابيّ يمكن الجمع بأن يقال: إنها سُمِّيت باسم بانيها كغيرها. انتهى (^١).
(وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ) أي في أيِّ مكان أدركك وقت الصلاة، فـ "أينما" اسم شرط جازم لفعلي الشرط والجزاء، وهما: "أدركتك"، و"فصلِّ"، وهو ظرف متعلّق بـ "أدركتك"، وكذا "حيثما" الآتي، وهما من أدوات الجزم التي ذكرها ابن مالك: في "الخلاصة" بقوله:
بِـ "لَا" وَلَامٍ طَالِبًا ضَعْ جَزْمَا … فِي الْفِعْلِ هَكَذَا بَـ "لَمْ" وَ"لَمَّا"
وَاجْزِمْ بِـ "إِنْ" وَ"مَنْ" وَ"مَا" وَ"مَهْمَا" … "أَيٍّ" "مَتَى" "أَيَّانَ" "أَيْنَ" "إِذْ مَا"
وَ"حَيْثُمَا" "أَنَّى" وَحَرْفٌ "إِذْ مَا" … كَـ "إِنْ" وَبَاقِي الأَدَوَاتِ جَزْمَا
(فَصَلِّ) في ذلك المكان، ولا تأخّر الصلاة، وقوله: (فَهُوَ مَسْجِدٌ") الفاء
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٦٣ و٤٧٠ - ٤٧١ "كتاب أحاديث الأنبياء" رقم (٣٣٦٦).
[ ١٢ / ١٠ ]
للتعليل؛ أي لأن ذلك المكان مسجد للصلاة، فلا ينبغي تأخيرها عنه، وفيه إشارة إلى المحافظة على الصلوات في أول أوقاتها، ويتضمّن ذلك الندب إلى معرفة الأوقات.
(وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ) فُضيل بن حسين الْجَحدريّ، شيخه الأول، فالجارّ والمجرور خبر مقدّم، لقوله: "ثمّ حيثما إلخ"؛ لقصد لفظه ("ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّهْ) بالهاء الساكنة، وهي هاء السكت، كما قال في "الخلاصة":
وَقِفْ بِهَا السَّكْتِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُعَلْ … بِحَذْفِ آخِرٍ كَـ "أَعْطِ مَنْ سَأَلْ"
وَلَيْسَ حَتْمًا فِي سِوَى مَا كَـ "ع" أَوْ … كَـ "يَعِ" مَجْزُومًا فَرَاعِ مَا رَعَوْا
وفي بعض النسخ: "فصلِّ" بلا هاء.
وفي رواية البخاريّ: "ثمّ أينما أدركتك الصلاة بعدُ فصلِّهْ".
قال في "الفتح": قوله: "فصَلِّهْ" بهاء ساكنة، وهي هاء السكت، وللكشميهني بحذفها، وقوله: "فإن الفضل فيه" أي في فعل الصلاة إذا حضر وقتها، زاد من وجه آخر، عن الأعمش في آخره: "والأرضُ لك مسجد"، أي للصلاة فيه، وفي "جامع سفيان بن عيينة"، عن الأعمش: "فإن الأرض كلَّها مسجدٌ"، أي صالحة للصلاة فيها، ويُخَصُّ هذا العموم بما ورد فيه النهي. انتهى (^١).
وقوله: (فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ") تعليل للأمر بالصلاة حيثما أدركته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٦٦، ١١٦٧] (٥٢٠)، و(البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٣٦٦ و٣٤٢٥)، و(النسائيّ) في "المساجد" (٢/ ٣٢)،
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٧١.
[ ١٢ / ١١ ]
و(ابن ماجه) فيها (٧٥٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٥٧٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في"مسنده" (٤٦٢)، و(الحميديّ) في"مسنده" (١٣٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٠٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٥٠ و١٥٦ و١٥٧ و١٦٠ و١٦٦ و١٦٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٢٩٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٥٩٨)، و(الطحاويّ) في "شرح مشكل الآثار" (١/ ٣٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٥٨ و١١٥٩ و١١٦٠ و١١٦١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٣٣) وفي "دلائل النبوّة" (٢/ ٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان أول مسجد بُني للعبادة في الأرض، وهو المسجد الحرام، ثم بُني بعده المسجد الأقصى، وهو أفضل المساجد على الإطلاق، ثم يليه الأقصى.
٢ - (ومنها): بيان المدّة التي بين بناء المسجدين، وهو أربعون عامًا، وهذا بالنسبة للوضع الأوّليّ، فلا ينافي ما ثبت من كون الخليل -﵇- بنى الكعبة، وسليمان، أو أبوه -﵇- بنى بيت المقدس؛ لأن هذا ثانويّ، ثم إنه لم يصحّ تحديد ما بين بناءيهما من المدّة.
٣ - (ومنها): بيان جواز الصلاة في جميع المواضع، إلا ما استثناه الشرع، من الصلاة في المقابر وغيرها، من المواضع التي فيها النجاسة، كالْمَزْبلة، والْمَجْزَرة، وكذا ما نُهِي عنه لمعنى آخر، فمن ذلك أعطان الإبل، وسيأتي بيانها قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- ومنه قارعة الطريق، والْحَمّام وغيرها؛ لحديث ورد فيها، قاله النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أشار النوويّ بقوله: "لحديث ورد فيها" إلى الحديث الذي أخرجه الترمذيّ، وابن ماجه، وعبد بن حُميد في "مسنده" عن ابن عمر -﵄- أن النبيّ -ﷺ- "نَهَى أن يصلى في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمّام، وفي معاطن الإبل، وفوق
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٢ - ٣.
[ ١٢ / ١٢ ]
ظهر بيت اللَّه"، وهذا الحديث ضعيفٌ جدًّا؛ لأن في سنده زيدَ بنَ جَبِير متروك، فتنبّه.
٤ - (ومنها): أن فيه إشارةً إلى المحافظة على الصلاة في أول وقتها، ويتضمن ذلك الندبَ إلى معرفة الأوقات.
٥ - (ومنها): أن فيه إشارةً أيضًا إلى أن المكان الأفضل للعبادة إذا لم يحصل، لا يترك المأمور به لفواته، بل يُفْعَل المأمور في المفضول؛ لأنه -ﷺ- كأنه فَهِمَ عن أبي ذرّ -﵁- من تخصيصه السؤال عن أوّل مسجد وُضِع أنه يريد تخصيص صلاته فيه، فَنَبَّهه على أن إيقاع الصلاة إذا حضرت لا يَتَوَقَّف على المكان الأفضل.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الأمة المحمدية؛ لما ذُكِر أن الأمم السابقة كانوا لا يصلون إلا في مكان مخصوص، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن عبد اللَّه بن عمرو -﵄-، في حديثه الطويل، وفيه: "وجُعِلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان مَن قبلي يُعَظِّمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبِيَعِهِم. . . " الحديث.
٧ - (ومنها): حُسْن الزيادة على السؤال في الجواب، لا سيّما إذا كان للسائل في ذلك مزيدُ فائدة.
٨ - (ومنها): أن الحديث دليل فضيلة من فضائل الكعبة الشريفة، حيث كانت أول بيت وُضع لعبادة اللَّه تعالى، وقد خصّها اللَّه بخصائص كثيرة، فمنها هذا.
[ومنها]: كونها قبلة لأهل الأرض كلّهم، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها.
[ومنها]: أنه يحرُم استقبالها، واستدبارها عند قضاء الحاجة، دون سائر البقاع، وقد تقدّم تفصيل مذاهب العلماء في ذلك، مع ترجيح القول باستثناء ما كان في البيان في "كتاب الطهارة"، فراجعه تستفد.
[ومنها]: أن اللَّه تعالى سمّاها أم القرى، فالقرى كلّها تبَعٌ لها، وفرعٌ عليها، وهي أصل القرى، فيجب أن لا يكون لها في القرى عَدِيلٌ، فهي كما أخبر النبيّ -ﷺ- عن "الفاتحة" أنها أم القرآن، ولهذا لم يكن لها في الكتب الإلهية عَدِيل.
[ ١٢ / ١٣ ]
[ومنها]: أنه لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام، عند بعض أهل العلم، ويُروى عن ابن عباس -﵄-، والراجح أنه لا يجب ذلك إلا لمريد الحجّ أو العمرة، وسيأتي تمام البحث في ذلك في "كتاب الحجّ" -إن شاء اللَّه تعالى-.
[ومنها]: أنه يعاقب فيه على الهمّ بالسيئات، وإن لم يفعلها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
قال الإمام ابن القيّم -﵀-: فتأمل كيف عَدَّى فعل الإرادة هنا بالباء، ولا يقال: أردت بكذا إلا لما ضُمِّن معنى فِعْلِ هَمّ، فإنه يقال: هممت بكذا، فتوعد مَن هَمَّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم. انتهى.
[ومنها]: تضاعف مقادير السيئات فيه، لا كمياتها، فإن السيئة جزاؤها سيئة، لكن السيئة كبيرةٌ، وجزاؤها مثلها، والصغيرة جزاؤها مثلها، فالسيئة في حرم اللَّه وبلده وعلى بساطه آكد وأعظم منها في طَرَف من أطراف الأرض، ولهذا ليس مَن عَصَى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه، فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات، قاله ابن القيّم -﵀-.
[ومنها]: أنه قد ظهر معمر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة، وهَوَى القلوب وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهو الأولى بقول القائل [من الوافر]:
مَحَاسِنُهُ هَيُولَى كُلِّ حُسْنٍ … وَمَغْنَاطِيسُ أَفْئِدَةِ الرِّجَالِ
ولهذا أخبر اللَّه -﷿- أنه مثابة للناس، أي يثوبون إليه على تعاقب الأعوام، من جميع الأقطار، ولا يقضون منه وَطَرًا، بل كلما ازدادوا له زيارة ازدادوا له اشتياقًا، كما قال [من البسيط]:
لَا يَرْجِعُ الطَّرْفُ عَنْهَا حِينَ يَنْظُرُهَا … حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهَا الطَّرْفُ مُشْتَاقَا
فللَّه كم لها من قتيل، وسَليب، وجريح، وكم أُنفق في حبها من الأموال، والأرواح، ورَضِي المحبّ بمفارقة فِلَذِ الأكباد (^١)، والأهل، والأحباب، والأوطان، مقدِّمًا بين يديه أنواع المخاوف، والمتالف،
_________________
(١) "الْفِلْذة، بكسر، فسكون: القطعة، وجمعها فِلَذ، كسِدْرة وسِدَرٍ. اهـ. "المصباح".
[ ١٢ / ١٤ ]
والمعاطف، والمشاقِّ، وهو يستلذّ ذلك كله، ويستطيبه، ويراه لو ظهر سلطان المحبة في قلبه أطيب من نِعَم المتحلية وتَرَفِهم ولذّاتهم، كما قال [من الطويل]:
وَلَيْسَ مُحِبًّا مَنْ يَعُدُّ شَقَاءَهُ … عَذَابًا إِذَا مَا كَانَ يَرْضَى حَبيبُهُ
قال الإمام ابن القيّم -﵀-: وهذا كلُّه سر إضافته إليه -﷿- بقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ الآية [الحج: ٢٦]، فاقتضت هذه الإضافة الخاصّة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته، كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله -ﷺ- إلى نفسه ما اقتضته من ذلك، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كَسَتهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم، فكلُّ ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه، فله من المزية والاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلًا آخر، وتخصيصًا وجلالةً زائدًا على ما كان له قبل الإضافة. انتهى المقصود من كلام ابن القيّم -﵀-، فإن أردت الزيادة من الفائدة، فارجع إلى كتابه النافع "زاد المعاد" تر كلامًا يسرّ الفواد (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
(المسألة الرابعة): في بيان فائدة مهمة، تتعلّق بإعراب أَسْماء الشرط والاستفهام:
(اعلم): أن أسماء الشرط والاستفهام إذا وقعت على زمان، أو مكان، فهي في محلّ نصب على الظرفيّة لفعل الشرط، إن كان تامًّا، نحو قوله [من الطويل]:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ … تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ
وقوله [من البسيط]:
أَيَّانَ نُؤْمِنْكَ تَأْمَنْ غَيْرَنَا وَإِذَا … لَمْ تُدْرِكِ الأَمْنَ مِنَّا لَمْ تَزَلْ حَذِرَا
وقوله [من الخفيف]:
حَيْثُمَا تَسْتَقِم يُقَدِّرْ لَكَ اللَّهُ … نَجَاحًا فِي غَابرِ الأَزْمَانِ
وظرفًا لخبره إن كان ناقصًا، كـ ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية [النساء: ٧٨]، فـ "أينما" ظرف متعلّق بمحذوف خبر ﴿تَكُونُوا﴾ الذي هو فعل الشرط،
_________________
(١) راجع: "زاد المعاد في هدي خير العباد -ﷺ-" ١/ ٤٩ - ٥٢ وما بعده.
[ ١٢ / ١٥ ]
و﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ جوابه، وإن وقعت على حَدَث، فمفعول مطلقٌ لفعل الشرط، كـ "أيَّ ضَرْبٍ تَضْرِبْ أَضْرِبْ"، أو على ذات، فإن كان فعل الشرط لازمًا، نحو "من يقم اضربه" فهي مبتدأ، وكذا إن كان متعدّيًا واقعًا على أجنبيّ منها، نحو ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وخبره إما جملة الشرط، أو الجواب، أو هما معًا، أقوال، فإن كان متعدّيًا، وسُلِّط على الأداة، فهي مفعوله، نحو ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، و"من يضرب زيدًا أضربه"، وإن سُلّط على ضميرها، أو على ملابسه، فاشتغال، نحو من يضربه، أو من يضرب أخا زيد أضربه، فيجوز في "من" كونها مفعولًا لمحذوف يُفسّره فعل الشرط، أو مبتدأ، وفي خبره ما مرّ.
وإنما كان العامل في الأداة هو فعل الشرط لا الجواب عكس "إذا"؛ لأن رتبة الجواب مع متعلّقاته التأخير عن الشرط، فلا يعمل في متقدّم عليه، ولأنه قد يقترن بالفاء، أو "إذا" الفجائيّة، وما بعدهما لا يعمل فيما قبلهما، واغتُفِرَ ذلك في "إذا"؛ لأنها مضافة لشرطها، فلا يصلح للعمل فيها، ذكر هذا التحقيق الخضريّ في "حاشيته" (^١).
وقد نظمت هذه القاعدة، فقلت:
يَا أَيُّهَا النِّحْرِيرُ يَا لَبِيبُ إِنْ … أَرَدْتَ إِعْرَابَ الشُّرُوطِ فَاسْتَبِنْ
إِنِ الأَدَاةُ وَقَعَتْ زَمَانًا أَوْ … مَكَانًا النَّصْبَ لَهَا ظَرْفًا رَأَوْا
لِفِعْلِ شَرْطِهَا إِذَا تَمَّ وَإِنْ … نَقَصَ بِالْخَبَرِ نَصْبَهَا أَبِنْ
وَإِنْ عَلَى الْجَدَثِ دَلَّتْ تُعْرَبُ … مَفْعُولَ مُطْلَقٍ لِشَرْطٍ يَصْحَبُ
وَإِنْ عَلَى ذَاتٍ تَقَعْ وَالشَّرْطُ قَدْ … لَزِمَ قُلْ مُبْتَدَأٌ أَوْ إِنْ وَرَدْ
لأَجْنَبِيٍّ قَدْ تَعَدَّى وَالْخَبَرْ … الشَّرْطُ أَوْ جَوَابُهُ أَوْ ذَانِ قَرْ
وَإِنْ عَلَى الأَدَاةِ قَدْ تَسَلَّطَا … تُعْرَبُ مَفْعُولًا لَهُ فَلْتَضْبِطَا
وَإِنْ عَلَى الضَّمِيرِ أَوْ مُلَابِسِهْ … فَبَابُ الاشْتِغَالِ جَاءَ يَكْتَسِهْ
وَهَكَذَا أَدَاةُ الاسْتِفْهَامِ … مِثْلُ أَدَاةِ الشَّرْطِ بِالتَّمَامِ
_________________
(١) راجع: "حاشية الخضري على شرح ابن عقيل على الخلاصة" ٢/ ١٨٦ "باب عوامل الجزم".
[ ١٢ / ١٦ ]
وإِنَّمَا أُعْمِلَ فِعْلُ الشَّرْطِ فِي … أَدَاتِهِ دُونَ الْجَوابِ فَاعْرِفِ
لِكَوْنِهِ مُؤَخَّرًا عَنْهُ فَلَا … يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ فَلْتَعْقِلَا
وَقَدْ يَجِي مُقْتَرِنًا بِالْفَاءِ أَوْ … "إِذَا" وَمَا يَلِي لِذَيْنِ قَدْ أَبَوْا
عَمَلَهُ فِيمَا مَضَى وَاغْتُفِرَا … ذَلِكَ فِي "إِذَا" لأَجْلِ مَا عَرَا
مِنَ الإِضَافَةِ لِشَرْطِهَا فَلَا … يَعْمَلُ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ النُّبَلَا
فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُهِمَّهْ … قَرَّبْتُهَا لِرَاغِبٍ ذِي هِمَّهْ
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وإنما طوّلت في بيان هذه القاعدة؛ لكونها تتكرّر في الأحاديث، كما ذكرت في هذا الحديث، فأحببت أن تتضح لطلّاب العلم في موضع واحد حتى يعملوا بمقتضاها كما جاءت في الأحاديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٧] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ (^١) فِي السُّدَّةِ، فَإِذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَوَّلِ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ، فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
_________________
(١) وفي نسخة: "أقرأ القرآن على أبي".
[ ١٢ / ١٧ ]
وقوله: (قَالَ: كُنْتُ أقرَأُ عَلَى أَبِي الْقُرْآنَ) وفي نسخة: "كنت أقرأ القرآن على أبي"، وفي رواية ابن خزيمة: "كنت أنا وأبي نجلس في الطريق، فيَعْرِض عليّ القرآن، وأَعْرِض عليه، فقرأ السجدة، فسجد، فقلت: تسجد في الطريق؟ قال: نعم، سمعت أبا ذرّ. . . "، فذكره.
وقوله: (فِي السُّدَّةِ) متعلّق بـ "أقرأ"، وهي بضم السين، وتشديد الدال المهملتين، قال النوويّ -﵀-: هكذا هو في "صحيح مسلم"، ووقع في كتاب النسائيّ: "في السِّكَّة"، وفي رواية غيره: "في بعض السِّكَك"، وهذا مطابق لقوله: "يا أبت أتسجد في الطريق؟ "، وهو مقارب لرواية مسلم؛ لأن السُّدّة واحدة السُّدَدِ، وهي المواضع التي تُطِلُّ حول المسجد، وليست منه، ومنه قيل لإسماعيل السُّدّيّ؛ لأنه كان يبيع في سُدَّة الجامع، وليس للسُّدَّة حكم المسجد، إذا كانت خارجة عنه.
وقوله: (فَإذَا قَرَأْتُ السَّجْدَةَ سَجَدَ) قال القاضي عياض -﵀-: واختَلَفَ العلماء في المعلِّم والمتعلِّم إذا قرآ السجدة، فقيل: عليهما السجود لأول مرّة، وقيل: لا سجود. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي تحقيق البحث في هذا في موضعه -إن شاء اللَّه تعالى-.
وقوله: (فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ) بكسر التاء، وهو الأكثر، وفتحها، قال في "الخلاصة":
وَفِي النِّدَا "أَبَتِ" "أُمَّتِ" عَرَضْ … وَاكْسِرْ أَوِ افْتَحْ وَمِنَ الْيَا التَّا عِوَضْ
وحُكي ضمّها، وهو قليل، وقد ذكر النحاة في نداء الأبوين تسع لغات، وقيل: عشر، فإذا أردت بيان ذلك، فراجع شروح "الخلاصة"، وغيرها.
وقوله: (أَتَسْجُدُ فِي الطَّرِيقِ؟) قال النوويّ -﵀-: أما سجوده في السُّدَّة، وقوله: "أتسجد في الطريق"، فمحمول على سجوده على طاهر. انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٥/ ٣.
[ ١٢ / ١٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٨] (٥٢١) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُعْطِيتُ خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (هُشَيْم) بن بشير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٣ - (سَيَّار) بن أبي سيّار وَرْدان، أبو الحكم الْعَنَزيّ الواسطيّ، ويقال: البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٤ - (يَزِيدُ الْفَقِيرُ) هو: يزيد بن صُهيب، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ) الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وواسطيين، وكوفيّ، ومدنيّ.
٤ - (ومنها): أن يزيد لُقّب بالفقير؛ لأنه كان يَشكو فَقَار ظهره، وليس من الفقر ضدّ الغنى، قال في "المحكم": رجلٌ فقيرٌ: مكسور فَقَار الظهر، ويقال له: فُقَيِّرٌ بالتشديد أيضًا. انتهى.
[ ١٢ / ١٩ ]
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
[فائدة]: قال الحافظ -﵀-: "سَيّار" -بمهملة، بعدها تحتانية مشدّدة، وآخره راء- هو أبو الْحَكَم الْعَنَزيّ الواسطيّ البصريّ، واسم أبيه وردان على الأشهر، ويكنى اْبا سيَّار، واتَّفقوا على توثيق سيّار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يَلْقَ أحدًا منهم، فهو من كبار أتباع التابعين، ولهم شيخ آخر يقال له: "سيّار"، لكنه تابعيّ شاميّ، أخرج له الترمذيّ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال: وإنما ذكرته؛ لأنه رَوَى معنى حديث الباب عن أبي أمامة، ولم يُنْسَب في الرواية، كما لم يُنْسَب سيار في حديث الباب، فربما ظنهما بعض من لا تمييز له واحدًا، فيظن أنّ في الإسناد اختلافًا، وليس كذلك. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ جدّأ.
[فائدة أخرى]: قال الحافظ أيضًا: مدار حديث جابر -﵁- هذا على هُشيم بهذا الإسناد، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى، وأبي ذرّ، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان. انتهى، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَيَّارٍ) سيأتي في الرواية التالية التصريح بالسماع في كلّ السند، حيث قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا هُشيم، أخبرنا سيّار، حدّثنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد اللَّه. . .، فاتّصل بالسماع من أوله إلى آخره، فزالت تهمة تدليس هُشيم، وكذا وقع في رواية البخاريّ نحو هذا، قال الحافظ ابن رجب في "شرح البخاريّ": هُشيم مدلّسٌ، وقد صرّح هنا بالسماع من سيّار، وصرّح سيّار بالسماع من يزيد، وصرّح يزيد بالسماع من جابر -﵁-، فهذا الإسناد جليل متّصل. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٢٠.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٦.
[ ١٢ / ٢٠ ]
(عَنْ يَزِيدَ الْفَقِيرِ) تقدّم سبب تلقيبه به آنفًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ) -﵄- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-) كان ذلك في غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبيّ -ﷺ-.
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي، فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يَحْرُسونه، حتى إذا صَلَّى، وانصرف إليهم، فقال لهم: "لقد أُعطيت الليلة خمسًا، ما أعطيهنّ أحد قبلي، أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامّةً، وكان مَن قبلي إنما يُرْسَل إلى قومه، ونُصِرتُ على العدوّ بالرُّعْب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لَمُلئ منه رُعْبًا، وأُحِلّت لي الغنالْم، آكُلُها، وكان مَن قبلي يُعْظِمُون أكلها، كانوا يُحَرِّقونها، وجُعلت لي الأرض مساجد وطهورًا، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت، وكان مَن قبلي يعظمون ذلك، إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيَعِهم، والخامسة هي ما هي، قيل لي: سَلْ، فإن كل نبي قد سأل، فاخَّرت مسَالتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شَهِدَ أن لا إله إلا اللَّه". انتهى.
قال الحافظ ابن رجب بعد ذكر هذا الحديث: قوله: "أُعطيت الليلة خمسًا" لم يُرد أنه لم يُعطها قبل تلك الليلة، فإن عامّتها كان موجودًا قبل ذلك، كنصره بالرعب، وتيمّمه بالتراب، فإن التيمّم شُرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال، ولعلّه أراد أنه أُعلم بأن هذه الخمس خصال اختصّ بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة. انتهى (^١).
("أُعْطِيتُ) ببناء الفعل للمفعول (خَمْسًا، لَمْ يُعْطَهُنَّ) بالبناء للمفعول أيضًا (أحَدٌ قَبْلِي) زاد في رواية البخاريّ في "الصلاة": "من الأنبياء"، يعني أن اللَّه -﷿- أعطاه هذه الخصال، وخصّه بهنّ، ولم يُشاركه فيهنّ أحد من الأنبياء الذين قبله، وفي حديث ابن عباس -﵄-: "لا أقولهنّ فخرًا"، يعني أنه إنما ذكر هذا اعترافًا بالنعمة، وأداءً لشكرها، وامتثالًا لأمره تعالى بقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، لا افتخارًا، وتطاوُلًا على غيره من الخلق.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٧.
[ ١٢ / ٢١ ]
[فإن قيل]: مفهوم الحديث يدلّ على أنه -ﷺ- لم يَختَصّ بغير الخمس المذكورة فيه، وهذا يعارضه ما جاء في أحاديث كثيرة تدلّ على الزيادة على هذه الخمس، ومنها حديث أبي هريرة -﵁- الآتي هنا بعد حديث حذيفة -﵁-، بلفظ: "فُضِّلت على الأنبياء بست. . . "، فذكر أربعًا من هذه الخمس، وزاد اثنتين: "وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النبيّون".
ويُجاب بأن سياق الحديث لا يدلّ على الحصر، فلا ينافي ما دلّت عليه الأحاديث الأخرى من الخصوصيّات الزائدة على الخمس.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وهذه الخمس اختصّ بها النبيّ -ﷺ- عن الأنبياء، وليس في الحديث أنه لم يختصّ بغيرها، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر، وقد دلّت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه -ﷺ- خُصّ عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس. انتهى.
وقال في "الفتح": وطريق الجمع أن يقال: لعله اطَّلَع أوّلًا على بعض ما اختَصّ به، ثم اطَّلع على الباقي، ومن لا يَرَى مفهوم العدد حجةً يَدفع هذا الإشكال من أصله. انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله في حديث جابر -ﷺ-: "أُعطيتُ خمسًا"، وفي حديث أبي هريرة -﵁-: "ستًّا"، وفي حديث حُذيفة: "ثلاثًا"، لا يظُنّ القاصد أن هذا تعارض، وإنما يَظُنّ هذا من توهّم أن ذكر الأعداد يدلّ على الحصر، وأنها لها دليلُ خطاب، وكلُّ ذلك باطلٌ، فإن القائل: عندي خمسة دنانير مثلًا لا يدلّ هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول تارةً أخرى: عندي عشرون، وتارة أخرى: عندي ثلاثون، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين، وعشرةً، فلا تناقض ولا تعارض.
ويجوز أن يكون النبيّ -ﷺ- أُعلم في وقت بالثلاث، وفي وقت بالخمس، وفي وقت بالستّ. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الحافظ -﵀-: ظاهر الحديث يقتضي أن كل واحدة من
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١١٥ - ١١٦.
[ ١٢ / ٢٢ ]
الخمس المذكورات، لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يُعْتَرَض بأن نوحًا -﵇- كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلًا إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتَّفَق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا -ﷺ-، فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك.
وأما قول أهل الموقِفِ لنوح -﵇- كما صحّ في حديث الشفاعة: "أنت أول رسول إلى أهل الأرض"، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه -﷿- في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أُرسل إلى غيرهم.
واستَدَلَّ بعضهم لعموم بعثته بكونه دعا على جميع من في الأرض، فأُههلكوا بالغَرَق، إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقد ثبت أنه أول الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح، وعَلِمَ نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن من قومه، ومن غيرهم فأجيب، وهذا جواب حَسَنٌ، لكن لم يُنقَل أنه نُبِّئ في زمن نوح غيره.
ويَحْتَمِل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا -ﷺ- في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يُبْعَث نبي في زمانه أو بعده، فينسخ بعض شريعته.
ويَحْتَمِل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتَمَادَوا على الشرك، فاستَحَقُّوا العقاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير "سورة هود"، قال: وغير ممكن أن تكون نبوته لم تبلغ القريب والبعيد؛ لطول مدته، ووجّهه ابن دقيق العيد: بأن توحيد اللَّه تعالى يجوز أن يكون عامّا في حقّ بعض الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم.
ويَحْتَمِل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح، فبعثته
[ ١٢ / ٢٣ ]
خاصّة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامّة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتَّفَق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن هذا الاحتمال الأخير أقرب الاحتمالات، وأظهرها؛ لموافقته لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولآيات أخرى نصَّت على أن بعث نوح -﵇- كان لقومه خاصّة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [العنكبوت: ١٤] الآية، وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١)﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦١] وغير ذلك من الآيات، وما عدا ذلك من الاحتمالات، فالتكلّف فيه ظاهرٌ، فتأمّله بالإنصاف، واللَّه تعالى أعلم.
قال: وغَفَل الداوديّ الشارح غفلةً عظيمةً، فقال: قوله: "لم يُعْطَهُنّ أحدٌ" يعني لم تُجْمَع لأحد قبله؛ لأن نوحًا -﵇- بُعِث إلى كافّة الناس، وأما الأربع فلم يُعْطَ أحدٌ واحدة منهنّ، وكأنه نظر في أول الحديث، وغَفَل عن آخره؛ لأنه -ﷺ- نَصّ على خصوصيته بهذه أيضًا، لقوله: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة"، وفي رواية مسلم: "وكان كلُّ نبي. . . إلخ". انتهى (^١).
ثم فصّل تلك الخمسة التي أجملها في قوله: "أُعطيتُ خمسًا إلخ"، فأشار إلى الخصوصيّة الأولى بقوله:
(كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ) بالبناء للمفعول، يقال: بَعَثْتُ رسولًا بَعْثًا: أوصلته، وابتعثته كذلك، وفي المطاوع: فانبعث، مثلُ كَسَرْتُهُ فانكَسَر، وكلُّ شيء يَنبَعِث بنفسه، فإن الفعل يتعدى إليه بنفسه، فيقال: بعثته، وكلُّ شيء لا ينبعث بنفسه، كالكتاب، والهدية، فإن الفعل يتعدى إليه بالباء، فيقال: بَعَثْتُ به، وأَوْجَزَ الفارابيّ، فقال: بَعَثَهُ: أي أَهَبَّهُ، وبَعَثَ به: وَجَّهَهُ. انتهى (^٢).
(إِلَى قوْمِهِ خَاصَّةً) قال الفيّوميّ -﵀-: الخاصّة: خلاف العامّة، والهاء للتأكيد، وعن الكسائيّ: الخاصّ، والخاصّة واحدٌ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٢١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٥٢.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٧١.
[ ١٢ / ٢٤ ]
قال السنديّ -﵀-: وهذا يشمل نوحًا -﵇-، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الآية [نوح: ١]، وآدم -﵇-، نعم قد اتّفق في وقت آدم أنه ما كان على وجه الأرض غير أولاده، فعمّت نبوّته لأهل الأرض اتّفاقًا، وكذا اتّفق مثله في نوح بعد الطوفان حيث لم يبق إلا من كان معه في السفينة، وهذا لا يؤدّي إلى العموم، وأما دعاء نوح -﵇- على أهل الأرض كلّها، وإهلاكهم، فلا يَتَوقّف على عموم الدعوة، بل يكفي بلوغ الدعوة، وقد بلغت دعوته الكلّ؛ لطول مدّته، كيف، والإيمان بالنبيّ بعد بلوغ الدعوة، وثبوت النبوّة واجبٌ، سواء كان مبعوثًا إليهم أم لا، كإيماننا بالأنبياء السابقين، مع عدم بعثتهم إلينا، وفرقٌ بين المقامين. انتهى كلام السنديّ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(وَبُعِثْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ) أي إلى كافّة الناس، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨].
قال ابن الأثير -﵀-: أراد العجم والعرب؛ لأن الغالب على ألوان العجم الحمرة والبياض، وعلى ألوان العرب الأُدْمة والسُّمْرة، وقيل: أراد الجنّ والإنس، وقيل: أراد بالأحمر الأبيض مطلقًا، فإن العرب تقول: امرأة حمراء: أي بيضاءُ.
وسُئل ثعلب: لم خَصَّ الأحمر دون الأبيض؟ فقال: لأن العرب تقول: رجلٌ أبيض، من بياض اللون، وإنما الأبيض عندهم الطاهر النَّقِيّ من العيوب، فإذا أرادوا الأبيض من اللون قالوا: الأحمر.
قال ابن الأثير: وفي هذا نظرٌ؛ فإنهم قد استعملوا الأبيض في ألوان الناس وغيرهم. انتهى كلام ابن الأثير -﵀- (^٢).
وفي حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: "وأُرسلت إلى الخلق كافّة"، "وبُعثت إلى الناس عامّةً"، وفي رواية النسائيّ: "وبُعثت إلى الناس كافّةً".
وقال في "الفتح": قيل: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب،
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ١/ ٢١١ - ٢١٢.
(٢) "النهاية" ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
[ ١٢ / ٢٥ ]
وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجنّ، وعلى الأول التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع، وأصرح الروايات في ذلك وأشملها رواية أبي هريرة -﵁- عند مسلم: "وأرسلت إلى الخلق كافة". انتهى.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الثانية بقوله:
(وَأحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ) فعلٌ ونائب فاعله، وفي رواية الكشميهني عند البخاريّ: "المغانم".
و"الغنائم": جمع غَنِيمة -بفتح، فكسر- يقال: غَنِمتُ الشيءَ أَغْنَمَهُ، من باب تَعِبَ، غُنْمًا بالضمّ: أصبته غَنِيمةً ومَغْنَمًا، قال أبو عُبيد: الغنيمة: ما نِيل من أهل الشرك عَنْوةً، والحرب قائمةٌ، والفَيْءُ: ما نِيلَ منهم بعدما تضع الحرب أوزارها. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": "الغنائم": جميعِ غَنِيمة، وهي مالٌ حَصَل من الكفار بإيجاف خيل وركاب، والمغانم جمع مَغْنم، وقال الجوهريّ: الغنيمة والمغنم بمعنى واحد. انتهى (^٢).
(وَلَمْ تُحَلَّ) يَحْتَمل أن يكون بضمّ أوله، وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بفتح أوله، وكسر ثالثه، مبنيًّا للفاعل، أي لم يُحلّها اللَّه تعالى (لِأَحَدٍ قَبْلِي) أي من الأنبياء وأممهم.
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصّةً، فقد رُوي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم، وفي حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيّ -ﷺ-: "وأُحلّت لي الغنائم آكلُها، وكان من قبلي يُعظمون أكلها، كانوا يحرقونها".
وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: "غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة. . . " فذكر قصّته، وفيه: "فجمع الغنائم، فجاءت يعني النار لتأكلها، فلم تَطْعمها، فقال: إن فيكم غلولًا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلَزِقَت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول،
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٥.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ١٤.
[ ١٢ / ٢٦ ]
فليبايعني قبيلتك، فلَزِقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاءوا برأسٍ مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها، فجاءت النار فأكلتها، ثم أَحَلّ اللَّه لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا".
وأخرج الترمذيّ عن أبي هريرة -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "لم تحلّ الغنائم لأحد سُود الرءوس مِن قبلكم، كانت تنزل نار من السماء، فتأكلها"، قال الترمذيّ: حديث حسن صحيح (^١).
وقال الخطابيّ -﵀-: كان مَن تقَدَّم على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن لهم مغانم، ومنهم من أُذن له فيه، لكن كانوا إذا غَنِمُوا شيئًا لم يَحِلّ لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خُصَّ بالتصرف في الغنيمة، يَصْرِفها كيف يشاء، والأول أصوب، وهو أنّ مَن مضى لم تحل لهم الغنائم أصلًا، وسيأتي بسط ذلك في "كتاب الجهاد" -إن شاء اللَّه تعالى-.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الثالثة بقوله:
(وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً) أي طاهرةً في نفسها (طَهُورًا) بفتح الطاء: أي مُطهِّرةً لغيرها، والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصليّة، فهي كذلك، وإلا فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك، وهذا معنى قوله: "طيّبةً" أي طاهرةً، فلو تنجّست لا تكون لها هذه الخصوصيّة، فتنبّه.
وهذا الحديث يؤيّد القول الراجح بأن التيمّم يجوز على وجه الأرض كلّها، ولا يختصّ بالتراب، ويؤيّد أن هذا العموم غير مخصوص قوله في حديث أبي أمامة عند البيهقيّ: "فأيّما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء وجد الأرض طَهُورًا، ومسجدًا"، وعند أحمد: "فعنده طَهُوره ومسجده".
قال السنديّ -﵀-: قوله: "فأينما أدرك الرجل من أمتي الصلاة إلخ" ظاهر في العموم، ولا سيّما في بلاد الحجاز، فإن غالبها الجبال والحجارة، فكيف يصحّ، أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمّم منها إلا في مواضع مخصوصة؟ فليُتأمل. انتهى.
(وَمَسْجِدًا) أي موضع سجود، لا يختصّ السجود منها بموضع دون غيره،
_________________
(١) نقل من "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١١ - ٢١٢ بتصرف وزيادة.
[ ١٢ / ٢٧ ]
أو المراد محلّ صلاة، وهذا أولى؛ لأنه يؤيّده قوله: "فأيما رجل أدركته الصلاة صلّى"، وعبارة الفتح: ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبنيّ للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لَمّا جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد المبنيّ في ذلك.
وقال ابن التين: قيل: المراد جُعلت لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، وجُعلت لغيري مسجدًا، ولم تُجعل له طَهورًا؛ لأن عيسى -﵇- كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، كذا قال، وسبقه إلى ذلك الدّاوُديّ، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة، فأبيح لها في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته، والأظهر ما قاله الخطابيّ، وهو أنّ مَن قبله إنما أبيحت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة، كالْبِيَعِ والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان مَن قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم"، وهذا نصّ في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس -﵄- نحو حديث الباب، وفيه: "ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ مِحْرابه". انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- بعد ذكر حديث ابن عبّاس -﵄- المذكور ما نصّه: وقد تبيّن بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بأن الأرض كلّها جُعلت مسجدًا له ولأمته أن صلاتهم لا تختصّ بمساجدهم المعدّة لصلاتهم، كما كان من قبلهم، بل يُصلّون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وهذا لا يُنافي أن يُنهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختصّ بها، كما نُهي عن الصلاة في أعطان الإبل، وفي المقبرة، والحَمّام. انتهى (^٢).
(فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ) "أَيُّ" مبتدأ فيه معنى الشرط يجزم الفعلين، و"ما" زائدة لتأكيد العموم، و"رجلٍ" مضاف إليه "أيُّ"، و"أدركته الصلاة" وهو فعل الشرط في محلّ جزم، وهو العامل في الظرف، و"الصلاة" فاعل مؤخّر، وقوله: (صَلَّى) خبر المبتدأ، وقوله: (حَيثُ كَانَ) ظرف لـ "صلّى"، وهو لتأكيد
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٢١ - ٥٢٢.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٨.
[ ١٢ / ٢٨ ]
التعميم، والمراد صلّى بعد التيمّم، وقيل: معنى قوله: "صلّى": أي تيمّم، وصلّى؛ ليناسب الأمرين: المسجد والطَّهور، أفاده في "العمدة" (^١).
قال في "الفتح": قوله: "فأيّما رجلٍ إلخ" هذه صيغة عموم يدخل تحتها مَن لم يجد ماءً ولا ترابًا، ووجد شيئًا من أجزاء الأرض، فإنه يتيمم به، ولا يقال: هو خاص بالصلاة؛ لأنا نقول: لفظ حديث جابر -﵁- مختصر، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقيّ: "فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماءً، وجد الأرض طَهُورًا ومسجدًا"، وعند أحمد: "فعنده طَهُوره ومسجده"، وفي رواية عمرو بن شعيب: "فأينما أدركتني الصلاة تَمَسَّحتُ وصليتُ".
واحتجَّ مَن خَصّ التيمم بالتراب بحديث حذيفة -﵁- عند المصنف بلفظ: "وجُعِلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طَهُورًا، إذا لم نجد الماء"، وهذا خاصّ، فينبغي أن يُحْمَل العام عليه، فتختص الطهورية بالتراب، ودل الافتراق في اللفظ حيث حصل التأكيد في جعلها مسجدًا دون الآخر على افتراق الحكم، وإلا لعُطِف أحدهما على الآخر نَسَقًا، كما في حديث الباب.
ومنع بعضهم الاستدلال بلفظ "التربة" على خصوصية التيمم بالتراب، بأن قال: تُربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأجيب: بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره، وفي حديث عليّ -﵁-: "وجُعل التراب لي طهورًا" أخرجه أحمد، والبيهقيّ باسناد حسن.
ويُقّوِّي القول بأنه خاص بالتراب أن الحديث سيق لإظهار التشريف والتخصيص، فلو كان جائزًا بغير التراب لما اقتَصَر عليه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي مال إليه صاحب "الفتح" من تأييد القول بتخصيص التيمّم بالتراب فقط، كما هو مذهب الشافعي، وطائفة، قد سبق لنا في "التيمّم" ترجيح خلافه، وأن الحقّ جواز التيمّم بجميع ما كان من جنس الأرض، ترابًا كان أو غيره؛ عملًا بظواهر النصوص المطلقة، وأما رواية
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ١٤.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٢٢.
[ ١٢ / ٢٩ ]
"تربتها"، أو "ترابها" فليس مما يخصّ به العامّ، بل هو من باب ذكر بعض الأفراد؛ تشريفًا، واللَّه تعالى أعلم.
ثم أشار إلى الخصوصيّة الرابعة بقوله:
(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول (بِالرُّعْبِ) زاد أبو أمامة: "يُقْذَف في قلوب أعدائي"، أخرجه أحمد.
و"الرُّعْب": -بضم الراء، وسكون العين المهملة-: الخوف، وقرأ ابن عامر، والكسائيّ، بضم العين، والباقون بسكونها (^١).
قال الفيّوميّ -﵀-: رَعَبْتُ رَعْبًا، من باب نَفَعَ: خِفْتُ، ويتعدّى بنفسه، وبالهمزة أيضًا، فيقال: رَعَبته، وأرعبته، والاسم الرُّعْبُ بالضمّ، وتُضمّ العين للإتباع. انتهى (^٢).
وقال ابن رجب -﵀-: الرعب: هو الرعب الذي يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أعدائه المشركين، كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ الآية [آل عمران: ١٥١]، وقال في قصّة بدر: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الآية [الأنفال: ١٢] انتهى (^٣).
وقال السنديّ -﵀-: قوله: "نصِرت بالرعب": أي بقذفه من اللَّه في قلوب الأعداء بلا أسباب ظاهرية، وآلات عادية له، بل بضدّها، فإنه -ﷺ- كثيرًا ما يَرْبِط الحجر ببطنه من الجوع، ولا يوقد النار في بيوته، ومع هذا الحال كان الكَفَرة، مع ما عندهم من المتاع والآلات والأسباب، في خوف شديد من بأسه -ﷺ-، فلا يُشْكِل بأن الناس يخافون من بعض الجبابرة مسيرة شهر وأكثر، فكانت بلقيس تخاف من سليمان -﵊- مسيرة شهر، وهذا ظاهر، وقد بقي آثار هذه الخاصّة في خلفاء أمته ما داموا على حاله، واللَّه تعالى أعلم. انتهى (^٤).
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٠.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٤) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ١/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ١٢ / ٣٠ ]
(بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ) منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "نُصِرتُ"، قال في "الفتح": مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرُّعْب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: "ونُصِرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر"، فالظاهر اختصاصه به مطلقًا، وإنما جَعَل الغاية شهرًا؛ لأنه لم لِكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى لو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده؟ فيه احتمال. انتهى (^١).
ثم أشار إلى الخصوصيّة الخامسة بقوله:
(وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ") أي أعطاني اللَّه تعالى الشفاعة العُظمى في هول الموقف.
و"الشفاعة": هي سؤال فعل الخير، وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضَّرَاعة، وذكر الأزهريّ في "تهذيبه" عن المبرد وثعلب: أن الشفاعة الدعاء، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره، وعن أبي الهيثم أنه قال: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] أي من يزدد عملًا إلى عمل، وفي "الجامع": الشفاعةُ: الطلبُ من فعل الشفيع، وشَفَعتُ لفلان: إذا كان متوسلًا بك، فشفعت له، وأنت شافع له، وشفيع. انتهى (^٢).
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: الأقرب أن اللام في "الشفاعة" للعهد، والمراد الشفاعة العُظْمى في إراحة الناس من هول الموقف، ولا خلاف في وقوعها، وكذا جزم النوويّ وغيره.
وقيل: الشفاعة التي اختُصّ بها أنه لا يُرَدّ فيما يَسْأَلُ، وقيل: الشفاعة لخروج مَن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ لأن شفاعة غيره تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك، قاله عياض.
قال الحافظ -﵀-: والذي يظهر لي أن هذه مرادةٌ مع الأولى؛ لأنه يتبعها بها، وقال البيهقيّ في "البعث": يَحْتَمِل أن الشفاعة التي يَخْتَص بها أنه يشفع
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٢١.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ١٥.
[ ١٢ / ٣١ ]
لأهل الصغائر والكبائر، وغيره إنما يَشفع لأهل الصغائر دون الكبائر، ونَقَل عياض أن الشفاعة الحصة به شفاعة لا تُرَدّ.
وقد وقع في حديث ابن عباس -﵄-: "وأُعطيت الشفاعة، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا".
وفي حديث عمرو بن شعيب: "فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا اللَّه"، فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة في هذا الحديث إخراج مَن ليس له عمل صالح إلا التوحيد، وهو مختصّ أيضًا بالشفاعة الأولى، لكن جاء التنويه بذكر هذه؛ لأنها غاية المطلوب من تلك؛ لاقتضائها الراحة المستمرة، واللَّه أعلم.
وقد ثبتت هذه الشفاعة في رواية الحسن، عن أنس -﵁- عند البخاريّ في "كتاب التوحيد": "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا اللَّه، فيقول: وعزتي وجلالي، لأُخْرِجنّ منها مَن قال: لا إله إلا اللَّه".
ولا يَعْكُر على ذلك ما وقع عند مسلم قبل قوله: "وعزتي": "فيقول: ليس ذلك لك، وعزتي. . . إلخ"؛ لأن المراد أنه لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة. انتهى ما في "الفتح"، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا في "المساجد" [١١٦٨ و١١٦٩] (٥٢١)، و(البخاريّ) في "التيمّم" (٣٣٥) و"الصلاة" (٤٣٨) و"الجهاد" (٣١٢٢)، و(النسائيّ) في "الغسل" (١/ ٢٠٩ و٢١١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٠٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٢ - ٣٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٠ و١١٥١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٩٨)، و(البيهقيّ) في
[ ١٢ / ٣٢ ]
"الكبرى" (١/ ٢١٢ و٢/ ٣٢٩ و٤٣٣ و٦/ ٢٩١ و٩/ ٤) وفي "دلائل النبوّة" (٥/ ٤٧٢ - ٤٧٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٦١٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة تعداد نعم اللَّه تعالى؛ تحدّثًا بها، وإظهارًا لها، لا فخرًا وخيلاء؛ امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١].
٢ - (ومنها): استحباب إلقاء العالم العلم من غير أن يُسأل، ولا سيّما إذا كان للناس به حاجة.
٣ - (ومنها): ما استدلّ به صاحب "المبسوط" من الحنفيّة على إظهار كرامة الآدميّ، وقال: لأن الآدميّ خُلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلًّا منهما طَهُور، ففي ذلك بيان كرامته (^١).
٤ - (ومنها): بيان أن الأصل في الأرض الطهارة، وأنها كلها مسجد للصلاة فيها، فلا تختصّ بالمسجد المبنيّ لها، وأما حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فضعيف، أخرجه الدارقطنيّ من حديث جابر -﵁-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الحديث، وإن كان هو ضعيفًا، إلا أنه يُغني عنه ما أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، عن ابن عباس -﵄- عن النبيّ -ﷺ- قال: "من سمع النداء، فلم يأته، فلا صلاة له إلا من عذر" (^٢).
ويؤيّد هذا ما أخرجه المصنّف (^٣) عن أبي هريرة -﵁- قال: أتى النبيّ -ﷺ- رجل أعمى، فقال: يا رسول اللَّه، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول اللَّه -ﷺ- أن يُرَخِّص له، فيصلي في بيته، فرَخّص له، فلما وَلَّى دعاه، فقال: "هل تسمع النداء بالصلاة؟ " قال: نعم، قال: "فأجب".
٥ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن الطَّهُور هو المطَهِّر لغيره؛ لأن الطَّهور لو كان المراد به الطاهر، لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، قال: وقد رَوَى ابن المنذر وابن الجارود، بإسناد صحيح عن
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٥٢٤.
(٢) حديث صحيح، أخرجه ابن ماجه في "سننه" برقم (٧٩٣).
(٣) سيأتي للمصنّف برقم (٦٥٣).
[ ١٢ / ٣٣ ]
أنس منه مرفوعًا: "جعلت لي كلُّ أرض طيبة مسجدًا، وطهورًا"، ومعنى "طيبة" طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء، لاشتراكهما في هذا الوصف، قال في "الفتح": وفيه نظرٌ. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: ليس فيه نظرٌ معتبَرٌ، بل الحقّ كونه رافعًا كالماء، وقد تقدّم تحقيق هذا مستوفًى في "أبواب التيمّم"، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
٧ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ -﵀-: قوله: "طهورًا" هذه البنية من أبنية المبالغة، كقتول، وضروب، وكذلك قال في الماء، فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمّم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور. انتهى.
٨ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أَكَّد ذلك في رواية أبي أمامة بقوله: "وجُعِلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا".
قال النوويّ -﵀-: قوله: "وجُعِلت لي الأرضُ طيبةً طهورًا ومسجدًا"، وفي الرواية الأخرى: "وجُعلت تربتها لنا طهورًا"، احتج بالرواية الأولى مالك، وأبو حنيفة -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن يُجَوِّز التيمم بجميع أجزاء الأرض، واحتج بالثانية الشافعيّ، وأحمد -رحمهما اللَّه تعالى- وغيرهما ممن لا يُجَوِّز إلا بالتراب خاصّةً، وحَمَلوا ذلك المطلق على هذا المقيد. انتهى (^١).
وردّ هذا بعض المحقّقين فقال: وقد ظنّ بعضهم أن هذا من باب المطلق والمقيّد، وهو غلطٌ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور، خلافًا لما حُكِي عن أبي ثور، إلا أن يكون له مفهوم، فينبني على تخصيص العموم بالمفهوم، والتراب والتُّربة لقب، واللقب مختَلَف في ثبوت المفهوم له، والأكثرون يأبَوْن ذلك. انتهى (^٢).
_________________
(١) "شرح النووي" ٥/ ٣ - ٤.
(٢) راجع: "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٢١٠.
[ ١٢ / ٣٤ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: الحديث حجة لمالك، في التيمّم بجميع أجزاء الأرض، فإن اسم الأرض يشملها، وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمّم واحدةٌ، فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها كذلك يجوز التيمّم على جميع أجزائها.
قال: ولا يُظنّ أن قوله في حديث حذيفة -﵁-: "وجُعلت تربتها لنا طَهُورًا" مخصّص له، فإن ذلك ذُهول من قائله، فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم، ولم يُخرج هذا الخبر شيئًا، وإنما عَيَّنَ واحدًا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم، وصار بمثابة قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨)﴾ [الرحمن: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ الآية [البقرة: ٩٨]، فعَيَّن بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف، وكذلك ذكر التراب في حديث حذيفة، وإنما عيّنه؛ لكونه أمكن وأغلب، فإن قيل: عيّنه ليبيّن أنه لا يجوز التيمّم بغيره، قلنا: لا نسلّم ذلك، بل هو أول المسألة، ولئن سلّمنا أنه يَحْتَمل ذلك، فيحتمِل أيضًا ما ذكرناه، وليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، فليُلحَق اللفظ بالمجملات، فلا يكون لكم فيه حجةٌ، ويبقى مالك متمسّكًا باسم الصعيد، واسم الأرض، وأيضًا فإنه نقول بموجبه، فإن تراب كلّ شيء بحسبه، فيقال: تراب الزرنيخ، وتراب السباخ. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
٩ - (ومنها): ما خصّه اللَّه -﷿- نبيّه -ﷺ- من الشفاعة، وأنها مقبولة لا محالة، كما وعده اللَّه تعالى: "قل تُسمَعْ، واشفع تُشَفَّع".
قال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما الشفاعة التي اختُصّ بها النبيّ -ﷺ- من بين الأنبياء، فليست الشفاعة في خروج العصاة من النار، فإن هذه الشفاعة يُشارك فيها الأنبياء والمؤمنون أيضًا، كما تواترت بذلك النصوص، وإنما الشفاعة التي يختصّ بها دون الأنبياء أربعة أنواع:
إحداها: شفاعته للخلق في فصل القضاء.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١١٦ - ١١٧.
[ ١٢ / ٣٥ ]
والثانية: شفاعته لأهل الجنّة في دخول الجنّة.
والثالث: شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار، فقد قيل: إن هذه يختصّ بها هو.
والرابعة: كثرة من يشفع له من أمته، فإنه وفّر شفاعته، وادّخرها إلى يوم القيامة، وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث، فقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول اللَّه -ﷺ- عام غزوة تبوك قام من الليل يصلي. . . الحديث، وفيه: فقال: "لقد أعطيت الليلة خمسًا ما أعطيهنّ أحد قبلي"، إلى أن قال: "والخامسة هي ما هي، قيل لي: سل، فإن كل نبي قد سأل، فأخّرت مسألتي إلى يوم القيامة، فهي لكم، ولمن شَهِد أن لا إله إلا اللَّه".
وأخرج أيضًا: عن ابن عباس -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي. . . "، فذكر الحديث، وفي آخره: "وأعطيت الشفاعةَ، فأخّرتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك باللَّه شيئًا".
وأخرج أيضًا عن أبي موسى -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أعطيت خمسًا. . . " فذكره، وفي آخره: "وأعطيت الشفاعة، وليس من نبي إلا وقد سأل شفاعةً، وإني أخبأت شفاعتي، ثم جعلتها لمن مات من أمتي لم يشرك باللَّه شيئًا".
وأخرج من حديث ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إنه لم يكن نبي إلا له دعوة تنجزها في الدنيا، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وأنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، آدم فمن دونه تحت لوائي. . . " الحديث.
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة".
وأخرجا عن أنس -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "كلُّ نبي سأل سؤالًا، أو قال: لكل نبي دعوة قد دعا بها، فاستجيب، فجعلت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
[ ١٢ / ٣٦ ]
وأخرج مسلم عن جابر بن عبد اللَّه -﵄-، عن النبيّ -ﷺ-: "لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة".
قال ابن رجب -﵀-: والمراد من هذه الأحاديث -واللَّه أعلم- أن كلّ نبيّ أُعطي دعوة عامّة شاملة لأمته، فمنهم من دعا على أمته المكذّبين له، فهلكوا، ومنهم سأل كثرتهم في الدنيا، كما سأله سليمان -﵇-، واختصّ النبيّ -ﷺ- بأن ادّخر تلك الدعوة العامّة الشاملة لأمته شفاعةً لهم يوم القيامة.
وقد ذكر بعضهم شفاعة خامسة خاصّة بالنبيّ -ﷺ-، وهي شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين، كما شفع لعمه أبي طالب، وجعل هذا من الشفاعة المختصّ بها النبيّ -ﷺ-.
وزاد بعضهم شفاعةً سادسةً خاصّةً بالنبيّ -ﷺ-، وهي شفاعته في سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب. انتهى كلام ابن رجب -﵀- بتصرّف، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): قد تقدّم أن ذكر الخمس ليس للحصر، بل أخبر -ﷺ- به على حسب ما أطلعه اللَّه عليه، وإلا فقد ثبت في حديث أبي هريرة -﵁- الآتي: "فُضِّلت على الأنبياء بستّ. . . " فذكر الخمس المذكورة في حديث جابر -﵁-، إلا الشفاعة، وزاد خَصْلتين، وهما: "وأعطيت جوامع الكلم، وخُتم بي النبيون"، فتحصّل منه، ومن حديث جابر سبع خصال.
وفي حديث حذيفة -﵁- الآتي بعد هذا: "فُضّلنا على الناس بثلاث خصال: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة. . . " وذكر خصلة الأرض، كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى، وهذه الخصلة المبهمة بيّنها ابن خزيمة، والنسائيّ، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه اللَّه عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا.
ولأحمد من حديث عليّ -﵁-: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء اللَّه: أعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجُعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال اثنتي عشرة خصلةً.
وعند البزار من وجه آخر، عن أبي هريرة -﵁- رفعه: "فُضِّلت على
[ ١٢ / ٣٧ ]
الأنبياء بستّ: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجُعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وأن صاحبكم لَصَاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه"، وذكر اثنتين مما تقدم.
وله من حديث ابن عباس -﵄- رفعه: "فُضّلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني اللَّه عليه فأسلم"، قال: ونسيت الأخرى.
قال الحافظ -﵀-: فينتظم بهذا سبع عشرة خصلةً، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، وقد تقدم طريق الجمع بين هذه الروايات، وأنه لا تعارض فيها.
وقد ذكر أبو سعيد النيسابوريّ في "كتاب شرف المصطفى -ﷺ-" أن عدد الذي اختص به نبينا -ﷺ- عن الأنبياء ستون خصلةً. انتهى كلام الحافظ (^١).
قال السيوطيّ -﵀- في "شرح النسائيّ" (١/ ٢١٠) بعد ذكر كلام الحافظ هذا ما نصّه:
قلت: وقد دعاني ذلك لَمّا ألّفت التعليق الذي على البخاريّ في سنة بضع وسبعين وثمانمائة إلى تتبعها، فوجدت في ذلك شيئًا كثيرًا في الأحاديث والآثار، وكتب التفسير، وشروح الحديث والفقه والأصول والتصوف، فأفردتها في مؤلف سَمَّيته "أُنموذج اللبيب في خصائص الحبيب"، وقسمتها قسمين: ما خُصّ به عن الأنبياء، وما خص به عن الأمة، وزادت عِدّة القسمين على ألف خِصِّيصة، وسار المؤلَّف المذكور إلى أقاصي المغارب والمشارق، واستفاده كل عالم وفاضل، وسَرَق منه كل مُدَّعٍ وسارق. انتهى.
وقد عَقَد الحافظ أبو الفضل العراقيّ -﵀- في "ألفيّة السيرة" المسمّاة "نظم الدرر البهيّة في سيرة خير البريّة" بابًا في ذكر القسمين، فقال:
"باب في ذكر خصائصه -ﷺ-":
خُصَّ النَّبيُّ بِوُجُوب عدَّةِ … الوتْرِ والسّوَاكِ وَالأضْحيَّةِ
كَذَا الضُّحَى لَوْ صَحَّ (^٢) وَالمُصَابَرَةْ … عَلَى العَدُوِّ وَكَذَا المُشَاوَرَهْ
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٢٣ - ٥٢٤.
(٢) أي لو صحّ الحديث، ولكنه لم يصحّ، كما قال البلقينيّ -﵀-.
[ ١٢ / ٣٨ ]
وَالشَّافعِيْ عَن الوُجُوب صَرَفَهْ … حَكَاهُ عَنْهُ البَيْهَقيْ في المَعْرفَهْ
كَذَا التَّهَجُّدُ وَلَكنْ خُفِّفَا … نَسْخًا وَقيلَ الوتْرُ ذَا وَضُعِّفَا
كَذَا قَضَاءُ دَيْنِ مَنْ مَاتَ وَلَمْ … يَتْرُكْ وَفًا وَقيلَ: بَلْ هَذَا كَرَمْ
كَذَاكَ تَخْييرُ النِّسَاء اللاتِي … مَعْهُ وَأمَّا في المُحَرَّمَاتِ
ممَّا أبيحَ لسوَاهُ حُرِّمَا … عَلَيْه فَهْوَ مَدُّ عَيْنَيْه لِمَا
قَد مُتِّعَ النَّاسُ به منْ زَهْرَةِ … دُنْيَاهُمُ كَذَاكَ مِنْ خَائنَةِ
الأَعْيُنِ اعْدُدْهُ وَنَزْعُهُ لِمَا … لَبِسَ منْ لأمَةِ حَرْبٍ حُرِّمَا
حَتَّى يُلاقيَ العِدَا فَيَنْزِعَا … صَدَقَةً فَامْنَعْ وَلَوْ تَطَوُّعَا
والشِّعْرَ وَالخَطَّ وَقيلَ: يُمْنَعُ … ثُوْمٌ وَنَحْوُهُ وَأكْلٌ يَقَعُ
مَعَ اتِّكَاءٍ والنِّكَاحُ للأمَهْ … مَعَ الكتَابيَّة غَيْرِ المُسْلمَهْ
كَذَاكَ إمْسَاكُ التي قَدْ كَرهَتْ … نكَاحَهُ وَالخُلْفُ في هَذَا ثَبَتْ
وَقَدْ أبَاحَ رَبّهُ الوصَالا … لَهُ وَفي سَاعَةٍ القتَالا
بِمَكَّةٍ كَذَا بِلا إحْرَامِ … دُخُولُهَا وَلَيْسَ بالمَنَامِ
مُضْطجعًا نَقْضُ وُضُوئِهِ حَصَلْ … كَذَا اصْطفَاءُ مَا لَهُ اللَّهُ أحَلّ
مِنْ قَبْلِ قِسْمَةٍ كَذَاكَ يَقْضِي … لِنَفْسِهِ وَوُلْدِهِ فَيَمْضِي
كَذَا الشَّهَادَةُ كَذَاكَ يَقْبَلُ … مَنْ شَهِدُوا لَهُ كَذَاكَ يَفْصِلُ
في حُكْمهِ بعلْمهِ لِلْعصْمَةِ … وَاخْتَلَفُوا في غَيْره للرِّيبَة
كَذَا لَهُ أنْ يَحْميَ المَوَاتَا … لنَفْسِهِ وَيَأخُذَ الأقْوَاتَا
وَغَيْرَهَا منَ الطَّعَامِ مَهْمَا … احْتَاجَ وَالبَذْلَ فَأوْجبْ حَتْمَا
مِنْ مَالِكٍ وَإنْ يَكُنْ مُحْتَاجَا … لَكنَّهُ لِفِعْل هَذَا مَا جَا
وَالخُلْفُ فِي النَّقْضِ بلَمْسِ المَرْأةِ … وَالمُكْثُ فِي المَسْجِدِ مَعْ جَنَابَةِ
وَجَائِز نكَاحُهُ لتسْعَةِ … وَفَوْقَهَا وَعَقْدُهُ بالهبَةِ
فَإنْ فَلا بِالعَقْدِ حَتْمُ مَهْرِهِ … وَلا الدُّخُولِ بخلاف غَيْرِهِ
كَذَا بِلا وَليٍّ أَوْ شُهُودٍ أَوْ … فِي حَالِ إحْرَامٍ بِخُلْفٍ قَدْ حَكَوْا
وَمَنْ يَرُمْ نكَاحَهَا لَزِمَهَا … إجَابَةٌ وَحَرُمَتْ خِطْبَتُهَا
[ ١٢ / ٣٩ ]
وَمَنْ لَهْا زَوْجٌ فَحَقًّا وَجَبَا … طَلاقُهَا كَما جَرَى لِزَيْنَبَا (^١)
وَفي وُجُوب قَسْمِهِ بَيْنَ الإِمَا … وَبَيْنَ زَوْجَاتٍ لَهُ خُلْفٌ نَمَا
زَوْجَاتُهُ كُلٌّ مُحَرَّمَاتُ … هُنَّ لِذِي الإيمَانِ أمَّهَاتُ
نكَاحُهُنَّ مَعْ عُقُوقِهنَّهْ … مَعَ الوُجُوبِ لاحْترامِهِنَّهْ
لا نَظَرٌ وَخَلْوَةٌ بِهِنَّهْ … ولا بتحريم بناتهنه (^٢)
مَنْ دَخَلَتْ عَلَيْه أوْ قَدْ فُورقَتْ … أوْ مَاتَ عَنْهَا أَوْ تَكُونُ سَبَقَتْ
وَهُنَّ أفْضَلُ نسَاءِ الأمَّةِ … ضُعّفْنَ فِي الأجْرِ وَفي العُقُوبَةِ
أفْضَلُهُنَّ مُطْلَقًا خَدِيجَةُ … وَبَعْدَهَا عَائِشَةُ الصِّدّيقَةُ
وَأنَّهُ خَاتَمُ الأَنْبيَاءِ … خَيْرُ الخَلائِقِ بلا امْترَاءِ
أمَّتُهُ فِي النَّاسِ أفْضَلُ الأمَمْ … مَعْصُومَةٌ منَ الضَّلالِ بِعِصَمْ
أَصْحَابُهُ خَيْرُ القُرُونِ فِي المَلا … كتَابُهُ المحْفُوظُ أنْ يُبَدَّلا
شِرْعَتُهُ قَدْ أبِّدَتْ وَنَسَخَتْ … كُلَّ الشَّرَائع الَّتِي قَبْلُ خَلَتْ
وَالأرْضُ مَسْجِدٌ لَهُ طَهُورُ … وَالرُّعْبُ شَهْرًا نَصْرُهُ يَسِيرُ
سَيِّدُ أوْلادِ أَبِينَا آدَمَا … قَدْ حَلَّلَ اللَّهُ لَهُ الغَنَائِمَا
أُرْسِلَ للنَّاسِ جَميعًا أُعْطِيَا … مَقَامَهُ المَحْمُودَ حَتَّى رَضِيَا
وَخُصَّ بِالشَّفَاعَةِ العُظْمَى الَّتِي … يُحْجِمُ عَنْهَا كُلُّ مَنْ لَهَا أُتِي
أوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ … وَلا يَنَامُ قَلْبُهُ بَلْ غَمْضُ
أوَّلُ مَنْ يَقُومُ لِلشَّفَاعَةِ … أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ
أكْثَرُ الأَنْبيَاءِ حَقًّا تَبَعَا … يَرَى مَنْ خَلْفَهُ كَقُدَّامٍ مَعَا
_________________
(١) قد أنكر السبكيّ -﵀- هذا، وقال: هو من منكر القول، ولم يكن -ﷺ- تعجبه امرأة من الناس، وقصّة زينب إنما جعلها اللَّه تعالى كما في "سورة الأحزاب" قطعًا لقول الناس: إن زيدًا ابن محمد -ﷺ-، وإبطالًا للتبنّي، قال: ولا لجملة هذا من منكرات كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع اقتَحَموا فيها عظائم، لقد كانوا في غنية عنها. انتهى كلام السبكيّ -﵀- منقولًا من هامش شرح الألفيّة المذكورة (ص ١٣٩)، ولقد أجاد السبكيّ -﵀- في إنكاره هذا، واللَّه تعالى أعلم.
(٢) الهاء في المواضع الأربعة للسكت.
[ ١٢ / ٤٠ ]
آتاهُ رَبُّهُ جَوَامِعَ الكَلِمْ … قَرينُهُ أيسْلَمَ فَهْوَ قَدْ سَلِمْ
صُفُوفُهُ وَالأمَّةِ المُبَارَكَهْ … كَصَفِّ عنْدَ رَبِّهَا المَلائكَهْ
وَلا يَحلُّ الرَّفْعُ فَوْقَ صَوْتِهِ … وَلا يُنَادَى باسْمِهِ بَلْ نَعْتِهِ
خُوطِبَ فِي الصَّلاةِ بالسَّلامِ … عَلَيْكَ دُونَ سَائِرِ الأنَامِ
وَمَنْ دَعَاهُ فِي الصَّلاة وَجَبَتْ … إِجَابَةٌ لَهُ وَفَرْضُهُ ثَبَتْ
وَبَوْلُهُ وَدَمُهُ إذْ أُتِيَا … تَبَرُّكًا مِنْ شَارِبٍ مَا نُهِيَا
يَقْبَلُ مَا يُهْدَى لَهُ فَحِلُّ … دُونَ الوُلاةِ فَهْوَ لا يَحِلُّ
فَاتَتْهُ رَكْعَتَانِ بَعْدَ الظُّهْرِ … صَلَّاهُمَا وَدَامَ بَعْدَ العَصْرِ
وَمَا لَنَا دَوَامُ ذَا بَلْ يَمْتَنِعْ … وَمَا سِوَى سَبَبِهِ فَمُنْقَطِعْ
وَنَسَب يَوْمَ القيَامَة وَمَنْ … رَآه نَوْمًا فَهْوَ قَدْ رَآه لَنْ
يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ مِنْ تَمَثُّلِ … بِصُورَةِ النَّبيِّ أوْ تَخَيُّلِ
وَكَذبٌ عَلَيْه لَيْسَ كَكَذِبْ … عَلَى سِوَاهُ فَهْوَ أكْبَرُ الكَذِبْ
انتهى كلام الحافظ العراقيّ ﵀ (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٩] (. . .) - (حَدَثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ، أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، فَذَكرَ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
كلّهم تقدّموا في السند الماضي، إلا شيخه، فتقدّم في أول الباب، وإنما أعاد السند هذا لبيان الاتّصال بالتحديث والإخبار، فقد صرّحوا بذلك، فزال بذلك تهمة التدليس عن هُشيم، وقد مرّ بيان هذا في الحديث الماضي.
وقوله: (فَذَكرَ نَحْوَهُ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير أبي بكر بن أبي شيبة، يعني أنه ذكر نحو حديث يحيى بن يحيى شيخه الماضي.
_________________
(١) منقولًا من "الألفيّة" المذكورة (ص ١٣٣ - ١٥٠) بنسخة الشرح.
[ ١٢ / ٤١ ]
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة هذه ساقها هو في "مصنّفه" (٦/ ٣٠٣) فقال:
(٣١٦٤٢) حدّثنا هشيم، أخبرنا سيّار، أخبرنا يزيد الفقير، أخبرنا جابر بن عبد اللَّه، أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "أُعطيت خمسًا، لم يعطهن أحدٌ قبلي: نُصِرت بالرُّعْب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلّ، وأُحِلَت لي الغنائم، ولم تَحَلَّ لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبيّ يُبعَث إلى قومه خاصّةً، وبُعِثت إلى الناس عامّة". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٠] (٥٢٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ"، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل) بن غَزْوَان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٣ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِي) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٤ - (رِبْعِي) بن حِرَاش العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٥ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسَيل، أو حِسْل الْعَبْسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٥٧.
[ ١٢ / ٤٢ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة من صيغ الأداء.
٢ - (ومنها): رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذي، وأبو مالك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ، ومن السابقين الأولين، وفي "صحيح مسلم" أنه -ﷺ- أعلمه بما كان وبما يكون إلى قيام الساعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فُضِّلْنَا) بالبناء للمفعول، أي فضّلنا اللَّه تعالى (عَلَى النَّاسِ) أي على سائر الأمم (بِثَلَاثٍ) أي ثلاث خصال، وإنما ذكّر العدد؛ لما سبق غير مرّة أن قاعدة تأنيث العدد مع المذكّر، وتذكيرها مع المؤنّث إنما يجب إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا حُذف كهذا الحديث، وكحديث: "من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوّال"، أو قُدّم، كرجل خمسة فيجوز الوجهان. (جُعِلَتْ صُفُوفُنَا) ببناء الفعل للمفعول في المواضع الثلاثة، وهذه إحدى الخصال الثلاث (كصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ) وقد تقدّم تفسير صفوف الملائكة في حديث جابر بن سمرة -﵁- قال: خرج علينا رسول اللَّه -ﷺ-، فذكر الحديث، وفيه: فقال: "ألا تَصُفُّون كما تصف الملائكة عند ربها؟ "، فقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يُتِمُّون الصفوف الأول، ويتراصون في الصّفّ".
(وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا) بضمّ، فسكون: لغة في التراب (لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ") فيه بيان أن التيمّم لا يجوز إلا عند فقد الماء، ومثله تعذّر استعماله؛ لمرض، أو غيره (وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى) الظاهر أن قائل "ذَكَرَ" هو محمد بن فُضيل، وفاعله ضمير أبي مالك، يعني أن أبا مالك الأشجعي ذَكر في روايته خصلة أخرى ثالثة، نسيتها الآن.
[ ١٢ / ٤٣ ]
[تنبيه]: قال العلماء -رحمهم اللَّه تعالى-: المذكور هنا خصلتان فقط؛ لأن قضيّة الأرض في كونها مسجدًا وطَهُورًا خصلة واحدة، وأما الثالثة فمحذوفة في رواية المصنّف هنا، وذكرها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٢٧٤٠) حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن ربعيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: فُضِّلت هذه الأمة على سائر الأمم بثلاث: جُعِلت لها الأرض طَهُورًا ومسجدًا، وجُعلت صفوفها على صفوف الملائكة، قال: كان النبيّ -ﷺ- يقول ذا: "وأعطيت هذه الآيات من آخر البقرة، من كنز تحت العرش، لم يُعطَها نبيّ قبلي"، قال أبو معاوية: كلُّه عن النبيّ -ﷺ-. انتهى.
وساقها أيضًا الإمام النسائيّ في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥)، فقال:
(٨٠٢٢) أخبرنا عمرو بن منصور، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا أبو عوانة، قال: ثنا أبو مالك الأشجعيّ، عن رِبْعِيّ بن حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعِلت الأرض كلها لنا مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طُهورًا، وجُعِلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وأُوتيت هؤلاء الآيات، آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَ أحدٌ منه قبلي، ولا يُعْطى منه أحد بعدي". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٠١ و١١٧١] (٥٢٢)، و(النسائيّ) في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥) رقم (٨٠٢٢)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤١٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٦٣ و٢٦٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٩٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٨٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٢١٣ و٢٢٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٢ / ٤٤ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧١] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ ابْنِ طَارِقٍ، حَدَّثَنِي رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم في هذا الباب.
٢ - (ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ) هو: يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة الْهَمْدانيّ، أبو سعيد الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ٣ أو ١٨٤) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢١.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، و"سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ": هو أبو مالك الأشجعي المذكور هناك.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث محمد بن فُضيل، يعني أن حديث يحيى بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق، وهو أبو مالك الأشجعيّ، مثل حديث محمد بن فضيل عنه.
[تنبيه]: حديث يحيى بن أبي زائدة لم أجد من ساقه، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٢] (٥٢٣) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِي بْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ").
[ ١٢ / ٤٥ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (قُتيبَة بْن سَعِيدٍ) تقدم في الباب الماضي.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَر) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقىّ، أبو إسحاق المدنيّ القارئ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٤ - (الْعَلَاءُ) بن عبد الرحمن بن يعقوب الْحُرقيّ مولاهم، أبو شِبْل المدنيّ، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٥] (ز م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الرحمن بن يعقوب الْجُهنيّ الحرقيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ز م ٤) ٨/ ١٣٤ تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وعليّ بن حجر تقدّم في هذا الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن قوله: "وهو ابن جعفر" أشار به إلى أن ذكر أبيه ليس من الرواية، وإنما زاده هو للإيضاح، ففصل بين ما سمعه من شيخه، وبين ما زاده هو.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيوخه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بَغْلانيّ، والثالث مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعي: العلاء، عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "فُضِّلْتُ) بالبناء للمفعول، أي فضّلني اللَّه تعالى (عَلَى الأَنْبِيَاءِ) عليهم الصلاة والسلام (بِسِتٍّ) أي بستّ خصال، وتقدّم في الحديث الماضي وجه تذكير العدد، فلا تغفل (أُعْطِيتُ
[ ١٢ / ٤٦ ]
جَوَامِعَ الْكَلِمِ) وفي الرواية التالية: "بُعِثتُ بجوامع الكلم"، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الكلم الجوامع، وهو جمع جامعة، كما قال في "الخلاصة":
فَوَاعِلٌ لِفَوْعَلٍ وَفَاعَلِ … وَفَاعِلَاءَ مَعَ نَحْوِ كَاهِلِ
وَحَائِضٍ وَصَاهِل وَفَاعِلَهْ … وَشَذَّ فِي الْفَارِسِ مَعْ مَا مَاثَلَهْ
وقال ابن الأثير -﵀-: "جوامع الكلم" يعني به القرآن، جمع اللَّه تعالى بلطفه في الألفاظ اليسيرة منه معاني كثيرةً، واحدها جامعة، أي كلمة جامعة، ومنه الحديث في صفته -ﷺ-: "كان يتكلّم بجوامع الكلم" أي أنه كان كثير المعاني، قليل اللفظ، ومنه حديث: "كان يستحبّ الجوامع من الدعاء"، هي التي تجمع الأغراض الصالحة، والمقاصد الصحيحة، أو تجمع الثناء على اللَّه تعالى، وآداب المسألة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: الأصحّ أن جوامع الكلم لا يختصّ بالقرآن، بل هو موجود في كلامه -ﷺ-، فمِمّا ذكروا من أمثلة جوامع الكلم في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢]، إلى غير ذلك.
ومن أمثلة جوامع الكلم من الأحاديث النبويّة حديث عائشة -﵂-: "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ"، وحديث: "كلّ شرط ليس في كتاب اللَّه، فهو باطل"، متّفق عليهما، وحديث أبي هريرة -﵁-: "وإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم"، متفق عليه، وحديث المقدام -﵁-: "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بطنه. . . " الحديث، أخرجه الأربعة، وصححه ابن حبان، والحاكم، إلى غير ذلك مما يكثر بالتتبّع.
وإنما يُسَلَّم ذلك فيما لم تَتَصَرّف الرواة في ألفاظه، والطريق إلى معرفة ذلك أن تَقِلّ مخارج الحديث، وشّفق ألفاظه، وإلا فإن مخارج الحديث إذا كثرت قلّ أن تتّفق ألفاظه لتوارد أكثر الرواة على الاقتصار على الرواية بالمعنى
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٢٩٥.
[ ١٢ / ٤٧ ]
بحسب ما يظهر لأحدهم أنه وافٍ به، والحامل لأكثرهم على ذلك أنهم كانوا يكتبون، ويطول الزمان، فيتعلّق المعنى بالذهن، فيرتسم فيه، ولا يستحضر اللفظ، فيحدّث بالمعنى لمصلحة التبليغ، ثم يظهر من سياق ما هو أحفظ منه أنه لم يُوَفّ بالمعنى. قاله في "الفتح" (^١).
(وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ) أي الخوف الذي يقذفه اللَّه تعالى في قلوب أعدائه (وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ) هو بمعنى الرواية السابقة: "وبُعثت إلى كلّ أحمر وأسود"، والرواية الأخرى: "بُعِثت إلى الناس"، وبمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨]، وقوله: (كَافَّةً) أي جميعًا.
قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: يقول تعالى لعبده ورسوله محمد -ﷺ-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين، كقوله ﵎: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾: أي تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار.
قال محمد بن كعب في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ يعني إلى الناس عامّة، وقال قتادة في هذه الآية: أرسل اللَّه تعالى محمدًا -ﷺ- إلى العرب والعجم، فأكرمُهم على اللَّه ﵎ أطْوَعُهم للَّه ﷿. انتهى (^٢).
[فائدة]: قال في "اللسان": الكافّة: الجماعةُ، وقيل: الجماعة من الناس، يقال: لقيتهم كافةً، أي كلهم، وقال أبو إسحاق في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ قال: "كافّة" بمعنى الجميع والإحاطة، فيجوز أن يكون معناه: ادخلوا في السلم كله، أي في جميع شرائعه، ومعنى "كافة" في اشتقاق اللغة: ما يَكُفُّ الشيءَ في آخره، من ذلك كُفّة القميص، وهي حاشيته، وكلُّ مستطيل فحَرْفُهُ كُفّةٌ -بالضمّ- وكلُّ مستدير كِفّة -بالكسر- نحو كِفّة الميزان. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ١٧٣.
(٢) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٥٣٩.
(٣) "لسان العرب" ٩/ ٣٠٥.
[ ١٢ / ٤٨ ]
وقال الفيّوميّ -﵀-: وجاء الناسُ كافّة، قيل: منصوب على الحال، نصبًا لازمًا، لا يُسْتَعْمل إلا كذلك، وعليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية [سبأ: ٢٨]، أي إلا للناس جميعًا، وقال الفراء في "كتاب معاني القرآن": نُصِبت؛ لأنها في مذهب المصدر، ولذلك لم تُدْخِل العرب فيها الألف واللام؛ لأنها آخرٌ لكلام، مع معنى المصدر، وهي في مذهب قولك: قاموا معًا، وقاموا جميعًا، فلا يُدخلون الألف واللام على "معًا"، و"جميعًا"، إذا كانت بمعناها أيضًا، وقال الأزهريّ أيضًا: "كافّةً" منصوب على الحال، وهو مصدر على فَاعِلَةٍ، كالعافية، والعاقبة، ولا يُجْمَع، كما لو قلت: قاتلوا المشركين عامّةً، أو خاصّةً، لا يُثَنَّى ذلك، ولا يُجْمَع. انتهى (^١).
وقوله: (وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ") فعلٌ ونائب فاعله، وزاد في رواية أحمد: "مثلي ومثل الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كمثل رجل بَنَى قصرًا، فأكمل بناءه، وأحسن بُنيانه، إلا موضع لَبِنَةٍ، فنظر الناسُ إلى القصر، فقالوا: ما أحسن بنيان هذا القصر، لو تَمّت هذه اللَّبِنَة، ألا فكنت أنا اللبنةَ، ألا فكنت أنا اللبنة".
وهذا الحديث بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١٧٢] (٥٢٣)، و(الترمذيّ) في "السير" (٤/ ١٢٣)، و(ابن ماجه) في "الطهارة" (٥٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١١ - ٤١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣١٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٠ و١١٧١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٣ و١١٥٤)، و(البيهقيّ)
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٦.
[ ١٢ / ٤٩ ]
في "الكبرى" (٢/ ٤٣٣ و٩/ ٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٦١٧)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كون الأرض كلّها مسجدًا وطَهُورًا.
٢ - (ومنها): بيان ما منّ اللَّه ﷿ على نبيّه -ﷺ- بإعطائه جوامع الكلم، والمراد القرآن، ففي ألفاظه اليسيرة توجد معانٍ كثيرة، وكذلك كان كلامه -ﷺ- ودعاؤه بجوامع الكلم.
٣ - (ومنها): نصره -ﷺ- بقذف المهابة والخوف والرعب في قلوب أعدائه، فلا يسمع أحد منهم به إلا امتلأ قلبه خوفًا وفزعًا.
٤ - (ومنها): حلّ الغنائم له، ولأمته بعد أن كانت محرّمة على الأمم السابقة.
٥ - (ومنها): عموم رسالته -ﷺ- جميع الثقلين، بخلاف الأنبياء قبله، فكانوا يبعثون إلى قومهم.
٦ - (ومنها): ما منّ اللَّه ﷿ على هذه الأمة بختمه -ﷺ- للنبوة، فلا نبيّ بعد، ولا رسول من باب أولى، فكلّ من ادّعى ذلك فإنه أفّاك أثيم مجرم من أصحاب الجحيم، فهذا الحديث بمعنى قوله ﷿: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
قال أبو عبد اللَّه القرطبيّ في تفسير هذه الآية بعد كلامه في لغات الخاتم ما نصّه: قال ابن عطية: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا مُتَلَقّاة على العموم التامّ مُقْتضية نصًّا أنه لا نبيّ بعده -ﷺ-، وما ذكره القاضي أبو الطيب في كتابه المسمى بـ "الهداية" من تجويز الاحتمال في ألفاظ هذه الآية ضعيف -بل باطل- وما ذكره الغزاليّ في هذه الآية، وهذا المعنى في كتابه الذي سماه بـ "الاقتصاد" إلحاد عندي، وتطرُّق خبيث إلى تشويش عقيدة المسلمين في ختم محمد -ﷺ- النبوة، فالحذَرَ الحذَرَ منه، واللَّه الهادي برحمته. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١) بزيادة، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "تفسير القرطبي" ١٤/ ١٩٦ - ١٩٧.
[ ١٢ / ٥٠ ]
وقال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله ﷿: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ فهذه الآية نصّ في أنه لا نبي بعده -ﷺ-، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بعده بالطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخصّ من مقام النبوة، فإن كل رسول نبيّ ولا ينعكس، وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول اللَّه -ﷺ- من حديث جماعة من الصحابة -﵃-.
أخرج الإمام أحمد في "مسنده" من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عَقِيل، عن الطفيل بن أُبَيّ بن كعب، عن أبيه -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "مثلي في النبيين، كمثل رجل بنى دارًا، فأحسنها وأكملها، وترك فيها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان، ويَعْجَبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة"، ورواه الترمذيّ، وقال: حسن صحيح.
وأخرج أحمد أيضًا عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبيّ"، قال: فشقّ ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول اللَّه، وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة"، وهكذا رواه الترمذيّ، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فُلْفَل. وأخرج الشيخان عن جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بَنَى دارًا، فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فكان من دخلها، فنظر إليها، قال: ما أحسنها إلا موضع هذه اللبنة، فأنا موضع اللبنة، جئتُ، فختمتُ الأنبياء"، لفظ مسلم.
وأخرجا أيضًا: عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن لي أسماء، أنا محمدٌ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يَمحُو اللَّه تعالى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمَيّ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبيٌّ".
وأخرج أحمد من طريق ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن هُبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: خرج علينا
[ ١٢ / ٥١ ]
رسول اللَّه -ﷺ- يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبي الأميّ -ثلاثًا- ولا نبيّ بعدي، أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعُلِّمت كم خزنة النار، وحملة العرش، وتُجُوز بي، وعوفيت، وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا، ما دمت فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب اللَّه تعالى، أَحِلّوا حلاله، وحَرِّموا حرامه"، تفرد به الإمام أحمد، وفيه سنده ابن لهيعة، والكلام فيه مشهور.
ثم قال ابن كثير -﵀-: والأحاديث في هذا كثيرة، فمِن رحمة اللَّه تعالى بالعباد إرسال محمد -ﷺ- إليهم، ثم من تشريفه لهم خَتْمُ الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له، وقد أخبر اللَّه ﵎ في كتابه، ورسوله -ﷺ- في السنة المتواترة عنه، أنه لا نبيّ بعده؛ ليعلموا أن كُلَّ مَن ادَّعَى هذا المقام بعده، فهو كذّاب أفّاك دجّال ضالّ مضلّ، ولو تَخَرَّق، وشَعْبَذ، وأَتَى بانواع السحر والطلاسم والنَّيرجيّات، فكلها مُحَالٌ وضلالٌ عند أولي الألباب، كما أجرى اللَّه ﷿ على يد الأسود العنسيّ باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة، ما عَلِمَ كلُّ ذي لُبّ وفَهْمٍ وحِجًى أنهما كاذبان ضالان، لعنهما اللَّه، وكذلك كلُّ مُدَّع لذلك إلى يوم القيامة، حتى يُخْتَمُوا بالمسيح الدجال، فكلُّ واحد من هؤلاء الكذابين يَخْلُق اللَّه تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها، وهذا من تمام لطف اللَّه تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف، ولا ينهون عن منكر، إلا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢] الآية، وهذا بخلاف حال الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فإنهم في غاية البرّ والصدق والرشد والاستقامة والعدل فيما يقولونه ويفعلونه، ويأمرون به، وينهون عنه، مع ما يُؤَيَّدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات، فصلوات اللَّه وسلامه عليهم دائمًا مستمرًّا، ما دامت الأرض والسموات. انتهى كلام ابن كثير باختصار (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، وتحقيقٌ
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
[ ١٢ / ٥٢ ]
أنيسٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التُّجيبيّ بن حرملة بن عمران، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْب) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الفقيه الثقة الحافظ المتقن المتّفق على جلالته، رأس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب الخزوميّ، أبو محمد المدنيّ الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والصحابي تقدّم قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٢ / ٥٣ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيات المصنف.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: فالأول ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، والثاني ما أخرج له البخاريّ، والترمذيّ، وأبو داود.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسل بالمصريين، والثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي، عن تابعي: الزهري، عن سعيد.
٥ - (ومنها): أن سعيدًا من الفقهاء السبعة، وأن أبا هريرة -﵁- من المكثرين السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ) أي الكلم الجوامع، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والجوامع جمع جامعة، قيل: يعني القرآن، جمع اللَّه تعالى في ألفاظ يسيرة منه معاني كثيرة، وكذلك كان -ﷺ- يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معاني كثيرة.
وفي "صحيح البخاري": قال محمد (^١): "وبلغني أن جوامع الكلم أن اللَّه يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد، والأمرين، أو نحو ذلك". انتهى. وهذا التفسير منقول عن الزهريّ -﵀- تعالى، كما بيّنه في "الفتح" (^٢)، قال: وحاصله أنه -ﷺ- كان يتكلّم بالقول الموجز القليل اللفظ الكثير المعاني، وجزم غير الزهريّ بأن المراد بـ "جوامع الكلم" القرآن بقرينة قوله: "بُعثت"، والقرآن هو الغاية في إيجاز اللفظ، واتساع المعاني. انتهى (^٣)، وقد سبق البحث مستوفًى في الحديث الماضي.
(وَنُصِرْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا (بِالرُّعْبِ) بضمّ، فسكون: أي الخوف (وَبَيْنَا) هي "بين" الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم
_________________
(١) رجّح الحافظ أنه محمد بن سيرين، وقال بعض الشرّاح أنه البخاريّ، راجع: "الفتح" ١٢/ ٤١٨.
(٢) "الفتح" ١٤/ ٤٣٣ في "كتاب التعبير".
(٣) "الفتح" ١٥/ ١٧٢ في "كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة".
[ ١٢ / ٥٤ ]
البحث فيها مستوفًى قريبًا. (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) من الإتيان ثلاثيًّا، وفي بعض نسخ البخاريّ: "أوتيت" بالواو بعد الهمزة، من الإيتاء رباعيًّا، وهو الإعطاء، فعلى هذا تكون الباء زائدةً في قوله: (بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ) المراد منها: ما يُفتَحُ لأمته من بعده من الفتوح، وقيل: المعادن، وقال الخطابيّ: المراد بخزائن الأرض: ما فُتِح على الأمة من الغنائم، من ذخائر كسرى، وقيصر، وغيرهما، ويَحْتَمِل معادن الأرض التي فيها الذهب والفضّة، وقال غيره: بل يُحْمَل على أعمّ من ذلك. انتهى (^١).
(فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيَّ") وفي رواية البخاريّ: "في يدي"، وفي رواية: "في كفّي"، ثم يحتمل أن يكون مفردًا مضافًا إلى ياء المتكلّم، فتكون الدال، أو الفاء مكسورة، ويحتمل أن يكون مثنّى، مضافًا إليها أيضًا، فتكون مفتوحةً، على قاعدة المثنّى المضاف إلى ياء المتكلّم، ولا تخالف بين المعنيين؛ لأن المفرد المضاف يعمّ، فيكون بمعنى المثنّى، واللَّه تعالى أعلم.
قال القرطبيّ -﵀-: هذه الرؤيا أوحى اللَّه فيها لنبيّه -ﷺ- أن أمته ستملك الأرض، ويتّسع سلطانها، ويَظْهر دينها، ثم إنه وقع ذلك كذلك، فملكت أمته من الأرض ما لم تملكه أمة من الأمم فيما عَلِمناه، فكان هذا الحديث من أدلة نبوّته -ﷺ-، ووجه مناسبة هذه الرؤيا أن مَن مَلَك مفتاح الْمُغْلَق، فقد تمكّن من فتحه، ومن الاستيلاء على ما فيه. انتهى (^٢).
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، وهو موصول بالسند المذكور أوّلًا (فَذَهَبَ) أي مات (رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنْتُمْ تَنْتَثِلُونَهَا) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، وهو: بمثناة، ثم نون ساكنة، ثم مثناة، بوزن تَفْتَعِلُونها، يعني تستخرجون ما فيها من خزائن الأرض، وما فُتح على المسلمين من الدنيا، وتنتفعون بها.
وقال في "الفتح": ولبعضهم بحذف المثناة الثانية، من النَّثل -بفتح النون، وسكون المثلّثة- وهو الاستخراج، يقال: نَثَلَ كنانته -أي من باب
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٤٦١ في "كتاب التعبير".
(٢) "المفهم" ٢/ ١١٩ - ١٢٠.
[ ١٢ / ٥٥ ]
ضرب-: استخرج ما فيها من السِّهام، وجِرابَه: نَفَضَ ما فيه، والبئرَ: أخرج ترابها، فمعنى تنتثلونها: تستخرجون ما فيها، وتتمتّعون به.
قال ابن التين، عن الداوديّ: هذا هو المحفوظ في هذا الحديث، وقال النوويّ: يعني ما فُتح على المسلمين من الدنيا، وهو يَشْمَل الغنائم، والكنوز، وعلى الأول اقتصر الأكثر، ووقع عند بعض رُواة مسلم بالميم بدل النون الأولى، وهو تحريف. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية للبخاري في "كتاب الاعتصام" من "صحيحه" ما نصّهّ: "قال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه -ﷺ-، وأنتم تَلْغَثُونها، أو تَرْغَثُونها، أو كلمة تشبهها".
قال في "الفتح": فالأولى بلام ساكنة، ثم غين معجمة مفتوحة، ثم مثلّثة، والثانية مثلها، لكن بدل اللام راء، وهي من الرَّغْث، كناية عن سَعَة العيش، وأصله من رَغَثَ الْجَدْيُ أمه: إذا ارتضع منها، وأرغثته هي: أرضعته، ومن ثمّ قيل: رُغُوث، وأما باللام، فقيل: إنه لغة فيها، وقيل: تصحيف، وقيل: مأخوذة من اللَّغِيث بوزن عَظِيم، وهو الطعام المخلوط بالشعير، ذكره صاحب "المحكم" عن ثعلب، والمراد يأكلونها كيما اتفق، وفيه بُعد.
وقال ابن بطّال: وأما اللغث باللام، فلم أجده فيما تصفّحتُ من اللغة. انتهى.
قال الحافظ: ووجدت في حاشيةٍ من كتابه: هما لغتان صحيحان فصيحتان، معناهما الأكل بالنَّهَم، وأفاد الشيخ مغلطاي عن كتاب "المنتهى" لأبي المعالي اللغويّ: لغث طعاَمه، ولعث -بالغين، والعين، أي المعجمة، والمهملة-: إذا فرّقه، قال: واللَّغِيث ما يبقى في الكيل من الْحَبّ، فعلى هذا فالمعنى: وأنتم تأخذون المال، فتفرّقونه بعد أن تحوزوه، واستعار للمال ما للطعام؛ لأن الطعام أهمّ ما يُقْتَنَى لأجله المالُ، وزعم أن في بعض نسخ "الصحيح": وأنتم تلعقونها -بمهملة، ثم قاف- قال الحافظ: وهو تصحيف، ولو كان له بعض اتِّجَاه. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "الفتح" ١٥/ ١٧٢.
[ ١٢ / ٥٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١١٧٣ و١١٧٤ و١١٧٥ و١١٧٦ و١١٧٧]، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٧٧)، و"التعبير" (٦٩٩٨ و٧٠١٣)، و"الاعتصام" (٧٢٧٣)، و(الترمذيّ) في "السير" (١٥٥٣)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (١/ ٣٠٨٨ و٣٠٨٩)، وفي "الكبرى" فيه (١/ ٤٢٩٤ و٤٢٩٥ و٤٢٩٦ و٤٢٩٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١/ ٤٣٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٦٤ و٢٦٨ و٤٥٥ و٥٠١ و٥٠٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٣٦٣ و٦٤٠١ و٦٤٠٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٨)، وفي "دلائل النبوّة" (٥/ ٤٧٠ و٤٧١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١١٧٠ و١١٧١ و١١٧٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٥٤ و١١٥٥)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): ما خصّ اللَّه ﷾ نبيّه -ﷺ- بجوامع الكلم، حيث كان يتكلّم بألفاظ يسيرة، تحتوي على معان كثيرة.
٢ - (ومنها): ما خصّه ﷿ أيضًا من النصر على أعدائه بإلقاء الرعب في قلوبهم من مسافة بعيدة، فينهزمون بمجرّد سماعهم بقصده غزوهم.
٣ - (ومنها): ما أنعم اللَّه تعالى به عليه، من اتساع دينه، وانتشار أمته على مشارق الأرض ومغاربها.
٤ - (ومنها): أنه -ﷺ- خرج من الدنيا، ولم يتناول من زخارفها شيئًا، إلا قدر الحاجة، مع أن اللَّه تعالى جعل في يده مفاتيح خزائن الأرض، بل كان ذلك لأمته بعده -ﷺ-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[١١٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ).
[ ١٢ / ٥٧ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَليدِ) بن ميمون الأعور، أبو أحمد المؤدِّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن محمد بن حَرْب الأَبْرَش، ومحمد بن سلمة، وأبي حَيْوة شُريح بن يزيد الحمصيّ، ومبشر بن إسماعيل، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، وروى له أبو داود في "مسند مالك" بواسطة الذُّهْليّ، وروى عنه أيضًا يحيى بن أكثم، ويعقوب بن شيبة، وجعفر بن محمد بن شاكر، وابن أبي الدنيا، وموسى بن هارون، وأبو القاسم البغويّ، وغيرهم.
قال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن معين: تَرَى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه، وهو صحيح الحديث، وأنت أعَلم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان راويًا للشاميين، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال ابن سعد وغيره: مات في رمضان سنة (٢٢٨).
تفرّد به المصنّف، وأخرج له أبو داود في "مسند مالك"، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث فقط، برقم (٥٢٣) و(٩٠٢) و(٢٢٣٣) و(٢٢٦٩) (٢٥٥٩) و(٢٥٦٠) و(٢٦٠٩) و(٢٦٥٨).
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانيّ الْحِمصيّ المعروف بالأبرش -بالمعجمة- كاتب محمد بن الوليد الزبيدي، ثقة [١٠].
رَوَى عن الأوزاعي، وابن جريج، ومحمد بن زياد الألهاني، وعمر بن رؤبة التغلبي، وسعيد بن سنان، وعبيد اللَّه بن عمر العمري، وغيرهم.
ورَوَى عنه أبو مسهر، وخالد بن خَلِيّ، وحيوة بن شريح، ومحمد بن وهب بن عطية، وإبراهيم بن موسى الرازي، وهارون الحمال، وحاجب بن الوليد، وعمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار، وآخرون.
قال ابن سعد: ولي قضاء دمشق، وقال الْمَرُّوذي عن أحمد: ليس به بأس، وقدّمه على بقية. وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: فبقية كيف حديثه؟ قال: ثقة، قلت: هو أحب إليك أو محمد بن حرب؟ قال: ثقة ثقة. قال عثمان: وهو الأبرش الحمصي ثقة. وقال العجلي، ومحمد بن عوف،
[ ١٢ / ٥٨ ]
والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال خُشنام بن الصديق: ثنا محمد بن حرب الخولاني، وكان من خيار الناس.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة (١٩٢)، وقال يزيد بن عبد ربه، وعمرو بن عثمان: مات سنة أربع وتسعين ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٢) حديثًا.
٣ - (الزُّبَيْدِيُّ) محمد بن الوليد بن عامر الزُّبَيديّ -بالزاي، والموحّدة، مصغّرًا- أبو الْهُذَيل الحمصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار أصحاب الزهريّ [٧].
رَوَى عن الزهريّ وسعيد المقبريّ، وعبد الرحمن بن جُبير بن نُفير، ونافع مولى ابن عمر، وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وسُليم بن عامر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وهشام بن عروة، ويزيد بن شُريح الحضرميّ، ويونس بن سيف، وغيرهم.
وروى عنه الأوزاعيّ، وشعيب بن أبي حمزة، وهو من أقرانه، وأخوه أبو بكر بن الوليد، ويحيى بن حمزة الحضرميّ، وعبد اللَّه بن سالم الأشعريّ، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن حرب الْخَوْلانيّ، وبَقِيّة، وآخرون.
قال إبراهيم بن الجنيد: سئل ابن معين: مَن أثبت مَن روى عن الزهريّ؟ فقال: مالك، ثم معمر، ثم عُقيل، ثم يونس، ثم شعيب، والأوزاعيّ، والزُّبيديّ، وابن عيينة، وكل هؤلاء ثقات، والزُّبيدي أثبت من ابن عيينة، وقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعيّ يُفَضِّل محمد بن الوليد على جميع من سمع من الزهريّ، وقال عبد اللَّه بن سالم: حدثني أخي محمد بن سالم قال: أتيت الزهري أقرأ عليه، فقال: تسألني وهذا محمد بن الوليد بين أظهركم، وقد حَوَى ما بين جنبي من العلم، وقال بَقِيَّة عن الزبيديّ: أقمت مع الزهريّ عشر سنين، وقال علي ابن المدينيّ: ثقةٌ ثبتٌ، وقال العجليّ، وأبو زرعة الرازيّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو زرعة الدمشقيّ: قال لي دُحَيم: شعيب ثقةٌ ثبتٌ يشبه حديثه حديث عُقيل، والزُّبيدي فوقه، وقال عليّ بن عَيّاش: كان الزُّبيدي على بيت المال، وكان الزهريّ به مُعْجَبًا، يُقَدِّمه على جميع أهل حمص، وقال محمد بن عوف: الزُّبيديّ من ثقات المسلمين، وإذا جاءك الزبيديّ، عن الزهريّ، فاستمسك به، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس في حديثه خطأٌ.
[ ١٢ / ٥٩ ]
وقال الإمام أحمد: كان لا يأخذ إلا عن الثقات، وقال الخليليّ: ثقةٌ حجةٌ إذا كان الراوي عنه ثقةً.
وقال ابن سعد: كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث، وكان ثقةً إن شاء اللَّه تعالى، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ست، أو سبع وأربعين ومائة، وهو ابن سبعين سنةً، وقال: كان من الفقهاء في الدين، وكان من الحفاظ المتقنين، أقام مع الزهريّ عشر سنين، حتى احتوى على علمه، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الزهريّ، وقال أحمد بن محمد بن عيسى البغداديّ: مات في المحرَّم سنة تسع وأربعين.
أخرج له الجماعة، سوى الترمذيّ، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
[تنبيه]: "الزُّبيديّ" -بضمّ الزاي، وفتح الموحّدة، مصغّرًا- نسبة إلى زُبيد، وهى قبيلة من مَذْحِج، واسم زُبيد مُنَبّه بن صَعْب بن سعد العَشِيرة بن مالك بن أُدد، وإنما قيل له: زُبيد؛ لأنه قال: من يُزبد لمن رفده؟ فأجابه أعمامه، فقيل لهم جميعًا: زُبيد، أفاده في "اللباب" (^١).
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عبد الرحمن بن عوف، تقدّم قريبًا. والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مِثْلَ حَدِيثِ يُونُسَ) يعني أن الزبيديّ حدّث عن الزهريّ مثل حديث يونس عنه في الحديث الماضي.
[تنبيه]: حديث الزُّبيديّ الذي أحاله المصنّف هنا على حديث يونس، ساقه النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٣٠٨٩) أخبرنا كَثِير بن عُبيد، قال: حدّثنا محمد بن حرب، عن الزُّبَيدي، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "بُعِثتُ بجوامع الكلم، ونُصِرت بالرعب، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضعت في يدي، فقال أبو هريرة: فقد ذهب رسول اللَّه -ﷺ-، وأنتم تَنْتَثلونها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٤٠٠.
[ ١٢ / ٦٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُميْدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد اللَّه النيسابوريّ، ثقةٌ عابدٌ زاهد [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ مصنّفٌ شهير، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) عن (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، ثم اليمنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون تقدّموا قبله.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) يعني أن معمرًا حدّث عن الزهريّ بمثل حديث يونس، والزُّبيديّ كلاهما عنه.
[تنبيه]: حديث معمر هذا ساقه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٧٥٧٦) حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيِّب، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نُصرت بالرُّعْب، وأُعطيت جوامع الكلام، وبينا أنا نائم إذ جيء بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعت في يدي، فقال أبو هريرة: لقد ذهب رسول اللَّه -ﷺ-، وأنتم تنتثلونها". انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٢ / ٦١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَأُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَبَيْنَمَا (^١) أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ، فَوُضِعَتْ فِي يَدَيَّ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو يُونُسَ، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) هو: سُلَيم بن جُبير الدَّوْسيّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (١٢٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (وَبَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ) وفي نسخة: "وبينا أنا نائم"، وقد تقدّم البحث عن "بينا"، و"بينما" مستوفى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٧٧] (. . .) - (حَدَّثَنَا (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (^٣) مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل الأبناويّ، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "وبينا".
(٢) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٢ / ٦٢ ]
والباقون تقدّموا قبل حديث.
وقوله: (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. . . إلخ) الإشارة إلى مجموع الأحاديث التي جمعها همّام بن منبّه، وكتبها عن أبي هريرة -﵁-، وقد تقدم البحث في هذا مستوفًى غير مرّة.
وقوله: (فَذَكَرَ أَحَادِيثَ) أي ذكر همّام أحاديث كثيرة، وهي نحو (١٣٨) حديثًا، وهذا الحديث هو: (٣٧) في "الصحيفة" (^١).
وقوله: (مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . إلخ) "منها" جارّ ومجرور خبر مقدّم، وقوله: "قال رسول اللَّه -ﷺ-" مبتدأ مؤخّر محكيّ؛ لقصد لفظه، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.