وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٧] (٥٠٧) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ، أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِي جُهَيْم، يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي؟ قَالَ أَبُو جهَيْمٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ (^١) مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ"، قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أُميّة، مولى عمر بن عبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كان يُرسل [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥١.
٢ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) العابد مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٣ - (أَبُو جُهَيْمِ) -بالتصغير- ابن الحارث بن الصِّمّة ابن عَمرو الأنصاريّ، قيل: اسَمه عبد اللَّه، وقد يُنسب لجدّه، وقيل: هو عبد اللَّه بن جُهيم بن الحارث بن الصِّمّة، وقيل: اسمه الحارث بن الصّمّة، وقيل: هو آخر غيره، صحابيّ معروفٌ، وهو ابن أخت أُبَيّ بن كعب، بقي إلى خلافة معاوية -﵄-، تقدّم في "الحيض" ٢٧/ ٨٢٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "خيرٌ له".
[ ١١ / ٣٨٨ ]
والباقيان تقدّما قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبي النضر، عن بسر.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب الستّة سوى حديثين، هذا عند جميعهم، وحديث التيمّم: "أقبل النبيّ -ﷺ- من نحو بئر جمل، فلقيه رجلٌ، فسلّم عليه. . . " الحديث عندهم إلا الترمذيّ، وابن ماجه، راجع: "تحفة الأشراف" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد (أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ) الصحابيّ المشهور، مات بالكوفة سنة (٦٠) وقيل: (٧٠)، وله (٨٥) سنةً، تقدّمت ترجمته في "الإيمان" (٣٤/ ٢٣٨). (أَرْسَلَهُ) أي أرسل بسر بن سعيد (إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ) -﵁-، قال في "الفتح": هكذا رَوَى مالك هذا الحديث في "الموطأ" لم يُخْتَلف عليه فيه، أن المرسِلَ هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم، وتابعه سفيان الثوريّ، عن أبي النضر، عند مسلم، وابن ماجه، وغيرهما، وخالفهما ابن عيينة، عن أبي النضر، فقال: "عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله. . . "، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البرّ: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبًا، أخرجه ابن أبي خيثمة، عن أبيه، عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سئل عنه يحيى بن معين؟ فقال: هو خطأ، إنما هو: "أرسلني زيد إلى أبي جهيم"، كما قال مالك.
_________________
(١) "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" ٨/ ٣٩٧ - ٣٩٨.
[ ١١ / ٣٨٩ ]
وتَعَقَّب ذلك ابن القطان، فقال: ليس خطأُ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بَعَثَ بُسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم، يَستثبِت كلُّ واحد منهما ما عند الآخر.
قال الحافظ: تعليل الأئمة للأحاديث مبنيّ على غلبة الظنّ، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا، لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال، فَيُعْتَمَدُ، ولولا ذلك لما اشتَرَطوا انتفاء الشذوذ، وهو ما يخالف الثقة فيه مَن هو أرجح منه في حدّ الصحيح. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد تقدّم في شرح المقدّمة أن اشتراط انتفاء الشذوذ في حدّ الصحيح بمعنى المخالفة المذكورة فيه نظر؛ لأنه ينافي قبول زيادة الثقة، وإنما الصحيح انتفاء العلّة، فراجع ما كتبته هناك، تجد تحقيقًا نفيسًا، وباللَّه تعالى التوفيق.
وحاصل الاختلاف هنا أن يرجّح ما قاله ابن معين: من أن ابن عيينة أخطأ في هذا، وأما ما جمع به ابن القطّان، فلا يخفى ما فيه من التكلّف، واللَّه تعالى أعلم.
ثم رأيت كلامًا للحافظ ابن رجب يؤيّد هذا، حيث قال في "شرح البخاريّ": ورواه ابن عيينة، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو الجهيم أسأل زيد بن خالد الجهنيّ: ما سمعتَ من النبيّ -ﷺ- يقول؟ فذكره من رواية زيد بن خالد، عن النبيّ -ﷺ-، كذا رويناه في "مسند الحميديّ" عن سفيان، وكذا خرّجه ابن ماجه عن هشام بن عمّار، عن ابن عيينة، إلا أنه قال: أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله، ولم يذكر من أرسله، وذكر أن الشكّ في تمييز الأربعين من ابن عيينة، وهذا كلُّه وَهَمٌ.
وممن نصّ على أن جعل الحديث من مسند زيد بن خالد، عن النبيّ -ﷺ- وَهَمٌ من ابن عُيينة وخطأٌ؛ ابنُ معين في رواية ابن أبي خيثمة، وأشار إليه الإمام أحمد في رواية حنبل.
وقد اضطرب ابن عيينة في لفظه وإسناده، ولم يحفظه جيّدًا.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٦.
[ ١١ / ٣٩٠ ]
وقد روي عنه كقول مالك وسفيان (^١) على الصواب، خرّجه ابن خزيمة عن عليّ بن خَشْرَم عنه.
ومن تكلّف الجمع بين القولين من المتأخرين، فقوله ليس بشيء، ولم يأت بأمر يُقْبل منه.
وقد رواه الضحّاك بن عثمان، عن سالم أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لو يعلم المارّ بين يدي المصليّ، والمصلّي ما عليهما. . . "، وذكر الحديث، خرّجه أبو العبّاس السّرّاج في "مسنده"، وهذا يوافق رواية ابن عيينة، وهو أيضًا وَهَمٌ، وزيادته "والمصلّي" غير محفوظة أيضًا. انتهى كلام ابن رجب (^٢)، وهو بحثٌ نفيسٌ.
(يَسْأَلُهُ) جملة حاليّة من المفعول، وهي من الأحوال المقدّرة، أي حال كون بسر مقدّرًا سؤاله أبا جُهيم (مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) "ما" استفهاميّة مبتدأ، و"ذا" خبره، وهو اسم موصول بمعنى الذي، كما قال في "الخلاصة":
وَمِثْلُ "مَا" "ذَا" بَعْدَ "ما" اسْتِفْهَامِ … أَوْ "مَنْ" إِذا لَمْ تُلْغَ فِي الْكَلَامِ
والعائد محذوف، والجملة في موضع المفعول الثاني لـ "يسأل"، وهو معلّق عنها للاستفهام، والتقدير: يسأله أيّ الشي الذي سمعه من رسول اللَّه -ﷺ-، ويَحتَمِل أن يكون "ماذا" اسمًا مركّبًا بمنزلة اسم واحد للاستفهام، وهو معنى قول ابن مالك: "إذا لم تُلْغَ"، فيكون مفعولًا مقدّمًا لـ "سَمِعَ" (^٣).
(فِي الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي؟) أي أمامه بالقرب منه، وعَبَّر باليدين؛ لكون أكثر الشغل يقع بهما، واختُلِف في تحديد ذلك، فقيل: إذا مَرّ بينه وبين مقدار سجوده، وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رَمْيَةٍ بحجر، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) أي الثوريّ.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٨٩ - ٩١.
(٣) راجع: "الدرّ المصون في علوم الكتاب المكنون" للسمين الحلبيّ ٢/ ٣٨٤ عند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾.
(٤) ١/ ٦٩٦.
[ ١١ / ٣٩١ ]
(قَالَ أَبُو جُهَيْمٍ) -﵁- (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي، مَاذَا عَلَيْهِ؟) تقدم الكلام عليه آنفًا، وقال في "العمدة": كلمة "ما" استفهام، ومحلّه الرفع على الابتداء، وكلمة "ذا" إشارة، والأولى أن تكون "ذا" موصولةً بدليل افتقاره إلى شيء بعده؛ لأن تقديره: ماذا عليه من الإثم، ثم إن "ماذا عليه" في محلّ النصب على أنه سدّ مسدّ المفعولين لقوله: "يعلم"، وقد عُلّق عمله بالاستفهام. انتهى (^١).
وقال الكرمانيّ -﵀-: أبهم الأمر؛ ليدلّ على فخامته، وأنه مما لا يُقَدَّرُ قدرُهُ، ولا يدخل تحت العبارة. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قال في "الفتح": قوله: "ماذا عليه" زاد الكشميهنيّ: "من الإثم"، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات عند غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها، وقال ابن عبد البرّ: لم يُخْتَلَف على مالك في شيء منه، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب المسانيد، والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من الروايات مطلقًا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة": "يعني من الإثم"، فَيَحْتَمِل أن تكون ذُكِرت في أصل البخاريّ حاشيةً، فظنها الكشميهنيّ أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفّاظ، بل كان راويةً، وقد عزاها المحبّ الطبريّ في "الأحكام" للبخاري، وأطلق، فعيب ذلك عليه، وعلى صاحب "العمدة" في إيهامه أنها في "الصحيحين"، وأنكر ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" على من أثبتها في الخبر، فقال: لفظ "الإثم" ليس في الحديث صريحًا، ولما ذَكَره النووي في "شرح المهذب" دونها، قال: وفي رواية رَوَيناها في "الأربعين" لعبد القادر الرُّهاويّ: "ماذا عليه من الإثم". انتهى ما في "الفتح" (^٣).
وعبارة الحافظ ابن رجب -﵀-: وقد وقع في بعض نسخ كتاب البخاريّ ومسلم أيضًا بعد "ماذا عليه" "من الإثم"، وهي غير محفوظة، وذكر ابن عبد البرّ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٤٣٠.
(٢) "شرح البخاري" للكرمانيّ -﵀- ٤/ ١٦٣.
(٣) ١/ ٦٩٦ - ٦٩٧.
[ ١١ / ٣٩٢ ]
أن هذه اللفظة في رواية الثوريّ، عن سالم أبي النضر، وقد وقعت في كتاب ابن أبي شيبة من رواية الثوريّ مدرجةً بلفظ "يعني من الإثم"، فدلّ على أنها مدرجة من قول بعض الرواة، وتفسير للمعنى؛ فإن هذا يُفهَم من قوله: "ماذا عليه"، فإن ابن آدم له عمله الصالح، وعليه عمله السيئ، كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية [فصلت: ٤٦]، وقال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإذا كان هذا عليه، فهو من سيّئاته. انتهى (^١).
وقوله: (لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ) جواب "لو"، وكلمة "أن" مصدريّة، والتقدير: لو يعلم المارُّ مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلّي لاختار أن يقف المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم.
وقال الكرمانيّ -﵀-: جواب "لو" ليس هو المذكور، بل التقدير: لو يعلم ما عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين لكان خيرًا له. انتهى (^٢).
وتعقّبه العينيّ، فقال: لا ضرورة إلى هذا التقدير، وهو تصرّف فيه تعسّفٌ، وحقّ التركيب ما تقدّم. انتهى (^٣).
قال الكرمانيّ -﵀-: وأبهم العدد تفخيمًا للأمر، وتعظيمًا. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: قلت: ظاهر السياق أنه عيّن المعدود، ولكن شكّ الراوي فيه. انتهى.
وقال الكرمانيّ: فإن قلت: هل للتخصيص بالأربعين حكمةٌ معلومةٌ؟.
قلت: أسرار أمثالها لا يعلمها إلَّا الشارع.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك؛ لأن الغالب في أطوار الإنسان أن كمال كل طَور بأربعين كأطوار النطفة، فإن كل طور منها بأربعين، وكمال عدل الإنسان في أربعين سنةً، ثم الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه وهي عشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فلما أُريد التكثير ضوعف كل إلى عشرة أمثاله. انتهى (^٤).
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ٩١.
(٢) "شرح الكرمانيّ" ٤/ ١٦٣.
(٣) "عمدة القاري" ٤/ ٤٣٠.
(٤) "شرح الكرمانيّ" ٤/ ١٦٣.
[ ١١ / ٣٩٣ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الوجه الذي ذكره الكرمانيّ أوّلًا هو المعتمد، فهذا العدد ونحوه مما لا ينبغي أن يوكل وجه حكمته إلى الشارع الحكيم، وأما الوجه الثاني، فإنه تكلّف ظاهر، تردّه رواية المائة، ففي رواية ابن ماجه، وابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي هريرة -﵁-: "لكان أن يقف مائة عام خيرًا له من الخطوة التي خطاها".
وأما ما ذكره العينيّ في وجه الحكمة للمائة أيضًا فمن التكلّف الظاهر، ومثل هذا من فضول الكلام، فينبغي عدم الخوض فيه، واللَّه تعالى أعلم.
وقال الحافظ بعد ذكر رواية المائة ما نصّه: وهذا يشعر بأن إطلاق الأربعين للمبالغة في تعظيم الأمر، لا لخصوص عدد معيَّن.
وَجَنح الطحاويّ إلى أن التقييد بالمائة وقع بعد التقييد بالأربعين؛ زيادةً في تعظيم الأمر على المار؛ لأنهما لم يقعا معًا؛ إذ المائة أكثر من الأربعين، والمقام مقام زجر وتخويف، فلا يناسب أن يتقدم ذكر المائة على الأربعين، بل المناسب أن يتأخر، ومميز الأربعين إن كان هو السنة ثَبَتَ الْمُدَّعَى، وأما دونها فمن باب أولى.
وقد وقع في "مسند البزار" من طريق ابن عيينة التي ذكرها ابن القطان: "لكان أن يقف أربعين خريفًا"، أخرجه عن أحمد بن عَبْدة الضبيّ، عن ابن عيينة.
وقد جعل ابن القطان الجزم في طريق ابن عيينة، والشك في طريق غيره دالّا على التعدد.
لكن رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وغيرهم من الحفاظ، عن ابن عيينة، عن أبي النضر على الشك أيضًا، وزاد فيه: "أو ساعةً"، فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعَا معًا من راو واحد في حالة واحدة، إلا أن يقال: لعله تذكر في الحال، فجزم، وفيه ما فيه. انتهى (^١).
وقوله: (خَيْرًا لَهُ) خبر "كان"، واسمها قوله: "أن يقف" في تأويل المصدر، أي لكان وقوفه أربعين خيرًا له، ووقع في بعض النسخ "خيرٌ له"
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٧.
[ ١١ / ٣٩٤ ]
بالرفع، قال في "الفتح": في روايتنا بالنصب على أنه خبر "كان"، ولبعضهم "خير" بالرفع وهي رواية الترمذيّ، وأعربها ابن العربي على أنها اسم "كان"، وأشار إلى تسويغ الابتداء بالنكرة؛ لكونها موصوفةً، ويَحْتَمِل أن يقال: اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها. انتهى.
واعترض السنديّ -﵀- إعراب ابن العربيّ بأن القواعد تأبى ذلك؛ لأن قوله: "أن يقف" بمنزلة الاسم المعرفة، فلا يصلح أن يكون خبرًا لـ "كان"، وتكون النكرة اسمًا لها، بل "أن" مع الفعل يكون اسمًا لـ "كان" مع كون الخبر معرفةً متقدّمةً، مثلُ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٤٧]، ولهذا نظائر في القرآن، وكذلك المعنى يأبى ذلك عند التأمّل، فالوجه أن اسم كان ضمير الشأن، والجملة مفسّرة للشأن، أو أن "خير" منصوب على أنه خبر "كان"، وترك الألف بعده من تسامح أهل الحديث، فإنهم كثيرًا ما يتركون كتابة الألف بعد الاسم المنصوب، كما صرّح به النوويّ، والسيوطيّ، وغيرهما في مواضع. انتهى كلام السنديّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ، وإن وقع في كلام العينيّ ما يُفيد تعقّبه، لكنه هو الوجه، فتأمله بالإنصاف.
والحاصل أن "خير" في حالة الرفع خبر لـ "أن يقف"، والجملة خبر "كان"، واسمها ضمير الشان، أو "أن يقف" اسمها، و"خيرًا" خبرها منصوب بالفتحة، لكنه مكتوب بصورة المرفوع والمجرور على عادة قدماء المحدّثين، وهو أيضًا لغة ربيعة، فإنهم يقفون على المنصوب المنصوب بالسكون، كرأيت زيد، واللَّه تعالى أعلم.
(مِنْ أَنْ يَمُرَّ) متعلّقٌ بـ "خير" (بَيْنَ يَدَيْهِ") ظرف لـ "يمُرّ"، أي من مروره أمام المصلي.
(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أميّة الراوي عن بُسر بن سعيد، قال في "الفتح": هو كلام مالك، وليس من تعليق البخاريّ؛ لأنه ثابت في "الموطأ" من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوريّ، وابن عيينة، كما ذكرنا. انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٦٩٧.
[ ١١ / ٣٩٥ ]
(لَا أَدْرِي) "لا" نافية، ولذا رفع الفعل بعدها، أي لا أعلم (قَالَ) وفي رواية البخاريّ: "أقال" بهمزة الاستفهام، وتقدّر هنا، والظاهر أن فاعل "قال" ضمير بسر، وقال الكرمانيّ -﵀-: فاعله بسرٌ، أو رسول اللَّه -ﷺ-. انتهى (^١). (أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) لأنه ذكر العدد، أعني أربعين، ولا بدّ من مميّز، وهو لا يخلو عن هذه الأشياء، وقد أُبهم هنا، وقد سبق آنفًا أن الحكمة في إبهامه التفخيم والتعظيم على ما قيل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي جُهيم -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ١١٣٧ و١١٣٨] (٥٠٧)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٥١٠)، و(أبو داود) فيها (٧٠١)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٦)، و(النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦٦) وفي "الكبرى" (١/ ٢٧٢ - ٢٧٣)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٤٤)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٥٤ - ١٥٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٢٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٨٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٦٩)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٩)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٨٤ و٨٥ و٨٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨١٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٦٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩١ و١٣٩٢ و١٣٩٣ و١٣٩٤ و١٣٩٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن المرور بين يدي المصلّي ممنوع، قال النوويّ -﵀-: فيه دليل على تحريم المرور، فإن معنى الحديث النهي الأكيد، والوعيد الشديد على ذلك. انتهى. ومقتضى ذلك أن يُعَدَّ في الكبائر.
_________________
(١) "شرح الكرمانيّ" ٤/ ١٦٣.
[ ١١ / ٣٩٦ ]
٢ - (ومنها): جواز أخذِ القرين عن قرينه ما فاته، أو استثباته فيما سَمِع معه.
٣ - (ومنها): الاعتمادُ على خبر الواحد؛ لأن زيدًا اقتصر على النزول مع القدرة على العلوّ اكتفاء برسوله المذكور.
٤ - (ومنها): جواز استعمال "لو" في باب الوعيد، ولا يدخل ذلك في النهي الوارد فيما أخرجه المصنّف في "القدر" عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "المؤمن القويّ خيرٌ وأحب إلى اللَّه من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، احرِصْ على ما ينفعك، واستعن باللَّه، ولا تَعْجَزْ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللَّهُ، وما شاء فَعَل، فإن "لو" تفتح عمل الشيطان" (^١)؛ لأن محل النهي أن يُشْعِر بما يُعانِد المقدور، كما سيأتي في "كتاب القدر" - إن شاء اللَّه تعالى.
٥ - (ومنها): أن ابن بطال: استنبط من قوله: "لو يَعْلَم" أن الإثم يَختصّ بمن يعلم بالنهي، وارتكبه.
قال الحافظ: وأخذه من ذلك فيه بُعْدٌ، لكن هو معروف من أدلة أخرى. انتهى.
٦ - (ومنها): أن ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يَختَصّ بمن مَرّ، لا بمن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي، أو قعد، أو رَقَدَ، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي، فهو في معنى المارّ، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما دلّ عليه ظاهر الحديث هو الحقّ؛ لأن التشويش ليس خاصًا بهذه الأشياء، بل قد يحصل ممن كان وراء ظهر المصلّي، أو عن يمينه، أو يساره، فالحديث لا يدلّ على هذا كلّه، بل دليل النهي عن التشويش معلوم من أدلّة الشرع الأخرى، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن ظاهرهُ عموم النهي في كل مُصَلٍّ، وخصه بعض المالكية بالإمام والمنفرد؛ لأن المأموم لا يضرّه مَن مَرّ بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له.
_________________
(١) سيأتي للمصنّف في "كتاب القدر" برقم (٢٦٦٤).
[ ١١ / ٣٩٧ ]
قال الحافظ: والتعليل المذكور لا يطابق المدَّعَى؛ لأن السترة تفيد رفع الحرج عن المصلي، لا عن المارّ فاستوى الإمام والمأموم والمنفرد في ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ فيه نظرٌ؛ لأن التعليل بالتشويش ليس منصوصًا عليه حتى يُعتمد، بل الأقرب تعليله بأنه يقطع المناجاة بين المصلي وبين ربّه، فما قاله بعض المالكيّة هو الأرجح، كما لا يخفى على من تأمله.
وأيضًا فقد تقدّم مرور ابن عبّاس -﵄- بين يدي بعض المأمومين، ولم يُنكر ذلك عليه، فدلّ على كون حكم المأموم غير حكم الإمام والمنفرد، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن العلامة ابن دقيق العيد: ذكر أن بعض الفقهاء المالكية قَسَمَ أحوال المارّ والمصلي في الإثم وعدمه إلى أربعة أقسام: يأثم المارّ دون المصلي، وعكسه، ويأثمان جميعًا، وعكسه.
فالصورة الأولى: أن يصلي إلى سُترة في غير مَشْرَع، وللمارّ مندوحة، فيأثم المارّ دون المصلي.
الثانية: أن يصلي في مَشْرَع مسلوك بغير سترة، أو متباعدًا عن السترة، ولا يجد المارّ مندوحة، فيأثم المصلي دون المارّ.
الثالثة: مثل الثانية، لكن يجد المارّ مندوحةً فيأثمان جميعًا.
الرابعة: مثل الأولى، لكن لم يجد المارّ مندوحةً، فلا يأثمان جميعًا. انتهى.
قال الحافظ -﵀-: وظاهر الحديث يدلّ على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا، بل يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيِّده قصة أبي سعيد -﵁- السابقة، فإن فيها: "فنظر الشابّ، فلم يجد مَسَاغًا".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الحافظ من أن ما دلّ عليه الحديث من عموم النهي لجميع الصور هو الحقّ؛ لظهور حجّته، لكن إذا كانت هناك ضرورة لا بدّ منها، فيكون من باب الاضطرار، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، فليُتنبّه لذلك، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٣٩٨ ]
قال: وقد تقدّمت الإشارة إلى قول إمام الحرمين: إن الدفع لا يُشْرعَ للمصلي في هذه الصور، وتبعه الغزاليّ، ونازعه الرافعيّ، وتعقبه ابن الرفعة بما حاصله أن الشابّ إنما استوجب من أبي سعيد الدفع؛ لكونه قَصّر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة، حتى وقع الزحام. انتهى.
وما قاله مُحْتَمِلٌ، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد لم يَعْتَذر بذلك، ولأنه متوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها، مع احتمال أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، واللَّه أعلم. انتهى.
[تنبيه]: وقع في رواية أبي العباس السّرّاج من طريق الضحاك بن عثمان، عن أبي النضر: "لو يعلم المارّ بين يدي المصلِّي والمصلَّى"، فحمله بعضهم على ما إذا قَصّر المصلي في دفع المارّ، أو بأن صلى في الشارع، ويَحْتَمِل أن يكون قوله: "والمصلَّى" بفتح اللام، أي بين يدي المصلي، من داخل سترته، وهذا أظهر. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم أن الحافظ ابن رجب قال: زيادة "والمصلّي" غير محفوظة. انتهى. وهو أولى مما قاله الحافظ، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، أَن زيدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنيِّ، أَرْسَلَ إِلَى أَبِي جُهَيْمِ الْأَنْصَارِيِّ: مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ؟، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمِ بْنِ حَيَّانَ الْعَبْدِيُّ) أبو عبد الرحمن المصريّ، سكن نيسابور، ثقةٌ، صاحب حديث، من صغار [١٠] (ت سنة بضع ٢٥٠)، تفرّد به المصنّف تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
[ ١١ / ٣٩٩ ]
٢ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدم قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (مَا سَمِعْتَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ؟) "ما" استفهاميّة مبتدأ خبره جملة "سمعتَ"، والجملة معلّق عنها العامل المقدّر، بدليل الرواية السابقة، أي يسأل ما سمعت؟. . . إلخ، و"يقول" في محلّ نصب على الحال من "النبيّ"، أي حال كونه قائلًا.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ) ببناء الفعل للفاعل، وفاعله ضمير سفيان، يعني أن سفيان ذكر الحديث عن سالم أبي النضر بمعنى حديث مالك، عنه.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوري هذه ساقها أبو عوانة في "مسنده" (١/ ٣٨٤) فقال:
(١٣٩٥) حدّثنا بكار بن قتيبة، قال: ثنا أبو عامر الْعَقَديّ، قال: ثنا سفيان الثوريّ، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن سعيد، عن أبي الجهيم الأنصاريّ، سمعت النبيّ -ﷺ- يقول: "لأن يقوم أربعين في مقامه، خير له من أن يمر بين يديه"، قال: لا أدري أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين سنة. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.