وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٧] (٦٤٩) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ (^١): حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ، تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ (^٢) خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَ لَهُ (^٣) بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي الصَّلَاةِ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ").
_________________
(١) وفي نسخة: "قال أبو بكر".
(٢) وفي نسخة: "لم يَخطُ".
(٣) وفي نسخة: "إلا رفع اللَّه له".
[ ١٤ / ٣٣٤ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- مات سنة (٧ أو ٨ أو ٥٩) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى الصحابي، وأبي صالح، فمدنيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب من المشايخ التسعة الذين روى عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَلَاةُ الرَّجُلِ) مبتدأ، والمضاف محذوفٌ، أي ثواب صلاته، والضمير في "تزيد" راجع إليه (^١).
قال ابن الملقّن -﵀-: قوله: "صلاة الرجل" هو في المرأة كذلك حيث يُشرع لها الخروج إلى المسجد؛ لأن وصف الرجوليّة بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبرة شرعًا، وهو مثل قوله -ﷺ-: "من أعتق شركًا له في عبد. . . "
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٣٤.
[ ١٤ / ٣٣٥ ]
الحديث، متّفقٌ عليه، وكقوله: من صلى كذا، من فعل كذا فله كذا، كلّه يتساوى فيه الرجال والنساء من غير نزاع، نبّه على ذلك ابن دقيق العيد -﵀-، فتكون "أل" في الرجل ليست لتعريف ماهيّة الرجوليّة، بل للعموم من حيث المعنى، كما عمّ "قوم" الرجال والنساء في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، وإن كان لفظ "قوم" خاصًّا بالرجال دون النساء، كما قاله الماورديّ.
نعم قال الرويانيّ من الشافعيّة: هل تكون جماعة النساء في الفضل، والاستحباب كجماعة الرجال؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، فتفضل على صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة.
وأظهرهما أن جماعة الرجال أفضل من جماعتهنّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. انتهى (^١).
(فِي جَمَاعَةٍ) أي معهم (تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ) قال النوويّ -﵀-: المراد صلاته في بيته وسوقه منفردًا هذا هو الصواب، وقيل فيه غير هذا، وهو قول باطلٌ، نبّهت عليه؛ لئلا يُغترّ به. انتهى (^٢).
قال ابن الملقّن: ومن ذلك قول ابن التين في "شرح البخاريّ": لو صلّى في سوقه جماعةً كان الفذّ؛ أخذًا بظاهر الحديث، أو لأن السوق مأوى الشياطين، وهذا وَاهٍ جدًّا، نعم رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات مشروطٌ بالمشي إلى المسجد، فمن فعل ذلك حصلا له، وإلا فلا. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ -﵀-: في تخصيص ذكر السوق والبيت إشعارٌ بأن مضاعفة الثواب على غيرهما من الأماكن التي لم تلزمه لزومهما لا يكون أكثر مضاعفةً منهما. انتهى (^٤).
وقال في "الفتح": مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعةً تزيد على
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٥/ ١٦٥.
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٣٦٤.
(٤) "الكاشف" ٣/ ٩٣٤.
[ ١٤ / ٣٣٦ ]
الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفُرَادى، قاله ابن دقيق العيد -﵀-، قال: والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردًا.
قال: وبهذا يرتفع الاشكال عمن استَشْكَل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى.
قال الحافظ: ولا يَلْزَم من حمل الحديث على ظاهره التسويةُ المذكورة إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر، وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردًا، بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختصّ بالجماعة في المسجد، والصلاة في البيت مطلقًا أولى منها في السوق؛ لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين، والصلاة جماعةً في البيت، وفي السوق أولى من الانفراد. وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع، وفي المسجد العامّ مع تقرير الفضل في غيره.
ورَوَى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس الْمَعَافريّ أنه قال لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص: أرأيت من توضأ، فأحسن الوضوء، ثم صلى في بيته؟ قال: حَسَنٌ جَمِيلٌ، قال: فإن صلى في مسجد عشيرته؟ قال: خمس عشرة صلاةً، قال: فإن مشى إلى مسجد جماعة، فصلى فيه؟ قال: خمس وعشرون. انتهى.
وأخرج حميد بن زنجويه في "كتاب الترغيب" نحوه، من حديث واثلة، وخَصّ الخمس والعشرين بمسجد القبائل، قال: وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّع فيه -أي الجمعة- بخمسمائة، وسنده ضعيف، ذكره في "الفتح" (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي نُقل عن عبد اللَّه بن عمرو، وواثلة -﵄- إن صحّ مرفوعًا فذاك، وإلا فما دلّ عليه ظاهر ما في "الصحيحين" من كون التضعيف يعم أنواع صلاة الجماعة هو الأقرب، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٥٩.
[ ١٤ / ٣٣٧ ]
(بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) البضع بكسر الباء، وفتحها، وهو من الثلاثة إلى العشرة، هذا هو الصحيح، والمراد هنا خمس وعشرون درجةً، كما جاء مفسّرًا في الروايات الأخرى، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في "باب فضل صلاة الجماعة" [٤٣/ ١٤٧٤] فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق. (وَذَلِكَ) إشارة إلى ما دلّ عليه قوله: "يزيد"، يعني أن سبب الزيادة المذكورة أنه إذا توضّأ. . . إلخ.
وقال الطيبيّ: قوله: "وذلك" الجملة كالتعليل للحكم، كأنه لَمّا أضاف الصلاة إلى الرجل، والتعريف فيه للجنس أفاد أن صلاة الرجل الكامل الذي لا يُلهيه أمر دنيويّ عن ذكر اللَّه في بيت اللَّه يضعّف أضعافًا؛ لأن مثل هذا الرجل لا يقصّر في شرائطها، وأركانها، وآدابها، فإذا توضّأ أحسن الوضوء، وإذا خرج إلى الصلاة لا يشوبه شيء مما يُكدّرها، فإذا صلّى لم يتعجّل للخروج، ومَنْ شأنه هذا فجديرٌ بأن يضعّف ثواب صلاته. انتهى (^١).
(أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ) شَمِل الوضوء المجدّد وغيره، وقد يقال: إن قوله: "توضّأ" ليس للتقييد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغالب، أو ضرب المثال، قاله ابن الملقّن (^٢).
وقال في "الفتح": هذا ظاهر في أن الأمور المذكورة علّة للتضعيف المذكور؛ إذ التقدير: وذلك لأنه، فكأنه يقول: التضعيف المذكور سببه كيت وكيت، وإذا كان كذلك، فما رُتِّب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها، إلا إذا دلّ الدليل على إلغاء ما ليس معتبرًا، أو ليس مقصودًا لذاته، وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة -﵁- معقولة المعنى، فالأخذ بها متوجِّه، والروايات المطلقة لا تنافيها، بل يُحْمَل مطلقها على هذه المقيدة، والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية، ذهب كثير منهم إلى أن الحرج لا يسقط بإقامة الجماعة في البيوت، وكذا رُوي عن أحمد في فرض العين، ووجَّهوه بأن أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد، وهو وصف معتبر، لا ينبغي إلغاؤه، فيختص به المسجد، ويُلْحَق به ما في معناه مما يَحْصُل به إظهار الشعار. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٣٤.
(٢) "الإعلام" ٢/ ٣٦٤.
(٣) "الفتح" ٢/ ١٥٩.
[ ١٤ / ٣٣٨ ]
(فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ) أي بإكمال الفرض ومراعاة الآداب كمًّا وكيفًا (ثُمَّ أَتَى الْمَسْجدَ) هذا لا يستلزم الفوريّة، نعم البِدَار أولى فيما يظهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦١].
(لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ) بفتح أوله، والهاء، وبالزاي: أي لا يُحرّكه، ولا يُقيمه إلا إرادة الصلاة، ومنه انتَهَزَ الفُرْصة: أي تحرّك لها، وحصَّلها، قاله القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال ابن الملقّن -﵀-: ظاهره ترتيب المذكور من رفع الدرجات، وحطّ الخطيئات على اشتراط الخروج لها فقط، لا لأمر آخر من غير العبادات، ونظيره حجُّ من خَلَطَ به التجارة، أو غيرها من الأسباب الدنيويّة، فإنه ليس كمن محّضَ الخروج للحجّ، وكذا سائر العبادات، من الجهاد وغيره.
وأَسْنَد الفعل إلى الصلاة، وجعلها هي المحرّكة والمخرجة له، كأنه لفَرْط محافظته عليها، ورجاء ثوابها مُجْبَرٌ على خروجه إليها، وأنّ الصلاة هى الفاعلة للخروج، لا هو. انتهى (^٢).
(لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) أي لا يقصد إلا أداء الصلاة في جماعة فـ "أل" في "الصلاة" للعهد، والجملة حال مؤكّدة لما قبلها، والمضارع المنفيّ إذا وقع حالًا يجوز فيه الواو وتركه (^٣). (فَلَمْ يَخْطُ) بفتح أوله وضم الطاء، من خطا يخطو خَطْوًا: إذا فتح ما بين قدميه، ومشى (خَطْوَةً) قال في "الفتح": ضبطناه بضم أوله، ويجوز الفتح، قال الجوهريّ: الخطوة بالضم: ما بين القدمين، وبالفتح المرة الواحدة، وجزم اليعمريّ أنها هنا بالفتح، وقال القرطبيّ: إنها في روايات مسلم بالضم. انتهى (^٤).
وقال ابن الملقّن بعد ذكره نحو ما تقدّم: وقال غيرهم من المتأخّرين: كأن القياس أن يجيء في "خطوة" ثلاثة أوجه: الضمّ، والكسر، والفتح، كما هو في "جذوة"، وأشباهها، وقد قُرئ بالأوجه الثلاثة في ﴿جَذْوَةٍ﴾ [القصص: ٢٩] في السبع على ما أَصَّله أهل اللغة، من أن كلَّ ما كان على "فَعْلَةِ" لامه
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٨٩.
(٢) "الإعلام" ٢/ ٣٦٥.
(٣) راجع: "المرعاة" ٢/ ٤٠٩.
(٤) "الفتح" ٢/ ١٥٩.
[ ١٤ / ٣٣٩ ]
واو، بعدها تاء التأنيث جاء فيه ثلاثة أوجه. انتهى (^١).
(إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ) ببناء الفعل للمفعول، و"درجةٌ" بالرفع على أنه نائب الفاعل، وفي بعض النسخ: "إلا رفع اللَّه له بها درجةً"، وعليه فالفعل مبنيّ للفاعل، و"درجةً" منصوب على المفعوليّة، وكذا ما بعده، واللَّه تعالى أعلم.
وقال ابن الملقّن -﵀-: "الدرجة" واحدة الدرجات، وهي الطبقات من المراتب، و"الدُّرَجَة" بضمّ الدال، مثالُ الْهُمَزَة لغة في الدَّرَجة، وهي المرقاة، قاله الجوهريّ.
وهل هذه الدرجة محسوسة، أو معنويّةٌ؟ بمعنى ارتفعت رُتبته، اللَّه أعلم بذلك.
وأما حطّ الخطيئة، فالظاهر أنه محوها من صحيفة السيّئات حقيقةً. انتهى (^٢).
(وَحُطَّ عَنْهُ) أي أزال عنه (بِهَا) أي بتلك الخطوة (خَطِيئَةٌ) أي إثمًا (حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) غاية للرفع والحطّ.
قال الداوديّ: إن كانت له ذنوب حُطّت عنه، وإلا رُفعت له درجات، قال: وهذا يقتضي أن الحاصل بالخطوة درجةٌ واحدةٌ، إما الحطّ، وإما الرفع، أي وتكون الواو بمعنى "أو"، لا بمعنى العطف، وخالف غيره، فقال: بل الحاصل بالخطوة الواحدة ثلاثة أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: "كتب اللَّه له بكلّ خطوة حسنةً، وَيرفعه بها درجةً، ويَحُطّ بها عنه سيّئةً" (^٣). انتهى (^٤).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن الخطوة الواحدة فيها ثلاث درجات: كتابة الحسنة، ورفع الدرجة، وحطّ السيّئة، كما نصّ الحديث الأخير، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "الإعلام" ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٢) "الإعلام" ٢/ ٣٦٦.
(٣) تقدّم الحديث مطوّلًا للمصنّف "باب بيان كون صلاة الجماعة من سنن الهدى" [١٤٨٩].
(٤) "المفهم" ٢/ ٢٩٠، و"الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧.
[ ١٤ / ٣٤٠ ]
(فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، كانَ فِي الصَّلَاةِ) أي في ثوابها، فكأنه يصلّي بالفعل، وإن لم يدخل فيها، فله أجر المصلين، وليس المراد أنه في حكم الصلاة، حتى يمتنع عليه الكلام ونحوه (^١). (مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة كون الصلاة، وقوله: (هِيَ) ضمير الفصل جيء به للتوكيد، وقوله: (تَحْبِسُهُ) خبر "كانت"، وهو بفتح أوله، وكسر ثالثه، من باب ضرب، أي تمنعه عن الخروج من المسجد، والتصرّف في أشغاله الدنيويّة.
وقال في "المرعاة": "أي مدّة كون الصلاة حابسةً له، بأن كان جالسًا لانتظار الصلاة، أما جلوسه بعد الصلاة لذكر، أو اعتكاف مثلًا، فلا يترتّب عليه خصوص هذا الثواب، وإن كان فيه ثوابٌ عظيمٌ". انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: وفي قوله: "ما كانت الصلاة تحبسه" إشارة إلى النفس اللوّامة التي تنهي استيفاء لذّاتها، واشتغالها بخلع العذار، والصلاة تنهاها عن هواها، وتَحبسها في بيت اللَّه تعالى، كما كانت آمرةً بالمعروف في قوله: "لا يُخرجه إلا الصلاة"، فإذا لزم مصلّاه، وانتظر الصلاة الأخرى اطمأنّت، وقيل لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)﴾، فإذا طلبت الملائكة الغفران والرحمة لها قيل لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. انتهى (^٣).
(وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ) أي تدعو له بالخير، وتستغفر له من ذنوبه، وتطلب له الرحمة (عَلَى أَحَدِكُمْ) وفي رواية البخاريّ: "فإذا صلّى لن تزال الملائكة تصلّي عليه ما دام في مصلّاه"، قال ابن أبي جمرة -﵀-: قوله: "فإذا صلى": أي صلى صلاةً تامّةً؛ لأنه -ﷺ- قال للمسيء صلاته: "ارجع، فصلّ، فإنك لم تصلِّ" (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ) أي في مكانه الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد، وكأنه خرج مخرج الغالب، وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد، مستمرًّا على نية انتظار الصلاة كان كذلك، قاله في "الفتح" (^٤).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٣٣٩.
(٢) "المرعاة" ٢/ ٤١٠.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩٣٤ - ٩٣٥.
(٤) "الفتح" ٢/ ١٥٩.
[ ١٤ / ٣٤١ ]
وروى الإمام مالك -﵀- في "الموطّأ" عن نعيم بن عبد اللَّه المجمر، أنه سمع أبا هريرة -﵁- يقول: "إذا صلى أحدكم، ثم جلس في مصلاه، لم تزل الملائكة تصلي عليه، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه، فجلس في المسجد ينتظر الصلاة، لم يزل في صلاة حتى يصلي".
قال الباجيّ -﵀-: المنتظر في غير مصلاه من المسجد يكون في صلاة، كالمنتظر في مصلاه، غير أن المنتظر في مصلاه يحصُل له أنه في صلاة، وصلاة الملائكة عليه، بخلاف المنتظر في غير مصلاه (^١). انتهى.
وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث داود بن صالح، قال: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أيّ شيء نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؟، قيل: لا، قال: إنه لم يكن في زمن رسول اللَّه -ﷺ- غزو يُرابط فيه، ولكن انتظار الصلاة. انتهى (^٢).
(يَقُولُونَ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، أي حال كونهم قائلين (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللُّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ) أي وفّقه للتوبة، وتقبّلها منه، أو ثبّته عليها.
قال الطيبيّ -﵀-: طلبت له الرحمة من عند اللَّه تعالى بعد طلب الغفران؛ لأن صلاة الملائكة على العباد استغفار لهم.
(مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ) "ما" مصدريّة ظرفيّة أيضًا، أي مدّة عدم إيذائه في ذلك المجلس.
قال الطيبيّ -﵀-: قوله: "ما لم يؤذ": أي ما لم يؤذ أحدًا من المسلمين بلسانه ويده، فإنه كالحدث المعنويّ، ومن ثمّ أتبعه بالحديث الظاهريّ. انتهى.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "ما لم يؤذ فيه" أي ما لم يصدُر عنه ما يتأذَّى به بنو آدم والملائكة، قال: ويَحْتَمِل أن يكون قوله: "ما لم يُحدث فيه" بدلًا
_________________
(١) "المنتقى" ١/ ٢٨٣.
(٢) "المستدرك" ٢/ ٣٠١ وصححه الحاكم، ووافقه الذهبيّ.
[ ١٤ / ٣٤٢ ]
من قوله: "ما لم يؤذ فيه". انتهى (^١).
وقال في "المرعاة": ما لم يؤذ أحدًا من المسلمين بقوله، أو فعله، وقيل: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم بالحدث في المسجد، وهو معنى قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ") بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإحداث، والمراد خروج الريح منه، قال التوربشتيّ: هو: بتخفيف الدال، من الحدث، ومن شدّدها، فقد أخطأ. انتهى.
وفي رواية حمّاد بن سلمة، عن ثابت الثالثة: "قال: قلت: ما يُحدث؟، قال: يفسو، أو يضرِط".
وعند البخاريّ في "صحيحه" من طريق همّام بن منبّه، عن أبي هريرة -﵁-: "فقال رجل أعجميّ: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: الصوت، يعني الضَّرْطة". انتهى.
وعند الترمذيّ في "جامعه" من طريق همّام بن منبّه أيضًا: "فقال رجلٌ من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ فقال: فُساءٌ، أو ضُرَاطٌ". انتهى.
قال في "الفتح": والظاهر أنه إنما خصهما بالذكر دون ما هو أشدّ منهما؛ لكونهما لا يخرج من المرء غالبًا في المسجد غيرهما، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاصّ، وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصلاة. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ -﵀-: ولعلّ الرجل إنما استفسره؛ لأن الإحداث يُستعمل على معنى إصابة الذنب، فاشتبه عليه المعنى. انتهى (^٣).
وقال في "المرعاة": قوله: "ما لم يُحدث" مِن أحدث: أي ما لم ينقُض وضوئه، وظاهره عموم النقض لغير الاختيار أيضًا، ويَحْتَمِل الخصوص، ولفظ البخاريّ: "ما لم يؤذ، يُحْدِثْ فيه"، قال الحافظ: كذا للأكثر بالفعل المجزوم على البدليّة، ويجوز الرفع على الاستئناف، وللكشميهنيّ: "ما لم يؤذ بحدث فيه" بلفظ الجارّ والمجرور تعلّقًا بـ "يؤذ".
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٢٩٠.
(٢) "الفتح" ١/ ٣٣٩ "كتاب الوضوء" رقم (١٧٦).
(٣) "الكاشف" ٣/ ٩٣٥.
[ ١٤ / ٣٤٣ ]
وقال الكرمانيّ: وفي بعض النسخ: "ما لم يُحدث فيه" بطرح لفظ "يؤذ"، أي ما لم ينقض الوضوء، فالمراد بالحدث الناقض للوضوء، يدلّ عليه ما رُوي أن أبا هريرة لَمّا روى هذا الحديث قال له أبو رافع: ما "يُحدِثُ؟ " قال: يفسو أو يضرط.
وقيل: يَحْتَمِلُ أن يكون المراد بالحدث هنا أعمّ من الحديث الناقض للوضوء، أي ما لم يُحدث سوءًا، ويدلّ عليه رواية أبي داود: "ما يؤذ فيه، أو يُحدث فيه"؛ لأنه عطف قوله: "أو يُحدث" على قوله: "لم يؤذ فيه".
قال المهلّب: معنى الحديث أن الحدث في المسجد خطيئة يُحرَم بها المحدِث استغفار الملائكة، ودعاءهم المرجوّ بركته.
وقيل: إخراج الريح من الدبر لا يحرُم، لكن الأولى اجتنابه؛ لأن الملائكة تتأذّى بما يتأذَّى منه بنو آدم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٠/ ١٥٠٧ و١٥٠٨ و١٥٠٩ و١٥١٠ و١٥١١ و١٥١٢ و١٥١٣] (٦٤٩)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٧٧) و"الأذان" (٦٤٧) و"البيوع" (٢١١٩)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥٥٩)، و(الترمذيّ) فيها (٦٠٣)، و(ابن ماجه) في "الطهارة" (٢٨١) وفي "المساجد" (٧٨٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٤١٢ و٢٤١٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٣٨٨ و٢/ ٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٤٧٩ و١٤٨٠ و١٤٨١ و١٤٨٢ و١٤٨٣ و١٤٨٤ و١٤٨٥)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٩٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٠٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٦١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل انتظار الصلاة في المسجد، وقد ورد في فضل
[ ١٤ / ٣٤٤ ]
الانتظار أحاديث، فقد أخرج الإمام أحمد، وصححه ابن خزيمة، والحاكم عن عقبة بن عامر الجهنيّ -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: "إذا تطهر الرجل، ثم مَرّ إلى المسجد، يَرْعَى الصلاة، كَتَب له كاتبه، أو كاتباه، بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات، والقاعدُ يرعى للصلاة كالقانت، ويُكْتَب من المصلين، من حين يخرج من بيته حتى يرجع" (^١).
وأخرج الإمام أحمد أيضًا بإسناد صحيح، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص -﵄- قال: صلينا مع النبيّ -ﷺ- ذات ليلة، فعَقَّب مَن عَقَّب، ورجع من رجع، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- قبل أن يثوب الناس لصلاة العشاء، فجاء، وقد حَفَزه النَّفَسُ رافعًا إصبعه هكذا، وعَقَدَ تسعًا وعشرين، وأشار بإصبعه السبابة إلى السماء، وهو يقول: أبشروا معشر المسلمين، هذا ربكم ﷿ قد فتح بابًا من أبواب السماء، يباهي بكم الملائكة، يقول: ملائكتي انظروا إلى عبادي، أَدَّوا فريضة، وهم ينتظرون أخرى" (^٢).
٢ - (ومنها): استُدِلّ به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال؛ لما ذُكِرَ من صلاة الملائكة عليه، ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة.
٣ - (ومنها): أنه يؤخذ منه استحباب إحسان الوضوء بفعله على المأمور به، من غير مجاوزة فيه، ولا تقصير.
٤ - (ومنها): ما قيل: إن المسجد الأبعد للجماعة أفضل من القريب، ويُستثنى منه ما إذا تعطّل القريب لغيبته، أو إذا كان إمام البعيد مبتدعًا، قاله في "الإعلام" (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قيل، لكن ورد النهي عن تتبّع المساجد، فقد أخرج الطبرانيّ في "المعجم الكبير" بإسناد صحيح، عن ابن عمر -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لِيُصَلّ أحدكم في مسجده، ولا يتتبع المساجد" (^٤).
_________________
(١) "المسند" ٤/ ١٥٧، و"صحيح ابن خزيمة" ٢/ ٣٧٢ و"المستدرك" ١/ ٢١١.
(٢) "المسند" برقم (٦٧١١).
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٢/ ٣٧٣.
(٤) "المعجم الكبير" ١٢/ ٣٧٠ رقم (١٣٣٧٣).
[ ١٤ / ٣٤٥ ]
ففيه النهيُ عن تتبّع المساجد، لكن هذا يُحمل على الكراهة؛ لما ثبت في "الصحيح" من أن الصحابة كانوا يتركون أحيانًا مساجدهم، ويأتون يصلّون مع النبيّ -ﷺ-، وأقرّهم عليه، وأمثلة ذلك كثيرة، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن فيه أيضًا تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، وصلاة الملائكة على من ينتظر الصلاة في المسجد.
٦ - (ومنها): أن من تعاطى أسباب الصلاة يُسمّى مصلّيًا.
٧ - (ومنها): أنه ينبغي لمن خرج في طاعة، صلاة، أو غيرها أن لا يشركها بشيء من أمور الدنيا.
٨ - (ومنها): ما قيل: إنه يدلّ على تفضيل صالحي الناس على الملائكة؛ لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم، والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا قالوا، ولا يظهر هذا الاستدلال، ومسألة تفضيل الملائكة على البشر، أو عكسه، قد استوفيت البحث عنها في غير هذا الموضع، وهي ليست من المسائل المهمّة التي ينبغي العناية بها، بل هي من فضول المسائل، فالأولى عدم الخوض فيها؛ لعدم ورود النصّ الصريح بها، وليست مما يتعلّق بالمعتقدات الدينيّة، فتنبّه لهذه الدقائق، واللَّه تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن الحدث الأصغر وإن منع دعاء الملائكة لا يمنع جواز الجلوس في المسجد، كذا في "المرقاة".
١٠ - (ومنها): بيان أن الحدث في المسجد أشدّ من النخامة؛ لأن لها كفّارةً، وهو دفنها، ولم يذكر لهذا كفّارة، بل عومل صاحبه بحرمان استغفار الملائكة، مع أن دعاءهم مرجوّ الإجابة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
١١ - (ومنها): أنه اسُتِدّل به على أن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ لأن قوله -ﷺ-: "على صلاته في بيته وسوقه" يقتضي صحة صلاته منفردًا؛ لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل، فإن ذلك يقتضي وجود فضيلة في صلاة المنفرد، وما لا يصح لا فضيلة فيه، وقد تقدّم تمام البحث في ذلك.
[ ١٤ / ٣٤٦ ]
١٢ - (ومنها): ما قيل: أنه يستدلّ به على تساوي الجماعات في الفضل، سواء كثرت الجماعة أم قَلَّت؛ لأن الحديث دلّ على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة، فيدخل فيه كل جماعة، كذا قال بعض المالكية، وقوَّاه بما رَوَى ابنُ أبي شيبة بإسناد صحيح، عن إبراهيم النخعيّ، قال: إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعةٌ، لهم التضعيف خمسًا وعشرين. انتهى.
قال الحافظ: وهو مسلَّم في أصل الحصول، لكنه لا ينفي مزيد الفضل لِمَا كان أكثر، لا سيما مع وجود النصّ المصرِّح به، وهو ما رواه أحمد، وأصحاب "السنن"، وصححه ابن خزيمة وغيره، من حديث أُبَيّ بن كعب -﵁- مرفوعًا: "صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى اللَّه"، وله شاهد قويّ في الطبرانيّ، من حديث قَبَاث بن أَشْيَم، وهو بفتح القاف، والموحدة، وبعد الألف مثلثة، وأبوه بالمعجمة، بعدها تحتانية، بوزن أحمر، ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استَحَبَّ إعادة الجماعة مطلقًا؛ لتحصيل الأكثرية، ولم يَسْتَحِبّ ذلك الآخرون، ومنهم مَن فَصَّل، فقال: تعاد مع الأعلم، أو الأورع، أو في البقعة الفاضلة، ووافق مالك على الأخير، لكن قصره على المساجد الثلاثة، والمشهور عنه بالمسجدين المكيّ والمدنيّ، وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلّة والكثرة، وغير ذلك، مما ذُكِر كذلك يفوق بعضها بعضًا. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: القول باستحباب الإعادة إذا زادت الجماعة مطلقًا هو الأظهر عندي؛ لمزيد الفضل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ، أَخْبَرَنَا (^٢) عَبْثَرٌ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زكَرِيَّاءَ (ح) وَحَدَّثَنَا
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٦٠.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٤ / ٣٤٧ ]
ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِ مَعْنَاهُ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْأَشْعَثِيُّ) الكِنْديّ، أبو عثمان الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٩.
٢ - (عَبْثَر) (^١) بن القاسم الزُّبَيديّ، أبو زُبيد الكوفيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٨/ ٣٠٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّيَّانِ) (^٢) الهاشميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه البغداديّ الرُّصَافيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٨) وله (٩٣) سنةً (م د) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ) بن مُرّة الْخُلْقانيّ، أبو زياد الكوفيّ، لقبه شَقُوصَا، صدوقٌ يخطئ قليلًا [٨] (ت ١٩٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٥/ ٢٧.
٥ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٧ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج تقدّم في الباب الماضي، وكذا "الأعمش"، ذُكر في السند الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ) أي كل هؤلاء الثلاثة: عَبْثَر بن القاسم، وإسماعيل بن زكريا، وشعبة حدّثوا عن الأعمش.
وقوله: (فِي هَذَا الْإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء، أي بإسناد الأعمش المتقدّم، وهو: عن أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-.
وقوله: (بِمِثْلِ مَعْنَاهُ) متعلّق بحدّثوا، كما قدّرناه آنفًا، كالجارّين قبله.
_________________
(١) بالباء الموحّدة، ثم الثاء المثلّثة المفتوحة.
(٢) بالراء، والمثنّاة التحتانيّة المشدّدة.
[ ١٤ / ٣٤٨ ]
[تنبيه]: رواية شعبة التي أحالها المصنّف هنا على رواية أبي معاوية، فقد ساقها الترمذيّ -﵀-، في "جامعه"، فقال:
(٥٤٨) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا أبو داود، قال: أنبأنا شعبة، عن الأعمش، سمع ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبي -ﷺ- قال: "إذا توضأ الرجل، فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى الصلاة، لا يخرجه، أو قال: لا ينهزه إلا إياها، لم يَخْطُ خُطْوَةً، إلا رفعه اللَّه بها درجةً، أو حَطّ عنه بها خطيئةً". انتهى.
وأما رواية عَبْثَر، وإسماعيل، فلم أجد من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ، مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، وَأَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ (^١) تَحْبِسُهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب أيضًا.
٣ - (أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ) بن أبي تميمة كيسان، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العُبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٤ - (ابْنُ سِيرِينَ) هو: محمد بن سيرين الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ إمامٌ [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
_________________
(١) وفي نسخة: "ما دامت الصلاة".
[ ١٤ / ٣٤٩ ]
و"أبو هريرة" -﵁- ذُكر في السند الماضي.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ، مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ، يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، حَتَّى يَنْصَرِفَ، أَوْ يُحْدِثَ"، قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ (^١) قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم) بن ميمون السمين البغداديّ، مروزيّ الأصل، صدوقٌ فاضلٌ ربّما وَهِمَ، [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْز) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت بعد ٢٠٠) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابدٌ، أثبت الناس في ثابت، تغيّر حفظه بآخره، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (خت م ٤) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِت) بن أسلم البُنَانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٥ - (أَبُو رَافِعٍ) نُفَيع الصائغ المدنيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ ثبتٌ، [٢] (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٦٢.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ" ذكر قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "قلت: وما يُحدِث؟ ".
[ ١٤ / ٣٥٠ ]
وقوله: (قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟) وفي نسخة: "وما يُحدث؟ "، والقائل الظاهر أنه أبو رافع.
وقوله: (قَالَ: يَفْسُو، أَوْ يَضْرَطُ) القائل هو أبو هريرة -﵁-، و"يفسو" من باب نصر، والاسم الْفُسَاء بالضمّ، والمدّ، وهو ريحٌ يخرج بغير صوت يُسمع (^١).
و"يضرَط" من بابي تَعِبَ، وضَرَبَ، والاسم الضُّرَاط بالضمّ، وتخفيف الراء.
قال القرطبيّ بعد ذكره تفسير أبي هريرة -﵁- هذا ما نصّه: وهو منه تمسّك بالعرف الشرعيّ، وقد فسّره غيره بأنه الحدث الذي يصرفه عن إحضار فضل انتظار الصلاة، ويَحْمِله على الإعراض عن ذلك، سواءٌ كان مُسَوَّغًا أو غير مُسَوَّغ، وهو تمسّك بأصل اللغة، وحَمَله بعضهم على إحداث مأثم. انتهى (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١١] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ، مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِك) بن أنس، تقدّم أيضًا في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٧٣.
(٢) "المفهم" ٢/ ٢٨٩.
[ ١٤ / ٣٥١ ]
٤ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
و"أبو هريرة" ذكر قبله.
وقوله: (تَحْبِسُهُ) بكسر الباء، من باب ضرب: أي تمنعه من الخروج من المسجد.
وقوله: (أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ) أي يرجع إليهم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٢] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَحَدُكُمْ (^١) مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ، مَا لَمْ يُحْدِثْ، تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ، اللَّهُمَّ (^٢) اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمَليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
والباقون تقدّموا قبل باب، غير الأعرج، وأبي هريرة ففي السند الماضي.
وقوله: (أَحَدُكُمْ) وفي نسخة: "إن أحدكم".
وقوله: (مَا قَعَدَ. . . إلخ) "ما" مصدريّة ظرفيّة، أي مدّة قعوده.
وقوله: (مَا قَعَدَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فِي صَلَاةٍ) هذا ظاهر في أن منتظر الصلاة في ثواب الصلاة مطلقًا، سواء كان في مجلسه الذي صلى فيه، أم تحوّل إلى مكان آخر من المسجد، ولا يُخالف ما سبق من قوله: "ما دام في مصلّاه"؛
_________________
(١) وفي نسخة: "إن أحدكم".
(٢) وفي نسخة: "تقول: اللهم".
[ ١٤ / ٣٥٢ ]
لأن المراد من المصلّى المكان المعدّ للصلاة، وهو المسجد (^١)، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ) دليلٌ على أن الحدث يُبطل هذا الفضل، وإن استمرّ جالسًا في المسجد.
وقوله: (تَدْعُو لَهُ الْمَلَائِكَةُ) يَحتَمِل أن المراد بهم الحفَظَة، أو السيّارة، أو أعمّ من ذلك، وهو الأولى؛ لعموم ظاهر الحديث.
والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١٥١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا (^٢) مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنَحْوِ هَذَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّه) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون تقدّموا في الباب.
وقوله: (بِنَحْوِ هَذَا) أي بنحو حديث الأعرج، عن أبي هريرة -﵁- المتقدّم.
[تنبيه]: رواية همّام بن منبّه هذه ساقها الإمام الترمذيّ -﵀- في "جامعه"، فقال:
(٣٠٢) حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يزال أحدكم في صلاةٍ، ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم، ما دام في
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١/ ٦٤١.
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
[ ١٤ / ٣٥٣ ]
المسجد، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث"، فقال رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فُسَاءٌ، أو ضُرَاطٌ. انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.