وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٣٩] (٥٠٨) - (حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: "كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ").
[ ١١ / ٤٠٠ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ) الْعَبْديّ مولاهم، أبو يوسف البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
٢ - (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو: عبد العزيز المدنيّ، صدوقٌ فقيهٌ [٨] (ت ١٨٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٥/ ٢٩٠.
٣ - (أَبُوهُ) هو: سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأثور التمّار المدنيّ القاصّ، مولى الأسود بن سفيان، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
٤ - (سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ) هو: سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو العبّاس الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات سنة (٨٨) أو بعدها، وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٦٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فبغداديّ.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة، وهم تسعة، وقد ذكرهم قريبًا.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه آخر من مات بالمدينة من الصحابة على بعض الأقوال، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ) -﵁- أنه (قَالَ: "كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) بفتح اللام، هو المكان الذي يُصلي فيه، والمراد به مقامه -ﷺ-، وكذا هو في رواية أبي داود، قال: "كان بين مقام النبيّ -ﷺ- وبين القبلة ممرّ الْعَنْز"، وقال في "العمدة": المراد مقامه -ﷺ- في صلاته، ويتناول ذلك موضع القدم، وموضع السجود. انتهى. (وَبَيْنَ الْجِدَارِ) بكسر الجيم، قال
[ ١١ / ٤٠١ ]
الفيّوميّ -﵀-: الْجِدار: الحائط، والجمع جُدُرٌ، مثلُ كتاب وكُتُب، والْجَدْرُ -بفتح، فسكون- لغة في الجدار، وجمعه جُدْران. انتهى (^١).
والمراد جدار المسجد النبويّ مما يلي القبلة، وقد صرّح به في رواية البخاريّ، في "كتاب الاعتصام"، ولفظه من طريق أبي غسان -محمد بن مُطَرِّف- عن أبي حازم، عن سهل: "أنه كان بين جدار المسجد، مما يلي القبلة، وبين المنبر ممر الشاة" (^٢).
(مَمَرُّ الشَّاةِ) بفتح الميمين: أي موضع مرورها، وهو مرفوع على أنه اسم "كان"، وخبرها الظرف المتقدّم، ويَحْتَمل أن تكون "كان" شانيّةً، اسمها ضمير الشأن، والظرف خبر مقدّم، و"ممرُّ" مبتدأ مؤخّر، والجملة خبر "كان"، وتقدّم في رواية أبي داد بلفظ: "ممرّ الْعَنْز" وهي بفتح، فسكون: المعز.
والمعنى: أن المسافة التي كانت بين المكان الذي يقوم فيه النبيّ -ﷺ- للصلاة، وبين الجدار الذي أمامه إلى جهة القبلة قدر ما يسع مرور الشاة فيه، وهو كناية عن قربه إليه.
وقال النوويّ -﵀-: يعني بالمصلّى موضع السجود، وفيه أن السنة قرب المصلّي من سترته. انتهى (^٣). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سهل بن سعد الساعديّ -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١١٣٩] (٥٠٨)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٩٦) و"الاعتصام" (٧٣٣٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٦٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٢ و٢٣٧٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٨٩٦ و٥٧٨٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٣٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٢)،
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٩٣.
(٢) "صحيح البخاريّ" "كتاب الاعتصام" رقم (٧٣٣٤).
(٣) "شرح النووي" ٤/ ٢٢٥.
[ ١١ / ٤٠٢ ]
و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٣٦)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال القرطبيّ -﵀-: هذا الحديث يدلّ على استحباب القرب من السترة، كما جاء عنه -ﷺ- نصًّا: "إذا صلى أحدكم إلى سُتْرَة، فَلْيَدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته"، رواه أبو داود، والنسائيّ بسند صحيح.
قال: ولا يُعارَضُ حديث ممرّ الشاة بحديث صلاة النبيّ -ﷺ- في الكعبة، إذ جَعَل بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع؛ إذ قد حَمَل بعض المشايخ حديث مَمَرّ الشاة على ما إذا كان قائمًا، وحديث ثلاث أذرع على ما إذا ركع، أو سجد، قال: ولم يَحُدّ مالك في هذا حدًّا، إلا أن ذلك بقدر ما يركع فيه ويسجد، ويتمكن من دفع مَن يمر بين يديه، وقد قدّره بعض الناس بقدر شبر، وآخرون بثلاثة أذرع، وكلّ ذلك تحكّمات. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: حديث سهل -﵁- يدلّ على أن النبيّ -ﷺ- كان يصلّي قريبًا من الجدار، بحيث لا يكون بين موقفه وبين الجدار غير قدر ما تَمُرّ فيه الشاة.
قال: وفي القرب من السترة أحاديث أُخَرُ:
فمنها: ما أخرجه البخاريّ من حديث موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد اللَّه بن عمر، كان إذا دخل الكعبة، مَشَى قِبَلَ وجهه حين يدخل، وجَعَل الباب قِبَل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلى، يتوخى المكان الذي أخبره به بلال أن النبيّ -ﷺ- صلى فيه".
ومنها: ما ورد في الأمر بالدنوّ من السترة، من غير تقدير بشيء، فروى نافع بن جبير، عن سهل بن أبي حَثْمة، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلى أحدكم إلى سترة، فَلْيَدْن منها، لا يقطعُ الشيطان عليه صلاته" (^٢)، أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائيّ، وابن حبّان في "صحيحه".
وذكر أبو داود في إسناده اختلافًا، وكذلك البخاريّ في "تاريخه"، وقد روي أيضًا عن نافع بن جبير مرسلًا، وفيه: "فإن الشيطان يمرّ بينه وبينها"،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٠٧.
(٢) حديث صحيح.
[ ١١ / ٤٠٣ ]
وقال العُقيليّ: حديث سهل هذا ثابت، وقال الميمونيّ: قلت لأبي عبد اللَّه -يعني أحمد-: كيف إسناد حديث النبيّ -ﷺ-: "إذا صلّى أحدكم فليدن من سُترته"؟ قال: صالح، ليس بإسناده بأس.
وروى ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدريّ، عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا صلّى أحدكم، فليُصلّ إلى سُترة، وليدن منها"، أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه (^١).
وروي هذا المتن من وجوه أُخر عن النبيّ -ﷺ-.
ورَوى إسحاق بن سُويد، عن عمر أنه رأى رجلًا يصلي متباعدًا عن القبلة، فقال: تقدّم لا يُفسد الشيطان عليك صلاتك، أما إني لم أقل إلا ما سمعت من رسول اللَّه -ﷺ-. أخرجه الإسماعيليّ وغيره، وهو منقطع؛ فإن إسحاق لم يسمع من عمر -﵁-، وقد رُوي مرسلًا، وروي عنه عمن حدّثه عن عمر.
ورَوَى مصعب بن ثابت، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ارْهَقُوا القبلة"، أخرجه البزّار، والأثرم، وقال الدارقطنيّ فيما نقله عنه الْبَرْقانيّ: لم يروه إلا مصعب بن ثابت، وليس بالقويّ.
ومعنى إرهاق القبلة: مضايقتها، ومزاحمتها، والدنوّ منها، فسّره به ابن قتيبة، وتوقّف أحمد في تفسيره.
وأخرجه الْجُوزَجانيّ، ولفظه: "إذا صلّى أحدكم، فليُصلّ إلى سترة، وليقرُب منها".
وفي الباب أحاديث أُخر مسندة ومرسلة.
وروى وكيع بإسناده عن ابن مسعود -﵁- قال: يُصلي وبينه وبين القبلة مقدار ممرّ رجل، وعنه قال: لا يصلينّ أحدكم وبينه وبين القبلة فَجْوة.
وسُئل الحسن: هل كانوا يَرقبون في البعد شيئًا؟ قال: لا أعلمه.
وقال ابن المنذر: كان عبد اللَّه بن مُغَفَّل يجعل بينه وبين سترته ستّة أذرع، وقال عطاء: أقلّ ما يكفيك ثلاثة أذرع، وبه قال الشافعيّ.
_________________
(١) تقدّم أنه حديث صحيح.
[ ١١ / ٤٠٤ ]
وقال مهنّا: سألت أحمد عن الرجل يصلي كم يكون بينه وبين القبلة؟ قال: يدنو من القبلة ما استطاع، ثم قال: إن ابن عمر قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- في الكعبة، فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع.
وقال الأثرم: سئل أبو عبد اللَّه عن مقدار ما بين المصلي وبين السارية؟ فذكر حديث ابن عمر هذا، قيل له: يكون بينه وبين الجدار إذا سجد شبر؟ قال: لا أدري ما شبر؟ قال الأثرم: ورأيته يتطوّع وبينه وبين القبلة شيء كثير، أذرع ثلاثة، أو أكثر.
قال ابن عبد البرّ: ولم يحُدّ مالك في ذلك حدًّا، ثم أشار ابن عبد البرّ إلى أن الآخذين بحديث سهل بن سعد الذي أخرجه البخاري في قدر ممرّ الشاة أولى، وقال في موضع آخر: حديث ابن عمر أصحّ إسنادًا من حديث سهل، وكلاهما حسنٌ.
قال ابن رجب: ولو جُمع بين حديث سهل وحديث ابن عمر، فأُخذ بحديث ابن عمر في النافلة، وحديث سهل في الفريضة، لكان له وجهٌ، فإن صلاة النبيّ -ﷺ- في الكعبة كانت تطوّعًا، وسهل إنما أخبر عن مقام النبيّ -ﷺ- في مسجده الذي كان يصلي فيه بالناس الفرائض. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أن العمل بما دلّ عليه حديث سهل، وحديث ابن عمر -﵃- هو الحقّ، فكلّ ما مرَّ من الأقوال، والتقديرات، كتقدير بعضهم بستة أذرع، أو غير ذلك مخالف للسنة.
ولا تعارض بين الحديثين، فكلاهما ثابت من فعله -ﷺ-، وقد بيّن لنا بفعله مقدار القرب من السترة الذي أمر به بقوله، فكان مقداره ممرّ الشاة، وجوّز الزيادة عليه، إلى ثلاثة أذرع، فالأولى للمصلي القرب منها بمقدار ممرّ الشاة، وإن تباعد بمقدار ثلاثة أذرع فلا بأس.
والحاصل أن أرجح المذاهب -كما قدّمناه- وجوب الصلاة إلى السترة مطلقًا، ووجوب الدنوّ منها، بهذا المقدار، وذلك لأنه -ﷺ- أمر بهما، وأمره
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب ٤/ ٢٥ - ٢٩.
[ ١١ / ٤٠٥ ]
للوجوب عند جمهور الأصوليين، وقد بيّن مقدار الدنوّ بفعله، فاتّفق فعله -ﷺ- وقوله في ذلك، وللَّه ﷿ الحمد والمنّة على ما بيّن لنا من السنّة.
ومع اتّضاح السنة، وتبيّن الحقّ فما أكثر تساهل الناس في هذين الأمرين، فلا ترى في المصلّين من يعتني باتّخاذ السترة إلا ما شاء ربك، وإذا نصحتهم بذلك يتعلّلون، ويقولون: هذه سنة، وليست بواجبة، مع أن أدلة الوجوب واضحة، ولكن حملهم التقليد الأعمى على مخالف السنّة، وترك المبالاة بها.
ومن العجيب الغريب أن كثيرًا منهم يأتي إلى العمود، فيستند إليه، ويصلي، وهو وراءه، ولو فرضنا أنه صلى إليه لما اقترب منه.
وآخرون يدخلون المسجد، فيصلّون في آخره لاصقين ظهورهم بجدار آخر المسجد، والناس يمرّون بين أيديهم، ولا يبالي هؤلاء، ولا المارّون، وهذا كله من غربة السنّة، واستيلاء الجهل، أو الهوى، فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، آمين، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٠] (٥٠٩) - (حَدَّثَنَا (^١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ يَزِيدَ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ، أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ، يُسَبِّحُ فِيهِ، وَذَكَرَ أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَتَحَرَّى ذَلِكَ الْمَكَانَ (^٢)، وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ) التميميّ، ويقال: التيميّ، ويقال: مولى باهلة، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٩].
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "ذاك المكان".
[ ١١ / ٤٠٦ ]
رَوَى عن حميد الطويل، وسليمان التيميّ، ويزيد بن أبي عُبيد، وهشام بن عروة، وعبيد اللَّه بن عمر، وابن أبي ذئب، ومالك، وغيرهم.
ورَوَى عنه أحمد، وإسحاق، وعليّ، ومُعَلَّى بن أسد، وأبو بكر بن أبي شيبة، والفلاس، وبندار، وأبو موسى، وهارون الحمال، وهارون بن سليمان، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال ابن سعد: كان ثقةً، إن شاء اللَّه تعالى، وتُوُفّي بالبصرة في جمادى الآخرة سنة (٢٠٢)، وقال غيره: في رجب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وابن شاهين فيهم، وقال: ثقةٌ ثقةٌ، لا بأس به.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٥٠٩) و(٥٥٩) و(١٠٩٢) و(١٦٧٩) و(١٨٠٢) و(١٨٦٠) و(٢١٤٤).
٢ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) الأسلميّ، أبو خالد الحجازيّ مولى سلمة بن الأكوع، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن مولاه، وعُمير مولى آبي اللَّحْم، وهشام بن عروة، وهو أكبر ورَوَى عنه بُكير بن الأشج، ومات قبله، ويحيى القطان، وحاتم بن إسماعيل، والمغيرة بن عبد الرحمن المخزوميّ، ويحيى بن راشد، وحماد بن مَسْعَدة، وصفوان بن عيسى، ومكي بن إبراهيم، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال العجليّ: حجازيّ تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: تُوُفّي بالمدينة بعد خروج محمد بن عبد اللَّه بسنتين أو ثلاث، وكان ثقةً كثير الحديث، وقال ابن قانع: مات سنة سبع، وقال الواقديّ: مات قبل خروج محمد بن عبد اللَّه، وقال أبو بكر بن منجويه: مات سنة ست، أو سبع وأربعين ومائة، وهو قول ابن حبان بنصّه.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب (١٥) حديثًا.
٣ - (سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شهد بيعة الرضوان، ومات -﵁- سنة (٦٤) (ع) ٤٣/ ٢٨٨.
[ ١١ / ٤٠٧ ]
والباقيان تقدّما قريبًا، وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنّف -﵀-، وهو (٦٥) من رباعيّات الكتاب، وقد وقع للإمام البخاريّ ثلاثيًّا، فقد رواه عن مكيّ بن إبراهيم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة -﵁-، والسند الآتي للمصنف، رواه عن محمد بن المثنّى، عن مكيّ، به.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن شيخه محمد بن المثنّى، أحد مشايخ الستة بلا واسطة، كما أشرنا إليه في السند الماضي.
٤ - (ومنها): أن قوله: "يعني ابن أبي عبيد"، وقوله: "وهو ابن الأكوع"، قد تقدّم بيانه غير مرّة، وباللَّه تعالى التوفيق.
شرح الحديث:
(عَنْ سَلَمَةَ، وَهُوَ ابْنُ الْأَكْوَعِ) -﵁- (أَنَّهُ كَانَ يَتَحَرَّى) أي يقصد، يقال: تحرّيتُ الشيءَ: إذا قصدته، وتحرّيتُ في الأمر: إذا طلبت أحرى الأمرين، وهو أولاهما، قاله الفيّوميّ (^١).
والمعنى: أنه يجتهد، ويختار ذلك المكان للصلاة فيه.
(مَوْضِعَ مَكَانِ الْمُصْحَفِ) أي موضع حصول المصحف، فـ "المكان" مصدر ميّميّ لـ "كان" التامّة، بمعنى حصل، ووُجد، فلا يلزم من إضافة "موضع" إليه إضافة الشيء إلى نفسه، فتنبّه.
و"الْمُصْحَف" مثلّث الميم، وأصله الضمّ، مأخوذ من أُصْحِف مغيّر الصيغة، أي جُمِعت فيه الصُّحُف، وهي جمع صَحِيفة، بفتح، فكسر: وهي الكتاب، وتجمع على صحائف (^٢).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٣٣.
(٢) راجع: "القاموس" ٣/ ١٦١، و"المختار" ص ١٧٤.
[ ١١ / ٤٠٨ ]
(يُسَبِّحُ فِيهِ) بالبناء للفاعل، قال النوويّ -﵀-: المراد بالتسبيح صلاة النافلة. انتهى. (وَذَكَرَ) أي سلمة -﵁- لَمّا ساله يزيد بن أبي عبيد، ففي الرواية التالية: "قال: كان سلمة يتحزَى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف، فقلت له: يا أبا مُسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: رأيت النبيّ -ﷺ- يتحرى الصلاة عندها.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَتَحَرَّى) أي يقصد (ذَلِكَ الْمَكَانَ) وفي نسخة: "ذاك المكان"، يعني الذي فيه المصحف، قال الحافظ -﵀-: هذا دالّ على أنه كان للمصحف موضع خاصّ به، قال: ووقع عند مسلم بلفظ: "يُصلي وراء الصندوق" (^١)، وكأنه كان للمصحف صندوق يوضع فيه.
(وَكَانَ بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقِبْلَةِ قَدْرُ مَمَرِّ الشَّاةِ) قال النوويّ -﵀-: المراد بالقبلة الجدار، وإنما أُخِّر المنبر عن الجدار؛ لئلا ينقطع نظر أهل الصف الأول، بعضِهِم عن بعض. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥١/ ١١٤٠ و١١٤١] (٥٠٩)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٥٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (١٤٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٦٢ و٦٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧٦٣ و٢١٥٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٢٩٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧١)، و(أبو عوانة) (١٤٣٥ و١٤٣٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٣ و١١٢٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان المسافة التي تكون بين المصلي وبين سترته، وهو مقدار ممرّ الشاة.
_________________
(١) عزاه في "الفتح" ١/ ٦٨٨ بهذا اللفظ إلى مسلم، ولم أجده فيه، إلا أن يكون مصحّفًا من الأسطوانة الآتية في الرواية التالية، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٤٠٩ ]
٢ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من التسابق في اقتفاء آثار رسول اللَّه -ﷺ-، فلا يرونه يصلي في موضع إلا صلّوا فيه، ولا ينزل في مكان إلا نزلوا فيه؛ عملًا بقوله ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية.
٣ - (ومنها): ما قاله النوويّ -﵀-: وفي هذا أنه لا بأس بإدامة الصلاة في موضع واحد، إذا كان فيه فضلٌ، وأما النهي عن إيطان الرجل موضعًا من المسجد يلازمه، فهو فيما لا فضل فيه، ولا حاجة إليه، فأما ما فيه فضل، فقد ذكرناه، وأما من يحتاج إليه لتدرشى عليم، أو للإفتاء، أو سماع الحديث، ونحو ذلك، فلا كراهة فيه، بل هو مستحبٌّ؛ لأنه من تسهيل طُرُق الخير، وقد نقل القاضي -﵀- خلاف السلف في كراهة الإيطان لغير حاجة، والاتفاق عليه لحاجة، نحو ما ذكرناه. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحديث الذي أشار إليه هو عن عبد الرحمن بن شِبْل أن رسول اللَّه -ﷺ- "نَهَى عن ثلاث: عن نَقْرة الغراب، وافتراش السبع، وأن يُوَطِّن الرجل المقام للصلاة، كما يوطن البعير"، وهو حديث حسنٌ، أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤١] (. . .) - (حَدَّثَنَاه (^١) مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا (^٢) مَكِّيٌّ، قَالَ: يَزِيدُ أَخْبَرَنَا، قَالَ: كَانَ سَلَمَةُ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ (^٣) الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمِ، أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا).
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٣) وفي نسخة: "عند هذه الأسطوانة".
[ ١١ / ٤١٠ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مَكِّيّ) بن إبراهيم بن بشير بن فَرْقَد، وقيل: ابن فرقد بن بشير التميميّ الحنظليّ، أبو السَّكَن البلخيّ الحافظ، ثقةٌ ثبتٌ [٩].
رَوَى عن الجعيد بن عبد الرحمن، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبي هند، وأيمن بن نابل، ويزيد بن أبي عبيد، وبهز بن حكيم، وأبي حنيفة، ومالك، وابن جريج، وهشام بن حسان، وهشام الدستوائيّ، وجعفر الصادق، وغيرهم.
ورَوَى عنه البخاريّ، وروى له هو والباقون بواسطة محمد بن عمرو البلخيّ، وأبي موسى محمد بن المثنى، ومحمد بن حاتم بن ميمون، وأحمد بن أبي سُرَيج الرازيّ، وعبد اللَّه بن مخلد التميميّ، وعبيد اللَّه بن عمر القواريريّ، وهارون الحمال، وبندار، ومجاهد بن موسى، ومحمد بن إسماعيل ابن عُلَيّة، وإبراهيم بن يعقوب الْجُوزَجانيّ، ومعمر بن محمد بن معمر الْبَلْخيّ، وهو آخر مَن رَوَى عنه، وآخرون.
قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملي: حدّثنا إسحاق بن منصور المروزيّ، قال: سألت أحمد بن حنبل، عن مكي بن إبراهيم؟ فقال: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال النسائيّ: ليس به بأس، وقال الدارقطنيّ: ثقةٌ مأمونٌ، وقال عليّ بن الحسين بن حبان: وجدت في كتاب أبي، بخطه: وسألته -يعني ابن معين- عن حديث مكيّ، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر في الصلاة على النجاشيّ، فقال: هذا باطلٌ، وقال الحاكم: حدّثنا بكر بن محمد الصيرفيّ، سمعت عبد الصمد بن الفضل يقول: سألنا مكيّ بن إبراهيم عن هذا الحديث، فحدّثنا به من كتابه: عن مالك، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وقال: هكذا في كتابي، وقال الخطيب: يقال: إن مكيّ بن إبراهيم رواه بالريّ، فلما جاء بالحجّ سئل عنه، فأبى أن يحدِّث به، وقال عبد الصمد بن الفضل: سمعته يقول: حججت ستين حجة، وتزوجت ستين امرأة، وكتبت عن سبعة عشر نفسًا من التابعين، ولو علمت أن الناس يحتاجون إليّ لما كتبت دون التابعين عن أحد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال محمد بن عبد الوهاب الفراء: حدّثنا مكيّ بن إبراهيم الرجل الصالح بنيسابور،
[ ١١ / ٤١١ ]
وقال محمد بن عليّ بن جعفر البلخيّ: سألته عن مولده، فقال: سنة ست وعشرين ومائة، وقال البخاريّ: مات سنة أربع أو خمس عشرة، وقال ابن سعد: مات سنة خمس عشرة ومائتين، وفيها أَرَّخَه غير واحد، زاد ابن سعد: في النصف من شعبان، وقد قارب مائة سنة، وقال: قَدِم بغداد يريد الحجّ، فحجّ، ورجع، وحدّث في ذهابه ورجوعه، وكان ثقةً ثبتًا في الحديث، وقال مسلمة في "الصلة": ثقةٌ، وقال الخليليّ: ثقة متفق عليه، وأخطأ في حديثه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، في الصلاة على النجاشيّ، والصواب: عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، يعني كما تقدم.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، برقم (٥٠٩)، و(١٨٣٥) حديث: "من أطاعني فقد أطاع اللَّه. . . "، وأما البخاريّ، فقد روى عنه (٣٣) حديثًا.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقوله: (عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ) وفي نسخة: "عند هذه الأسطوانة"، بضمّ الهمزة والطاء: الساريةُ، والنون عند الخليل أصلٌ، فوزنها أُفْعُوالةٌ، وعند بعضهم زائدةٌ، والواو أصلٌ، فوزنها أُفْعُلانةٌ، والجمع أَسَاطين، وأُسْطُوانات، على لفظ الواحد، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
وقال في "اللسان": الأُسْطُوان: الرجل الطويل الرجلين والظهر، وجَمَلٌ أُسْطُوان: طويل العنق مرتفع، ومنه الأُسْطوانة، قال رؤبة:
جَرَّبْنَ مِنِّي أُسْطَوَانًا أَعْنَقَا … يَعْدِلُ هَدْلَاءَ بِشِدْقٍ أَشْدَقَا
والأَعْنَقُ: الطويل العُنُق، والأُسْطُوانة: السارية معروفةٌ، وهو من ذلك، وأُسْطُوانُ البيت معروف، وأَسَاطِينُ مُسَطَّنة، ونونُ الأُسطُوانة من أصل بناء الكلمة، وهو على تقدير أُفْعُوالة، وبيان ذلك أنهم يقولون: أَسَاطينُ مُسَطَّنَةٌ.
وقال الفراء: النون في الأُسطوانة أصليةٌ، قال: ولا نظير لهذه الكلمة في كلامهم، وقال الجوهريّ: النون أصلية، وهو أُفْعُوالةٌ، مثلُ أُقْحُوَانةٍ (^٢)، وكان
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٦.
(٢) "الأُقْحُوانة" بضمّ الهمزة والحاء: من نبات الربيع، له نَوْرٌ أبيض، لا رائحة له. انتهى. "المصباح" ٢/ ٤٩١.
[ ١١ / ٤١٢ ]
الأخفش يقول: هو فُعْلُوانَةٌ، قال: وهذا يوجب أن تكون الواو زائدة، وإلى جنبها زائدتان: الألف والنون، قال: وهذا لا يكاد يكون، قال: وقال قوم: هو أُفْعُلانةٌ، ولو كان كذلك لَمَا جُمِع على أساطين؛ لأنه لا يكون في الكلام أَفَاعِينُ.
وقال ابن بَرّيٍّ عند قول الجوهريّ: إن أُسطوانة أُفعُوالة مثل أُقحُوانة، قال: وزنها أُفعلانة، وليست أُفعوالة، كما ذَكَرَ، يَدُلُّك على زيادة النون قولهم في الجمع: أَقَاحِيُّ وأَقَاحٍ، وقولهم في التصغير: أُقَيحِيَةٌ.
قال: وأما أُسطوانة فالصحيح في وزنها فُعْلُوانة؛ لقولهم في التكسير: أَسَاطين، كسَرَاحِين، وفي التصغير: أُسَيْطِينة، كسُرَيحين، قال: ولا يجوز أن يكون وزنها أُفْعُوالة؛ لقلة هذا الوزن، وعدم نظيره.
فأما مُسَطَّنَةٌ ومُسَطَّنٌ، فإنما هو بمنزلة تَشَيْطَن، فهو مُتَشيطِنٌ، فيمن زَعَم أنه من شاط يَشِيط؛ لأن العرب قد تَشْتَقّ من الكلمة، وتُبْقِي زوائده، كقولهم: تَمَسْكَنَ، وتَمَدْرَعَ، قال: وما أنكره بَعْدُ من زيادة الألف والنون بعد الواو المزيدة في قوله: وهذا لا يكاد يكون، فغير منكر، بدليل قولهم: عُنْظُوان (^١)، وعُنْفُوان (^٢)، ووزنهما فُعْلُوان بإجماع، فعلى هذا يجوز أن يكون أُسْطُوانة، كعُنظُوانة، قال: ونظيره من الياء فِعْلِيانُ، نحو صِلِيَّان، وبِلِيّان، وعِنْظِيان، قال: فهذه قد اجتمع فيها زيادة الألف والنون وزيادة الياء قبلها، ولم ينكر ذلك أحد، ويقال للرجل الطويل الرجلين، والدابة الطويل القوائم: مُسَطَّنٌ، وقوائمه: أساطينهُ. انتهى (^٣).
وقوله: (يَا أَبَا مُسْلِمٍ) كنية سلمة بن الأكوع -﵁-.
وقوله: (أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةِ) وفي رواية ابن حبّان: "عن يزيد بن أبي عبيد أنه كان يأتي مع سلمة بن الأكوع إلى سُبْحة الضحى، فيَعْمِدُ إلى الأُسطوانة دون المصحف، فيُصلي قريبًا منها، فأقول له: ألا تصلي
_________________
(١) "العُنْظُوان، كعُنْفُوان: الشِّرِّيرُ الْمُسَمِّعُ، والساخر الْمغْري. اهـ. "القاموس" ٢/ ٣٩٦.
(٢) عُنْفُوانُ الشيء": أوله. اهـ. "المصباح" ٢/ ٤٣٣.
(٣) "لسان العرب" ١٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩.
[ ١١ / ٤١٣ ]
ها هنا، وأُشير له إلى بعض نواحي المسجد، فيقول: إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يتحرّى هذا المقام". انتهى (^١).
وقوله: (رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا) أي يقصد الصلاة عند هذه الأُسطُوانة.
[تنبيه]: قال في "الفتح": والأسطوانة المذكورة حقّق لنا بعض مشايخنا أنها المتوسّطة في الروضة المباركة، وأنها تُعرف بأسطوانة المهاجرين، قال: وروي عن عائشة -﵂- أنها كانت تقول: "لو عَرَفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام"، وأنها أسرّتها إلى ابن الزبير، فكان يُكثر الصلاة عندها، قال: ثم وجدت ذلك في "تاريخ المدينة" لابن النجّار، وزاد: "أن المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها"، وذكره قبله محمد بن الحسن في "أخبار المدينة". انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.