وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٢] (٥١٠) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ يُونُسَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ"، قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ، مِنَ الْكَلْبِ
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٥/ ٥٩ - ٦٠.
(٢) "الفتح" ١/ ٦٨٨.
[ ١١ / ٤١٤ ]
الْأَحْمَرِ، مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: "الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم المذكور في السند التالي، و"عُلَيَّة" أمه، الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٤ - (يُونُسُ) بن عُبيد بن دينار الْعَبْدي، أبو عبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ وَرعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) الْعَدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ) الْغِفاريّ البصريّ، ثقة [٣].
رَوَى عن عَمّه أبي ذرّ، وعمر، وعثمان، والحكم ورافع ابني عمرو، وحذيفة، وابن عمر، وعائشة -﵃-.
ورَوَى عنه حميد بن هلال، وأبو العالية البرّاء، وأبو عِمران الْجَوْنيّ، وسَوَادة بن عاصم، ومحمد بن واسع، وأبو عبد اللَّه الْحَربيّ، وأبو نَعَامة السَّعْديّ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: يُكْتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: يُكْنَى أبا النضر، وكان ثقةً، وله أحاديث، وقال العجليّ: بصريّ تابعيّ ثقةٌ، ذكره البخاريّ في "الأوسط" في فصل من مات ما بين السبعين إلى الثمانين، ونقل الذهبيّ أن بعضهم قال: ليس بحجة.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا جرح مجمل معارض لتوثيق هؤلاء الأئمة له، فلا ينبغي أن يُلتفت إليه، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
[ ١١ / ٤١٥ ]
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب (٢٠) حديثًا.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الْغِفَاريّ الصحابيّ الشهير، واسمه جُندب بن جُنَادة على الأصحّ، تقدّم إسلامه، وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات -﵁- سنة (٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين من إسماعيل، وأبو ذرّ -﵁- مدنيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين البصريين روى بعضهم عن بعض: يونس، عن حُميد، عن عبد اللَّه بن الصامت، ورواية الأخيرين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة، وفيه رواية الراوي، عن عمّه، فعبد اللَّه ابن أخي أبي ذرْ -﵁-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ) المراد بالقيام هنا الشروع في الصلاة، لا خصوص القيام الذي هو خلاف القعود، فيشمل جميع حالات الصلاة (يُصَلِّي) جملة فعليّة في محلّ نصب على الحال (فَإِنَّهُ) يَحْتمل أن يكون ضمير "أحدكم"، ويَحْتمل أن يكون ضمير الشأن، أي فإن الأمر والشأن (يَسْتُرُهُ) أي يحجبه، ويمنعه عما يقطع صلاته (إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ) الظرف خبر "كان" مقدّمًا على اسمها، وهو "مثلُ آخرة الرحل"، و"آخرةُ الرحل" بالمدّ: هي الخشبة التي يستند إليها الراكب من كور البعير، وهي خلاف قادمته، وقد تقدّم أن فيها ثماني لغات، وهذه أفصحها في شرح حديث طلحة بن عبيد اللَّه -﵁-[٤٨/ ١١١٦] (٤٩٩).
و"الرحل" بفتح، فسكون: مَرْكب للبعير، أو الناقة، جمعه: أَرْحُلٌ، ورِحَالٌ.
[ ١١ / ٤١٦ ]
(فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ) مرجع الضمير كسابقه (يَقْطَعُ صَلَاتَهُ) أي يُبطلها، أو يُقلّل ثوابها على خلاف بين العلماء، سنحقّقه قريبًا - إن شاء اللَّه تعالى. (الْحِمَارُ) بالرفع فاعل مؤخّر، لـ "يقطع"، و"صلاته" مفعوله مقدّمًا (وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ") المعنى: أن مرور هذه الأشياء بين يدي المصلّي يقطع صلاته، إذا لم يكن أمامه سترة مثلُ آخرة الرحل، قال عبد اللَّه بن الصامت (قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ) "ما" استفهاميّةٌ مبتدأٌ، و"بالُ" خبره، و"البال": الحال، والشأن، أي ما شأن الكلب الأسود يقطع الصلاةَ؟ (مِنَ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ) متعلّق بحال مقدّر من "الأسود" على حذف مضاف، أي حال كونه كائنًا من دون الكلب الأحمر، وقوله: (مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟) بدل إضراب من الجارّ والمجرور قبله، ويَحْتَمِلُ أن يكون معطوفًا عليه بعاطف مقدّر، أي ومن الكلب الأصفر.
[تنبيه]: ذكر ابن هشام الأنصاريّ في "مغنيه" أنه حَكَى أبو زيد: أكلتُ خبزًا، لحمًا، تمرًا، فقيل: على حذف الواو، وقيل: بدل إضراب، وحَكَى أبو الحسن: أعطه درهمًا، درهمين، ثلاثةً، وخُرّج على إضمار "أو"، ويَحْتَمل البدل المذكور. انتهى كلام ابن هشام -﵀- (^١).
(قَالَ) أبو ذرّ -﵁- (يَا ابْنَ أَخِي) تقدّم أنه ابن أخيه نسبًا (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا سَأَلْتَني) أي عن مخالفة حكم الكلب الأسود لحكم غيره من الكلاب، حيث يقطع الصلاة بمروره بين يدي المصلّي دونها (فَقَالَ) -ﷺ- ("الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ") حمله بعضهم على ظاهره، فقال: إن الشيطان يتصوّر بصورة الكلاب السُّود، وقيل: سُمّي شيطانًا؛ لأنه أشدّ ضررًا من غيره، وبهذا عُلمت الحكمة في كون الكلب يقطع الصلاة، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
_________________
(١) "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" ٢/ ١٧٠.
[ ١١ / ٤١٧ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١١٤٢ و١١٤٣] (٥١٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٧٠٢)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٨)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٦٣ - ٦٤)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٢ و٣٢١٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٣٤٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٤٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٤٩ و١٥٥ - ١٥٦ و١٦٠ - ١٦١)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٢٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٣٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٨٣ و٢٣٨٤ و٢٣٨٥)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٦٣٢ و١٦٣٥ و١٦٣٦) و"الصغير" (١٩٥ و٥٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٣٩٨ و١٣٩٩ و١٤٠٠ و١٤٠١ و١٤٠٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٥ و١١٢٦ و١١٢٧ و١١٢٨ و١١٢٩ و١١٣٠)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (١/ ٤٥٨) و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٧٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة):
١ - (منها): بيان أن الأشياء التي تقطع الصلاة عند عدم السترة، وهي المرأة، والحمار، والكلب الأسود، وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في ذلك في المسألة الخامسة -إن شاء اللَّه تعالى-.
٢ - (ومنها): تأكيد الأمر باتّخاذ السترة؛ محافظةً على سلامة الصلاة من القطع.
٣ - (ومنها): الحثّ على ابتعاد المصلي عما يُخلّ بالخشوع في حال الصلاة.
٤ - (ومنها): التنفير عن الكلب الأسود؛ لكونه شيطانًا، ولذلك لمّا نُسخ قتل الكلاب لم يُنسخ قتلهُ، فقد أخرج الترمذيّ عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لولا أن الكلاب أمة من الأُمَم لأمرت بقتلها كلِّها، فاقتلوا منها كلَّ أسود بهيم" (^١).
قال الترمذيّ -﵀-: حديث حسن صحيح، ويُرْوَى في بعض الحديث أن
_________________
(١) حديث صحيح كما قال الترمذيّ، أخرجه برقم (١٤٠٦).
[ ١١ / ٤١٨ ]
الكلب الأسود البهيم شيطان، والكلب الأسود البهيم الذي لا يكون فيه شيء من البياض، وقد كَرِه بعض أهل العلم صيدَ الكلب الأسود البهيم. انتهى.
٥ - (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀-: لَمّا كان المصلي مشتغلًا بمناجاة اللَّه تعالى، وهو في غاية القرب منه، والخلوة به أُمِر بالاحتراز من دخول الشيطان في هذه الخلوة الخاصّة، والقرب الخاصّ، ولذلك شُرِعت السترة في الصلاة؛ خشية من دخول الشيطان، وكونه وليجةً في هذه الحال، فيقطع بذلك موادّ الأُنس والقرب، فإن الشيطان رجيم مطرود مُبعَدٌ عن الحضرة الإلهيّة، فإذا تخلّل في محلّ القرب الخاصّ للمصلّي أوجب تخلّله بُعدًا وَقطعًا لموادّ الرحمة والقرب والأُنس.
فلهذا المعنى -واللَّه أعلم- خُصّت هذه الثلاثة بالاحتراز منها، وهي المرأة؛ فإن النساء حبائل الشيطان، وإذا خرجت المرأة من بيتها استشرفها الشيطان، وإنما تَوَصَّل الشيطان إلى خروج آدم ﵇ من دار القرار بالنساء.
والكلب الأسود شيطان، كما نصّ عليه في الحديث، وكذلك الحمار، ولهذا يُستعاذ باللَّه عند سماع صوته؛ لأنه يرى الشيطان، فلهذا أمر النبيّ -ﷺ- المصلّي بالدنوّ من السترة؛ خشيةَ أن يَقطَع الشيطان عليه صلاته. انتهى المقصود من كلامه -﵀- (^١)، وهو بحثٌ مفيد، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): وردت أحاديث كثيرة بمعنى حديث أبي ذرّ -﵁- هذا:
(فمنها): ما أخرجه المصنّف، وأحمد، وابن ماجه، عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب، ويَقِي ذلك مثلُ مؤخرة الرحل".
(ومنها): ما أخرجه أحمد، وابن ماجه بإسناد صحيح عن عبد اللَّه بن مُغَفَّل -﵁- عن النبيّ -ﷺ- قال: "يقطع الصلاة المرأة، والكلب، والحمار".
(ومنها): ما أخرجه البزّار بإسناد رجاله ثقات -كما قال العراقيّ- عن أنس -﵁-: "يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة".
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٤/ ١٣٥.
[ ١١ / ٤١٩ ]
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس -﵄- رفعه: "قال: يقطع الصلاة المرأة الحائض، والكلب"، وفي رواية ابن ماجه: "والكلب الأسود"، قال أبو داود: رفعه شعبة، ووقفه سعيد -يعني ابن أبي عروبة- وهشام الدستوائي، وهَمَّام بن يحيى على ابن عبّاس -﵄-.
(ومنها): ما أخرجه أبو داود عن ابن عبّاس -﵄- أيضًا قال: أحسبه عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الكلب، والحمار، والخنزير، واليهوديّ، والمجوسيّ، والمرأة، ويجزئ عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفَة بحجر".
وصرّح أبو داود بأن زيادة الخنزير، والمجوسيّ، وعلى قَذْفة بحجر وَهَمٌ وَهِمَ فيه شيخه محمد بن إسماعيل بن سَمِينة، لتفرّده به.
لكن دعوى الوهم فيه نظر؛ لأنه له متابعًا كما بيّنته في "شرح النسائي" (^١).
(ومنها): ما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات، عن عائشة زوج النبيّ -ﷺ- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لا يقطع صلاة المسلم شيءٌ، إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة"، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه لقد قُرِنّا بدواب سواء، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم مرور هذه الأشياء بين يدي المصليّ:
ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى بطلان الصلاة بمرور المرأة، والحمار، والكلب الأسود.
وممن قال بهذا: أبو هريرة، وأنس، وابن عبّاس، في رواية عنه، وحُكي أيضًا عن أبي ذرّ، وابن عمر -﵃-، وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب، وقال به الحكم بن عمرو الغفاريّ في الحمار.
وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسن البصريّ، وأبو الأحوص، صاحب ابن مسعود، ومن الأئمة: أحمد بن حنبل فيما حكاه عنه
_________________
(١) راجع: "الذخيرة" ٩/ ١٩٠ - ١٩١.
[ ١١ / ٤٢٠ ]
ابن حزم، وحَكَى الترمذيّ عنه أنه يُخصّص بالكلب الأسود، ويتوقّف في الحمار والمرأة، قال ابن دقيق العيد: وهو أجود مما دلّ عليه كلام الأثرم من جزم القول عن أحمد بأنه لا يقطع المرأة والحمار.
وذهب أهل الظاهر أيضًا إلى قطع الصلاة بالثلاثة المذكورة إذا كان الكلب والحمار بين يديه، سواء كان الكلب والحمار مارًّا، أم غير مارّ، وصغيرًا، أم كبيرًا، حيًّا، أم ميتًا، وكون المرأة بين يدي الرجل مارّةً، أم غير مارّة، صغيرة، أم كبيرة، إلا أن تكون مضطجعةً معترضةً.
وذهب إلى أنه يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض ابنُ عبّاس، وعطاء بن أبي رَبَاح، واستدلّا بحديث أبي داود، وابن ماجه المتقدّم.
وذهب مالك، والشافعيّ، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أنه لا يبطل الصلاة مرور شيء.
وقال النوويّ -﵀-: اختَلَف العلماء في هذا، فقال بعضهم: يقطع هؤلاء الصلاة.
وقال أحمد بن حنبل -﵀-: يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار والمرأة شيء، ووجه قوله أن الكلب لم يجيء في الترخيص فيه شيءٌ، يعارض هذا الحديث، وأما المرأة ففيها حديث عائشة -﵂- المذكور بعد هذا، وفي الحمار حديث ابن عباس السابق.
وقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وجمهور العلماء، من السلف والخلف: لا تبطل الصلاة بمرور شيء من هؤلاء، ولا من غيرهم.
وتأول هؤلاء هذا الحديث على أن المراد بالقطع نقص الصلاة؛ لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، ومنهم مَن يَدَّعِي نسخه بالحديث الآخر: "لا يقطع صلاة المرء شيءٌ، وادرءوا ما استطعتم"، وهذا غير مرضيّ؛ لأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وتأويلها، وعَلِمْنا التاريخ، وليس هنا تاريخ، ولا يتعذر الجمع والتأويل، بل يتأول على ما ذكرناه، مع أن حديث: "لا يقطع صلاة المرء شيء"، ضعيف. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
_________________
(١) "شرح النووي" ٤/ ٢٢٧.
[ ١١ / ٤٢١ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: أرجح المذاهب وأقواها هو مذهب من قال: إنه يقطع الصلاة ويُبطلها مرور الكلب الأسود، والمرأة الحائض، والحمار؛ لظهور حجته، مع ضعف معارضها، وقد استوفيت -بحمد اللَّه تعالى- هذا البحث في "شرح النسائيّ"، فارجع إليه تزدد علمًا جمًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (^١) وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَيْضًا، أَخْبَرَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلْمَ بْنَ أَبِي الذَّيَّالِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا زَيادٌ الْبَكَّائِيُّ (^٢)، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، بِإِسْنَادِ يُونُسَ، كَنَحْوِ حَدِيثِهِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) الأزديّ، أبو عبد اللَّه البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
٢ - (أَبُوهُ) جرير بن حازم بن زيد بن عبد اللَّه الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقة، في حديثه عن قتادة ضعفٌ، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (سَلْمَ (^٣) بْنَ أَبِي الذَّيَّالِ) (^٤) عَجْلان البصريّ، ثقةٌ قليل الحديث [٧].
رَوَى عن الحسن البصريّ، وحميد بن هلال العَدَويّ، وابن سيرين، وقتادة، وسعيد بن جبير، وعن بعض أصحابه عنه.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "زياد البكّاءُ".
(٣) بفتح السين المهملة، وسكون اللام.
(٤) بفتح الذال المعجمة، وتشديد الياء.
[ ١١ / ٤٢٢ ]
ورَوَى عنه معتمر بن سليمان، وقال: كان صاحب حديث، وإسماعيل ابن عُلَيّة، وإسماعيل بن مسلم قاضي قيس.
قال عبد اللَّه بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ ثقةٌ صالح الحديث، ما أصلح حديثه، ما سمعت أحدًا يحدث عنه غير معتمر، وقال عباس الدُّوريّ، عن أحمد بن حنبل: أحاديثه متقاربةٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، قلت: رَوَى عنه معتمر؟ قال: نعم، وقال ابن المدينيّ: ما رأيت أحدًا يعرفه غير إسماعيل ابن عليّة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
ذَكَر الطبرانيّ أنه فُقِد، فلم يُرَ له أثرٌ وقد ذكرت كلامه في ذلك في ترجمة معاوية بن عبد الكريم الضال. قال ابن حبان في الثقات: كان متقنًا، وقال النسائيّ في "الجرح والتعديل": ليس به بأس، وقال الآجريّ، عن أبي داود: رَوَى عنه معتمر، وروى عنه إسماعيل قاضي قيس، قال الآجريّ: وقيس مدينة في البطائح، وقال أبو بكر البزار في "مسنده": لم يُسنِد إلا خمسة أحاديث، أو ستة، وقال ابن خَلْفُون في "ثقاته": اسم أبي الذّيَّال عَجْلان.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٤ - (يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنيُّ) أبو يعقوب البصريّ، ثقةٌ [١٠].
رَوَى عن حماد بن زيد، وعبد الوارث بن سعيد، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى، وعثمان بن عبد الرحمن الْجُمَحيّ، وشيبان بن حبيب، وزيد البكائيّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وابن أبي عاصم، والعمريّ، وزكرياء الساجيّ، وعبدان الأهوازيّ، وإسحاق بن إبراهيم الْمَنْجَنِيقيّ، ومحمد بن جرير الطبريّ، والقاسم بن زكريا المطَرِّزُ، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو بكر البزار: ثقةٌ، وقال مسلمة بن قاسم: بصريّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن أبي عاصم: مات سنة خمس وأربعين ومائتين.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب خمسة أحاديث فقط، برقم (٥١٠) و(١٢٨٣) و(١٧٧٤) و(٢٣٥٩) و(٢٨٧٥).
[ ١١ / ٤٢٣ ]
[تنبيه]: قوله: "الْمَعْنيّ" -بفتح الميم، وسكون العين المهملة، ثم نون-: نسبة إلى مَعْن بن مالك بن فَهْم بن غَنْم بن دَوْس بن عدنان بن عبد اللَّه بن زاهر بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللَّه بن مالك بن نضر بن الأزد، بطن من الأزد، قاله في "اللباب" (^١).
٥ - (زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ) هو: زياد بن عبد اللَّه بن الطُّفَيل العامريّ البكائيّ -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف- أبو محمد، ويقال: أبو يزيد الكوفيّ، صدوقٌ ثبتٌ في المغازي [٨].
رَوَى عن عبد الملك بن عُمير، وحميد الطويل، وعاصم الأحول، والأعمش، ومنصور، ومحمد بن إسحاق، ويزيد بن أبي زياد، وجماعة.
وروى عنه أحمد بن حنبل، وأحمد بن عبدة الضّبّيّ، وأبو غَسّان النَّهْديّ، وسهل بن عثمان، ويوسف بن حماد، وعمرو بن زرارة، وعبد الملك بن هشام السَّدُوسي النحويّ صاحب السيرة، وعبد اللَّه بن سعيد بن أبان الأمويّ، وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال وكيع: وهو أشرف من أن يَكْذِب، وقال أحمد: ليس به بأس، حديثه حديث أهل الصدق، وقال أيضًا: كان ابن إدريس حسن الرأي فيه، وقال مرةً: كان صدوقًا، وقال الدُّوريّ، عن ابن معين: ليس بشيء، وكان عندي في المغازي لا بأس به، وقال أبو داود، عن ابن معين: زياد البكائي في ابن إسحاق ثقةٌ، كانه يُضَعِّفه في غيره، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: لا بأس به في المغازي، وأما في غيره فلا، وسألته عن من أكتب المغازي، ممن يروي عن يونس بن بكير أو غيره؟ قال: اكتب عن أصحاب البكائيّ، وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن معين: كان ضعيفًا، وقال عبد اللَّه بن عليّ ابن المدينيّ: سألت أبي عنه؟ فضعَّفه، وقال في موضع آخر: كتبت عنه شيئًا كثيرًا، وتركته، وقال أبو زرعة: صدوقٌ، وقال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتج به، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال في موضع آخر: ليس بالقويّ، وقال يحيى بن آدم، عن ابن إدريس: ما أحدٌ أثبت في ابن إسحاق
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ٣٤٨.
[ ١١ / ٤٢٤ ]
منه؛ لأنه أملى عليه إملاءً مرتين، وقال صالح بن محمد: ليس كتاب المغازي عند أحد أصحّ منه عند زياد، وزياد في نفسه ضعيف، ولكن هو من أثبت الناس في هذا الكتاب، وذلك أنه باع داره، وخرج يدور مع ابن إسحاق، حتى سَمِع منه الكتاب، وقال الآجريّ، عن أبي داود: كان صدوقًا، وقال ابن حبان: كان فاحش الخطأ، كثير الوهم، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وكان ابن معين سيئ الرأي فيه.
وقال ابن عديّ: ولزياد أحاديث صالحةٌ، وقد رَوَى عنه الثقات من الناس، وما أرى برواياته بأسًا.
قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، وكان ضعيفًا، وقد حدثوا عنه، وكذا أَرَّخه البخاريّ، وغيره، وأرخه ابن قانع سنة اثنتين وثمانين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، برقم (٥١٠) و(١٠٨٠) و(١٢٨٣)، وروى له البخاريّ حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره، حديث أنس: "غاب عمي أنس بن النضر عن بدر".
[تنبيه]: قال في "تهذيب التهذيب": وقع في "جامع الترمذي" في "النكاح: عن البخاريّ عن محمد بن عقبة، عن وكيع، قال: زياد مع شَرَفه يكذب في الحديث، والذي في "تاريخ البخاريّ" عن ابن عقبة، عن وكيع: زياد أشرف من أن يَكْذِب في الحديث، وكذا ساقه الحاكم أبو أحمد في "الكنى" بإسناده إلى وكيع، وهو الصواب، ولعله سقط من رواية الترمذي "لا"، وكان فيه: "مع شرفه لا يكذب في الحديث"، فتتفق مع الروايات، واللَّه أعلم. انتهى (^١).
[تنبيه آخر]: البكّائي -بفتح الموحّدة، وتشديد الكاف-: نسبة إلى البكّاء، وهو: ربيعة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقيل: هو ربيعة بن عامر بن صعصعة، وهم من بني عامر بن صعصة، قاله في "اللباب" (^٢).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ١/ ٦٤٩ - ٦٥٠.
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ١١٧.
[ ١١ / ٤٢٥ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا هو الصحيح في ضبط البكائيّ بياء النسبة، وأما ما وقع في بعض نسخ "صحيح مسلم" من "البكّاء" بدون ياء النسبة، فغلط؛ لأن ذلك وصف لمن عُرف بكثرة البكاء، وهم جماعة، وليس زياد هذا منهم، وإنما هو إلى جدّ ربيعة بن عامر، وهو الذي يوصف بالبكّاء، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
٦ - (عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ) هو: عاصم بن سليمان الأحول، أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت بعد ١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٧.
والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (قَالَ (ح» فاعل "قال" في المواضع الأربعة ضمير المصنّف، وهو مُلْحَق من الراوة عنه.
وقوله: (كُلُّ هَوُلَاءِ) يعني أن الخمسة: سليمان بن المغيرة، وشعبة، وجرير بن حازم، وسلم بن أبي الذّيّال، وعاصمًا الأحول، رووه عن حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ -﵁-.
[تنبيه]: أما رواية سليمان بن المغيرة، فقد ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، فقال:
(٢٠٨٧٠) حدّثنا بَهْز، حدّثنا سليمان بن المغيرة، حدّثنا حُميد، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ قال: يقطع صلاة الرجل إذا لم يكن بين يديه مثلُ آخرة الرَّحْل المرأة، والحمار، والكلب الأسود، قال: قلت لأبي ذرّ: ما بال الكلب الأسود، من الكلب الأحمر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول اللَّه -ﷺ- كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وأما رواية شعبة، فقد ساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(٩٥٢) حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ، عن النبيّ -ﷺ- قال: "يقطع الصلاة إذا لم يكن بين يدي الرجل مثل مؤخرة الرحل المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، قال: قلت: ما بال الأسود من الأحمر؟ قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- كما سألتني، فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وأما رواية جرير بن حازم، وسَلْم بن أبي الذيّال، وعاصم الأحول، فلم
[ ١١ / ٤٢٦ ]
أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٤] (٥١١) - (وَحَدَّثَنَا (^١) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، وَهُوَ ابْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ (^٢)، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ، وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم قبل باب.
٢ - (الْمَخْزُومِيُّ) المغيرة بن سلمة، أبو هشام البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ من صغار [٩] (ت ٢٠٠) (خت م د س ق) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٣ - (عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ) الْعَبديّ مولاهم البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٦) (ع) تقدم في "الطهارة" ١١/ ٥٨٤.
٤ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ) العامريّ، مقبول [٦] (م د س ق) تقدم في "الصلاة" ٤٦/ ١١١٢.
[تنبيه]: هكذا معظم نسخ "صحيح مسلم": "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه" مصغّر الاسم الأول، وهو الذي في "تحفة الأشراف"، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أن في بعض النسخ يوجد: "حدّثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه" مكبّرًا، وهذا هو الذي وقع في مستخرجي أبي عوانة، وأبي نعيم، وعبد اللَّه، وعبيد اللَّه أخوان والأول أكبر، وكلاهما يرويان عن عمهما يزيد بن الأصمّ، ويروي عنهما عبد الواحد بن زياد.
ولم يرمز في "التهذيبين" في ترجمة عبد اللَّه المكبّر إلا لمسلم وحده،
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن الأصمّ".
[ ١١ / ٤٢٧ ]
وأما عبيد اللَّه فرمز فيه لمسلم، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، أو خمسة.
ثم رأيت الحافظ المزيّ قال في "تحفة الأشراف" (١٥/ ١٦٥): روى له مسلم حديثًا واحدًا فيما يقطع الصلاة، ثم أورد هذا الحديث بسنده، ونقل كلامه الحافظ في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٣٦٦)، ولم يتعقّبه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: يَحْتَمِل أن يكون الحديث مرويًّا عنهما جميعًا، واللَّه تعالى أعلم.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ) واسمه عمرو بن عُبيد البكّائيّ، أبو عوف الكوفيّ، نزيل الرّقّة، ابن أخت ميمونة أم المؤمنين -﵂-، ثقة [٣] (١٠٣) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٧.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
وقوله: ("يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ) بتذكير الفعل، وهو جائز؛ للفصل بالمفعول، كما قال في "الخلاصة":
وَقَدْ يُبِيحُ الْفَصْلُ تَرْكَ التَّاءِ فِي … نَحْوِ "أَتَى الْقَاضِيَ بِنْتُ الْوَاقِفِ"
وقوله: (وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ") أي يحفظ الصلاة من قطعها سترةٌ تكون مثل مؤخر الرحل، وتمام شرح الحديث يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٢/ ١١٤٤] (٥١١)، و(ابن ماجه) في "الصلاة" (٩٥٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٧٩٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٠٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٢٧)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١١ / ٤٢٨ ]