وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٥] (٥١٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- "كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) تقدّم قريبًا.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قريبًا.
٥ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم تقدّم قريبًا.
٦ - (عُرْوَةُ) بن الزبير تقدّم قريبًا.
٧ - (عَائِشَةُ) -﵂- تقدّم قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من الزهريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، والمكثرين السبعة عائشة -﵂-.
[ ١١ / ٤٢٩ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- "كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أي في الليل، ويَحْتَمِل أن تكون للتبعيض، أي بعض الليل (وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ) جملة حاليّة من الفاعل، والرابط الواو، والضمير في "بينه"، قال ابن الملك: الاعتراض صيرورة الشيء حائلًا بين شيئين، ومعناه هنا مضطجعة (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ") بفتح الجيم وكسرها، والكسر أفصح، وقال الأصمعيّ، وابن الأعرابيّ: بالكسر الميت نفسه، وبالفتح السرير، ورَوَى أبو عُمَر الزاهد عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه، وهو مأخوذ من جَنَزُت الشيءَ أَجْنِزُهُ، من باب ضرب: إذا سترته، أفاده الفيّوميّ -﵀- (^١).
وقال في "القاموس": جَنَزَه يَجْنِزُهُ: ستره وجمعه، والْجِنَازة: الميتُ، ويُفْتَحُ، أو بالعكس: الميتُ، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت. انتهى (^٢).
والمراد أنها تكون نائمة بين يديه من جهة يمينه إلى جهة شماله كما تكون الجنازة بين يدي المصلّي عليها.
والحديث استدلّت به عائشة -﵂- والجمهور بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل؛ لأنها إذا كانت لا تقطع في حالة كونها معترضةً مضطجعةً، وهذه الحالة أقوى من المرور، ففي المرور بالأَولى.
وفيه أنه ليس فيما ذكرت مرور امرأة بين يدي المصلي، ومجمل حديث: "يقطع الصلاة المرأة إلخ" هو المرور، قال السنديّ -﵀-: لا دلالة في حديث عائشة -﵂- أنها مرّت بين يديه، وقال ابن بطّال -﵀-: هذا الحديث وشبهه من الأحاديث التي فيها اعتراض امرأة بين المصلّي وبين قبلته تدلّ على جواز القعود، لا على جواز المرور. انتهى.
لا يقال: إن قولها: "أنسلّ انسلالًا" صريحٌ في المرور، فإن الانسلال هو المرور؛ لأن المرور المتنازع فيه هو أن يمُرّ المارّ بين يدي المصلّي
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١١١.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ١٧٠.
[ ١١ / ٤٣٠ ]
معترضًا، لا أن يمشي ذاهبًا لجهة القبلة، أو لجهة الرجلين، ولم يتحقّق هنا إلا المضيّ إلى جهة الرجلين كما يدلّ عليه قولها: "فأنسلّ من عند رجليه".
وأما ما قيل: من أن اعتراض المرأة أشدّ من المرور، فإذا لم يقطع الصلاة الاعتراض، لا يقطع المرور أيضًا بالأولى، ففيه أن الظاهر أن حصول التشويش بالمرأة من جهة الحركة والسكون، وعلى هذا فمرورها أشدّ من اعتراضها، واضطجاعها وجلوسها.
وفي رواية النسائيّ في هذا الحديث: "فإذا أردت أن أقوم كرهت أن أقوم، فأمرّ بين يديه، انسللت انسلالًا"، فالظاهر أن عائشة -﵂- إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات لا المرور بخصوصه.
وأما إنكارها على من ذكر المرأة مع الكلب والحمار فيما يقطع الصلاة مع أنها روت الحديث عن النبيّ -ﷺ- بلفظ: "لا يقطع صلاة المسلم إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة"، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه، لقد قُرِنَّا بدوابّ سوء"، أخرجه أحمد (^١).
فيحتمل أنها نسيت حديث القطع عند الإنكار، ويمكن أن يكون عندها معنى القطع بمرور المرأة فيما روت هو قطع الخشوع بمرورها.
وأما حديث الاعتراض فذكرته للردّ على من قال بقطع الصلاة بالمرأة بمعنى إبطالها بالكليّة.
وقيل: أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا، فلعلّها ترى نسخه.
وقد أخرج البخاريّ عن ابن أخي ابن شهاب أنه سأل عمّه عن الصلاة يقطعها شيء؟ فقال: لا يقطعها شيء، أخبرني عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبيّ -ﷺ- قالت: "لقد كان رسول اللَّه -ﷺ- يقوم، فيصلي من الليل، وإني لمعترضة بينه وبين القبلة، على فراش أهله".
قال في "الفتح": ووجه الدلالة من حديث عائشة -﵂- الذي احتَجّ به ابن شهاب أن حديث: "يقطع الصلاة المرأة. . . إلخ" يَشْمَل ما إذا كانت مارّةً، أو قائمةً، أو قاعدةً، أو مضطجعةً، فلما ثبت أنه -ﷺ- صلى، وهي مضطجعة
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أحمد في "مسنده" (٢٤٠٢٥).
[ ١١ / ٤٣١ ]
أمامه، دَلّ ذلك على نسخ الحكم في المضطجع، وفي الباقي بالقياس عليه.
قال: وهذا يتوقف على إثبات المساواة بين الأمور المذكورة، وقد تقدم ما فيه، فلو ثبت أن حديثها متأخِّر عن حديث أبي ذرّ -﵁- لم يدلّ إلا على نسخ الاضطجاع فقط.
وقد نازع بعضهم في الاستدلال به مع ذلك من أوجه أخرى:
[أحدها]: أن العلة في قطع الصلاة بها ما يحصل من التشويش، وقد قالت: إن البيوت يومئذ لم يكن فيها مصابيح، فانتفى المعلول بانتفاء علته.
[ثانيها]: أن المرأة في حديث أبي ذرّ مطلقة، وفي حديث عائشة مقيدة بكونها زوجته، فقد يُحْمَل المطلق على المقيد، ويقال: يتقيد القطع بالأجنبية؛ لخشية الافتتان بها، بخلاف الزوجة، فإنها حاصلة.
[ثالثها]: أن حديث عائشة واقعة حال يَتَطَرَّق إليها الاحتمال، بخلاف حديث أبي ذرّ، فإنه مسوق مساق التشريع العامّ.
وقد أشار ابن بطال: إلى أن ذلك كان من خصائصه -ﷺ-؛ لأنه كان يقدر من ملك أَرَبه على ما لا يقدر عليه غيره.
وقال بعض الحنابلة: يعارض حديث أبي ذرّ وما وافقه أحاديثُ صحيحة غير صريحة، وصريحة غير صحيحة، فلا يُتْرَك العمل بحديث أبي ذرّ الصريح بالمحتمل، يعني حديث عائشة وما وافقه.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله بعض الحنابلة هو الحقّ والصواب، فالعمل بحديث أبي ذرّ -﵁- متعيّنٌ؛ لكونه صحيحًا صريحًا لا يقبل التأويل، وأما الأحاديث المعارضة له، فلا تصحّ، وما صحّ منها كحديث عائشة -﵂- فيقبل التأويل، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
قال: والفرق بين المارّ وبين النائم في القبلة أن المرور حرامٌ، بخلاف الاستقرار نائمًا كان أم غيره، فهكذا المرأة يقطع مرورها دون لبثها. انتهى (^١).
وقال صاحب "المرعاة": ومن وجوه المناعة أيضًا ما قيل: إنه يُحمل
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٧٠٢.
[ ١١ / ٤٣٢ ]
على أن ذلك وقع في غير حالة الحيض (^١)، والحكم بقطع الصلاة إنما هو إذا كانت حائضًا. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ١١٤٥ و١١٤٦ و١١٤٧ و١١٤٨ و١١٤٩ و١١٥٠] (٥١٢) وسيأتي برقم (٧٤٤)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٨٣ و٣٨٤ و٥٠٨ و٥١١ و٥١٣ و٥١٤ و٥١٥ و٥١٩) و"الجمعة" (٩٩٧ و١٢٠٩) و"الاستئذان" (٦٢٧٦)، و(أبو داود) فيها (٧١١ و٧١٢ و٧١٣ و٧١٤)، و(النسائيّ) فيها (١/ ١٠١ - ١٠٢)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٦)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ١١٧)، و(الشافعيّ) في "السنن المأثورة" برواية الطحاويّ (١٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و٨٦ و١٩٢ و١٩٩ و٢٠٥ و٢٣١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٨٢٣ و٨٢٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٤٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤١٨ و١٤١٩ و١٤٢٠ و١٤٢١ و١٤٢٢ و١٤٢٣ و١٤٢٤ و١٤٢٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٣٢ و١١٣٣ و١١٣٤ و١١٣٥ و١١٣٦ و١١٣٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٦٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥٤٥)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده (^٣):
١ - (منها): بيان جواز اعتراض المرأة بين المصلّي وبين القبلة، وأن ذلك ليس من المرور الممنوع.
_________________
(١) أي بدليل قول عائشة -﵂-: "فأقوم، فأصلي الوتر"، فإنه صريح في كونها غير حائض.
(٢) "المرعاة" ٢/ ٤٩٨.
(٣) المراد فوائد حديث عائشة -﵂- بطرقه وسياقه المختلفة، لا خصوص هذا السياق، فتنبّه.
[ ١١ / ٤٣٣ ]
٢ - (ومنها): جواز الصلاة إلى المرأة، قال النوويّ -﵀-: وفيه جواز صلاته إليها، وكَرِه العلماء، أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير النبيّ -ﷺ-؛ لخوف الفتنة بها، وتذكُّرها، وإشغال القلب بها بالنظر إليها، وأما النبيّ -ﷺ- فمنَزَّه عن هذا كله، مع أن صلاته كانت في الليل، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ لا اختلاف بينه -ﷺ- وبين غيره في مثل هذه الحالة، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
٣ - (ومنها): جواز الصلاة إلى النائم، وأنه لا كراهة في ذلك، قال العراقيّ -﵀-: فيه أنه لا بأس بالصلاة إلى النائم، وهو كذلك عند الجمهور، وقال مالك: لا يصلي إلى نائم، إلا أن يكون دونه سترة، وهو قول طاوس، قال ابن بطال: كَرِهت طائفة من العلماء الصلاة خلف النائم؛ خوفَ ما يَحْدُث منه، فيشغل المصلي، أو يُضحكه فتفسد صلاته، قال مجاهد: أصلي وراء قاعد أحب إلي من أن أصلي وراء نائم، قال ابن بطال: والقول قول من أجاز ذلك؛ للسنة الثابتة. انتهى.
وأما ما رواه أبو داود، من حديث ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- قال: "لا تُصَلُّوا خلف النائم، ولا المتحدث"، فإن في إسناده مَن لم يُسَمَّ، قال الخطابيّ: لا يصحّ، قال: وعبد اللَّه بن يعقوب لم يُسَمِّ من حدثه به، عن محمد بن كعب، قال: وإنما رواه عن محمد بن كعب رجلان كلاهما ضعيفان: تمام بن بزيع، وعيسى بن ميمون، وقد تكلم فيهما يحيى بن معين، والبخاريّ، ورواه أيضًا عبد الكريم أبو أمية، عن مجاهد، عن ابن عباس -﵄-، وعبد الكريم متروك الحديث.
قال العراقيّ: قد رواه عن محمد بن كعب أيضًا أبو الْمِقْدَام، وهو هشام بن زياد البصريّ ضعيف أيضًا، ولهذا لَمّا ذكر النووي الحديث في "الخلاصة" قال: اتّفقوا على ضعفه. انتهى.
ومَن كَرِهَ ذلك فإنما كرهه من حيثُ اشتغل به عن الصلاة، قال البخاريّ -﵀- في "صحيحه": كَرِهَ عثمان أن يستَقْبَل الرجل وهو يصلي، قال الخطابيّ: فأما الصلاة للمتحدِّثين، فقد كرهها الشافعيّ، وأحمد، من أجل أن
[ ١١ / ٤٣٤ ]
كلامهم يَشْغَل المصلي، وكان ابن عمر لا يصلي خلف رجل يتكلم إلا يوم الجمعة. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أنه استدلت به عائشة -﵂-، وكذلك أكثر العلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل، لكن قد عرفت أن القول بقطعها هو الحقّ؛ لصريح حديث أبي ذرّ -﵁- وغيره: "يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب الأسود"، فارجع إلى ما أسلفناه من التحقيق، واللَّه تعالى وليّ التوفيق.
٥ - (ومنها): ما قاله العراقيّ -﵀-: في قول عائشة -﵂-: "وأنا معترضة بينه وبين القبلة كاعتراض الجنازة" ما يوهم أنه مخالف لقولها في الحديث الآتي: "ورجلاي في قبلته"، فإن ظاهره أن رجليها كانتا لجهة القبلة، وقد يُجْمَع بينهما بأن المراد بقولها: "ورجلاي في قبلته" أنه كان مستقبل أسفلها، وإن كانت معترضة، ولا يلزم أن يستقبل أسفل رجليها، ويَحْتَمل أن يقال: كان مرةً كذا، ومرةً كذا، لكن الأول أولى؛ لأن قوله في رواية البخاريّ: "على الفراش الذي ينامان عليه" يدلّ على أنها كانت معترضة بين يديه؛ لأنه -ﷺ- كان ينام على شقه الأيمن، مستقبل القبلة بوجهه، فدلّ على أنه لم تكن جهة أرجلهما إلى القبلة، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام العراقيّ -﵀-، وهو بحث نفيسٌ.
٦ - (ومنها): ما قال في "الطرح": إن بعضهم أجاب عن حديث عائشة -﵂- بأنه ليس فيه مرور، وإنما يقطع المرورُ بين يدي المصلي، وأما كون المرأة كالسترة للمصلي فلا تقطع الصلاة، وإنما كرهه بعضهم، قال ابن بطال: كَرِه كثير من أهل العلم أن تكون المرأة سترة للمصلي، قال مالك في "المختصر": ولا يستتر بالمرأة، وأرجو أن تكون السترة بالصبي واسعة، قال: وقال الشافعيّ: لا يستتر بامرأة ولا دابة.
وأشار ابن عبد البرّ إلى أن مرور المرأة أخفّ من الصلاة إليها، فقال في "التمهيد": وكيف تقطع الصلاة بمرورها، وفي هذا الحديث أن اعتراضها في القبلة نفسها لا يضرّ؟.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
[ ١١ / ٤٣٥ ]
قلت: في حديث عائشة المتَّفَق عليه ما يشير إلى أن المرور أشدّ، فإنها قالت: "فأكره أن أَسْنَحَه، فأنسلُّ من قبل رجلي السرير"، وفي رواية لهما: "فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس، فأوذي رسول اللَّه -ﷺ-، فأنسلّ من عند رجليه"، أي من عند رجلي السرير. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): قال في "الطرح" أيضًا: لقائل أن يقول: إن عائشة -﵂- يكن بينها وبين النبيّ -ﷺ- سُترة، بل كان السرير الذي عليه عائشة هو السترة، وكأن عائشة من وراء السترة؛ لأن قوائم السرير التي تلي النبيّ -ﷺ- بينه وبينها، والدليل على ذلك ما اتفق عليه الشيخان، من رواية الأسود، عن عائشة: "لقد رأيتني مضطجعةً على السرير، فيجيء النبيّ -ﷺ-، فيتوسط السرير، فيصلي. . . " الحديث، وعلى هذا فلا يكون في حديث عائشة ما ينافي حديث أبي ذرّ وأبي هريرة -﵄- في قطع المرأة الصلاة؛ لوجود السترة هنا. انتهى. وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): أنه إن قال قائل: قد ثبت حديث أبي ذرّ -﵁- في قطع المرأة للصلاة، وكذلك حديث أبي هريرة -﵁-، وليس في حديث عائشة -﵂- هنا تعميم لكون النساء لا يقطعن، فلو قال قائل: إنما يقطع الصلاة المرأة الأجنبية؛ خوفَ الافتتان بها، فأما زوجته ومحرمه فلا يضرّ، وإنما نُقِلَ أنه -ﷺ- صلى وبين يديه عائشة وميمونة -﵄- كما هو مذكور في هذا الباب، وكذلك عند أبي داود وابن ماجه أن أم سلمة -﵂-: "كان فراشها بِحِيال مسجد رسول اللَّه -ﷺ-"، زاد أحمد: "وكان يصلي، وأنا حِيَالَهُ".
والجواب عن ذلك أنه لا قائل بالفرق بين الأجنبية وغيرها في ذلك، وأيضًا فقد ورد مرور الأجنبية فيما رواه أبو داود، والنسائيّ من حديث ابن عباس -﵄- قال: "جئت أنا وغلام من بني عبد المطلب على حمار، ورسول اللَّه -ﷺ- يصلي، فنزل ونزلت، وتركنا الحمار أمام الصف، فما بالاه، وجاءت جاريتان من بني عبد المطلب، فدخلتا بين الصفّ، فما بالا ذلك"، وهو حديث صحيح.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٣.
[ ١١ / ٤٣٦ ]
وقال مالك في "المجموعة": ولا يصلي وبين يديه امرأة، وإن كانت أمه أو أخته، إلا أن يكون دونها سترة. انتهى (^١).
٩ - (ومنها): قال في "الطرح": [فإن قيل]: كيف أنكرت عائشة -﵂- على مَن ذَكر المرأة مع الحمار والكلب فيما يقطع الصلاة، وهي قد رَوَت الحديثَ عن النبيّ -ﷺ- كما رواه أحمد في "المسند" بلفظ: "لا يقطع صلاة المسلم شيء إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه، قد قُرِنا بدواب سَوْء"؟.
والجواب أن عائشة -﵂- تنكر ورود الحديث، ولم تكن لتُكَذِّب أبا هريرة وأبا ذر -﵄-، وإنما أنكرت كون الحكم باقيًا هكذا، فلعلها كانت تَرَى نسخه بحديثها الذي ذكرته، أو كانت تَحْمِل قطع الصلاة على مَحْمِل غير البطلان، والظاهر أنها رأت تغيير الحكم بالنسبة إلى المرأة وإلى الحمار أيضًا، فقد حَكَى ابن عبد البر أنها كانت تقول: "يقطع الصلاة الكلب الأسود"، وهذا كقول أحمد، وإسحاق، واللَّه أعلم. انتهى.
١٠ - (ومنها): أنه استَدَلّ ابنُ عبد البر: بغمزه -ﷺ- رجل عائشة على أن مطلق اللمس ليس بناقض للوضوء، وإن كان يَحْتَمِل أن يغمزها على الثوب، أو يضربها بكمه، ونحو ذلك، ثم حَكَى اختلاف العلماء في ذلك، فقال سفيان الثوريّ، وأبو حنيفة، والأوزاعيّ، فيما حكاه الطبري عنه، وأكثر أهل العراق: لا ينقض اللمس من غير جماع، قال أبو حنيفة: إلا أن يقصد مسها لشهوة وانتشر، وقال مالك، وأحمد، وإسحاق بنقض اللمس بشهوة ولذّة، وأراد مالك، والليث، ولو كان من فوق حائل، قال محمد بن نصر: ولم أره لغيرهما، وقال الشافعيّ، والأوزاعيّ فيما حكاه محمد بن نصر المروزيّ: ينقض اللمس مطلقًا بشهوة وغيرها، ما لم يكن بينهما محرمية على ما هو معروف في موضعه.
قال العراقيّ -﵀-: وليس في هذا الحديث حجة لمن لم ير النقض بمطلق اللمس؛ لأن عائشة كانت مستترةً مغطاةً باللحاف، كما ثبت في "الصحيحين"
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤.
[ ١١ / ٤٣٧ ]
من رواية الأسود عنها: "فأَنسَلُّ من قبل رجلي السرير، حتى أنسَلَّ من لِحَافي". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: مسألة نقض الوضوء بلمس المرأة، قد استوفيت بحثها في "كتاب الطهارة"، وبَيَّنتُ أن الأرجح عدم النقض؛ للأدلة الكثيرة المذكورة هناك، فراجعه تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
١١ - (ومنها): قال في "الطرح" أيضًا: إذا قلنا بقطع المرأة، ومن ذُكِر معها الصلاة بمروره، أو استقباله، فما مقدار المسافة بين يدي المصلي التي يحصل بها المحذور؟.
والجواب: أنه إنما يَحْرُم، أو يكره إذا كان على دون ثلاثة أذرع؛ لأنه مقدار السترة، فإن زاد على الثلاثة فلا يضرّ.
وقال بعضهم: ستة أذرع، وقال بعضهم: قَذْفَةٌ بحجر، ويدل له ما رويناه في بعض طرق الحديث، عند أبي داود، من حديث ابن عباس -﵄- قال: أحسبه عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: "إذا صلى أحدكم إلى غير سترة، فإنه يقطع صلاته الحمار، والخنزير، واليهوديّ، والمجوسيّ، والمرأة، ويجزي عنه إذا مروا بين يديه على قَذْفة بحجر"، قال أبو داود: في نفسي من هذا الحديث شيءٌ، وأحسب الوَهْمَ من ابن أبي سَمِينة، والمنكر فيه ذكر "المجوسيّ"، وفيه: "على قَذْفَة بحجر"، وذكر "الخنزير"، وفيه نكارة، قال: وليس كلام أبي داود هذا ثابتًا في أصل سماعنا من "السنن"، وهو ثابت في كثير من النسخ الصحيحة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الأرجح قول من قدّر بثلاثة أذرع؛ للحديث الصحيح في كونه -ﷺ- صلى في البيت وكان بينه وبين الجدار قدر ثلاثة أذرع، وأما حديث أبي داود، فضعيف، كما أشار هو إليه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): قال في "الطرح " أيضًا: في غمزه -ﷺ- رجلي عائشة -﵂- دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة، وهو كذلك.
[فإن قيل]: ففي بعض طرق أبي داود: "غَمَزني، فقال: تَنَحَّيْ"، وفي
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٥.
[ ١١ / ٤٣٨ ]
لفظ: "قال: قومي"، فهذا يدلّ على أن غمزه لها لم يكن في الصلاة؛ لقوله مع الغمزة: "تَنَحَّيْ".
والجواب: أن الغَمْز مع قوله: "تنحي" إنما هو إذا أراد أن يوتر بين الفراغ من التهجد وبين الوتر، كما هو مُصَرَّحٌ به في هذه الرواية، فإنها قالت: "فيصلي رسول اللَّه -ﷺ-، وأنا أمامه، فإذا أراد أن يوتر"، زاد عثمان: "غَمَزني"، ثم اتفقا: "فقال: تنحي"، وهذا كقوله في الحديث الآخر: "حتى إذا أراد أن يوتر أيقظها، فأوترت". انتهى (^١).
١٣ - (ومنها): أن في قول عائشة -﵂-: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" بيانًا لما كانوا عليه من ضيق العيش؛ إذ لم يكونوا يُسْرِجون في بيوتهم مصابيح، قال ابن عبد البر -﵀-: وفيه أنها إذ حَدَّثت بهذا الحديث كانت في بيوتهم المصابيح، وذلك أن اللَّه تعالى فَتَحَ عليهم بعد النبيّ -ﷺ- من الدنيا، فَوَسَّعوا على أنفسهم؛ إذ وسَّع اللَّه عليهم. انتهى.
١٤ - (ومنها): أنّ الشيخ ابن دقيق العيد ذَكَرَ ما حاصله: إن قصة عائشة -﵂- في كونها في قبلته -ﷺ-، وهي راقدةٌ ليس يُبَيِّن مساواتها لمرور المرأة؛ لأنها ذَكَرَت أن البيوت حينئذ ليس فيها مصابيح، فلعل سبب هذا الحكم عدم المشاهدة لها. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَت: (كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي صَلَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ كُلَّهَا، وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَينَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (وَكِيع) بن الجرّاح تقدّم قبل بابين.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٥.
(٢) المصدر السابق ٢/ ٣٩٦.
[ ١١ / ٤٣٩ ]
٢ - (هِشَام) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه من خماسيّات المصنّف، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته.
وقوله: (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي، فَأَوْتَرْتُ) قال النوويّ -﵀-: فيه استحباب تأخير الوتر إلى آخر الليل، وفيه أنه يستحبّ لمن وَثِقَ باستيقاظه من آخر الليل إما بنفسه، وإما بإيقاظ غيره أن يؤخر الوتر، وإن لم يكن له تهجُّدٌ، فإن عائشة -﵂- كانت بهذه الصفة، وأما من لا يَثِقُ باستيقاظه، ولا له من يوقظه فيوتر قبل أن ينام، وفيه استحباب إيقاظ النائم للصلاة في وقتها، وقد جاءت فيه أحاديث أيضًا غير هذا. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدم في الحديث الماضي تمام شرحه ومسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: فَقُلْنَا: الْمَرْأَةُ (^٣)، وَالْحِمَارُ، فَقَالَتْ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لَدَابَّةُ سَوْءٍ، لَقَدْ رَأَيْتُني بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُعْتَرِضَةً، كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ، وَهُوَ يُصَلِّي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيّ) بن بَحْر بن كَنِيز الفلّاس الصيرفيّ الباهليّ، أبو حفص البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨.
_________________
(١) "شرح النووي" ٤/ ٢٢٨.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "قال: قلت: المرأة".
[ ١١ / ٤٤٠ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) المعروف بغُنْدَر، أبو عبد اللَّه البصريّ، ربيب شعبة، ثقة، صحيح الكتاب [٩] (ت ٣ أو ١٩٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ عابد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨١.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ) هو: عبد اللَّه بن حفص بن عُمَر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، مشهور بكنيته، ثقة [٥] (ع) تقدم في "الحيض" ٩/ ٧٣٤.
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
ومن لطائف هذا الإسناد أن شيخه أحد مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، وأن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه شعبة أمير المؤمنين في الحديث، كما قاله الثوريّ، وأول من فتّش عن الرجال بالعراق، وذبّ عن السنة، وفيه محمد بن جعفر الملقّب بغُندر، لقّبه به ابن جريج لَمّا أكثر الشغب عليه، وهو ربيب شعبة، ولزمه عشرين سنة، وفيه أبو بكر بن حفص ممن اشتهر بالكنية.
وقوله: (مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟) "ما" استفهاميّة مبتدأ، خبره جملة "يقطع"، أي أيُّ شيء يقطع الصلاة؟.
وقوله: (قَالَ: فَقُلْنَا) فاعل "قال" ضمير عروة، وفي نسخة: "قال: قلت".
وقوله: (الْمَرْأَةُ، وَالْحِمَارُ) فاعل لفعل مقدّر يفسّره السؤال، أي يقطعها المرأة والحمار.
وقولها: (إِنَّ الْمَرْأَةَ لَدَابَّةُ سَوْءٍ) بفتح السين المهملة، وسكون الواو، أي قبيحة، تريد به الإنكار عليهم في قولهم: إن المرأة تقطع الصلاة.
[فائدة]: قال في "المصباح المنير": أساء زيد في فعله، وفَعَلَ سُوءًا، والاسم السُّوءى على فُعْلَى، وهو رجلُ سَوْءٍ بالفتح والإضافة، وعَمَلُ سَوْءٍ، فإن عرّفتَ الأول قلتَ: الرجلُ السَّوْءُ، على النعت. انتهى (^١).
وقال في "مختار الصحاح": ساءهُ ضدُّ سَرَّهُ، من باب قال، ومَسَاءَة بالمدّ، ومَسَائيَةً بكسر الهمزة، والاسم السُّوءُ بالضمّ، وقُرئ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٩٨.
[ ١١ / ٤٤١ ]
السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالضمّ، أي الْهَزِيمة والشرّ، وقرئ بالفتح من الْمَسَاء، وتقول: هو رجلُ سَوْءٍ بالإضافة، ورجلُ السَّوءِ، ولا تقول: الرجلُ السَّوْءُ، وتقول: الحقُّ اليقينُ، وحقُّ اليقينِ، ولا يقال: رجلُ السُّوء بالضمّ. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": سَاءَه سَوْءًا، وسَوَاءً، وسَوَاءَةً، وسَوَايَةً، وسَوَائِيَةً، ومَسَاءَةً، ومَسَائِيَةً، مقلوبًا، وأصله مَسَاوِئَةً، ومَسَايَةً، ومَسَاءً، ومَسَائِيَّةً: فَعَلَ به ما يَكْرَهُ، فاستاء هو، والسُّوءُ بالضمّ الاسمُ، قال: ولا خير في قول السُّوْءِ بالفتح والضمّ، إذا فتحتَ فمعناه: في قولٍ قَبِيحٍ، وإذا ضممتَ: فمعناه في أن تقول سُوءًا، وقُرئ ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالوجهين، أي الهزيمةِ والشرِّ والرَّدى والفسادِ، وكذا ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، أو المضموم الشررُ، والمفتوح الفساد والنارُ، ومنه ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قراءة، ورجلُ سَوْءٍ، ورجلُ السَّوْءِ بالفتح والإضافة. انتهى (^٢).
وقولها: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي) أي رأيت نفسي، و"رأى" هنا بصريّةٌ، وهذا من المواضع التي يجوز كون الفاعل والمفعول ضميرين متّصلين لمسمّى واحد، وهي في هذا ملحقة بأفعال القلوب، كظننتني قائمًا، وعلمتني فاضلًا، راجع تفصيل المسألة في: "حاشية الخضريّ على شرح ابن عقيل على الخلاصة" (^٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله في شرح حديث أول الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ (^٤)، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) قَالَ
_________________
(١) "مختار الصحاح" (ص ١٥٨).
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ١٨.
(٣) ١/ ٢٢١.
(٤) وفي نسخة: "حدّثنا الأعمش، عن إبراهيم".
[ ١١ / ٤٤٢ ]
الْأَعْمَشُ: وَحَدَّثَنِي مُسْلِمٌ (^١)، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَذُكِرَ عِنْدَهَا (^٢) مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ: الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ شَبَّهْتُمُونَا (^٣) بِالْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، مُضْطَجِعَةً، فَتَبْدُو لِيَ الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ، فَأُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْسَلُّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ) هو: عبد اللَّه بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧.
٢ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٢٢) (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٥.
٣ - (أَبُو) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ فقيهٌ تغير قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٤ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ ورعٌ إلا أنه يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٥ - (إِبْرَاهيمُ) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعيّ، أبو عمران الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل كثيرًا [٥] (ت ٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٢.
٦ - (الْأَسْوَدُ) بن يزيد بن قيس النخعيّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ مخضرَمٌ [٢] (ت ٤ أو ٧٥) (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٤.
٧ - (مُسْلِمٌ) بن صُبَيح الْهَمْدانيّ، أبو الضُّحى الكوفيّ العطّار، مشهور بكنيته، ثقة فاضلٌ [٤] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٢/ ٦٣٥.
٨ - (مَسْرُوق) بن الأجدع بن مالك الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو عائشة الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ مخضرمٌ [٢] (٢ أو ٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ٢٢٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني مسلم بن صُبَيح".
(٢) وفي نسخة: "ذُكر عندها".
(٣) وفي نسخة: "قد شبَّهُونا".
[ ١١ / ٤٤٣ ]
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بين اثنين منهم، وفصل واحدًا بالتحويل، وسببه اختلاف صيغ أدائهم؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، وذلك أن عمرًا الناقد والأشجّ حدّثهما حفص مع جماعة، فلذا قالا: "حدّثنا حفص"، وأما عُمر بن حفص، فحدّثه أبوه وحده، فلذا قال: "حدّثني أبي"، وهذا من دقائق صنيع المحدّثين، ولا سيّما المصنّف، فإنهم يراعون كيفية التحمّل والأداء، وإن كان لا يختلف المعنى، وهو من المستحسنات، لا من الواجبات، وإليه أشار السيوطيّ في "ألفيّة الحديث" بقوله:
وَاسْتَحْسَنُوا لِمُفْرَدٍ "حَدَّثَنِي" … وَقَارِئٍ بِنَفْسِهِ "أَخْبَرَنِي"
وَإِنْ يُحَدّثْ جُمْلَةً "حَدَّثَنَا" … وَإِنْ سَمِعْتَ قَارِئًا "أَخْبَرَنَا"
فتنبّه لهذه الدقائق؛ فإنه من مهمّات علم الحديث.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ له" يعني لفظ الحديث لعمر بن حفص، وأما عمرو، والأشجّ فروياه بالمعنى، وهذا من أيضًا من المنوبات، كما أشار إليه في "الألفية" المذكورة بقوله:
وَمَنْ رَوَى مَتْنًا عَنَ أَشْيَاخٍ وَقَدْ … تَوَافَقُوا مَعْنًى وَلَفْظٌ مَا اتَّحَدْ
مَقْتَصِرًا بِلَفْظِ وَاحِدٍ وَلَمْ … يُبَيِّن اخْتِصَاصَهُ فَلَمْ يُلَمْ
أَوْ قَالَ قَدْ تَقَارَبَا فِي اللَّفْظِ أَوْ … وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى عَلَى خُلْفٍ رَأَوْا
وَإِنْ يَكُنْ لِلَفْظِهِ يُبَيِّنُ … مَعْ "قَالَ" أَوْ "قَالَا" فَذَاكَ أَحْسَنُ
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، غير عمرو الناقد، فبغداديّ، وعائشة -﵂-، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أنهم رجال الجماعة، إلا عمرًا الناقد، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٥ - (ومنها): أن شيخه الأشجّ أحد مشايخ الأئمة الستة بلا واسطة.
٦ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين الكوفيين رأى بعضهم عن بعض:
[ ١١ / ٤٤٤ ]
الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، والأعمش، عن مسلم بن صُبيح، عن مسروق.
[تنبيه]: هذا السند بعينه هو الذي أخرج به البخاريّ هذا الحديث، فرواه عن عمر بن حفص، عن أبيه به، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(قَالَ الْأَعْمَشُ) هذا متّصل بالسند الماضي، وليس معلّقًا، وقول الكرمانيّ: إما تعليق، وإما داخل في الإسناد الأول، ترديد مردود، والصواب ما قدّمنا. (وَحَدَّثَنِي) بواو العطف، فهو معطوف على قول الأعمش: "حدّثني إبراهيم" (مُسْلِمٌ) وفي نسخة: مسلم بن صُبيح، وهو بضمّ الصاد المهملة، بخلاف والد الربيع بن صَبِيح، فإنه بالفتح، كما قال في "ألفيّة الحديث":
صبِيحُ وَالِدُ الرَّبِيعِ فُتِحَا … وَاضْمُمْ أَبًا لِمُسْلِمٍ أَبِي الضُّحَى
[تنبيه]: قال الكرماني: مسلم هو البطين، فردّ عليه في "الفتح"، وأجاد في ذلك.
(عَنْ مَسْرُوق) بن الأجدع، قال أبو سعيد السمعانيّ: سُمِّي مسروقًا؛ لأنه سرقه إنسانٌ في صغره، ثم وُجد، وغَيَّر عمر -﵁- اسم أبيه إلى عبد الرحمن، فأُثبت في الديوان: مسروق بن عبد الرحمن. انتهى (^١).
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (وَذُكِرَ عِنْدَهَا) ببناء الفعل للمفعول، هكذا وقع في معظم النسخ بواو العطف، ووقع بعضها "ذُكر عندها" بحذفها، وهو واضح، وللأول أيضًا وجه، وهو أن تكون الواو للحال، أي والحال أنه قد ذُكر عندها (مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) "ما" موصولة، و"يَقطع" بالبناء للفاعل: صلتها، ثم يجوز فيها وجهان:
الأول: أن تكون مبتدأ وخبره قوله: "الكلب إلخ"، والجملة في محلّ رفع نائب فاعل "ذُكر"، أي ذُكر عندها هذا الكلام.
والثاني: أن تكون "ما" نائب فاعل "ذُكر"، ويكون قوله: "الكلب إلخ" بدلًا منها.
_________________
(١) من هامش "خلاصة الخزرجيّ" (ص ٣٧٤).
[ ١١ / ٤٤٥ ]
(الْكَلْبُ، وَالْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ) -﵂- (قَدْ شَبَّهْتُمُونَا) وفي نسخة: "قد شبّهونا" بضمير الغيبة (بِالْحَمِيرِ وَالْكِلَابِ) وفي الرواية التالية: "عَدَلتمونا بالكلاب والْحُمُر"، والمعنى واحدٌ، وفي رواية للبخاريّ: "لقد جعلونا كلابًا"، وهذا على سبيل المبالغة، ولسعيد بن منصور من وجه آخر: "قالت عائشة: يا أهل العراق قد عدلتمونا. . . " الحديث، قال في "الفتح": وكأنها أشارت بذلك إلى ما رواه أهل العراق عن أبي ذرّ -﵁- وغيره مرفوعًا، وهو عند مسلم وغيره من طريق عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذرّ -﵁-.
وقال في "الطرح": قولها: "قد شبّهتمونا" أرادت بخطابها ذلك ابن أختها عروة، وأبا هريرة، فروى مسلم من رواية عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: "ما يقطع الصلاة؛ قال: قلتُ: المرأة والحمار، فقالت: إن المرأة لدابةُ سَوْء. . . فذكرت الحديث.
ورَوَى ابن عبد البر، من رواية القاسم، قال: بَلَغَ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن المرأة تقطع الصلاة، فذكرت الحديث. انتهى (^١).
[فائدة]: قال ابن مالك -﵀-: في هذا الحديث جواز تعدي المشبَّه به بالباء، وأنكره بعض النحويين، حتى بالغ فخَطّأ سيبويه في قوله: "شُبِّهَ كذا بكذا"، وزَعَم أنه لا يوجد في كلام من يوثق بعربيته، وقد وُجِد في كلام مَن هو فوق ذلك، وهي عائشة -﵂-، قال: والحقّ أنه جائز، وإن كان سقوطها أشهر في كلام المتقدمين، وثبوتها لازم في عرف العلماء المتأخرين. انتهى (^٢).
(وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي) وقوله: (وَإِنِّي عَلَى السَّرِيرِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، مُضْطَجِعَةً) قال الكرمانيّ -﵀-: ثلاثة أخبار مترادفةٌ، وقال أيضًا: أو خبران، وحال، أو حالان وخبر، وفي بعضها "مضطجعة" بالنصب، فالأولان خبران، أو أحدهما حال، والآخر خبر.
قال العينيّ -﵀-: التحقيق فيه أن قوله: "وأنا على السرير" جملة اسمية وقعت حالًا من "عائشة"، وكذا "بينه وبين القبلة" حال، وقوله: "مضطجعةٌ" بالرفع خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وأنا مضطجعةٌ، وعلى التقديرين تكون هذه
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٤.
(٢) راجع: "الفتح" ١/ ٧٠٢.
[ ١١ / ٤٤٦ ]
الجملة أيضًا حالًا، ويجوز أن يكون "مضطجعةٌ" بالرفع خبرًا لقوله: "وأنا"، أي والحال أنا مضطجعة على السرير، فعلى هذا لا يَحْتَاج إلى تقدير مبتدأ، وأما وجه النصب في "مضطجعةً"، فعلى أنه حال من "عائشة" أيضًا، ثم يجوز أن يكون هذان الحالان مترادفين، ويجوز أن يكونا متداخلين. انتهى (^١).
(فَتَبْدُو) أي تظهر (لِيَ) بسكون ياء المتكلّم، وفتحها (الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، من باب تَعِبَ كُرْهًا بضم الكاف وفتحها: ضدّ أحبه، فهو مكروه (أَنْ أَجْلِسَ) "أن" مصدريّة، والمصدر مفعول "أكره"، أي جلوسي أمامه -ﷺ- (فَاُوذِيَ) بالنصب عطفًا على ما قبله (رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-) قال في "الفتح": استُدلّ به على أن التشويش بالمرأة، وهي قاعدة يحصل منه ما لا يحصُل بها وهي راقدةٌ، والظاهر أن ذلك من جهة الحركة والسكون، وعلى هذا فمرورها أشدّ، وفي رواية النسائيّ من طريق شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود عنها في هذا الحديث: "فأكرَهُ أن أقوم، فأمرَّ بين يديه، فأنسلّ انسلالًا"، فالظاهر إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات، لا المرور بخصوصه. انتهى (^٢).
(فَأَنْسَلُّ) بالرفع عطفًا على "أكره"، وليس منصوبًا بالعطف على "فأُوذيَ"، ومعنى "أنسلّ" أي أَمْضي، وأذهب بِتَأنٍّ وتدرُّج (مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ) الضمير للسرير، كما بُيّن في الرواية التالية: "فأنسلّ من قِبَلِ رجلي السرير حتى أنسلّ من لحافي".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم بيان مسائله في أول أحاديث الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٤٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: عَدَلْتُمُونَا بِالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ، لَقَدْ
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧.
(٢) "الفتح" ١/ ٧٠٢.
[ ١١ / ٤٤٧ ]
رَأَيْتُنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِيءُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ، فَيُصَلِّي، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْنَحَهُ، فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَي السَّرِيرِ، حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (جَرِير) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (مَنْصُور) بن المعتمر بن عبد اللَّه السّلَميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
وقولها: (عَدَلْتُمُونَا) هو بمعنى قولها: شبّهتمونا.
وقولها: (مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ) بالنصب على الحاليّة؛ لأن "رأى" بصريّة، وهي لا تتعدّى إلا إلى مفعول واحد، ويَحْتَمِل أن تكون علميّة، فيكون "مضطجعةً" مفعولًا ثانيًا لها.
وقولها: (فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْنَحَهُ) قال النوويّ -﵀-: هو: بقطع الهمزة المفتوحة، وإسكان السين المهملة، وفتح النون: أي أَظْهَرَ له، وأَعتَرِضَ، يقال: سَنَحَ لي كذا، أي عرض، ومنه السانح من الطير. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير -﵀-: قولها: "أكره أن أَسْنَحَهُ": أي أكره أن أستقبله ببدني في صلاته، من سَنَحَ لي الشيءُ: إذا عَرَضَ، ومنه السانح: ضدّ البارح. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ -﵀-: سَنَحَ الشيءُ يَسْنَحُ بفتحتين سُنُوحًا، من باب خَضَعَ: سَهُلَ، وتَيَسّر، وسَنَحَ الطائر: جَرَى على يمينك إلى يسارك، والعرب تتيامن بذلك، قال ابن فارس: السانح: ما أتاك عن يمينك من طائر وغيره، وسَنَحَ لي رأيٌ في كذا: ظَهَرَ، وسَنَحَ الخاطر به: جاد. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٢٩.
(٢) "النهاية" ٢/ ٤٠٧.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٩١ بزيادة من "مختار الصحاح" (ص ١٥٧).
[ ١١ / ٤٤٨ ]
وقولها: (فَأَنْسَلُّ) مضارع انسلّ، انفعال من سَلّ الشيءَ: إذا انتزعه وأخرجه في رفق، قال ابن الأثير -﵀-: معنى: "فأنسلُّ": أي أمضي، وأخرج بتأنّ وتدريج. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": السّلُّ: انتزاعك الشيءَ، وإخراجه في رِفقٍ، كالاستلال، وسيفٌ سَلِيلٌ، ومسلولٌ، وانسَلَّ وتَسَلّلَ: انطلق في استخفاء. انتهى (^٢).
وقولها: (حَتَّى أَنْسَلَّ) بالنصب بـ "أن" مضمرة وجوبًا بعد "حتّى"، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ "حَتَّى" هَكَذَا إِضْمَارُ "أَنْ" … حَتْمٌ كَـ "جُدْ حَتَّى تَسُرَّ ذَا حَزَنْ"
وقولها: (مِنْ لِحَافِي) بكسر اللام: هو كلّ ثوب يُتَغَطَّى به، والجمع لُحُفٌ، كَكِتَابٍ وكُتُبٍ، والْمِلْحَفَةُ: بالكسر: هي الْمُلَاءَةُ التي تَلْتَحف بها المرأة، أمّا ده الًفيّوميّ -﵀- (^٣).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّمت مسائله، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيهٌ مكثر [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٩٢.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٩٦.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٠.
[ ١١ / ٤٤٩ ]
والباقون تقدّموا قبل بابين، وعائشة -﵂- في السند الماضي، واسم أبي النضر سالم بن أبي أميّة.
وقولها: (بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-) أي قُدّامه إلى جهة القبلة.
وقولها: (وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ) "رِجْلايَ" أصله رجلان لي، فحُذفت اللام، ونون التثنية للإضافة، وأضيف إلى ياء المتكلّم المفتوحة، وهو مبتدأ خبره الجارّ والمجرور، وأما قولها الآتي: "فقبضتُ رجليّ" فالياء التي هي علامة النصب أُدغمت في ياء المتكلّم، وكذلك تُدغم في حالة الجر، كقولك: مررت بغلامَيّ، وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ" وَ"قَذَى"
أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ" وَ"زَيْدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْمَقْصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
وقولها: (فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي) أي عَضّني بيده، قاله القرطبيّ (^١).
قال النوويّ -﵀-: استَدَلّ به مَن يقول: لمسُ النساء لا ينقض الوضوء، والجمهور على أنه ينقض، وحملوا الحديث على أنه غَمَزَها فوق حائل، وهذا هو الظاهر من حال النائم، فلا دلالة فيه على عدم النقض. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تقدّم في فوائد الحديث الأول من الباب أن الأرجح قول من قال بعد النقض؛ لقوّة دليله، فتنبّه، واللَّه تعالى أعلم.
وقولها: (فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ) هو تثنية رِجْل، كسابقه قُلبت ألف التثنية، وأدغمت في ياء المتكلّم، كما أسلفته آنفًا.
وقولها: (وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ) أرادت بـ "يومئذ" معنى حينئذ؛ لأنه لا يُعْهَد وقود المصابيح في اليوم، وهو النهار، والعرب تُعَبِّر باليوم عن الحين والوقت، كما تعبر به عن النهار، وهو مشهور عندهم، قاله في "الطرح" (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: أرادت بهذا الكلام الاعتذارَ، تقول: لو كان فيها
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١١١.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٣٩٦.
[ ١١ / ٤٥٠ ]
مصابيح، لقبضت رجليّ عند إرادته السجود، ولَمَا أحوجته إلى غَمْزي (^١).
[فإن قيل]: قد جعلتم أن قولها "يومئذ" المراد به الحين والزمن، فَيَحَتِمل أن تريد بذلك الوقت صلاته -ﷺ- من آخر الليل، لا كلَّ الليل، وإنما كانوا يطفئون مصابيحهم عند النوم، كقوله -ﷺ- في حديث جابر -﵁- في "الصحيح": "وأطفئوا مصابيحكم"، فإنما هو عند النوم، وقد ورد أن النبيّ -ﷺ- كان لا يجلس في بيت مُظْلِم حتى يوقد له، وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث أبي هريرة -﵁- في قصة الأنصاريّ الذي نزلت فيه: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية أنه قال لامرأته: "وتَعَالي، فأطفئي السراج"، فدلّ ذلك على أنهم كانت لهم مصابيح في بيوتهم، في زمن النبيّ -ﷺ- غير أنها كانت تطفأ عند النوم.
[والجواب]: أن هذا وإن كان مُحْتَمِلًا إلا أن قولها: "ليس فيها مصابيح" ظاهر في مطلق النفي، وإن حدثت بعد ذلك في زمنه -ﷺ-، ويدلّ على ذلك قول عائشة -﵂- في بعض طرقه إذ سئلت عن ذلك: "لو كان لنا مصباح لأكلناه"، وأما كونه -ﷺ- لا يقعد في بيت مظلم، فهذا حديث لا يَثْبُت، وقد ضعفه ابن حبان -﵀-، قاله في "الطرح"، وهو بحث مفيدٌ، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥١] (٥١٣) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، جَمِيعًا عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ، زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ المذكور في السند الماضي.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٣٠.
[ ١١ / ٤٥١ ]
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحّان المزنيّ مولاهم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم أول الباب.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ) بن عُمر الْكِلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها، وله نحو (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩.
٥ - (الشَّيْبَانِيُّ) سليمان بن أبي سليمان فيروز، أبو إسحاق الكوفيّ، ثقةٌ [٥] مات في حدود (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٨/ ٢٥٩.
٦ - (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ، أبو الوليد المدنيّ، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، ثقةٌ فقيه، من كبار [٢] مات مقتولًا سنة (٨١) أو بعدها (ع) تقدم في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
٧ - (مَيْمُونَةُ) بنت الحارث الهلاليّة، أم المؤمنين -﵂-، ماتت سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان فرّق بينهما بالتحويل؛ لاختلاف صيغ الأداء باختلاف كيفيّة التحمّل، كما بيّنته قريبًا.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم ما بين نيسابوريّ، وهو: يحيى، وواسطيين، وهما: خالد، وعبّاد، وكوفيين، وهما: أبو بكر، والشيبانيّ، ومدنيين، وهما الباقيان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: الشيبانيّ، عن عبد اللَّه بن شدّاد.
٥ - (ومنها): أن صحابيّته -﵂- ذات مناقب جمّة، هي أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ -ﷺ- سنة سبعة، بسرف، وماتت بها سنة (٥١)، ودُفنت في الظلّة التي بها النبيّ -ﷺ-، وهذا من أغرب ما اتّفق، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ) الليثيّ أنه (قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ) بنت الحارث -﵂- (زَوْجُ النَّبِيِّ -ﷺ-) تقدّم أن الأفصح في الزوج أنه يُطلق على الرجل
[ ١١ / ٤٥٢ ]
والمرأة، وقد جاء به القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، وهي لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يقولون للمرأة: زوجة بالهاء (قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَأَنَا حِذَاءَهُ) جملة اسميّة في محلّ نصب على الحال، و"الحذاء بالكسر: إزاؤه، وصرت بجنبه، يقال: حذوته أحذوه حَذْوًا، وحاذيته مُحاذاةً، وحِذَاءً، من باب قاتل: إذا وازيته، وقولها: (وَأَنَا حَائِضٌ) جملة حاليّة أيضًا، فهما إما متداخلان، أو مترادفان، و"الحائض" بلا هاء أفصح من الحائضة؛ لأنه وصف خاصّ بالمرأة، فلا يَحتاج إلى الفرق بالهاء (وَرُبَّمَا) بضمّ الراء، وتشديد الموحّدة، وفيها لغات، تُستعمل للتقليل قليلًا، وللتكثير كثيرًا، وقيل: بالعكس، وقال في "القاموس": ورُبَّ، ورُبَّةَ، ورُبَّمَا، ورُبَّتَمَا، بضمّهنّ، مشدَّداتٍ، ومُخَفّفَاتٍ، وبفتحهنّ كذلك، ورُبُ بضمّتين، مخفَّفةً، ورُبْ كَمُذْ: حرفٌ خافضٌ، لا يقع إلا على نكرة، أو اسمٌ، وقيل: كلمةُ تقليلٍ، أو تكثيرٍ، أو لهما، أو في موضع المباهاة للتكثير، أو لم توضع لتقليلٍ ولا لتكثير، بل يُستفادان من سياق الكلام. انتهى (^١).
(أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ) زاد في الرواية الآتية في "كتاب المساجد: "وكان يصلي على خمرة"، قال في "الفتح": والخمرة -بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم- قال الطبريّ: هو مُصَلًّى صغيرٌ، يُعْمَل من سَعَف النخل، سُمِّيت بذلك؛ لسترها الوجه والكفين، من حَرِّ الأرض وبردها، فإن كانت كبيرةً سُمِّيت حصيرًا، وكذا قال الأزهريّ في "تهذيبه"، وصاحبه أبو عُبيد الهرويّ، وجماعةٌ بعدهم، وزاد في "النهاية": ولا تكون خُمْرَةً إلا في هذا المقدار، قال: وسُمِّيت خمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسَعَفها، وقال الخطابيّ: هي السَّجّادة يَسجُد عليها المصلي، ثم ذَكَر حديث ابن عباس -﵄- في الفأرة التي جَرَّت الفتيلة حتى ألقتها على الْخُمْرة التي كان النبيّ -ﷺ- قاعدًا عليها. . . الحديث، قال: ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه، قال: وسُمِّيت خمرةً؛ لأنها تُغَطِّي الوجه. انتهى (^٢). واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ١/ ٧١.
(٢) "الفتح" ١/ ٥١٣.
[ ١١ / ٤٥٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة -﵂- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ١١٥١] (٥١٣)، وسيأتي في "كتاب المساجد" بنفس السند والمتن، إلا أنه زاد: "وكان يصلي على خمرة"، و(البخاريّ) في "الحيض" (٣٣٣) و"الصلاة" (٣٧٩ و٥١٧ و٥١٨)، و(أبو داود) فيها (٦٥٦)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٥٧) و"الكبرى" في "كتاب المساجد" (١/ ٢٦٨)، و(ابن ماجه) فيها (٩٥٨ و١٠٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٦٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٢٦ و١٤٢٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٣٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته، قال النوويّ -﵀-: وهو مذهبنا، ومذهب الجمهور، وأبطلها أبو حنيفة -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: تعقّب العينيّ قول النووي هذا، ومثله ما يأتي عن القاضي عياض بأن هذا ذهول عن مذهب الحنفيّة، فإنهم إنما يقولون ببطلان الصلاة في محاذاة المرأة إذا كانت مشتركة في الصلاة، وميمونة -﵂- هنا حائض لا تصليّ، فتنبّه.
وقال القاضي عياض -﵀-: فيه دليلٌ على أن محاذاة المرأة في الصلاة المصليَ لا تفسد صلاته، سواء كانت في صلاته أم لا؛ خلافًا لأبي حنيفة في أن صلاة المحاذي من الرجال تفسد، وحجته نهي النبيّ -ﷺ- عن صلاة الرجل إلى جانب المرأة، والمرأة إلى جانب الرجل، وقوله: "أخّروهنّ من حيث أخّرهن اللَّه"، قال: وكلُّ هذا عندنا محمول على التحضيض والندب، لا على الإيجاب، ومن الغريب أنهم فرّقوا بين الرجل والمرأة في فساد صلاتهما، فأجازوا صلاتها، وأفسدوا صلاته، والنهي فيهما سواء، والمعنى واحد. انتهى كلام القاضي بتصرّف (^١).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩.
[ ١١ / ٤٥٤ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: من السنّة أن تتأخر المرأة عن صفوف الرجال، كما رَوَى البخاريّ وغيره، عن أنس بن مالك -﵁- قال: "صليت خلفَ النبيّ -ﷺ- أنا ويتيم في بيتنا، خلف النبيّ -ﷺ-، وأمي أم سليم خلفنا".
وأما حديث: "أخروهنّ من حيث أخرهنّ اللَّه"، فلا أصل له: مرفوعًا، وإنما هو صحيحٌ موقوفًا على ابن مسعود -﵁-، أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" أن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- كان إذا رأى النساء، قال: أَخِّروهن حيث جعلهن اللَّه، وقال: إنهن مع بني إسرائيل يَصْفُفن مع الرجال، كانت المرأة تلبس القالَبَ، فَتَطَال لخليلها، فسُلِّطت عليهن الحيضة، وحُرِّمت عليهن المساجد، وكان عبد اللَّه إذا رآهنّ قال: أخروهن حيث جعلهن اللَّه. انتهى.
٢ - (ومنها): أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعًا تَرَى عليه دمًا، أو نجاسةً أخرى.
٣ - (ومنها): جواز الصلاة بحضرة الحائض.
٤ - (ومنها): جواز الصلاة إلى النائم، أو بحضرته، قال القاضي عياض -﵀-: وإنما كرهه من كرهه؛ تنزيهًا للصلاة؛ لما يخرُج منه، وهو في قبلته (^١).
٥ - (ومنها): جواز الصلاة في ئوب بعضه على المصلي، وبعضه على حائض، أو غيرها.
٦ - (ومنها): قال النوويّ -﵀-: وأما استقبال المصلي وجهَ غيره، فمذهبنا ومذهب الجمهور كراهته، ونقله القاضى عياض عن عامة العلماء -رحمهم اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٢] (٥١٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٢/ ٤٢٨.
[ ١١ / ٤٥٥ ]
سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ (^١)، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ، وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ، إِلَى جَنْبِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى) بن طلحة بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦] (ت ١٤٨) (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٨/ ٨٥٨.
٢ - (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والباقون تقدّموا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، إلا شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ، وطلحة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن فيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه من الفقهاء السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عتبة (قَالَ) طلحة (سَمِعْتُهُ) أي عبيد اللَّه (يُحَدِّثُ) جملة حاليّة من المفعول، أو مفعول ثان على رأي من يرى "سمع" من أخوات "ظنّ" (عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين -﵂- أنها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، وفي رواية النسائيّ: "بالليل"، وهي أيضًا بمعنى "في" (وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَعَلَيَّ مِرْطٌ) بكسر الميم، وسكون الراء: كساء من صوف، أو خَزٍّ يؤتَزَر به، وتَتَلَفَّعُ المرأة به، جمعه مُرُوط، مثلُ حِمْل وحُمُول (^٢). (وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ) تعني أن النبيّ -ﷺ- لبس
_________________
(١) وفي نسخة: "سمعته عن عائشة".
(٢) راجع: "المصباح" ٢/ ٥٦٩.
[ ١١ / ٤٥٦ ]
بعض ذلك الْمِرْط، ولبست هي بعضه، وهذا يدلّ على أن المرط ثوب واسع، يمكن أن يكون بعضه على المصلي، وبعضه على من كان بجنبه، وقولها: (إِلَى جَنْبِهِ) لا يوجد في رواية أحمد، وأبي داود، والنسائيّ، وابن ماجه، والظاهر أنه تأكيد للأول.
[تنبيه]: هذه الْجُمَل الخمسة، من قوله: "يصلي من الليل"، إلى قوله: "وعليه بعضه" أحوال، ثم يحتمل ما بعد الأولى أن يكون معطوفًا عليها، ويحتمل أن تكون الواوات حاليّة، فتكون أحوالًا متداخلةً، أو مترادفة، والأحوال المترادفة منعها بعض النحاة، ومعنى المتداخلة أن يأتي الحال من الحال، ومعنى المترادفة أن يأتي الحالان أو أكثر من واحد، وإلى هذا أشار ابن مالك: في "الخلاصة" بقوله:
وَالْحَالُ قَدْ يَجِيءُ ذَا تَعَدُّدَ … لِمُفْرَدٍ فَاعْلَمْ وَغَيْرَ مُفْرَدِ
وإذا أردت تحقيق المسألة فراجع شُرُوح "الخلاصة"، وحواشيها لهذا البيت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٣/ ١١٥٢] (٥١٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٣٧٠)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٧١) وفي "الكبرى" (٥/ ٨٤٤)، و(ابن ماجه) فيها (٦٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٧ و٩٩ و١٣٧ و١٩٩ و٢٠٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٥١ و١٤٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٣٩)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١١ / ٤٥٧ ]