وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٣] (٥١٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَيِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ سَائِلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟ فَقَالَ: "أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ) بن حَزْن بن أبي وهب المخزومي، أبو محمد المدني الفقيه الحجة الثبت، من كبار [٣] (٤٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧١.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وقبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وبالفقهاء، فكلهم مشهورون بالفقه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: ابن شهاب، عن سعيد.
٥ - (ومنها): أنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، كما ذكره الحاكم أبو عبد اللَّه -﵀- (^١).
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، وسعيد من الفقهاء السبعة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَن سَائِلًا) قال الحافظ -﵀-: لم أقف على اسمه،
_________________
(١) راجع: "تدريب الراوي" ١/ ٨٣.
[ ١١ / ٤٥٨ ]
لكن ذكر شمس الأئمة السرخسيّ الحنفيّ في كتابه "المبسوط" أن السائل ثوبان. انتهى (^١). (سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ؟) أي عن حكم الصلاة في الثوب الواحد، وفي رواية ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- الآتية: "نادى رجل النبيّ -ﷺ-، فقال: أيُصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: أوَكلّكم يجد ثوبين؟ "، وفي رواية أبي داود: "أن رسول اللَّه -ﷺ- سُئل عن الصلاة في ثوب واحد؟ " (فَقَالَ) -ﷺ- " (أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ ") الواو عاطفة على محذوف، والاستفهام إنكاريّ بمعنى النفي، والتقدير: أأنتم قادرون، ولكلّ منكم ثوبان؟، أي لستم قادرين، وليس لكلّ منكم ثوبان، فهو -ﷺ- يشير إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد، فكأنه قال: يكفي أحدكم في الصلاة الثوبُ الواحدُ؛ لأن الثوبين لا يقدر عليهما كلّ أحد.
وقال الخطّابيّ في "معالمه": لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه الإخبار ما كان يَعلَمُهُ من حالهم في العُدْم، وضِيق الثياب، يقول: وإذا كنتم بهذه الصفة، وليس لكلّ واحد منكم ثوبان -والصلاة واجبة عليكم- فاعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة.
وقال في "شرح البخاري": وفي ضمنه الفتوى من طريق الفحوى، ثم استقصار فهمهم، واستزادة علمهم، كأنه قال: إذا كان ستر العورة واجبًا، والصلاة لازمة، وليس لكلّ واحد منكم ثوبان، فكيف لم تعلموا أن الصلاة في الثوب الواحد جائزة؟. انتهى (^٢).
وقال النوويّ -﵀-: معنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كلّ أحد، فلو وجبا لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرجٌ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [الحج: ٧٨].
وقال الطحاويّ -﵀-: معناه: لو كانت الصلاة مكروهة في الثوب الواحد لكرهت لمن لا يجد إلا ثوبًا واحدًا؛ لأن حكم الصلاة في الثوب الواحد لمن يجد ثوبين كهو في الصلاة لمن لا يجد غيره. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٦١.
(٢) "الفتح" ١/ ٥٦١.
[ ١١ / ٤٥٩ ]
وتعقّبه الحافظ بأن هذه الملازمة في مقام المنع؛ للفرق بين القادر وغيره، والسؤال إنما كان عن الجواز، لا عن الكراهة. انتهى.
وتعقّبه العينيّ على عادته، ولكنه غير مصيب، فتنبّه، واللَّه تعالى المستعان.
[تنبيه]: روى ابن حبّان هذا الحديث من طريق الأوزاعيّ، عن الزهريّ، لكن قال في الجواب: "ليتوشّح به، ثم ليصلّ فيه" (^١).
قال في "الفتح": فيَحْتَمِل أن يكونا حديثين، أو حديثًا واحدًا فرّقه الرواة، وهو الأظهر، وكأن البخاريّ: أشار إلى هذا؛ لذكره التوشّح في الترجمة، حيث قال: "باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به"، قال الزهريّ في حديثه: الملتحف: المتوشّح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٥٣ و١١٥٤ و١١٥٥] (٥١٥)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٥٨ و٣٦٥)، و(أبو داود) فيها (٦٢٥)، و(النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٦٩ - ٧٠)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٠٤٧)، و(مالك) في "الموطّأ" (١/ ١٤٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٣٦٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٣٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٠ و٢٣٨ و٢٣٩ و٢٨ و٣٤٥ و٤٩٥ و٤٩٨ و٤٩٩ و٥٠١)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٧٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٧٥٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٩٥ و٢٢٩٨ و٢٣٠٣)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار"
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٦/ ٧٨ رقم (٢٣٠٣).
(٢) "الفتح" ١/ ٥٦١.
[ ١١ / ٤٦٠ ]
(١/ ٣٧٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٠ و١١٤١ و١١٤٢)، و(الدارقطنيّ) (١/ ٢٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥١١)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال الإمام الطحاويّ -﵀-: تواترت الأحاديث، وتتابعت بجواز الصلاة في الثوب الواحد مُتَوَشِّحًا بَه في حال وجود غيره من الثياب، وأخرج في ذلك عن أحد عشر صحابيًّا، وهم: أبو هريرة، وطَلْق بن عليّ، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وعمر بن أبي سلمة، وسلمة بن الأكوع، وعبد اللَّه بن عباس، وأبي بن كعب، وأبو سعيد الخدريّ، وأنس بن مالك، وأم هانئ -﵃-.
ولَمّا أخرج الترمذيّ حديث عُمر بن أبي سلمة في الصلاة في ثوب واحد، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، وجابر، وسلمة بن الأكوع، وأنس، وعمرو بن أبي أسد، وأبي سعيد، وكيسان، وابن عباس، وعائشة، وأم هانئ، وعمار بن ياسر، وطلق بن عليّ، وعبادة بن الصامت -﵃-.
قال في "العمدة": وفي الباب أيضًا عن حذيفة، وعبد اللَّه بن أبي أمية، وعبد اللَّه بن أبي أنيس، وعبد اللَّه بن سَرْجِس، وعبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المغيرة المخزوميّ، وعليّ بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، وأبي أمامة، وأبي عبد الرحمن حاضن عائشة، وأم حبيبة، وأم الفضل، ورجل لم يُسَمَّ.
فحديث أبي هريرة عند البخاريّ، وأبي داود، وحديث طلق بن عليّ عند أبي داود، والطحاويّ، وحديث جابر عند الطحاويّ، والبزار، وحديث عبد اللَّه بن عُمر عند الطحاويّ، وحديث عُمر بن أبي سلمة عند الشيخين، وغيرهما، وحديث سلمة بن الأكوع، عند أبي داود، والطحاويّ، وحديث أم هانئ عند الشيخين وغيرهما، وحديث عبد اللَّه بن عباس عند الطحاويّ، وحديث أبي بن كعب عند ابن أبي شيبة، والطحاويّ، وحديث أبي سعيد الخدريّ عند ابن ماجه، والطحاويّ، وحديث أنس بن مالك عند أحمد والطحاويّ، وحديث عمرو بن أبي أسد عند البغويّ في "معجم الصحابة"، والحسن بن سفيان في "مسنده"، وحديث كيسان عند ابن ماجه، وحديث عائشة
[ ١١ / ٤٦١ ]
عند أبي داود، وحديث عمار بن ياسر عند (^١)، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبرانيّ في "الكبير"، وحديث حذيفة عند أحمد، وحديث عبد اللَّه بن أبي أمية عند الطبرانيّ في "الكبير"، وحديث عبد اللَّه بن أبي أنيس عند الطبرانيّ أيضًا، وحديث عبد اللَّه بن سَرْجِس عنده أيضًا، وحديث عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن المغيرة عند أحمد، وحديث علي بن أبي طالب عند الطبرانيّ، وحديث معاذ عنده أيضًا، وحديث معاوية عنده أيضًا، وحديث أبي أمامة عنده أيضًا، وحديث عبد الرحمن حاضن عائشة عنده أيضًا في "الأوسط"، وحديث أم حبيبة عند أحمد، وحديث أم الفضل عنده أيضًا، وحديث الرجل الذي لم يُسَمَّ عنده أيضًا. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة في ثوب واحد، قال النوويّ -﵀-: ولا خلاف في هذا، إلا ما حُكي عن ابن مسعود -﵁- فيه، ولا أعلم صحته، وأجمعوا أن الصلاة في ثوبين أفضل، وأما صلاة النبيّ -ﷺ-، والصحابة -﵃- في ثوب واحد، ففي وقتٍ كان لعَدَم ثوب آخر، وفي وقتٍ كان مع وجوده؛ لبيان الجواز، كما قال جابر -﵁-: ليراني الْجُهّال، والا فالثوبان أفضل، كما سبق. انتهى.
٢ - (ومنها): بيان يُسر الدين، وسهولة الشريعة، حيث سهّلت في جواز الصلاة في ثوب واحد، قال -﷿-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ الآية [البقرة: ١٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية [المائدة: ٦].
٣ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من الاهتمام بأمور الدين، فكانوا يسألون النبيّ -ﷺ- عن كل ما أشكل عليهم، فيعلّمهم ويبيّن لهم ما أشكل عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية [النحل: ٤٤].
_________________
(١) هنا بياض في الأصل.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٩٠ - ٩١.
[ ١١ / ٤٦٢ ]
٤ - (ومنها): ما قاله وليّ الدين العراقيّ -﵀-: استُدِلّ بهذا الحديث على وجوب الصلاة في الثياب؛ لما دل عليه من أن جواز الاقتصار على ثوب واحد رخصة؛ لضيق الحال، فدَلّ على أنه لا يجوز ترك ذلك، والمعتبر في ذلك الثوب أن يكون ساترًا للعورة، بحسب اختلاف العلماء في العورة، وذلك أيضًا يختلفَ بالذكورة، والأنوثة، وحرية المرأة، ورِقِّها، وإذا ثبت وجوب السترة في الصلاة كان دليلًا على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطًا فيها، وبهذا قال الجمهور انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم ستر العورة في الصلاة:
ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة من شروط الصلاة، وعن بعض المالكية: التفرقة بين الذاكر والناسي، ومنهم من أطلق كونه سنةً، لا يُبطل تركها الصلاةَ، واحتج بأنه لو كان شرطًا في الصلاة لاختَصَّ بها، ولافتقر إلى النية، ولكان العاجز العريان ينتقل إلى بدل كالعاجز عن القيام ينتقل إلى القعود.
والجواب عن الأول النقض بالإيمان، فهو شرط في الصلاة، ولا يختص بها، وعن الثاني باستقبال القبلة، فإنه لا يفتقر للنية، وعن الثالث على ما فيه بالعاجز عن القراءة، ثم عن التسبيح، فإنه يصلي ساكتًا، قاله في "الفتح" (^١).
وقال الحافظ وليّ الدين -﵀- بعد استدلاله بحديث أبي هريرة -﵁- المذكور في الباب على وجوب سترة العورة في الصلاة -﵀- ما نصّه:
وإذا ثبت وجوب السترة في الصلاة كان دليلًا على أنه شرط فيها؛ لأن الغالب أن ما وجب في الصلاة كان شرطًا فيها، وبهذا قال الجمهور، قال: وعند المالكية أربعة أقوال: الاشتراط مطلقًا، وهو المشهور، والاشتراط مع الذِّكْر دون النسيان، والوجوب خاصّة، والاستحباب.
وحَكَى القاضي أبو بكر ابن العربي في كون ستر العورة من فروض
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٥٥ - ٥٥٦.
[ ١١ / ٤٦٣ ]
الصلاة أربعة أقوال، بعد أن صَدَّر كلامه بأن ستر العورة فرض إسلاميّ، لا خلاف فيه بين الأمة، قال: واختلف العلماء هل هو من فروض الصلاة؟ على أربعة أقوال:
الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، حكاه أبو الفرج.
الثاني: يكون متزرَ وسطه، كما فعل جابر -﵁-، قاله ابن القاسم، كأنه غطى العورة وحماها، وستر ما اتصل بها.
الثالث: يصلي مستور العورة خاصةً، وبه قال الشافعىّ، وأبو حنيفة، وأكثر علماء الأمصار
الرابع: أنه لا يجب ستر عورة ولا غيرها، قال بعض شيوخنا: إذا كان في بيته، ولا يراه أحد، وحكاه القاضي أبو محمد وغيره عن القاضي إسماعيل، والأبهريّ، وابن بكير، وجاء نحوه عن أشهب؛ لأنه قال: من صلى عريانأ أعاد في الوقت، قال: والصحيح وجوب ستر العورة في الصلاة، فإنها إذا وجبت خارج الصلاة تأكدت بالصلاة. انتهى.
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": وفيه نظرٌ، فإنه ذكر أن الأقوال الأربعة في أن ستر العورة من فروض الصلاة أم لا؟ ثم حَكَى القول الأول أنه يجب ستر جميع الجسد، ولا قائل فيما نعلم بأن جميع جسد الرجل عورة، فكان حقه أن يَفْرِض الخلاف فيما يجب ستره في الصلاة لا بقيد كونه عورة، على أن الذي حكاه ابن عبد البر في "الاستذكار" عن أبي الفرج وجوب ستر العورة في الصلاة، لا ستر جميع البدن. انتهى.
قال وليّ الدين: وحكى القاضي عياض عن أبي الفرج وجوب ستر جميع الجسد في الصلاة، كما حكاه ابن العربيّ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من أن ستر العورة في الصلاة واجب لا تصحّ الصلاة إلا به؛ لأحاديث الباب، وغيرها مما هو صريح في الوجوب، وأما القول بعدم الوجوب، أو بوجوب ستر جميع البدن فمن الأقوال الساقطة التي لا تستند إلى دليل، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ١١ / ٤٦٤ ]
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في الصلاة في الثوب الواحد:
ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى جواز الصلاة في الثوب الواحد.
وممن رأى ذلك من أصحاب النبيّ -ﷺ-: عمر بن الخطاب، وأُبيّ بن كعب، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عبّاس، وأنس بن مالك، وخالد بن الوليد، وأبو هريرة -﵃-، وروي ذلك عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-.
وبه قال جماعة من التابعين، وهو قول مالك، ومن تبعه من أهل المدينة، والأوزاعيّ، ومن قال بمثل قوله من أهل الشام، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأبي ثور، وأصحاب الحديث، وأهل الرأي من الكوفة.
قال ابن المنذر -﵀-: وقد روينا عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: يصلي في ثوبين، وقال نافع: رآني ابن عمر أصلي في ثوب واحد، وقال: ألم أكسك ثوبين؟ فقلت: بلى، قال: أرأيت لو أرسلتك إلى فلان أكنت ذاهبًا في هذا الثوب؟ فقلت: لا، قال: اللَّه أحقّ أن تَزَيَّنَ له، أو من تَزَيَّنت له.
وثبت عنه أنه قال لنافع: إذا كان واسعًا تتوشّح به، وإذا كان قصيرًا فاتّزر به.
ثم أخرج ابن المنذر أثريّ ابن عمر بسنده، ثم قال: وهذا من قول ابن عمر يدلّ على أنه استحبّ الصلاة في ثوبين، لا أنه رأى ذلك واجبًا، لا يجزي عنه، ويُشبه أن يكون مراد ابن مسعود هذا المعنى؛ استحبابًا لأن يصلي في ثوبين، ولو أوجب ابن مسعود الصلاة في ثوبين لكانت السنّة مستغنى بها. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- (^١).
وأخرج عبد الرزّاق في "مصنّفه" عن الحسن، قال: اختَلَف أُبَيّ بن كعب وابن مسعود في الرجل يصلي في الثوب الواحد، فقال أُبَيّ: يصلي في الثوب الواحد، وقال ابن مسعود في ثوبين، فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليهما، فقال: اختلفتما في أمر، ثم تفرّقتما، فلم يدر الناس بأيّ ذلك يأخذون، لو أتيتما لوجدتما عندي علمًا، القول ما قال أُبَيّ، ولم يأل ابن مسعود.
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٥٣ - ٥٤.
[ ١١ / ٤٦٥ ]
وعن الحسن: أن أُبي بن كعب وعبد اللَّه بن مسعود اختلفا في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أُبيّ: لا بأس به، قد صلى النبيّ -ﷺ- في ثوب واحد، فالصلاة فيه جائزة، وقال ابن مسعود: إنما كان ذلك إذ كان الناس لا يجدون الثياب، وأما إذ وجدوها فالصلاة في ثوبين، فقام عمر على المنبر، فقال: القول ما قال أُبيّ، ولم يأل ابن مسعود (^١).
وأخرج أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنّفه" عن مجاهد قال: لا تُصَلِّ في ثوب واحد إلا أن لا تجد غيره، وأخرج عن ابن مسعود -﵁- قال: لا يُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد، وإن كان أوسع مما بين السماء والأرض، يصلي وهو مُضْطبع، وعن ابن عُلَيّة، عن خالد، قال: رأيت أبا قلابة وعليه جبة، ومِلْحفة غسيلة، وهو يصلي، مُضْطَبِعًا، قد أخرج يده، وعن ابن عَوْن قال: قيل للحسن: إنهم يقولون: يكره أن يصلي الرجل، وقد أخرج يده من تحت نحره، فقال الحسن: لو وكل اللَّه دينه إلى هؤلاء لضيقوا على عباده. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من جواز الصلاة في الثوب الواحد، وما نُقل عن هؤلاء مما يدلّ على أنه يصلي في ثوبين إما محمول على الاستحباب، وإلا فحديث النبيّ -ﷺ- حجة عليهم، كما سبق قول ابن المنذر -﵀-: ولو أوجب ابن مسعود في ثوبين لكانت السنّة مستغنًى بها.
لكن الصلاة في ثوبين أفضل إن تيسّر، قال ابن عبد البرّ -﵀-: وفي قوله -ﷺ-. "أوَلكلّكم ثوبان؟ " دليلٌ على أن من كان معه ثوبان يتزّر بالواحد، ويلبس الآخر، إنه حسنٌ في الصلاة. انتهى (^٣).
وأخرج البخاريّ في "صحيحه" عن ابن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- قال: قام رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد؟ فقال: "أو كلكم يجد ثوبين؟ ".
ثم سأل رجل عمر -﵁-، فقال: "إذا وَسّع اللَّه فأوسعوا، جَمَعَ رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء، في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في
_________________
(١) "مصنّف عبد الرزاق" ١/ ٣٥٦.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ١/ ٢٧٩.
(٣) "التمهيد" ٦/ ٣٧١.
[ ١١ / ٤٦٦ ]
سراويل ورداء، في سراويل وقَميص، في سراويل وقَباء، في تُبّان وقباء، في تُبّان وقميص، قال: وأحسبه قال: في تبان ورداء". انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: وفي هذا دليلٌ على أن عمر -﵁- يرى أن الصلاة في الثوبين أفضل من الثوب الواحد؛ لأنه إنما جاز لضيق الحال، فإذا وسّع اللَّه على عبده فالأفضل أن يتجمّل بثيابه.
والحاصل أن الصلاة في الثوب الواحد مع وجود غيره جائزة، وإنما الأفضل لمن يجد غيره أن يصلي بهما، وأما القول بإيجاب الصلاة في ثوبين، وإن نُقل عن بعض السلف، كما مرّ آنفًا فتردّه الأحاديث الصحيحة المذكورة في هذا الباب وغيرها، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، وَحَدَّثَنِي (^١) أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أحد عشر:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التُّجيبيّ، صاحب الشافعيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد اللَّه القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت حافظ عابد فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) عن (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ، ثقة ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد اللَّه المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١١ / ٤٦٧ ]
٥ - (أَبُوهُ) شُعيب بن الليث بن سعد الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ فقيهٌ، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٦ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٧ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأيليّ، أبو خالد الأمويّ مولاهم، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
وقوله: (وَحَدَّثَنِي أَبِي) بواو العطف، فيكون معطوفًا على محذوف، أي حدّثني أبي بكذا، وحدّثني إلخ، وفي بعض النسخ: "حدّثني" بحذفها، وهو واضح.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير ليونس، وعُقيل.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث مالك، عن ابن شهاب الماضي.
[تنبيه]: رواية يونس التي أحالها هنا على رواية مالك، ساقها الحافظ أبو نعيم في "مستخرجه" (٢/ ١٢٢) فقال:
(١١٤١) حدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا حرملة بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، وأبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبيّ -ﷺ-: أن رجلًا ناداه، فقال: يا رسول اللَّه، أيصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أولكلكم ثوبان؟ ". انتهى.
وأما رواية عُقيل، عن ابن شهاب، فساقها الحافظ أبو بكر البيهقيّ في "السنن الكبرى" (٢/ ٢٣٧) فقال:
(٣٠٩٥) وأخبرنا أبو الحسن، علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أبو بكر محمد بن محمويه العسكريّ بالأهواز، ثنا جعفر بن محمد القلانسيّ، ثنا آدم بن أبي إياس، ثنا الليث بن سعد، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رجلًا يسأل رسول اللَّه -ﷺ-: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "أولكلكم ثوبان؟ ".
[ ١١ / ٤٦٨ ]
فكان أبو هريرة -﵁- يقول: إني لأترك ردائي على الْمِشْجَب، وأُصَلِّي مُلْتَحِفًا.
قال: أخرجه مسلم في "الصحيح" من حديث الليث بن سعد، دون فعل أبي هريرة -﵁-، ورواه أيضًا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁-. انتهى. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٥] (. . .) - (حَدَّثَنِي عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَادَى رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبِ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: "أَوَ كُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عُليّة الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) عن (٨٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةُ فقيهٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ) بن أبي عمرة الأنصاريّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ عابد كبير القدر [٣] (ت ١١٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٨.
والباقون تقدّموا في هذا الباب وفيما قبله، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت في أول أحاديث الباب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٦] (٥١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (^١)، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
_________________
(١) وفي نسخة: "وزهير بن حرب، عن ابن عيينة".
[ ١١ / ٤٦٩ ]
الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا يُصَلِّي (^١) أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ، لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ (^٢) مِنْهُ شَيْءٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٢ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز مولى الأسود بن سفيان، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
والباقون ذُكروا في هذا الباب، وابن عيينة في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم.
٢ - (ومنها): أن قوله: "قال زهير: حدّثنا سفيان"، إشارة إلى اختلاف صيغ أداء شيوخه، ففي رواية زهير بن حرب صرّح بالتحديث، وذكر شيخه باسمه، بخلاف الآخَرينِ فلم يصرّحا بذلك.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والثاني ما أخرج له الترمذيّ وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد من أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، فقد روي عن البخاريّ أنه قال: أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁- أبو الزناد، عن الأعرج، عنه (^٣).
٦ - (ومنها): أن أبا هريرة -﵁- أكثر من روى الحديث في دهره، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "لا يصلّ" بحذف الياء.
(٢) وفي نسخة: "على عاتقه" بالإفراد.
(٣) راجع شرحي "إسعاف ذوي الوطر على ألفية الأثر" ١/ ٤١ - ٤٢.
[ ١١ / ٤٧٠ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ) هكذا "يُصَلِّي" بإثبات الياء في معظم النسخ، وأشار في هامش نسخة محمد ذهني إلى أنه يوجد في بعض النسخ: "لا يُصَلِّ" بحذفها، قال ابن الأثير -﵀-: كذا هو في "الصحيحين" بإثبات الياء، ووجهه أن "لا" نافية، وهو خبر بمعنى النهي (^١).
وقال ابن رجب -﵀-: هكذا الرواية "لا يُصلّي" بالياء، فيكون إخبارًا عن الحكم الشرعيّ، أو إخبارًا يُراد به النهي، كما قيل مثله في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ الآية [البقرة: ٢٣٣]. انتهى (^٢).
وقال الحافظ -﵀-: ورواه الدارقطنيّ في "غرائب مالك" من طريق الشافعيّ، عن مالك بلفظ: "لا يصل" بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن مالك، بلفظ: "لا يُصَلِّيَنّ" بزيادة نون التأكيد، ورواه الإسماعيليّ من طريق الثوريّ، عن أبي الزناد، بلفظ: "نَهَى رسول اللَّه -ﷺ-". انتهى (^٣).
(فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) متعلّقٌ بـ "يُصلّي" (لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ") هكذا في معظم النسخ "عاتقيه" بالتثنية، ووقع في بعضها "عاتقه" بالإفراد، وهو الذي عند النسائيّ، وعند أبي داود: "ليس على منكبيه منه شيءٌ"، و"العاتق" هو ما بين المنكبين إلى أصل العنق، وهو مُذكّر وحُكي تأنيثه.
وقوله: "شيءٌ" اسم "ليس" مؤخّرًا، وخبرها الجارّ والمجرور الأول، والثاني صفة لـ "شيء" قُدّم عليه، فيُعرب حالًا؛ لأن نعت النكرة إذا قُدّم عليها يُعرب حالًا، كما في قول الشاعر:
لِمَيَّةَ مُوحِشًا طَلَلٌ … يَلُوحُ كَأَنَّهُ خِلَلُ
فـ "موحِشًا" نعت لـ "طللٌ"، فلما قُدّم عليه نُصب على الحال، وجملة "ليس إلخ" في محلّ نصب على الحال من الثوب.
والمراد من الحديث: أنه لا يتّزر بالثوب الواحد في وسطه، ويشدّ طرفي
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٦١.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٦١.
(٣) "الفتح" ١/ ٥٦١.
[ ١١ / ٤٧١ ]
الثوب في حَقْويه، بل يتوشّح بهما على عاتقيه؛ ليحصل الستر لجزء من أعلى البدن، وإن كان ليس بعورة، أو لكون ذلك أمكن في ستر العورة (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد وردت أحاديث في كيفيّة الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يُخالف بين طرفي الثوب على عاتقيه، وهو التوشّح المذكور فيما أخرجه البخاري، وأبو داود من حديث أبي هريرة -﵁- قال: أشهد أني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من صلى في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه"، لفظ البخاريّ، ولفظ أبي داود: "إذا صلى أحدكم في ثوب، فليخالف بطرفيه على عاتقيه".
وهذا فيما إذا كان الثوب يتّسع لذلك، وأما إذا كان ضيّقًا، فليُصلّ به متّزِرًا؛ لما أخرجه الشيخان من حديث جابر بن عبد اللَّه -﵄- قال: خرجت مع النبيّ -ﷺ- في بعض أسفاره، فجئت ليلةً لبعض أمري، فوجدته يصلي، وعليّ ثوب واحدٌ، فاشتملت به، وصليت إلى جانبه، فلما انصرف قال: "ما السُّرَى يا جابر؟ "، فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت قال: "ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ " قلت: كان ثوبٌ -يعني ضاق- قال: "فإن كان واسعًا فالتَحِف به، وإن كان ضَيِّقًا فاتزر به"، ولفظ مسلم: "إذا كان واسعًا فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيّقًا، فاشدُده على حِقْوِك" (^٢).
وقد أورد المصنّف بعد هذا أحاديث تبيّن الكيفيّة أيضًا، وسنزيد عند شرحها بيانًا وإيضاحًا وشرحًا -إن شاء اللَّه تعالى-.
[فائدة]: "العاتق": ما بين المنكب والعنق، مُذَكّرٌ، وقد أُنِّث، وليس بِثَبَتٍ، وزعموا أن هذا البيت مصنوع، وهو:
لَا نَسَبَ الْيَوْمَ وَلَا خُلَّةٌ … اتَّسَعَ الْفَتْقُ عَلَى الرَّاتِقِ
لَا صُلْحَ بَيْنِي -فَاعْلَمُوا- وَلَا … بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي
وَلَا سَيْفِي وَمَا كُنَّا بِنَجْدٍ وَمَا … قَرْقَرَ قُمْرُ الْوَادِي بِالشَّاهِقِ
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٤٧١.
(٢) "الْحِقْو" بفتح الحاء وكسرها: موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة.
[ ١١ / ٤٧٢ ]
قال ابنُ بَرِّيّ: والعاتق مؤنّثةٌ، واستَشْهَدَ بهذه الأبيات، ونَسَبها لأبي عامر جدّ العبّاس بن مِرْداس، وقال: ومن رَوى البيت الأول:
اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ
فهو لأنس بن العبّاس بن مِرْداس، وقال اللحيانيّ: هو مذكّرٌ لا غير، وهما عاتقان، والجمع عُتْقٌ، وعُتَقٌ، وعَوَاتِقُ، ذكره في "اللسان" (^١).
وقال في "العمدة" بعدما ذكر نحو ما تقدّم ما نصّه: وفي "الموعب": صَفْح العنق من موضع الرداء من الجانبين جميعًا يقال له: العاتق، وقال أبو حاتم: رَوَى من لا أثق به التأنيث، وسألت بعض الفصحاء، فأنكر التأنيث، وقد أنشدني من لا أثق به بيتًا ليس بمعروف، ولا عن ثقة: "ولا صلح بيني" إلى آخره.
وقال ابن التبّاني: قال أبو عبيد: قال الأحمر: العاتق يذكَّر ويؤنَّث، وأنشدنا:
"لا صُلْحَ بَيْنِي. . . إلخ"، وقال ابن الأنباريّ، عن الفرّاء مثله، وفي "الجامع": هو مذكَّرٌ، وبعض العرب يؤنثه، وأنكره بعضهم، وقال: هذا لا يُعْرَف، وأما يعقوب بن السِّكِّيت، فذكره مذكَّرًا ومؤنثًا من غير تردُّد، وتبعه على ذلك جماعة، منهم أبو نصر الجوهريّ، وقد أنشد ابن عصفور في ذكر الأعضاء التي تُذَكَّر وتُؤَنَّث [من الطويل]:
وَهَاكَ مِنَ الأَعْضَاءِ مَا قَدْ عَدَدتُهُ … يُؤَنَّثُ أَحْيَانًا وَحِينًا يُذَكَّرُ
لِسَانُ الْفَتَى وَالْعُنْقُ وَالإِبْطُ وَالْقَفَا … وَعَاتِقُهُ وَالْمَتْنُ وَالضِّرْسُ يُذْكَرُ
وَعِنْدِي ذِرَاعٌ وَالْكُرَاعُ مَعَ الْمِعَا … وَعَجْزُ الْفَتَى ثُمَّ الْقَرِيضُ الْمُحَبَّرُ
كَذَا كُلُّ نَحْوِيٍّ حَكَى فِي كِتَابِهِ … سِوَى سِيبَوَيْهِ وَهْوَ فِيهِمْ مُكَبَّرُ
يَرَى أَنَّ تَأْنِيثَ الذِّرَاعِ هُوَ الَّذِي … أَتَى وَهْوَ لِلتَّذْكِيرِ فِي ذَاكَ مُنْكِرُ
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "لسان العرب" ١٠/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ١١ / ٤٧٣ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٥٦] (٥١٦)، (والبخاريّ) في "الصلاة" (٣٥٩ و٣٦٠)، و(أبو داود) فيها (٦٢٦ و٦٢٧)، و(النسائيّ) فيها (٢/ ٧١) وفي "الكبرى" (١/ ٢٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٢٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٣٦٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤٥٦ و٤٥٧ و١٥٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): النهي لمن صلّى في ثوب واحد أن يُجرّد عاتقيه منه.
٢ - (ومنها): عناية الشام بالتزيّن والتجمّل في الصلاة، قال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية [الأعراف: ٣١] ما نصّه: ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنّة يُستحبّ التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة، ويوم العيد. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله العلماء: إن حكمة النهي الوارد في هذا الحديث أنه إذا ائتَزر به، ولم يكن على عاتقه منه شيء، لم يؤمن أن تنكشف عورته، بخلاف ما إذا جَعل بعضه على عاتقه، ولأنه قد يَحتاج إلى إمساكه بيده أو يديه، فيُشْغَل بذلك، وتفوته سنةُ وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت صدره (^٢)، ورفعهما حيث شُرع الرفع، وغير ذلك، ولأن فيه ترك ستر أعلى البدن، وموضعِ الزينة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ٣١]، ذكره النوويّ -﵀- (^٣).
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٢/ ٢٩٥.
(٢) هكذا قال النووي: "تحت صدره" لأن مذهبه على هذا، وإلا فالذي صحّ في حديث وائل بن حجر -﵁- أنه على الصدر، وقد استوفينا البحث في هذا في محلّه، وللَّه الحمد والمنّة.
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٣١ - ٢٣٢.
[ ١١ / ٤٧٤ ]
وقال ابن دقيق العيد -﵀-: هذا النهي مُعَلَّل بأمرين:
أحدهما: أن في ذلك تَعَرِّي أعالي البدن، ومخالفة الزينة المسنونة في الصلاة.
والثاني: أن الذي يفعل ذلك إما أن يَشْغَل يده بإمساك الثوب أو لا، فإن لم يَشْغَل خيف سقوط الثوب، وانكشاف العورة، وإن شُغِل كان فيه مفسدتان:
إحداهما: أنه يمنعه من الإقبال على صلاته، والاشتغال بها.
الثانية: أنه إذا شَغَل يديه في الركوع والسجود، لا يؤمن من سقوط الثوب، وانكشاف العورة.
ونُقِل عن بعض العلماء القول بظاهر هذا الحديث، ومَنَعَ الصلاة في السراويل والإزار وحده؛ لأنها صلاة في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شيء، وهذا مخصوص بغير حالة الضرورة، والأشهر عند الفقهاء خلافُ هذا المذهب، وجوازُ الصلاة بما يَسْتُر العورة، وعارضوا هذا بقوله -ﷺ- لجابر -﵁- في الثوب: "وإن كان ضَيِّقًا فاتَّزِر به"، ويُحْمَل هذا النهي على الكراهة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: الحقّ أن النهي للتحريم، وأن حديث جابر -﵁- محمول على حالة الضرورة، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في بيان اختلاف أهل العلم في حكم ستر العاتقين في الصلاة:
قال النوويّ ما حاصله: ذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، والشافعيّ -رحمهم اللَّه تعالى- والجمهور إلى أن هذا النهي للتنزيه، لا للتحريم، فلو صلى في ثوب واحدٍ ساترٍ لعورته، ليس على عاتقه منه شيء صحّت صلاته مع الكراهة، سواءٌ قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا.
وقال أحمد، وبعض السلف -رحمهم اللَّه تعالى-: لا تصح صلاته إذا
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٤٨ - ١٤٩ بنسخة "العدّة".
[ ١١ / ٤٧٥ ]
قدر على وضع شيء على عاتقه إلا بوضعه؛ لظاهر الحديث، وعن أحمد بن حنبل -رحمه اللَّه تعالى- رواية أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه.
وحجة الجمهور قوله -ﷺ- في حديث جابر -﵁-: "فإن كان واسعًا فالْتَحِف به، وإن كان ضَيِّقًا فَأتزر به"، رواه البخاريّ، ورواه مسلم في آخر الكتاب في حديثه الطويل. انتهى كلام النوويّ -﵀-.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: سيأتي ترجيح القول بكون النهي للتحريم، فتنبّه.
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: قد أجمع العلماء لمن صلّى في ثوب واحد على استحباب المخالفة بين طرفيه، ووضعهما على عاتقيه، وأنه الأفضل، بل كرهوا للمصلي أن يجرّد عاتقيه في الصلاة، قال النخعيّ: كان الرجل من أصحاب محمد -ﷺ- إذا لم يجد رداء يصلي فيه وضع على عاتقيه عِقالًا، ثم صلى، وقال النخعيّ أيضًا: كانوا يكرهون إعراء المناكب في الصلاة، خرّجهما ابن أبي شيبة في مصنّفه (^١).
ولو صلى مكشوف المنكبين، فقال أكثر الفقهاء: لا إعادة عليه، وحُكي روايةً عن أحمد، وقال أبو جعفر محمد بن عليّ: عليه الإعادة؛ لارتكابه النهي، والمشهور من مذهب أحمد أنه إن صلّى الفريضة كذلك أعاد، وفي إعادة النفل عنه روايتان، وقد قيل: إن الشافعيّ نصّ على وجوبه في الصلاة، وحكى بعض المالكيّة عن أبي الفرج من أصحابهم أن ستر جميع الجسد في الصلاة لازم، وفي صحة هذا نظر.
ونصّ أحمد على أنه لو ستر أحد منكبيه، وأعرى الآخر صحّت صلاته؛ لأنه لم يرتكب النهي، فإن النهي هو إعراء عاتقيه، ولم يوجد ذلك. انتهى المقصود من كلام ابن رجب -﵀- (^٢).
وقال الشوكانيّ -﵀-: الحديث يدلّ على المنع من الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتق المصلي منه شيء، وقد حمل الجمهور هذا النهي
_________________
(١) "المصنّف" ١/ ٣٤٩.
(٢) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ١١ / ٤٧٦ ]
على التنزيه، وعن أحمد: لا تصح صلاةُ مَن قدر على ذلك فتركه، وعنه أيضًا تصحّ صلاته، ويأثم.
وغَفَل الكرمانيّ عن مذهب أحمد، فادَّعى الإجماع على جواز ترك جعل طرف الثوب على العاتق، وجعله صارفًا للنهي عن التحريم إلى الكراهة، وقد نَقَل ابن المنذر عن محمد بن عليّ عدم الجواز، وكلام الترمذيّ يدل على ثبوت الخلاف أيضًا، وعَقَد الطحاويّ له بابًا في "شرح معاني الآثار"، ونَقَل المنع عن ابن عمر، ثم عن طاوس، والنخعيّ، ونقله غيره عن ابن وهب، وابن جرير.
وجمع الطحاوي بين الأحاديث بأن الأصل أن يصلي مشتملًا، فإن ضاق اتّزر.
ونقل الشيخ تقي الدين السبكيّ وجوب ذلك عن الشافعيّ، واختاره، قال الحافظ: لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه.
واستَدَلَّ الخطابي على عدم الوجوب بأنه -ﷺ- صلى في ثوب كان أحد طرفيه على بعض نسائه، وهي نائمة، قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير متسع لأن يتزر به، ويفضل منه ما كان لعاتقه، قال الحافظ: وفيما قاله نظر لا يخفى.
قال الشوكانيّ: إذا تقرّر لك عدم صحة الإجماع الذي جعله الكرمانيّ صارفًا للنهي، فالواجب الجزم بمعناه الحقيقيّ، وهو تحريم ترك جعل طرف الثوب الواحد حال الصلاة على العاتق، والجزم بوجوبه، مع المخالفة بين طرفيه لحديث أبي هريرة -﵁- المتقدّم: "إذا صلّى أحدكم في ثوب، فليُخالف بطرفيه على عاتقيه"، حتى ينتهض دليل يصلح للصرف.
ولكن هذا في الثوب إذا كان واسعًا جمعًا بين الأحاديث كما صرّح بذلك في حديث جابر -﵁-: "فإن كان واسعًا فالتحف به، وإن كان ضيّقًا، فاتّزر به".
وقد عَمِل بظاهر الحديث ابن حزم، فقال: وفرضٌ على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يَطْرَح منه على عاتقه أو عاتقيه، فإن لم يفعل بطلت صلاته، فإن كان ضَيِّقًا اتَّزر به، وأجزأه، سواءٌ كان معه ثياب غيره، أو لم يكن، ثم ذَكَرَ ذلك عن نافع مولى ابن عمر، والنخعيّ، وطاوس. انتهى كلام الشوكانيّ ببعض تصرّف.
[ ١١ / ٤٧٧ ]
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ: تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وخلاصة القول أن مذهب القائلين بعدم صحّة الصلاة في الثوب الواحد إذا لم يكن على عاتقه منه شيء، وأن النهي للتحريم، لا للتنزيه هو الحقّ الذي لا ينبغي العدول عنه؛ لكون النصّ صريحًا في ذلك، ولا معارض له، والقائلون بخلافه لم يأتوا بمعارض يصلح للتمسّك به، فبعضهم ادّعى الإجماع، وقد عرفت بطلانه، وبعضهم احتجّ بحديث جابر، وقد عرفت المراد منه.
والحاصل أن من صلّى في ثوب واحد واسع، ولم يجعل على عاتقه منه شيئًا، وهو قادر على ذلك لم تصحّ صلاته؛ لما ذكرناه، فتبصّر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٧] (٥١٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلًا بِهِ، فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء بن كُريب الْهَمدانيّ الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) عن (٨٧) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) عن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد اللَّه المدنيّ، ثقة ثبتٌ فقيه مشهور [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد اللَّه بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ، أبو حفص المدنيّ، رَبِيب النبيّ -ﷺ-.
[ ١١ / ٤٧٨ ]
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أمه أم سلمة، ورَوَى عنه ابنه محمد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وسعيد بن المسيِّب، وعروة بن الزبير، وثابت الْبُنَانيّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وقُدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، وعبد اللَّه بن كعب الْحِمْيَرِيّ، ووهب بن كيسان، وأبو وَجْزَة السعدي، وابن له غير مسمى.
قال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عروة: وُلِد بأرض الحبشة، وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير: كنت أنا وعمر بن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة، وفي رواية عنه: كان أكبر مني بسنتين، قال الزبير بن بكار: وكان مع علي بن أبي طالب، فولاه البحرين، وله عقب، وقال ابن عبد البرّ: وُلد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة، وقيل: إنه كان ابن تسع سنين لما مات النبيّ -ﷺ-، وشَهِد مع عليّ الْجَمَل، وتوفي بالمدينة سنة (٨٣)، وقال غيره: قُتِل مع عليّ يوم الجمل، وليس بشيء.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط برقم (٥١٧) وكرّره ثلاث مرّات، و(١١٠٨) و(٢٠٢٢) وأعاده بعده.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه التحديث، والعنعنة، والإخبار.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والأولان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن شيخه أحد المشايخ التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الكتب الستة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ: هشام، عن أبيه.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- هذا أول محلّ ذكره في هذا الكتاب، وقد عرفت آنفًا عدد أحاديثه فيه، وهو من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب
[ ١١ / ٤٧٩ ]
الستة إلا نحو ثمانية أحاديث، راجع: "تحفة الأشراف" (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير (أَنَّ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ) الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄- (أَخْبَرَهُ) أي أخبر عروةَ، وقوله: (قَالَ) تفسير وتوضيح لمعنى "أخبر" ("رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي) جملة في محلّ نصب على الحال؛ لأن "رأيت" بصريّة لا تتعدّى إلى اثنين، وأعربها في "العمدة" مفعولًا ثانيًا لـ "رأيت"، وهذا على جعلها علميّةً، والظاهر أنها هنا بصريّة، كما قدّمته آنفًا، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
(فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ) متعلّقٌ بـ "يصلّي" (مُشْتَمِلًا بِهِ) هكذا عند المصنّف بالنصب، وكذا هو عند البخاريّ في رواية الأكثرين، منصوب على الحال من "رسول اللَّه"، ووقع في البخاريّ في رواية المستملي والحموي بلفظ: "مشتمل"، قال في "العمدة": وجه الجرّ للمجاورة، ووجه الرفع على أنه خبر مبتدإ محذوف، والتقدير: وهو مشتمل به. انتهى (^٢).
(فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ) متعلّق بـ "يصلي"، ولا يلزم منه تعلّق حرفي الجرّ بلفظ واحد بفعل واحد؛ لاختلاف معنييهما؛ إذ الأولى بمعنى الباء، والثانية ظرفيّة، ويَحْتمل أن يكون متعلّقًا بـ "مشتملًا"، أو تنازعه العاملان (وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ") "واضعًا" حال من فاعل "يصلّي"، و"طرفيه" مفعول به لـ "واضعًا"، و"على عاتقيه" متعلّق بـ "واضعًا".
والمراد من وضع الطرفين على العاتقين هو المخالفة بين طرفي الثوب، كما فسّرته رواية حمّاد بن زيد الآتية بلفظ: "قد خالف بين طرفيه"، وفي حديث جابر -﵁- الآتي: "رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في ثوب واحد متوشِّحًا به".
قال الإمام البخاريّ في "صحيحه": "قال الزهريّ في حديثه: "الْمُلْتَحِف": الْمُتَوَشِّحُ، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ٧/ ٣١٧ - ٣٢٢.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ٩٠.
[ ١١ / ٤٨٠ ]
على منكبيه، قالت أمّ هانئ: التَحَفَ النبيّ -ﷺ- بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه". انتهى (^١).
وقال النوويّ -﵀-: الْمُشْتَمِل، والمتوشِّح، والمخالف بين طرفيه: معناها واحد هنا، قال ابن السِّكِّيت: التوشُّح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرحه": مراد البخاريّ هنا تفسير الالتحاف المذكور فيه، وقد حكى عن الزهريّ أنه فسّره بالتوشّح، وذكر أن التوشّح والالتحاف والاشتمال بالثوب المأمور به في الصلاة هو أن يطرح الثوب على منكبيه، ويرُدّ طرفيه على عاتقيه، فإن لم يردّهما فهو السدل المنهيّ عنه.
ثم ذكر تفسير ابن السّكّيت للتوشّح المذكور في كلام النوويّ، ثم قال: وفرّق الأخفش بين التوشّح والاشتمال، فقال: التوشّح هو: أن يأخذ طرف الثوب الأيسر من تحت يده اليسرى، ويُلقيه على منكبه الأيمن، ويُلقي طرف الثوب الأيمن من تحت يده اليمنى على منكبه الأيسر، قال: والاشتمال أن يَلتَفّ الرجل بردائه، أو بكسائه من رأسه إلى قدمه، يردّ طرف الثوب الأيمنَ على منكبه الأيسر. انتهى (^٣).
واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر بن أبي سلمة -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
[تنبيه]: هذا الحديث أخرجه المصنّف من طرق ثلاثة، من طريق أبي أسامة، ووكيع، وحماد بن زيد، وكذلك أخرجه البخاريّ من ثلاثة طرق، من
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ١/ ٥٥٨ بنسخة "الفتح".
(٢) "شرح النووي" ٤/ ٢٣٣.
(٣) "فتح الباري" لابن رجب -﵀٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ١١ / ٤٨١ ]
طريق عبيد اللَّه بن موسى، ويحيى القطّان، وأبو أسامة، كلهم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة -﵄-.
قال الحافظ ابن رجب -﵀- في "شرح البخاريّ": وأظنّ البخاريّ خرّجه من هذه الوجوه الثلاثة عن هشام ليُبيّن أن من رواه عن هشام، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن أبي أُميّة المخزوميّ، عن النبيّ -ﷺ-، فقد وَهِمَ، فإن ابن إسحاق رواه عن هشام كذلك، خرّجه من طريقه الإمام أحمد، وخرّجه أيضًا من طريق ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة كذلك، وهو وَهَمٌ أيضًا.
وممن جزم بأنه وَهَمٌ على ابن المدينيّ، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيّان.
وممن رواه عن هشام، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة: شعبة، ومالك، وحمّاد بن زيد، وغيرهم. انتهى كلام ابن رجب -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٥٧ و١١٥٨ و١١٥٩ و١١٦٠] (٥١٧)، و(البخاري) في "الصلاة" (٣٥٤ و٣٥٥ و٣٥٦)، و(أبو داود) فيها (٦٢٨)، و(الترمذيّ) فيها (٣٣٩)، و(النسائيّ) في "القبلة" (٢/ ٧٠)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٥٤٩)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ١٤٠)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٣٦٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٦ و٢٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٢٩١ و٢٢٩٢ و٢٢٩٣)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (١/ ٣٧٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٦١ و١٤٦٢ و١٤٦٣ و١٤٦٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٤ و١١٤٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٥١٢ و٥١٣)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): أن فيه جواز الصلاة في ثوب واحد، وقد أجمع العلماء على ذلك، وما نُقل عن ابن مسعود وغيره خلاف ذلك فمحمول على الأفضليّة، أو يُعتذر لهم بأنهم لم يعلموا السنة في ذلك.
_________________
(١) "فتح الباري" لابن رجب -﵀- ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
[ ١١ / ٤٨٢ ]
٢ - (ومنها): أن فيه مشروعيّة الاشتمال في الصلاة، وهو الالتحاف، والتوشّح، وليس المراد اشتمال الصمّاء الذي ورد عنه النهي.
٣ - (ومنها): بيان كيفيّة الصلاة في الثوب الواحد، وذلك أن يضع طرفيه على عاتقيه، وهو معنى المخالفة، والتوشّح والالتحاف، كما مرّ.
٤ - (ومنها): أنه قد ورد الأمر بالكيفيّة المذكورة، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" عن عكرمة قال: سمعت أبا هريرة يقول: أشهد أنى سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "من صلى في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه".
ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصمّاء؛ لورود النهي عن ذلك، فعن أبي سعيد الخدريّ -﵁- أنه قال: "نَهَى رسول اللَّه -ﷺ- عن اشتمال الصَّمّاء، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على فرجه منه شيء"، متّفقٌ عليه.
و"اشتمالُ الصماء" هو -بالصاد المهملة والمدّ- قال أهل اللغة: هو أن يُخَلِّل جسده بالثوب، لا يرفع منه جانبًا، ولا يُبقِي ما يُخرِج منه يده، قال ابن قتيبة: سُمِّيت صماءَ؛ لأنه يَسُدُّ المنافذ كلها، فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خَرْقٌ.
وقال الفقهاء: هو أن يَلْتَحِف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعَهُ على منكبيه، فيصير فرجه باديًا.
قال النووي: فعلى تفسير أهل اللغة يكون كل مكروهًا؛ لئلا تَعْرِض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر، وعلى تفسير الفقهاء يَحْرُم؛ لأجل انكشاف العورة (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٨] (. . .) - (حَدَّثنَاه (^٢) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ (^٣): "مُتَوَشِّحًا"، وَلَمْ يَقُلْ: "مُشْتَمِلًا").
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٦٩.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٣) وفي نسخة: "هشام بن عروة، عن أبيه، بهذا غير أنه قال".
[ ١١ / ٤٨٣ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد هشام، عن أبيه، عن عمر بن أبي سلمة -﵄-.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "مُتَوَشِّحًا") الضمير لوكيع، يعني أن وكيعًا قال في روايته: "متوشّحًا" بدل قول أبي أسامة: "مشتملًا"، وهو بمعناه، قال في "العمدة": "الْمُتَوَشِّحُ": اسم فاعل من باب التفَعُّل، من تَوَشَّح يتوشح، والتوشُّح بالثوب: التغشي به، والأصل فيه من الوِشَاح، وهو شيء يُنْسَج عَرِيضًا من أَدِيم، وربما رُصِّع بالجواهر والْخَرَز، وتَشُدُّه المرأة بين عاتقيها وكَشْحَيها، ويقال فيه: وِشَاحٌ وإشَاحٌ، وقال ابن سِيدَهْ: التوشُّح أن يتوشح بالثوب، ثم يُخرِج الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يَعْقِد طرفيها على صدره. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية وكيع هذه ساقها ابن ماجه في "سننه"، فقال:
(١٠٤٩) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عُمر بن أبي سلمة، قال: "رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في ثوب واحلإ، مُتَوَشِّحًا به، واضعًا طرفيه على عاتقيه". انتهى.
والحديث متّفقٌ عليه، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، فِي ثَوْبٍ، قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ").
_________________
(١) "عمدة القاري" ٤/ ٨٨.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٤٨٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْد) بن درهم الأزديّ الْجَهْضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه، من كبار [٨] (ت ١٧٩) عن (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (فِي ثَوْبٍ) وفي بعض النسخ: "في ثوب واحد"، والحديث متّفقٌ عليه، وشرحه، ومسائله تقدّمت قبل حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُلْتَحِفًا (^١)، مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ"، زَادَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ: "عَلَى مَنْكِبَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (١٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ) التُّجيبيّ، أبو موسى المصريّ، لقبه زُغْبة، وهو أيضًا لقب أبيه، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حدّث عن الليث بن سعد من الثقات (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٢.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في هذا الباب.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٥ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) هو: أسعد بن سهل بن حُنيف -مصغرًا- الأنصاريّ، مشهور بكنيته، معدود في الصحابة لرؤيته النبيّ -ﷺ-، ولكنه لم يسمع منه (ت ١٠٠) وله (٩٢) سنةً (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "ملتحفًا به مخالفًا".
[ ١١ / ٤٨٥ ]
والصحابيّ -﵁- تقدّم قبله.
وقوله: (مُلْتَحِفًا) وفي نسخة: "ملتحفًا به"، وهو بمعنى مشتملًا، ومتوشّحًا.
وقوله: (مُخَالِفًا بَيْنَ طَرَفَيْهِ) بدل من "ملتحفًا".
وقوله (زَادَ عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ فِي رِوَايَتِهِ، قَالَ: "عَلَى مَنْكِبَيْهِ") يعني أن عيسى بن حماد زاد في روايته عن الليث على رواية قتيبة عنه قوله: "على منكبيه" وهو متعلّق بـ "ملتحفًا"، أو "مخالفًا" على سبيل التنازع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام شرحه، ومسائله قريبًا، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦١] (٥١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: "رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حرام الأنصاريّ السلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم من شرح الأحاديث الماضية، فراجعها تستفد، وباللَّه تعالى التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٦١ و١١٦٢ و١١٦٣] (٥١٨)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٣٥٢ و٣٥٣ و٣٦١ و٣٧٠)، و(أبو داود) فيها
[ ١١ / ٤٨٦ ]
(٦٣٣)، و(ابن ماجه) فيها (١٠٣٨ و١٠٣٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٦٢٤ و١١١٣٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٤٦٥ و١٤٦٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ: "قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْداني، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة حافظ فاضل، [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوهُ) هو: عبد اللَّه بن نُمير الْهَمدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) بن مهديّ بن حسّان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ عارف بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
وسفيان هو الثوريّ المذكور في السند الماضي.
وقوله: (جَمِيعًا بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني أن عبد اللَّه بن نُمير، وعبد الرحمن بن مهديّ كليهما حدّثنا عن سفيان بالسند الماضي، وهو عن أبي الزبير، عن جابر -﵁-.
وقوله: ("قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-") الفاعل ضمير جابر -﵁-.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن سفيان هذه، ساقها الإمام أحمد في "مسنده"، مقرونًا بوكيع، فقال:
(١٣٧٩١) حدّثنا وكيع، وعبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي الزبير، عن
[ ١١ / ٤٨٧ ]
جابر بن عبد اللَّه، قال: "رأيت رسول اللَّه -ﷺ-، يصلي في ثوب واحدٍ، مُتَوَشِّحًا به". انتهى.
وأما رواية ابن نُمير، فلم أجد من ساقها، فليُنظر، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبِ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ الْمَكِّيَّ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ، وَعِنْدَهُ ثِيَابُهُ، وَقَالَ جَابِرٌ: إِنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصْنَعُ ذَلِكَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٧] مات قديمًا قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (أَنَّهُ رَأَى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) -﵄-، في هذه الرواية بيان أن أبا الزبير المكيّ شاهد بنفسه هذه القصّة، فزالت عنه تهمة التدليس.
وقوله: (وَعِنْدَهُ ثِيَابُهُ) جملة اسميّة وقعت حالًا بعد حال، وهو "متوشّحًا"، من فاعل "يصلّي"، ويَحْتمل أن يكونا متداخلين، أو مترادفين، كما سبق بيانه غير مرّة.
وقوله: (يَصْنَعُ ذَلِكَ) أي هذا الصنيع، وهو صلاته في ثوب متوشّحًا به مع وجود ثياب أخرى، والجملة حال إن كان "رأى" بصريّة، أو مفعول ثان، إن كان علميّة، والحديث متّفقٌ عليه، وتمام شرحه، ومسائله تقدّمت، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٤] (٥١٩) - (حَدَّثَنى (^٢) عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١١ / ٤٨٨ ]
لِعَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، حَدثنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ، قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا بِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبِيعيّ، أخو إسرائيل، الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧)، وقيل: (١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران تقدم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطيّ الإسكاف، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٤ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان الصحابيّ ابن الصحابي، تقدّم قريبًا.
والباقون تقدّموا في هذا الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قرن بينهما.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "واللفظ لعمرو"، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا.
٣ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فالأول ما أخرج له ابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّ، عن صحابيّ، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن كل من جابر وأبي سعيد -﵄- من المكثرين السبعة، روى الأول (١٥٤٠) حديثًا، والثاني (١١٧٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد اللَّه -﵄- أنه قال: (حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك -﵄- (أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي الرواية الآتية في "المساجد": "على رسول اللَّه -ﷺ-" (قَالَ) أي أبو سعيد -﵁- (فَرَأَيْتُهُ) أي النبيّ -ﷺ- (يُصَلِّي) تقدّم
[ ١١ / ٤٨٩ ]
قريبًا أن "رأى" إن كانت بصريّة، فالجملة حال؛ لأنها لا تتعدّى إلا إلى مفعول واحد، وإن كانت علميّة فالجملة مفعول ثانٍ لها (عَلَى حَصِيرٍ) بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، قال في "اللسان": "الحصير: البساط الصغير من النبات، قال: وقيل: الحصير: المنسوج؛ سمّي حَصِيرًا لأنه حُصِرت طاقته بعضها مع بعض. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": ذكر ابن سِيدَهْ في "المحكم" أنها سَفِيفَةٌ تُصنَع من بَرْديّ، وأَسَلٍ، ثم تُفرَشُ، سمّي بذلك؛ لأنه يلي وجه الأرض، ووجه الأرض يُسمّى حَصِيرًا، و"السَّفِيفَةُ" بفتح السين المهملة، وبالفاءين: شيءٌ يُعمل من الْخُوصِ، كالزَّنْبيل، و"الأَسَلُ" بفتح الهمزة، والسين المهملة، وآخره لام: نباتٌ له أغصانٌ كثيرةٌ دُقَاقٌ، لا ورق لها.
وفي "الْجَمْهرة": الْحَصِير: عربيّ، سُمّي حَصِيرًا؛ لانضمام بعضها إلى بعض، وقال الجوهريّ: الحصير: الْبَارِيَّةُ. انتهى (^٢).
وقوله: (يَسْجُدُ عَلَيْهِ) بالبناء للفاعل، جملة حاليّة من الفاعل (قَالَ) أنس -﵁- (وَرَأَيْتُهُ) -ﷺ- (يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، مُتَوَشِّحًا بهِ) أي ملتحِفًا، مخالفًا بين طرفيه على عاتقيه، كما تقدّم بيانه، واللَّه تعالى أَعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥٤/ ١١٦٤ و١١٦٥] (٥١٩) وسيأتي في "كتاب المساجد" برقم (٦٦١)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٣٣٢)، و(ابن ماجه) فيها (١٠٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٥٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٠٠٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٣٠٧)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني
_________________
(١) "لسان العرب" ٤/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) "عمدة القاري" ٤/ ١٦١.
[ ١١ / ٤٩٠ ]
الآثار" (١/ ٣٨١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٤٢١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١٥٠٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١١٤٧ و١١٤٨)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز الصلاة في ثوب واحد، وقد تقدّم أنه مجمع عليه إلا ما شذّ به ابن مسعود -﵁- وبعض الناس، وقد أوّل لهم بأنهم أرادوا الأفضليّة، وإلا فيُعتذر عنهم بأنهم لم يعلموا ما ثبت في السنة من الجواز، واللَّه تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): بيان كيفيّة الصلاة في الثوب الواحد، وهو أن يتوشّح به، والمراد أن يخالف بين طرفيه، على عاتقيه.
٣ - (ومنها): جواز الصلاة على الحصير، والسجود عليه، وهو مذهب أكثر أهل العلم، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في "كتاب المساجد" برقم (٦٥٨) -إن شاء اللَّه تعالى-.
٤ - (ومنها): جواز الصلاة على شيء يحول بينه وبين الأرض، من ثوب، وحَصِير، وصُوف، وشعر، وغير ذلك، وسواء نبت من الأرض أم لا، قال النوويّ -﵀-: وهذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال القاضي عياض -﵀-: أما ما نبت من الأرض فلا كراهة فيه، وأما البسط واللُّبُود وغيرها، مما ليس من نبات الأرض، فتصح الصلاة فيه بالإجماع، لكن الأرض أفضل منه إلا لحاجة حَرّ، أو برد، أو نحوهما؛ لأن الصلاة سرُّها التواضع، والخضوع للَّه -﷿-. انتهى (^١).
وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة قريبًا في "كتاب المساجد" -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإِمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[١١٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٤/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
[ ١١ / ٤٩١ ]
أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبِ: "وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ"، وَرِوَايَةُ أبِي بَكْرٍ، وَسُويدٍ: "مُتَوَشِّحًا بِهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٢ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيد) بن سَهْل الْهَرَويّ، ثم الْحَدَثانيّ، أبو محمد، صدوقٌ، إلا أنه عَمِي، فصار يتلقّن، من قُدماء [١٠] (ت ٢٤٠) (م ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٧.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ، له غرائب بعدما أضرّ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
والباقون ذُكروا في هذا الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لأبي معاوية، وعليّ بن مُسهِر.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني إسناد الأعمش الماضي، وهو: عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد الْخُدريّ -﵄-.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، وعليّ بن مسهر لم أجد من ساقهما بلفظ المصنّف، ولكنّ أبا نُعيم ساقهما مساقًا واحدًا في "مستخرجه" (٢/ ١٢٤) فقال:
(١١٤٨) حدّثنا حبيب بن يوسف، ثنا مسدّد، ثنا أبو عوانة، عن الأعمش (ح) وثنا مَخْلَد بن جعفر، ثنا الفِرْيابيّ، ثنا مِنْجاب، أنبا عليّ بن مسهر، عن الأعمش (ح) وحدّثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن أبي سعيد الخدريّ: "أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه". انتهى.
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق بيان مسائله في الحديث الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١١ / ٤٩٢ ]
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغنيّ القدير محمد ابن الشيخ العلامة على بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيت من كتابة الجزء الحادي عشر من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحر المحيط الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" رحمه اللَّه تعالى، والمؤذّن يؤذّن لصلاة المغرب يوم الجمعة المبارك ٢٦/ ٨/ ١٤٢٦ هـ الموافق ٣٠/ سبتمبر - أيلول/ ٢٠٠٥ م.
أسأل اللَّه العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رءوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة يونس ١٠/ ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٣].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة اللَّه وبركاته".
ويليه -إن شاء اللَّه تعالى- الجزء الثاني عشر مفتتحًا بـ (٥) - (كتاب المساجد ومواضع الصلاة) رقم الحديث [١١٦٦] (٥٢٠).
"سبحانك اللَّهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ١١ / ٤٩٣ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ليلة الاثنين المبارك بعد صلاة المغرب ٢٩/ ٨/ ١٤٢٦ هـ أول الجزء الثاني عشر من شرح "صحيح الإِمام مسلم" المسمّى "البحر المحيط الثجّاج في شرح صحيح الإِمام مسلم بن الحجاج" رحمه اللَّه تعالى.