وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٨] (٣٨٧) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ").
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٢/ ٣٦٨.
(٢) بفتحتين، من باب طلب، ويقال أيضًا: هُرُوبًا، من باب قعد، أفاده في "المصباح" ٢/ ٦٣٧.
[ ٩ / ١٢٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدَةُ) بن سُليمان الكِلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى) بن طلحة بن عُبيد اللَّه التيميّ المدنيّ، نزيل الكوفة، صدوقٌ يُخطئ [٦].
رَوَى عن أبيه، وأعمامه، وابني عميه: إبراهيم بن محمد بن طلحة، ومعاوية بن إسحاق بن طلحة، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، ومجاهد بن جبر، وغيرهم.
ورَوَى عنه السفيانان، وعبد اللَّه بن إدريس، وعبد الواحد بن زياد، وشريك، وأبو أسامة، وعبدة بن سليمان، ويحيى القطان، ووكيع، وغيرهم.
قال علي ابن المديني، عن يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي، وعمر بن عثمان أحب إلي منه. وقال أحمد: صالح الحديث، وهو أحب إلي من بريد بن أبي بردة، بُريد له أحاديث مناكير، وطلحة إنما أنكر عليه حديث: "عصفور من عصافير الجنة". وقال ابن معين: ثقة، وقَدّمه على أخيه إسحاق. وقال يعقوب بن شيبة، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال أبو داود: ليس به بأس. وقال أبو زرعة، والنسائي: صالح. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، حسن الحديث، صحيح الحديث. وقال صالح بن أحمد عن أبيه، والحاكم، عن الدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة أيضًا: لا بأس به، في حديثه لين. وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث صالحة، وأمه أم أبان بنت أبي موسى الأشعري. وقال الساجيّ: صدوق، لم يكن بالقوي. وقال ابن عدي: رَوَى عنه الثقات، وما برواياته عندي بأس. وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يُخطئ.
وقال ابن معين: مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وقال ابن حبان: مات سنة (٦)، قال: وقد قيل: إنه رأى ابن عمر، وليس عليه اعتماد. وقال
[ ٩ / ١٢٦ ]
الفلاس: وُلد سنة (٦١) هو، والأعمش، وهشام بن عروة، وعمر بن عبد العزيز.
أخرج له الجماعة سوى البخاريّ، وله في هذا الكتاب ثمانية أحاديث، برقم (٣٨٧) و(٥١٤) و(٧٩٣) و(١١٥٤) وأعاده بعده، و(٢١٥٤) و(٢٤٥٢) و(٢٦٦٢) و(٢٧٦٧).
٤ - (عَمُّهُ) هو: عيسى بن طلحة بن عبيد اللَّه التيميّ، أبو محمد المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٨/ ٥٧٠.
٥ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ) صَخْر بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس، أبو عبد الرحمن الأموي، أسلم يوم الفتح، وقيل قبل ذلك، رَوَى عن النبي -ﷺ-، وعن أبي بكر، وعمر، وأخته أم حبيبة.
ورَوَى عنه جرير بن عبد اللَّه البجلي، والسائب بن يزيد الكندي، وابن عباس، ومعاوية بن حُدَيج، ويزيد بن جارية، وأبو أمامة بن سهل بن حُنيف، وأبو إدريس الخولاني، وسعيد بن المسيب، وقيس بن أبي حازم، وعيسى بن طلحة، وأبو مِجْلَز، وحميد بن عبد الرحمن بن عوف، ومحمد بن جبير بن مطعم، وآخرون.
وَلَّاه عمر بن الخطاب الشام بعد أخيه يزيد، فأقرّه عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة، قال ابن إسحاق: كان معاوية أميرًا عشرين سنة، وخليفة عشرين سنة، وقال يحيى بن بكير عن الليث: تُوفّي في رجب لأربع ليال بقين منه سنة ستين، وقال الوليد بن مسلم: مات في رجب سنة ستين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة ونصفًا، وقيل: مات سنة تسع وخمسين، وقيل: مات وهو ابن ثمان وسبعين. وقيل: ابن ست وثمانين.
أخرج له الجماعة، وله من الأحاديث (١٣٠) حديثًا، اتفق الشيخان منها على أربعة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بخمسة، وله في هذا الكتاب ستة عشر حديثًا (^١)، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) وهذا هو الذي أثبته في برنامج الحديث أن له في "صحيح مسلم" (١٦) حديثًا، وهو مخالف لما قبله، والظاهر أن هذا الاختلاف لأجل التكرار، فتأمل، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٩ / ١٢٧ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى طلحة، فما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين إلى طلحة، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَمِّهِ) عيسى بن طلحة الآتي في السند التالي، أنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ) -﵄- (فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ يَدْعُوهُ إِلَى الصَّلَاةِ) أي طلب منه الإقبال إليها، يقال: دعوت زيدًا: إذا ناديته، وطلبت إقباله، ودعا المؤذّن الناس إلى الصلاة، فهو داعي اللَّه، والجمع دُعاةٌ، وداعون، مثل: قاضٍ، وقُضاةٍ، وقاضين (^١). (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ) -﵁- (سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا) منصوب على التمييز، وهو بفتح الهمزة: جمع عُنُق، بضمّتين.
[تنبيه]: اختُلِف في معنى "أعناقًا" على أقوال:
فقيل: معناه أكثر الناس تَشَوُّفًا إلى رحمة اللَّه تعالى؛ لأن المتشوِّف يُطيل عنقه إلى ما يتطلع إليه، فمعناه كثرةُ ما يرونه من الثواب.
وقال النضر بن شُمَيل: إذا أَلْجم الناسَ العرقُ يوم القيامة طالت أعناقهم؛ لئلا ينالهم ذلك الكرب والعرق.
وقيل: معناه أنهم سادة ورؤساء، والعرب تَصِفُ السادة بطول العنق، قال الشاعر [من البسيط]:
يُشَبِّهُونَ سُيُوفًا فِي صَرَائِمِهِمْ … وَعُولِ أَنْصِبَةِ الأَعْنَاقِ وَاللِّمَمِ
وقيل: معناه: أكثر أتباعًا، وقال ابن الأعرابيّ: معناه: أكثر الناس أعمالًا، وفي الحديث: "يَخْرُجُ من النار عُنُقٌ. . . " (^٢)، ويقال: لفلان عُنُقٌ من الخير؛ أي قِطعة منه.
_________________
(١) راجع: "المصباح" ١/ ١٩٤.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، والترمذيّ، ولفظه: "يخرج عُنُقٌ من النار يوم القيامة، له عينان يبصران، وأذنان يسمعان، ولسان يَنطِق يقول: إني وُكِّلتُ بثلاثة: =
[ ٩ / ١٢٨ ]
قال القاضي عياض وغيره: ورواه بعضهم إِعناقًا بكسر الهمزة: أي إسراعًا إلى الجنة، وهو من سَيْر الْعَنَق، و"الْعَنَق" بفتح العين والنون: ضَرْبٌ من السير، ومنه حديث: "لا يزال الرجل مُعْنِقًا ما لم يُصِب دمًا حَرَامًا" (^١). انتهى (^٢).
وقال البغويّ في "شرح السنّة": قال ابن الأعرابيّ: معناه: أكثرهم أعمالًا يقال: لفلان عُنُقٌ من الخير، أي قطعة، وقال غيره: أكثرهم رجاءً؛ لأن من رجا شيئًا طال إليه عُنُقه، فالناس يكونون في الكرب، وهم في الرَّوح يَشْرَئِبُّون لهم في دخول الجنّة، وقيل: معناه الدنوّ من اللَّه ﷿، وقيل: أراد أنه لا يُلجمهم الْعَرَق، فإن الناس يوم القيامة يكونون في الْعَرَق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى كعبه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حِقْويه، ومنهم من يُلْجِمه العَرَقُ، وقيل: معناه أنهم يكونون رؤوسًا يومئذ، والعرب تصف السادة بطول العنق، وقيل: الأعناق: الجماعات، يقال: جاءني عُنُق من الناس؛ أي جماعة، ومنه قوله ﷾: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]؛ أي جماعاتهم، ولذلك لم يَقُل: خاضعات، ومعنى الحديث: أن جمع المؤذّنين يكونون أكثر، فإن من أجاب دعوته يكون معه. انتهى كلام البغويّ -﵀- (^٣).
وقال ابن حبّان -﵀- في "صحيحه": العرب تصف باذلَ الشيء الكثير بطول اليد، ومتأمّل الشيء الكثير بطول العنق، فقوله -ﷺ-: "المؤذّنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة" يريد أطولهم أعناقًا لتأمّل الثواب، كما قال النبيّ -ﷺ- لنسائه: "أسرعكنّ بي لُحوقًا أطولكنّ يدًا"، أراد كثرة الصدقة، فكانت زينب أولهنّ لُحوقًا به -ﷺ-؛ لأنها كانت كثيرة الصدقة، وليس يريد بقوله هذا أن
_________________
(١) = بكل جبار عَنِيد، وبكل مَن دعا مع اللَّه إلهًا آخر، وبالمصورين".
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه" (٤٢٧٠).
(٣) "شرح النوويّ" ٤/ ٩١ - ٩٢، و"المفهم" ٢/ ١٥.
(٤) "شرح السنّة" ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
[ ٩ / ١٢٩ ]
المؤذّنين هم أكثر الناس تأمّلًا للثواب في القيامة، بل هذا مما حُذفت كلمة "من"، أي من أطولهم أعناقًا، فحُذفت "من"، ونظائر هذا في الكلام كثيرة. انتهى بتصرّف واختصار (^١).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أقرب المعاني هو الأول، وهو أنه كناية عن كونهم أكثر الناس تَشَوُّفًا إلى رحمة اللَّه تعالى؛ لأن المتشوِّف يُطِيل عنقه إلى ما يتطلع إليه، فمعناه كثرةُ ما يرونه من الثواب، واللَّه تعالى أعلم بالصواب.
وقوله: (يَوْمَ الْقِيَامَةِ") ظرف لـ "أطول"، وخصّه لأنه يوم استيفاء الجزاء، كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٥]، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث معاوية بن أبي سفيان -﵄- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٨٥٨ و٨٥٩] (٣٨٧)، و(ابن ماجه) في "الأذان" (٧٢٥)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (١٨٦٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٢٥)، و(أحمد) (٤/ ٩٥ - ٩٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٦٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٢)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٩/ ٧٣٦)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤١٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧١ و٩٧٢ و٩٧٣)، و(أبو نُعيم) في "مستخرجه" (٨٤٥ و٨٤٦)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٤/ ٥٥٧ - ٥٥٨.
[ ٩ / ١٣٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٥٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْكَوْسَج، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُو عَامِرِ) عبد الملك بن عَمْرو الْقَيسيّ الْعَقَديّ البصريّ، ثقة [٩] (ت ٤ أو ٢٠٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٣ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد اللَّه الكوفيّ، ثقة ثبتٌ إمام حجة، من رءوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون تقدّموا في السند الماضي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٠] (٣٨٨) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ، حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ"، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ؟ فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان الْعَبْسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
[ ٩ / ١٣١ ]
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٤ - (جَرِير) بن عبد الحميد الضبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ، وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ ورعٌ، لكنه يدلّس (٥) (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٦ - (أَبُو سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الإسكاف الواسطيّ، نزيل مكة، صدوقٌ [٤] (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٧ - (جَابِر) بن عبد اللَّه بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالمدينة بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم، وفيه من صيغ الأداء التحديث، والإخبار، والعنعنة، والسماع.
٢ - (ومنها): أن فيه قوله: "قال إسحاق. . . إلخ" وذلك لبيان اختلاف شيوخه في صيغ الأداء؛ لاختلاف كيفيّة تحمّلهم، فإسحاق قال: "أخبرنا" حيث سمعه بقراءة القارئ على جرير، وقال قتيبة، وعثمان: "حدّثنا"؛ لكونهما سمعاه من لفظه، وقوله: "جرير" مرفوع على الفاعليّة، تنازعه "أخبرنا"، و"حدّثنا".
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي سفيان.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِر) بن عبد اللَّه -﵄-، أنه (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) أي الأذان والإقامة، كما يأتي مفسّرًا في الحديث التالي (ذَهَبَ) أي ولّى مدبرًا (حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ") بفتح الراء، وسكون الواو، بعدها حاء مهملة ممدودة (قَالَ سُلَيْمَانُ) هو الأعمش (فَسَأَلْتُهُ)
[ ٩ / ١٣٢ ]
أي أبا سفيان (عَنِ الرَّوْحَاءِ؟) أي مقدار بُعد الرَّوْحاء من المدينة (فَقَالَ: هِيَ) أي الروحاء (مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا) هكذا رواية المصنّف، وابن خزيمة، ووقع عند ابن حبّان في "صحيحه" (^١): "هي من المدينة على سبعة وثلاثين ميلًا"، ووقع في "مصنّف ابن أبي شيبة، ومسند أحمد"، و"مستخرجي أبي عوانة (^٢)، وأبي نعيم" (^٣) بلفظ: "وهي من المدينة ثلاثون ميلًا".
[تنبيه]: قال الفيّوميّ -﵀-: "الْمِيل" بالكسر عند العرب مقدار مَدَى البصر من الأرض، قاله الأزهريّ، وعند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند الْمُحْدَثين أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظيّ؛ لأنهم اتّفقوا على أن مقداره ستّ وتسعون ألف إِصْبَع، والإصبَعُ ستّ شُعَيرات، بطنُ كلِّ واحدة إلى الأخرى، ولكن القدماء يقولون: الذراع اثنتان وثلاثون إِصْبعًا، والْمُحْدَثون يقولون: أربع وعشرون إصبَعًا، فإذا قُسِم الميل على رأي القدماء كلّ ذراع اثنين وثلاثين كان المتحَصِّل ثلاثة آلاف ذراع، وإن قُسِم على رأي الْمُحْدَثين أربعًا وعشرين كان المتحصِّل أربعة آلاف ذراع.
و"الْفَرْسَخ" عند الكلّ ثلاثة أميال، وإذا قُدِّر الميل بالْغَلَوات، وكانت كلُّ غَلْوَةٍ أربعمائة ذراع، كان ثلاثين غَلْوَةً، وإن كان كلُّ غَلْوة مائتي ذراع كان ستّين غَلْوةً.
ويقال للأعلام الْمَبنيّة في طريق مكّة: أميالٌ؛ لأنها بُنِيت على مقادير مَدَى البصر من الميل إلى الميل، وإنما أُضيف إلى بني هاشم، فقيل: الميل الهاشميّ؛ لأن بني هاشم حدَّدوه، وأعلموه. انتهى كلام الفيّوميّ -﵀- (^٤)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الإحسان في تقريب صحيح ابن حبّان" ٤/ ٥٤٩ رقم (١٦٦٤).
(٢) "مسند أبي عوانة" ١/ ٢٧٨ رقم (٩٧٤).
(٣) "المستخرج" ٢/ ٩ رقم (٨٤٧).
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٨.
[ ٩ / ١٣٣ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٨٦٠ و٨٦١] (٣٨٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٢٨ - ٢٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٣١٦ و٣٣٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦٦٤)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٨٩٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٤٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٤١٤)، وفوائده تأتي قريبًا -إن شاء اللَّه تعالى- واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاه (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد اللَّه بن محمّد بن أبي شيبة، الكوفيّ، أخو عثمان المذكور في السند الماضي، ثقة حافظ [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بإسناد الأعمش الماضي، وهو: عن أبي سفيان، عن جابر -﵁-.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية هذه أخرجها ابن أبي شيبة في "مصنّفه" (١/ ٢٠٧)، فقال:
(٢٣٧٣) حدثنا أبو بكر (^٢)، قال: نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا" دون "هاء".
(٢) هو ابن أبي شيبة، والقائل: "حدثنا" أبو بكر تلميذه.
[ ٩ / ١٣٤ ]
سفيان، عن جابر، قال: قال النبيّ -ﷺ-: "إذا نادى المؤذِّن هَرَب الشيطان، حتى يكون بالرَّوحاء، وهي ثلاثون ميلًا من المدينة". انتهى، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٢] (٣٨٩) - (حَدَّثنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ (^٢)، حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ، فَوَسْوَسَ، فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ، رَجَعَ فَوَسْوَسَ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون تقدّموا قبل سند.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: زُهير، فما أخرج له الترمذيّ، وإسحاق، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: الأعمش، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين من الرواية، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا" بالواو.
(٢) وفي نسخة: "وله ضراط" بالواو.
[ ٩ / ١٣٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ) "أل" فيه للعهد، والمراد شيطان الجنّ (إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ) أي إذا أذِّن لأجل الصلاة (أَحَالَ) أي ذهب وولّى هاربًا، قال ابن الأثير -﵀-: معنى أحال: تحوّل من موضعه، وقيل: هو بمعنى طَفِقَ، وأخذ، وتهيّأ لفعله. انتهى. (لَهُ ضُرَاطٌ) وفي نسخة: "وله ضراط" بالواو، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و"الضُّرَاط" بالضمّ: اسم من ضَرِط يَضْرِطُ، من بابي تَعِبَ، وضَرَبَ، ضَرِطًا، مثل: كَتِفٍ، وفَخِذٍ (^١)، وهو ريحٌ له صوتٌ، يخرُج من دُبُر الإنسان وغيره (^٢). (حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ) علّة للضراط، أي إنما يفعل ذلك؛ ليشغل نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يشهد للمؤذّن يوم القيامة (فَإِدا سَكَتَ) أي المؤذّن عن أذانه بانتهائه منه (رَجَعَ) أي الشيطان (فَوَسْوَسَ) أي حدّثه بما لا ينفعه، قال في "القاموس": "الْوَسواس": الشيطان، و"الوسوسةُ": حديث الشيطانِ بما لا نفع فيه، ولا خير؛ كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وَسْوَس له، وإليه. انتهى (^٣).
وقال في "المصباح": "الْوَسْوَاسُ": بالفتح اسم، من وَسْوسَت إليه نفسه: إذا حدّثته، وبالكسر مصدرٌ، وَوَسْوَسَ متعدّ بـ "إلى"، وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] اللام بمعنى "إلى"، فإن بُني للمفعول قيل: مُوَسْوَسٌ إليه، مثل ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، و"الوَسْوَاس" بالفتح مرضٌ يَحْدُثُ من غلبة السَّوْداء، يَختلِط معه الذهن، ويقال لما يَخْطُرُ بالقلب من شَرّ، ولما لا خير فيه: وَسْوَاسٌ. انتهى (^٤).
(فَإِذَا سَمِعَ) الشيطان (الْإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ) الضمير للمقيم المفهوم من "الإقامة"، أي لئلا يسمع صوت المقيم (فَإِذَا سَكَتَ) المقيم عن الإقامة بانتهائه منها (رَجَعَ) الشيطان (فَوَسْوَسَ") وفي الرواية الآتية: "حتى
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٦١.
(٢) "المنهل العذب المورود" ٤/ ١٧٥.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ٢٥٧.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٨.
[ ٩ / ١٣٦ ]
يخطر بين المرء ونفسه، يقول له: اذكر كذا، واذكر كذا لِما لم يكن يذكر من قبلُ حتى يظلّ الرجل ما يدري كم صلَّى؟ "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفق عليه، وستأتي مسائله بعد حديثين -إن شاء اللَّه تعالى-، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٣] (. . .) - (حَدَّثَنِي (^١) عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ- عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ حُصَاصٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ) أبو الحسن الْعَسْكريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م د ق) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن عبد الرحمن بن يزيد الْمُزنيّ مولاهم الطحّان الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٧.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٤ - (أَبُوهُ) هو أبو صالح المذكور في السند الماضي.
وقوله: (وَلَهُ حُصَاصٌ) بضمّ الحاء المهملة، وصادين مهملتين: أي ضُراط كما الرواية السابقة، وقيل: الْحُصَاص شدّة العدو، قالهما أبو عبيدة، والأئمة من بعده، وتمام شرح الحديث، ومسائله ستأتي بعد حديث، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني" بلا عاطف.
[ ٩ / ١٣٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٤] (. . .) - (حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ -يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ- حَدَّثنَا رَوْحٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، قَالَ: أَرْسَلَني أَبِي إِلَى بَني حَارِثَةَ، قَالَ: وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا، أَوْ صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ، قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي، فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَ هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ) الْعَيْشيّ، أبو بكر البصريّ، صدوقٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م س) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٢ - (يَزِيدُ بْنَ زُريعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقة ثبتٌ [٨] (١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (رَوْح) بن القاسم التميميّ الْعَنْبريّ، أبو غياث البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٦] (ت ١٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
والباقون تقدّموا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، والثاني بالمدنيين.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سُهَيْل) بن أبي صالح، أنه (قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ) بالحاء المهملة: قبيلة من الأنصار (قَالَ: وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا) جملة في محلّ نصب على الحال، والغلام: الابن الصغير، وجمع القلّة غِلْمَةٌ بالكسر، وجمع الكثرة
[ ٩ / ١٣٨ ]
غِلْمان، ويُطلق الغلام على الرجل مجازًا باسم ما كان عليه، كما يقال للصغير: شيخ باعتبار ما يئول إليه (^١)، (أَوْ صَاحِبٌ لَنَا) "أو" للشكّ من الراوي (فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ) أي داخل بستان (بِاسْمِهِ، قَالَ) سهيل (وَأَشْرَفَ) بالهمز، يقال: أشرف على الشيء: إذا اطَّلَع عليه (الَّذِي مَعِي) في محلّ رفع على الفاعليّة (عَلَى الْحَائِطِ) أي ليتعرّف على الذي ناداه (فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي) أي ذكرت ما وقع لذلك الغلام من ندائه من الحائط (فَقَالَ) أبوه (لَوْ شَعَرْتُ) بفتح العين المهملة، وضمّها، يقال: شَعَرتُ بالشيء؛ كنصَرَ، وكَرُمَ شِعْرًا، وشَعْرًا، وشِعْرةً مثلَّثةً، وشُعُورًا، إذا عَلِمَ به، وفَطِنَ له، وعَقَلَه (^٢). (أنَّكَ تَلْقَ) بفتح أوله، وسكون ثانيه، مضارع لَقِيه، من باب تَعِبَ، لُقِيًّا على فُعُول، ولُقًى بالضمّ، مع القصر، ولِقَاءً بالكسر مع المدّ والقصر، وكلُّ شيء استقبل شيئًا أو صادفه، فقد لَقِيهُ (^٣)، وقوله: (هَذَا) مفعول به لـ "تَلْقَ"، وهو إشارة إلى ما وقع له من مناداة صاحبه من الحائط (لَمْ أُرْسِلْكَ) أي خوفًا عليك أن تُصاب بمرض بسبب الفزع من سماع الصوت (وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا) أي دون أن ترى صاحبه (فَنَادِ بِالصَّلَاةِ) أي لكونه من الشيطان (فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبا هُرَيْرَةَ) -﵁- (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) -ﷺ- (أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ) أي أُذِّن بها (وَلَّى) بتشديد اللام، من التولِّي، وهو الإدبار، والهُرُوب (وَلَهُ حُصَاصٌ") جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، و"الْحُصَاصُ"، كالضُّرَاط وزنًا ومعنى، وقال في "القاموس": الْحُصَاص بالضمّ: أن يُصِرَّ الحمار بأذُنيه، ويَمْصَعَ بذنبه، والضُّرَاطُ، وشِدّةُ الْعَدْوِ. انتهى (^٤). وتمام شرح الحديث ومسائله تأتي في الحديث التالي، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ -يَعْنِي الْحِزَامِيَّ- عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٥٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٥٨.
(٤) "القاموس" ٢/ ٢٩٨.
[ ٩ / ١٣٩ ]
لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، لَهُ ضُرَاطٌ (^١)، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي (^٢) كَمْ صَلَّى؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (الْمُغِيرَةُ الْحِزَامِيُّ) (^٣) هو: المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن خالد بن حِزَام المدنيّ، نزيل عَسْقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد اللَّه بن ذكوان الْقُرشيّ، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، مولى ربيعة بن الحارث، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيرَةَ) -﵁- تقدّم في تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًّا، إلا أنه دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو الزناد، عن الأعرج.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-، على ما نُقل عن الإمام البخاريّ -﵀-، وقد أشار إليه السيوطيّ -﵀- في "ألفيّة الحديث"، حيث قال:
_________________
(١) وفي نسخة: "وله ضُراطٌ" بالواو.
(٢) وفي نسخة: "لا يدري".
(٣) بكسر الحاء المهملة، بعدها زاي.
[ ٩ / ١٤٠ ]
وَلأَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ … سَعِيدٍ أوْ أَبُو الزِّنَادِ حَيْثُ عَنْ
عَنْ أَعْرَجٍ وَقِيلَ حَمَّادٌ بِمَا … أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدٍ لَهُ نَمَا
٦ - (ومنها): أن أبا الزناد لقبٌ بصورة الكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن، كما مرّ آنفًا.
٧ - (ومنها): أن صحابيّه رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، واللَّه تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي أُذّن لأجل الصلاة، وفي الرواية الماضية: "بالصلاة" بالباء، قال في "الفتح": ويمكن حملهما على معنى واحد (^١)، وقال في "العمدة": تكون الباء للسببيّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، أي بسبب ذنبه، وكذلك المعنى هنا بسبب الصلاة، ومعنى التعليل قريب من معنى السبب. انتهى (^٢).
وقال العراقيّ -﵀-: "النداء" بكسر النون وضمها، لغتان، الأولى أشهر وأفصح، وهو الأذان وقوله: "للصلاة"، و"بالصلاة"، كلاهما صحيح، يقال: نودي للصلاة، وبالصلاة، وإلى الصلاة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. انتهى (^٣).
(أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ) الإدبار: نقيض الإقبال، يقال: دَبَرَ الرجلُ، وأدبر: إذا ولَّى، أَفاده في "القاموس" (^٤)، وفي "المصباح": أدبر الرجل: إذا ولَّى، أي صار ذا دُبُرٍ، ودَبَرَ النهارُ دُبُورًا، من باب قَعَدَ: إذا انصَرَمَ، وأدبر بالألف مثلُهُ، ودَبَرَ السهم دُبُورًا، من باب قَعَدَ أيضًا: خَرَج من الْهَدَف، فهو دابر. انتهى (^٥).
وقال العراقيّ -﵀-: الظاهر أن المراد هنا جنس الشيطان، فلا يختص
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٠١.
(٢) "عمدة القاري" ٥/ ١٦٣.
(٣) "طرح التثريب" ٢/ ١٩٧.
(٤) راجع: "القاموس" ٢/ ٢٦.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٨٩.
[ ٩ / ١٤١ ]
ذلك بواحد من الشياطين دون واحد، والشيطانُ كلُّ عات مُتَمرِّد، سواء كان من الجنّ أو الإنس، أو الدوابّ، لكن المراد هنا شياطين الجنّ خاصةً، ويحتمل أن يختص ذلك بالشيطان الأكبر، وهو إبليس لعنه اللَّه. انتهى (^١).
(لَهُ ضُرَاطٌ) جملة اسمية وقعت حالًا بدون واو، ووقع في بعض النسخ: "وله ضراط" بالواو، والجملة الحاليّة تُربط بالضمير، أو بالواو، أو بهما، قال ابن مالك -﵀- في "خلاصته" مبيّنًا ذلك:
وَمَوْضِعَ الْحَالِ تَجِيءُ جُمْلَهْ … كَـ "جَاءَ زَيْدٌ وَهْوَ نَاوٍ رِحْلَهْ"
وَذَاتُ بَدْءٍ بِمُضَارعٍ ثَبَتْ … حَوَتْ ضَمِيرًا وَمِنَ الْوَاوِ خَلَتْ
وَذَاتُ وَاوٍ بَعْدَهَا انْوِ مُبْتَدَا … لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَا
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوَى مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ أَوْ بِمُضْمَرٍ أَوْ بِهِمَا
قال القاضي عياض -﵀-: يمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم مُتَغَذّ يصح منه خروج الريح، ويَحْتَمِل أنها عبارة عن شِدّة نِفَاره، ويقويه رواية مسلم المتقدّمة: "له حُصَاص" بمهملات مضموم الأول، فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو.
وقال الطيبيّ -﵀-: شَبَّهَ شَغْلَ الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يَملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، ثم سماه ضُرَاطًا؛ تقبيحًا له. انتهى (^٢).
وقال العراقيّ -﵀-: ويَحْتمل أنها عبارة عن الاستخفاف. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذه الاحتمالات التي ذكروها من حمل الضُّرَاط هنا على التشبيه أو غيره، غير صحيحة، والصواب أنه على الحقيقة، كما هو الاحتمال الذي ذكره عياض أوّلًا، فأيّ مانع منع من ذلك، وأيُّ داع إلى صرف ظاهر النصّ عنه، وما ذكره في "الفتح" من تقوية رواية مسلم: "وله حُصَاص" ليس كما قال؛ لأن أهل اللغة فسّروا الْحُصَاص بالضُّراط، فهما بمعنى، وتفسير الأصمعي، لا ينافيه؛ لأنه يعدو مع ضُراطه، فهو مما يقوّي
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٠٣.
(٢) "الفتح" ٢/ ٨٥.
(٣) "طرح التثريب" ٢/ ٢٠٢.
[ ٩ / ١٤٢ ]
الظاهر، لا خلافه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، واللَّه تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) علّة للضُّرَاط، إنما يفعل ذلك؛ ليَشْغَلَ نفسه عن سماع الأذان؛ لئلا يشهد للمؤذّن يوم القيامة؛ لما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدريّ -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "لا يسمع مَدَى صوت المؤذن جنّ، ولا إنسٌ، ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة"، قال أبو سعيد: سمعته من رسول اللَّه -ﷺ-.
وقيل: "حتى" غاية لإدباره، قاله في "العمدة" (^١).
وقال في "الفتح": ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما لِيَشْتَغِل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن، أو يصنع ذلك استخفافًا، كما يفعله السفهاء، ويَحْتَمِل أن لا يتعمد ذلك، بل يحصل له عند سماع الأذان شدّة خوف، يَحْدُثُ له ذلك الصوتُ بسببها، ويَحْتَمِل أن يتعمد ذلك؛ ليقابل ما يناسب الصلاة، من الطهارة بالحدث. انتهى (^٢)، وهو بحث نفيسٌ، واللَّه تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال الطيبيّ -﵀-: كُرّرت "حتى" في هذا الحديث خمس مرّات؛ أولاهنّ، والرابعة، والخامسة بمعنى "كي"، والثانية، والثالثة دخلتا على الجملتين الشرطيّتين، وليستا للتعليل. انتهى (^٣).
(فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ) ببناء الفعل للمفعول، و"التأذين" بالرفع نائب فاعله، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى المنادي المدلول عليه بـ "نُودي"، و"التأذينَ" منصوب على المفعوليّة.
والقضاء يأتي لمعانٍ كثيرةٍ، وهو هنا بمعنى الفراغ، تقول: قَضَيْتُ حاجتي: أي فَرَغْتُ منها، أو بمعنى الانتهاء، قاله في "العمدة" (^٤).
وقال في "الفتح": واستُدِلَّ به على أنه كان بين الأذان والإقامة فَصْلٌ،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٥/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٠٢.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٣/ ٩١٠.
(٤) "عمدة القاري" ٥/ ١٦٤.
[ ٩ / ١٤٣ ]
خلافًا لمن شَرَط في إدراك فضيلة أول الوقت أن يَنطبِق أول التكبير على أول الوقت. انتهى (^١).
(أَقْبَلَ) أي جاء الشيطان، فوسوس، كما تقدّم في الرواية السابقة (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) أي أُقيم لها، ففي الرواية السابقة: "فإذا سمع الإقامة".
قال العراقيّ -﵀-: "التثويب" بالتاء المثناة، ثم المثلثة، المراد به ههنا إقامة الصلاة، ويدلّ لذلك قوله في رواية لمسلم: "فإذا سمع الإقامة"، ولا يمكن أن يكون المراد بالتثويب هنا قول المؤذن: "الصلاة خير من النوم" مرتين، وإن كان يُسَمَّى تثويبًا؛ لأمرين:
[أحدهما]: أن هذا خاصّ بأذان الصبح، والحديث عامّ في كل أذان.
[والثاني]: أن الحديث دلّ على أن هذا التثويب يتخلل بينه وبين الأذان فصلٌ، يَحْضُر فيه الشيطان، والتثويب الذي في الصبح لا فصل بينه وبين الأذان، بل هو في أثنائه.
وأصل التثويب أن يجيء الرجل مُسْتصرِخًا، فَيُلَوِّح بثوبه؛ لِيُرَى ويشتهر، فسُمِّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكل داع مُثَوِّب، وقيل: إنما سُمِّي تثويبًا، من ثاب يثوب: إذا رَجَعَ، فالمؤذن رجع بالإقامة إلى الدعاء للصلاة، قال عبد المطلب بن هاشم، وهو بالمدينة عند أخواله بني النجّار [من الوافر]:
فَحَنَّتْ نَاقَتِي فَعَلِمْتُ أَنِّي … غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إِلَيَّ عَقْلِي
وقال غيره [من الخفيف]:
لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ … مَا شَفَعْنَا الأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ (^٢)
قال ابن عبد البر -﵀-: لفظ التثويب مأخوذ من ثاب الشيءُ يثوب: إذا رجع، كأن المقيم للصلاة عاد إلى معنى الأذان، فأَتَى به، ويقال: ثَوَّبَ الداعي: إذا كَرَّر دعاءه إلى الحرب، قال حسّان بن ثابت -﵁-[البسيط]:
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ … لَا يَنْكُلُونَ إِذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي
وقال حُذيفة في معناه [من الوافر]:
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٠٢.
(٢) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٢/ ١٩٧ - ١٩٨.
[ ٩ / ١٤٤ ]
لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ … إِذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا
ويقال: ثاب إلى الرجل عقله، وثاب إلى المريض جسمه: أي عاد إلى حاله. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "إذا ثُوِّبَ" بضم المثلثة، وتشديد الواو المكسورة، قيل: هو من ثاب: إذا رَجَع، وقيل: من ثَوَّب: إذا أشار بثوبه عند الفزع لإعلام غيره.
قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في "صحيحه"، والخطابيّ، والبيهقيّ، وغيرهم، قال القرطبيّ: ثُوِّب بالصلاة: إذا أقيمت، وأصله أنه رَجَع إلى ما يُشْبِه الأذان، وكلُّ مَن رَدَّد صوتًا فهو مثوب، ويدلّ عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح، عن أبي هريرة -﵁-: "فإذا سمع الإقامة ذهب".
وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة: حيّ على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، وحَكَى ذلك ابن المنذر عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، وزعم أنه تفرد به، لكن في "سنن أبي داود" عن ابن عمر أنه كَرِه التثويب بين الأذان والإقامة، فهذا يدلّ على أن له سلفًا في الجملة، ويَحْتَمِل أن يكون الذي تفرد به القول الخاصّ.
وقال الخطابيّ: لا يَعْرِف العامة التثويب إلا قول المؤذن في الأذان: "الصلاةُ خير من النوم"، لكن المراد به في هذا الحديث الإقامة، واللَّه أعلم. انتهى.
(أَدْبَرَ) أي ذهب الشيطان؛ لئلا يسمع الإقامة (حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ) وفي الرواية السابقة: "فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع، فوسوس" (حَتَّى يَخْطِرَ) بضم الطاء، قال عياض: كذا سمعناه من أكثر الرواة، وضبطناه عن الْمُتْقِنين بالكسر، وهو الوجه، ومعناه: يوسوس، وأصله من خَطَرَ البعير بذنبه: إذا حَرَّكه، فضرب به فخذيه، وأما بالضم فمن السلوك والمرور: أي يَدْنُوَ منه، فيمر بينه وبين قلبه، فَيَشْغَله عما هو فيه، وبهذا
_________________
(١) "الاستذكار" ٤/ ٥٢ - ٥٣.
[ ٩ / ١٤٥ ]
فسّره الشارحون لـ "الموطّأ"، فقال الباجيّ: معناه: أنه يحول بين المرء وبين ما يريد من نفسه، من إقباله على صلاته، وإخلاصه، وبالأول فسّره الخليل. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وضَعَّف الحجري في "نوادره" الضم مطلقًا، وقال: هو يَخْطِر بالكسر في كل شيء. انتهى (^٢).
(بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ) أي قلبه، يعني أنه يحول بينه وبين الإقبال على الصلاة، والإخلاص فيها، وقال في "العمدة": وبهذا التفسير -يعني تفسير النفس بالقلب- يحصل الجواب عما قيل: كيف يُتصوّر خطوره بين المرء ونفسه، وهما عبارتان عن شيء واحد؟ وقد يُجاب بأن يكون تمثيلًا لغاية قربه منه. انتهى (^٣).
[فائدة]: "المرء": الإنسان، وفيه سبع لغات: فتح الميم، وضمها، وكسرها، وتَغَيُّرها باعتبار إعراب اللفظة، فإن كانت مرفوعة فالميم مضمومة، وإن كانت منصوبة فالميم مفتوحة، وإن كانت مجرورة فالميم مكسورة، والخامسة، والسادسة، والسابعة، امرؤ بزيادة همزة الوصل مع ضم الراء في سائر الأحوال، ومع فتحها في سائر الأحوال، ومع تغيرها باعتبار حركات الإعراب، حكاهن في "الصحاح"، إلا اللغة الثالثة والرابعة، فحكاهما في "المحكم"، وأنشد قول أبي خِرَاش [من الطويل]:
جَمَعْتُ أُمُورًا يُنْفِذُ الْمِرْأَ بَعْضُهَا … مِنَ الْحِلْمِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْحَسَبِ الضَّخْمِ
وقال: هكذا رواه السكّريّ بكسر الميم، وزعم أن ذلك لغة هُذَيل. انتهى.
ويُثَنَّى، فيقال: المرءان، ولا جمع له من لفظه، كما ذكره صاحبا "الصحاح"، و"المحكم"، وقال في "المشارق": والجمع مَرْءُون، ومنه في الحديث: "أيها المرءون"، وذكر صاحب "النهاية" تبعًا للهرويّ حديثَ الحسن: "أحسنوا ملأكم أيها المرءون"، وقال: هو جمع المرء، قال: ومنه قول رؤبة
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ١٩٨.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٠٢.
(٣) "عمدة القاري" ٥/ ١١٢.
[ ٩ / ١٤٦ ]
لطائفة رآهم: أين يريد المرءون؟ قال في "الصحاح": وبعضهم يقول: هذه مرأة صالحةٌ، ومَرَةٌ أيضًا بترك الهمز، وتحريك الراء بحركتها، وهذه امرَأة مفتوحة الراء على كل حال. انتهى (^١).
(يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا، وَاذْكُرْ كَذَا) هكذا الرواية هنا بالعطف مكرّرًا، وكذا في رواية للبخاريّ، ووقع في رواية له: "اذكر كذا، اذكر كذا" بدون عطف، وسيأتي للمصنّف في "أبواب السهو" من طريق عبد ربّه بن سعيد، عن الأعرج زيادة: "فَهَنّاه، ومنّاه، وذكّره من حاجته ما لم يذكر" (لِمَا) بكسر اللام، و"ما" موصولة، والجارّ والمجرور متعلّق بـ "اذكُر" على سبيل التنازع، وقوله: (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) صلة "ما"، و"يذكُر" مبنيّ للفاعل، أي للأمر الذي نسيه المصلّي (مِنْ قَبْلُ) بالبناء على الضم؛ لقطعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي من قبل دخوله في الصلاة.
قال في "الفتح": ومن ثَمّ استنبط أبو حنيفة -﵀- للذي شكا إليه أنه دَفَنَ مالًا، ثم لم يَهتد لمكانه أن يُصلّي، ويَحرص أن لا يُحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا، ففعل، فذكر مكان المال في الحال.
قيل: خَصَّه بما يَعْلَم دون ما لا يَعْلَم؛ لأنه يميل لما يَعْلَم أكثر؛ لتحقق وجوده، والذي يظهر أنه لأعمّ من ذلك، فيُذَكِّرُهُ بما سَبَق له به عِلْمٌ؛ ليشتغل باله به، وبما لم يكن سبق له؛ ليوقعه في الفِكْرة فيه، وهذا أعمّ من أن يكون في أمور الدنيا، أو في أمور الدين؛ كالعلم، لكن هل يَشْمَل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها؟ لا يبعد ذلك؛ لأن غرضه نقص خشوعه، وإخلاصه بأيّ وجهٍ كان. انتهى.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هكذا جعل في "الفتح" التفكّر في معاني الآيات التي يقرؤها، ونحو ذلك من هذا القسم الذي هو من وسوسة الشيطان، وفيه نظر لا يخفى، فكيف يُعدّ هذا منه، وهو من روح الصلاة، ومن مقصدها الأعظم؟ لأن ذلك هو الذي يَحمله على الخشوع والخضوع والإخلاص، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن من الغافلين، واللَّه تعالى أعلم.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ١٩٨ - ١٩٩، وقد أطال البحث في هذا في "لسان العرب"، فراجعه في مادّة "مرئ".
[ ٩ / ١٤٧ ]
(حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ) كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة، يقال: ظلّ الرجل يفعل كذا يَظَلّ، من باب تَعِبَ ظُلُولًا: إذا فعله نَهارًا، قال الخليل: لا تقول العرب: ظلّ، إلا لعمل يكون بالنهار، قاله الفيّوميّ (^١).
ومعنى "يَظَلّ" في الأصل اتِّصاف الْمُخْبَر عنه بالخبر نهارًا، لكنها هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، وقيل: بمعنى يبقى، ويدوم.
ووقع عند الأصيلي في "صحيح البخاري": "يَضِلّ" بكسر الضاد المعجمة، من باب ضرب، من الضلال؛ أي يَنْسَى، ومنه قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أو بفتحها، من باب تَعِبَ: أي يُخطئ، ومنه قوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، والمشهور الأول، أفاده في "الفتح" (^٢).
وقال العراقيّ -﵀- في "شرح التقريب": المشهور في الرواية: "حتى يَظلّ الرجل إن يدري كم صلَّى؟ "، بفتح الظاء من "يَظَلّ"، وكسر "إن"، فـ "يَظَلّ" إحدى نواسخ الابتداء، ترفع الاسم، وتنصب الخبر.
ومعناها في الأصل اتصاف الْمُخْبَر عنه بالخبر نهارًا، وهي هنا بمعنى يصير، كما في قوله تعالى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ الآية [النحل: ٥٨]، وقيل: بمعنى يبقى ويدوم، و"إِنْ" نافيةٌ، ويدلّ على ذلك قوله في رواية البخاريّ: "لا يَدْرِي"، وفي رواية مسلم: "ما يدري"، والثلاثة حروف نفي.
وقال ابن عبد البرّ -﵀-: الرواية في "أَنْ" ههنا عند أكثرهم بالفتح، فيكون حينئذ بمعنى لا يدري، وكذلك رواه جماعة عن مالك بهذا اللفظ: "حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى؟ "، بكسر الهمزة، فمعناه: ما يدري كم صلى؟، و"إن" بمعنى "ما" كثير، وقيل. يظلّ ها هنا بمعنى يبقى لا يدري كم صلّى؟، وأنشدوا [من الطويل]:
ظَلِلْتُ رِدَائِي فَوْقَ رَأْسِيَ قَاعِدَا … أَعُدُّ الْحَصَى مَا تَنْقَضِي عَبَرَاتِي
انتهى (^٣).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٦.
(٢) ٢/ ١٠٣.
(٣) "الاستذكار" ٤/ ٥٣.
[ ٩ / ١٤٨ ]
واعترضه بعضهم فيما قاله في "أن" المفتوحة، فقال: وهذا غير صحيح، لأن "أن" لا تكون نفيًا، ولا أعلم أحدًا من النحويين حَكَى ذلك، والوجه في هذه الرواية: "أَنْ يَدْريَ" بفتح الياء من "يَدْري"، وتكون "أَنْ" هي الناصبة للفعل، ويكون "يضل" بضاد غير مشالة، من الضلال الذي هو الْحَيْرة، كما يقال: ضَلّ عن الطريق، فكأنه قال: يَحار الرجل، ويَذْهَل عن أن يدري كم صلى؟، فتكون "أن" في موضع نصب بسقوط حرف الجر.
ويجوز أن يكون من الضلال الذي يراد به الخطأ، فتكون الضاد مكسورة، كقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]، وتكون "أَنْ" في موضع نصب على المفعول الصحيح؛ لأن "ضَلَّ" التي بمعنى أخطأ لا يَحتاج تعديها إلى حرف الجر، قال طَرَفَةُ [من الطويل]:
وَكَيْفَ يَضِلُّ الْقَصْدَ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ … وَللْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلُ
قال: ولو رُوِي: حتى يُضِلَّ الرجلَ أَنْ يدريَ كم صلى؟، لكان وجهًا صحيحًا يريد به حتى يُضِلّ الشيطانُ الرجلَ عن دراية كم صلى؟، ولا أعلم أحدًا رواه كذا، لكنه لو رُوي لكان وجهًا صحيحًا في المعنى، غير خارج عن مراده -ﷺ-. انتهى.
قال العراقيّ: وما أدري ما وجه تفرقة ابن عبد البر بين "لا"، و"ما"، فجَعَل رواية الفتح بمعنى "لا"، ورواية الكسر بمعنى "ما"، مع أن "لا"، و"ما" بمعنًى واحدٍ، ثم إنه -أعني ابن عبد البر- لا يَعْرِف قوله: "يظل" إلا بالظاء المشالَة، ولا يتجه مع ذلك في "إن" إلا الكسر، ولا يتجه فيها الفتح إلا مع الضاد الساقطة، كما حكيناه عن بعضهم، وهي رواية.
وقال القاضي عياض: حَكَى الداوديّ أنه رُوي "يضلّ" بالضاد، بمعنى ينسى ويذهب وَهْمُهُ، قال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وما حكيته عن ابن عبد البر من ضبطه "أَنْ" هنا بالفتح وافقه عليه الأصيليّ، فضبطها بالفتح في "صحيح البخاريّ"، وما حَكَيته عن المعترض عليه ذكره أيضًا لقاضي عياض، فقال: ولا يصح تأويل النفي، وتقدير "لا" مع الفتح، وإنما يكون بمعنى "ما"، والنفي مع الكسر، قال: وفتحها لا يصحّ إلا
[ ٩ / ١٤٩ ]
على رواية مَن رَوَى "يَضلّ" بالضاد، فتكون "أن" مع الفعل بعدها بتأويل المصدر مفعولَ "يضلّ"، أي يجهل درايته، وينسى عدد ركعاته. انتهى.
قال وليّ الدين: وما ذكره ابن عبد البر من أنّ أكثرهم على الفتح، مُعارَضٌ بنقل القاضي عياض أن أكثرهم على الكسر، وهو المشهور المعروف، وما حكاه والدي عن ابن عبد البر أنه قال: الوجه "حتى يَضلّ الرجل أن يدري" بفتح "أن" الناصبة، وبالضاد المكسورة، لم أره في كلامه، إنما تَعَرَّض بفتح الهمزة في "أن"، ولم يذكر كون الضاد ساقطة، هذا هو الذي وَقَعْتُ عليه في "الاستذكار"، و"التمهيد"، فإما أن يكون الشيخ وَقَف على هذا الكلام في موضع آخر، وإما أن يكون خَرَّج على ما ذكره ابن عبد البر في فتح همزة "أَنْ" أن يكون يَضلّ بالضاد الساقطة، وألزمه ذلك؛ إذ لا يمكن مع فتح الهمزة أن يكون يظل بالظاء المشالة. انتهى كلام وليّ الدين -﵀- (^١).
(مَا يَدْرِي) وفي نسخة: "لا يدري"، وهي عند البخاريّ (كَمْ صَلَّى؟ ") وفي الرواية التالية: "إن يدري كيف صلّى؟ "، وفي رواية للبخاريّ في "بدء الخلق" من "صحيحه"، من وجه آخر عن أبي هريرة: "حتى لا يدري أثلاثًا صلى، أم أربعًا؟ "، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٨٦٢ و٨٦٣ و٨٦٤ و٨٦٥ و٨٦٦] (٣٨٩)، وفي "المساجد ومواضع السجود" (٣٨٩)، و(البخاريّ) في "الأذان" (٦٠٨)، وفي "السهو" (١٢٢٢ و١٢٣١)، و"بدء الخلق" (٣٢٨٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٥١٦)، و(الترمذيّ) فيها (٣٩٧)، و(النسائيّ) في "الأذان" (٢/ ٢١ - ٢٢)، و(مالك) في "الموطأ" (١/ ٦٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣٤٦٢)، و(أبو
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ١٩٩ - ٢٠١.
[ ٩ / ١٥٠ ]
داود الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٤٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٢٢٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٣ و٤١١ و٤٦٠ و٥٠٣ و٥٠٤ و٥٢٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٢٧٣ و٣٥٠ و٥٣١)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣٩٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٦ و١٦٦٢ و١٦٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٩٧٥ و٩٧٦ و٩٧٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٨٤٨ و٨٤٩ و٨٥٠ و٨٥١ و٨٥٢ و٨٥٤ و٨٥٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ٤٣٢)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (١/ ٣٧٤ و٣٧٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢/ ٢٧٤)، واللَّه تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل التأذين، وعظم قدره، حيث إن الشيطان يهرُبُ منه، ولا يهرب عند قراءة القرآن في الصلاة التي هي أفضل الأحوال، بدليل قوله: "فإذا قُضِي التثويب أقبل"، ويكفي هذا في فضل الأذان.
٢ - (ومنها): أن الشيطان يتأذّى منه، فلا يستطيع سماعه.
٣ - (ومنها): أن الشيطان له تسلّط على الإنسان بالوسوسة حتى في حال الصلاة، وأنه شديد الحرص على إلحاق الضرر به، فيجب الحذَر منه.
٤ - (ومنها): أن للشيطان ضُرَاطًا على حقيقته، كما تقدّم تحقيقه؛ لأنه ثبت أنه يأكل ويشرب، فلا حاجة إلى ما تكلّفه بعضهم بتأويله.
٥ - (ومنها): أن الإقامة يقال لها: التثويب، وهي مشروعة، وما تقدّم من كون التثويب بدعة، كما نُقل عن ابن عمر -﵄- هو ما أحدثه الناس بين الأذان والإقامة من قولهم: حي على الصلاة، حيّ على الفلاح، ونحو ذلك.
٦ - (ومنها): أن التفكّر في الصلاة، والسهو فيها لا يُبطلها، وهو مجمع عليه.
٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على استحباب رفع الصوت بالأذان، فإنه ذَكَر فيه أنه إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان، وله ضُراط إلى غاية لا يسمع فيها الأذان، فدَلّ على أنه كلما زاد في رفع صوته زاد الشيطان في الإبعاد، ولا شك في استحباب فعل الأمور التي تبعد الشيطان وتطرُده، وقد دلّ هذا الحديث على أن زيادة الرفع زيادة له في الإبعاد، إلا أنه يَحْتِمل أن يقال: قوله: "حتى لا يسمع التأذين" ليس غايةً للإبعاد في الإدبار، بل غاية للزيادة في الضُّرَاط.
[ ٩ / ١٥١ ]
والمراد أنه يقصد بما يفعله من ذلك تصميم أذنه عن سماع صوت المؤذن، لكن يدلّ على زيادته في الإبعاد ما تقدّم للمصنّف في هذا الباب من حديث جابر -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة، ذهب حتى يكون مكان الرَّوْحَاء".
قال الجامع عفا اللَّه عنه: قد أسلفنا أن الأقرب كون الضراط لعدم سماعه الأذان، على أنه لا مانع من اجتماع الأمرين في حصول الضراط، واللَّه تعالى أعلم.
٨ - (ومنها): ما قاله ابن بطال عن المهلب: فيه من الفقه أن مَن نَسِي شيئًا، وأراد أن يتذكره فَلْيُصَلِّ، ويُجْهِد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا، فإن الشيطان لا بدّ أن يحاول تَسْهِيتَهُ، وإذكاره أمور الدنيا؛ ليصدّه عن إخلاص نيته في اورة.
وقد رُوِي عن أبي حنيفة أن رجلًا دَفَن مالًا، ثم غاب عنه سنين كثيرةً، ثم قَدِم فطلبه، فلم يهتد لمكانه، فقصد أبا حنيفة، فأعلمه بما دار له، فقال له: صَلِّ في جوف الليل، وأخلص نيتك لله تعالى، ولا تُجْرِ على قلبك شيئًا من أمور الدنيا، ثم عَرِّفني بأمرك، ففعل ذلك، فذَكَرَ في الصلاة مكان المال، فلما أصبح أتى أبا حنيفة، فأعلمه بذلك، فقال بعض جلسائه: من أين دللته على هذا يرحمك اللَّه؟ فقال: استدللت من هذا الحديث، وعلمتُ أن الشيطان سيرضى أن يصالحه بأن يُذَكِّره موضع ماله، ويمنعه الإخلاص في صلاته، فعَجِب الناس من حسن انتزاعه واستدلاله. انتهى كلامه.
٩ - (ومنها): ما قاله العراقيّ -﵀-: هل يتوقف هروب الشيطان من الأذان على كونه أذانًا شَرعيًّا مستجمعًا للشروط، واقعًا في الوقت، مقصودًا به الإعلام بدخول وقت الصلاة، أو يهرُب من الإتيان بصورة الأذان، وإن لم يوجد فيه ما تقدَّم؟ الأقرب عندي الأول، وكلام أبي صالح السمّان راوي الحديث عن أبي هريرة -يعني الحديث المذكور قبل هذا الحديث- يدل على أنه فهم الثاني.
قال الجامع عفا اللَّه عنه: عندي أن ما فهمه أبو صالح هو الأظهر؛ لظاهر النصّ، ويؤيّد ذلك الأثران التاليان، واللَّه تعالى أعلم.
[ ٩ / ١٥٢ ]
ورُوي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: إن شيئًا من الخلق لا يستطيع أن يتحول في غير خلقه، ولكن للجن سَحَرَةً كسَحَرَة الإنس، فإذا خشيتم شيئًا من ذلك، فأَذِّنوا بالصلاة.
وقال مالك بن أنس: استُعْمِل زيدُ بن أسلم على مَعْدن بني سليم، وكان معدنًا لا يزال يصاب فيه الناس من الجنّ، فلما وَليَهم شَكَوا ذلك إليه، فأمرهم بالأذان، وأن يرفعوا أصواتهم به، ففعلوا، فارتفع ذلك عنهم، فهم عليه حتى اليوم، قال مالك: وأعجبني ذلك من رأي زيد بن أسلم. انتهى.
١٠ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه كان في زمنه -ﷺ- يفصل بين الأذان والإقامة بزمن، وذلك دليلٌ على أنه لا يُشتَرط في تحصيل فضيلة إيقاع الصلاة في أول وقتها انطباق أولها على أول الوقت؛ إذ لو كان كذلك لَمَا واظبوا على ترك هذه الفضيلة، وهذا هو الصحيح المعروف، وقيل: لا يَحصُل ذلك إلا بأن ينطبق أول التكبيرة على أول الوقت، وهو شاذٌّ، وهذا الحديث يدلّ على خلافه، قاله في "شرح التقريب" (^١).
١١ - (ومنها): أن الجنّ يسمعون أصوات بني آدم، قاله العينيّ.
١٢ - (ومنها): ما قيل: إنه يُشبه أن يؤخذ منه الزجر عن خروج الإنسان من المسجد بعد أن يؤذّن فيه؛ لئلا يكون مشابهًا للشيطان الذي يفز عند سماع الأذان.
١٣ - (ومنها): ما قيل أيضًا: يؤخذ من التصريح بلفظ الضراط أن استحباب الكناية عما يُستقبح سماعه إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى التصريح به، وإلا بأن ترتّب عليه مصلحة؛ كالتقبيح والتنفير المرادين من هذا الحديث، فلا بأس به، فتنبّه.
١٤ - (ومنها): أنه قد يُستَدَلُّ به على أن الأذان أفضل من الإمامة، وهو الذي صححه النوويّ، خلافًا للرافعيّ، فإنه صحح تفضيل الإمامة، وعن أحمد روايتان، قال العراقيّ: وفي المسألة لأصحابنا وجه ثالثٌ، وهو أنه إن قام بحقوق الإمامة، كانت أفضل من الأذان، وإلا فهو أفضل، قال به أصحابنا:
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٠٤.
[ ٩ / ١٥٣ ]
أبو علي الطبريّ، والقاضيان: ابن كَجٍّ، والحسين، والمسعوديّ، ويوافقه قول الشافعي -﵀-: أُحِبّ الأذان؛ لقول رسول اللَّه -ﷺ-: "اللهم اغفر للمؤذنين" (^١)، وأكره الإمامة؛ للضمان، وما على الإمام فيها، وإذا أَمَّ انبغى أن يتقيَ، ويؤدي ما عليه في الإمامة، فإن فعل رجوت أن يكون أحسن حالًا من غيره. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا اللَّه عنه: هذا التفصيل الذي ذكره الإمام الشافعيّ -﵀- هو الأرجح عندي؛ لوضوح حجّته، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في علّة هروب الشيطان عند سماع الأذان:
قال في "الفتح": اختَلَف العلماء في المعنى في إدبار الشيطان وهروبه عند سماع الأذان، فقال المهلب: إنما يهرب -واللَّه أعلم- من اتّفاق الكل على الإعلان بشهادة التوحيد، وإقامة الشريعة، كما يَفعَل يوم عرفة لِمَا يَرَى من اتفاق الكل على شهادة التوحيد للَّه تعالى، وتنزل الرحمة، فييأس أن يرُدّهم عما أعلنوا به من ذلك، ويوقن بالخيبة بما تفضل اللَّه تعالى عليهم من ثواب ذلك، ويذكر معصية اللَّه ومضادته أمره، فلا يملك الحدَث لِمَا حصل له من الخوف. انتهى، وذكر القاضي عياض نحوه.
وقيل: إنما أدبر عند الأذان؛ لئلا يسمعه، فيضطَرّ إلى أن يشهد له بذلك يوم القيامة؛ لقوله -ﷺ-: "لا يَسمَع مَدَى صوت المؤذن جنّ، ولا إنس، ولا شيءٌ إلا شهد له يوم القيامة"، رواه البخاريّ، وهذا قد حكاه النوويّ عن العلماء، وهو مبني على أن الكافر يدخُل في هذه الشهادة، وهو الصحيح، وحَكَى القاضي عياض قولًا أن الكافر لا يدخل في هذه الشهادة؛ لأنه لا شهادة له، وقال: لا يقبل هذا من قائله؛ لما جاء في الآثار من خلافه.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود في "سننه"، ولفظه: عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الإمام ضامنٌ، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين".
(٢) راجع: "طرح التثريب" ٢/ ٢٠٣.
[ ٩ / ١٥٤ ]
قال ابن عبد البر: إنما يفعل ذلك لِمَا يلحقه من الذُّعْر والخزي عند ذكر اللَّه، وذكرُ اللَّه تعالى في الأذان تَفْزَع منه القلوب ما لا تفزع من شيء من الذكر؛ لما فيه من الجهر بالذكر، وتعظيم اللَّه تعالى فيه، وإقامة دينه، فيدبر الشيطان؛ لشدّة ذلك على قلبه. انتهى.
وقال بعضهم: سبب إدباره عِظَم أمر الأذان؛ لما اشتمل عليه من قواعد التوحيد، وإظهار شعار الإسلام وإعلانه، وقيل: ليأسه من الوسوسة عند الإعلان بالتوحيد، وقيل: لأنه دعاء إلى الصلاة التي فيها السجود الذي امتنع من فعله لَمّا أُمر به، قال ابن بطال: وليس بشيء؛ لأنه -ﷺ- قد أخبر أنه إذا قُضِي التثويب أقبل يُذَكِّره ما لم يَذكُر، يَخْلِط عليه صلاته، وكان فراره من الصلاة التي فيها السجود أولى لو كان كما زعموا. انتهى.
قال القاضي عياض: ولا يلزم هذا الاعتراض؛ إذ لَعَلَّ نِفَاره إنما كان من سماع الأمر والدعاء بذلك، لا من رؤيته ليغالط نفسه أنه لم يسمع دعاءً، ولا خالف أمرًا.
قال العراقيّ: أحسنُ ما ذكره القاضي عياض في جواب اعتراض ابن بطال أن نفرته عند الأذان إنما هو تصميم على مخالفة أمر اللَّه، واستمرار على معصيته، وعدم الانقياد إليه، والاستخفاف بأوامره، فإذا دعا داعي اللَّه فَرَّ منه وأعرض عنه، واستخفّ به، فإذا حضرت الصلاة حضر مع المصلين، غير مشارك لهم في الصلاة، بل ساعيًا في إبطالها عليهم، وهذا أبلغ في المعصية والاستخفاف مما لو غاب عن الصلاة بالكلية، فصار حضوره عند الصلاة من جنس نفرته عند الأذان، ومن مَهْيَعٍ واحد، ومقصوده. بالأمرين الاستخفاف بأوامر اللَّه تعالى، وعدم الانقياد إليها، كما ذكرته، واللَّه أعلم. انتهى كلام العراقيّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح" بعد ذكر نحو ما تقدّم: "وقيل: إنما يهرب لاتفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق، وإقامة الشريعة.
واعتُرِض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي.
_________________
(١) "طرح التثريب في شرح التقريب" ٢/ ٢٠١ - ٢٠٢.
[ ٩ / ١٥٥ ]
وأُجيب بأن الإعلان أخصّ من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلًا، ولهذا قال لعبد اللَّه بن زيد: ألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك؛ أي أقعد في المدّ والإطالة والإسماع؛ ليعم الصوت، ويطول أمد التأذين، فيكثر الجمع، ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدميّ عن إقامة الصلاة في جماعة، أو إخراجها عن وقتها، أو وقت فضيلتها، فيفر حينئذ، وقد ييأس عن أن يردّهم عما أَعلنوا به، ثم يرجع لِمَا طُبع عليه من الأذى والوسوسة.
وقال ابن الجوزيّ: على الأذان هيبة يشتدّ انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة، فإن النفس تحضر فيها، فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة، وقد ترجم عليه أبو عوانة: "الدليلُ على أن المؤذِّن في أذانه وإقامته منفي عنه الوسوسة والرياء؛ لتباعد الشيطان منه"، وقيل: لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ، هي من أفضل الذكر، لا يزاد فيها ولا يُنقص منها، بل تقع على وفق الأمر، فيفرّ من سماعها، وأما الصلاة فلِمَا يقع من كثير من الناس فيها من التفريط، فيتمكن الخبيث من المفرِّط، فلو قُدِّر أن المصلي وَفّى بجميع ما أُمر به فيها لم يقربه إذا كان وحده، وهو نادرٌ، وكذا إذا انضم إليه من هو مثله، فإنه يكون أندر، أشار إليه ابن أبي جمرة -﵀-. انتهى (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": وردت في فضل الأذان أحاديثُ كثيرة، ذكر البخاريّ بعضها في مواضع أخرى، واقتصر على هذا هنا؛ لأن هذا الخبر تَضَمَّن فضلًا لا يُنال بغير الأذان، بخلاف غيره من الأخبار، فإن الثواب المذكور فيها يُدرَك بأنواع أخرى من العبادات. انتهى (^٢)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٨٦٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ١٠٣ - ١٠٤.
(٢) "الفتح" ٢/ ١٠٤.
[ ٩ / ١٥٦ ]
عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى؟ ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، ثقة عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، عمي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَر) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّه) بن كامل، أبو عُقبة الصنعانيّ، ثقة [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل حديث الأعرج، عن أبي هريرة -﵁-.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لهمّام.
وقوله: (إِنْ يَدْرِي كَيْفَ صَلَّى؟) قال النوويّ: بكسر همزة "إِنْ"، قال القاضي عياض: ورُوي بفتحها، قال: وهي رواية ابن عبد البرّ، وادَّعَى أنها رواية أكثرهم، وكذا ضبطه الأصيليّ في كتاب البخاريّ، والصحيح الكسر. انتهى.
وقال في "الفتح": "إن يدري" بكسر همزة "إن"، وهي نافيةٌ بمعنى "لا"، وحَكَى ابن عبد البرّ عن الأكثر في "الموطّأ" فتح الهمزة، ووجَّهَهُ بما تعقّبه عليه جماعة، وقال القرطبيّ: ليست رواية الفتح بشيء إلا مع رواية الضاد، فتكون "أن" مع الفعل بتأويل المصدر، ومفعول "يَضَلّ" "أن" بإسقاط حرف الجرّ، أي يضلّ عن درايته، وينسى عن عدد ركعاته، وهذا أيضًا فيه بُعْدٌ. انتهى (^١)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ١٧.
[ ٩ / ١٥٧ ]