وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٠] (٨٩٤) - (وَحَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الْمَازِنِيَّ يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "المجموع شرح المهذّب" ٥/ ٦٨.
[ ١٧ / ٥١٥ ]
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) وهو ابن (٧٠) سنةً (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٤ - (عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ) بن غَزِيّة الأنصاريّ المازنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢٥/ ٨١٠.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ الْمَازِنِيُّ) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاريّ المازنيّ، أبو محمد الصحابيّ المشهور، روى صفة الوضوء، وغير ذلك، ويقال: إنه هو الذي قَتَلَ مُسَيْلِمَةَ الكذّاب، واستُشهِد - ﵁ - بالحرّة سنة (٦٣) ع) تقدم في "الطهارة" ٧/ ٥٦١.
[تنبيه]: كون عبد الله بن زيد المذكور في هذا السند هو ابن عاصم المازنيّ هو الصواب، كما سيأتي قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمِ) المازنيّ (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ئنَ زَيْدٍ الْمَاَزِنِيَّ) - ﵁ - (يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمُصَلَّى) قال الحافظ -﵀-: ولم أقف في شيء من طرق حديث عبد الله بن زيد على سبب ذلك، ولا صفته - ﷺ - حال الذهاب إلى المصلَّى، ولا على وقت ذهابه، وقد وقع ذلك في حديث عائشة - ﵂ - عند أبي داود، وابن حبّان، قالت: "شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحط المطر، فأمر بمنبر، فوُضِع له بالمصلَّى، ووَعَدَ الناس يومًا يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر … " الحديث، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد، وأصحاب السنن: "خرج متبذّلًا متواضعًا حتى أتى المصلّى، فرقي المنبر … ".
[ ١٧ / ٥١٦ ]
وفي حديث أبي الدرداء عند البزار، والطبرانيّ: "قَحَطَ المطرُ، فسألنا نبي الله - ﷺ - أن يستسقي لنا، فغدا نبي الله - ﷺ - … " الحديث.
وقد حَكَى ابن المنذر الاختلاف في وقتها، والراجح أنه لا وقت لها معيّنٌ، وإن كان أكثر أحكامها كالعيد، لكنها تخالفه بأنها لا تختصّ بيوم معيّن، وهل تُصنَع بالليل؟ استنبط بعضهم من كونه - ﷺ - جهر بالقراءة فيها بالنهار أنها نهاريّة كالعيد، هالا فلو كانت تصلى بالليل لأسرّ فيها بالنهار، وجهر بالليل كمطلق النوافل. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاستنباط محل تأمُّل، والله تعالى أعلم.
ونَقَلَ ابن قُدامة -﵀- الإجماع على أنها لا تصلى في وقت الكراهة.
وأفاد ابن حبّان أن خروجه - ﷺ - إلى المصلى للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة.
(فَاستَسْقَى) أي: طلب من الله تعالى السُّقيا بتضرّعه ودعائه (وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ) أي: قلبه على جهة التفاؤل بانقلاب الحال من الشدّة إلى السعة، ومن القحط والجدب إلى الخصب والرخاء.
وقال الطيبيّ -﵀-: والغرض من التحويل التفاؤل بتحويل الحال؛ يعني: حَوَّلنا أحوالنا رجاء أن يُحَوّل الله تعالى العسر باليسر، والجدب بالخِصْب.
وكيفيّة تحويل الرداء أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل أيضًا من جانب يمينه، وَيقْلِب يديه خلف ظهره، بحيث يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، فإذا فَعَل ذلك، فقد انقلب اليمين يسارًا واليسار يمينًا، والأعلى أسفل، والأسفل أعلى، وأبو حنيفة لا يرى صلاة الاستسقاء، بل يدعو له، والشافعيّ يصلي كصلاة العيد، ومالك يصلي كسائر الصلوات. انتهى كلام الطيبيّ -﵀- (^١)، وهو بحث نفيسٌ، وسيأتي تمام البحث في اختلاف الأئمة في صلاة الاستسقاء في المسألة الرابعة - إن شاء اللُّه تعالى -.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٩/ ١٣١٤ - ١٣٢٠.
[ ١٧ / ٥١٧ ]
[فائدة]: ذكر الواقديّ أن طول ردائه - ﷺ - كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع، وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر، كان يلبسهما في الجمعة والعيدين، ووقع في "شرح الأحكام لابن بزيزة" ذرع الرداء كالذي ذكره الواقديّ في ذرع الإزار، والأول أولى، قاله في "الفتح".
(حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) زاد في الروايات التالية: "وصلّى ركعتين"، وفي رواية يحيى بن سعيد عند ابن خزيمة: "وصلى للناس ركعتين"، وفي رواية الزهريّ عند البخاريّ: "ثم صلى لنا ركعتين".
واستدلّ به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة، وسيأتي البحث عنه قريبًا - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٧٠ و٢٠٧١ و٢٠٧٢ و٢٠٧٣] (٨٩٤)، و(البخاريّ) في "الاستسقاء" (١٠٠٥ و١٠١٢ و١٠٢٣ و١٠٢٤ و١٠٢٥ و١٠٢٦ و١٠٢٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٦١ و١١٦٢ و١١٦٣ و١١٦٧)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٥٦)، و(النسائيّ) في "الاستسقاء" (٣/ ١٥٥ و١٥٦ و١٥٧)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦٧)، و(مالك) في "الموطأ" (١٣٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٤١٥ و٤١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٨ و٣٩ و٤٠ و٤١ و٤٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٣٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٠٦ و١٤٠٧ و١٤١٠ و١٤١٥ و١٤١٤ و١٤٢٠ و١٤٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده) (٢٤٧٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠١٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب خروج الإمام إلى المصلى للاستسقاء.
٢ - (ومنها): بيان استحباب استقبال القبلة في حال الدعاء.
[ ١٧ / ٥١٨ ]
٣ - (ومنها): استحباب قلب الرداء، تفاؤلًا في قلب الحال من الجدب إلى الرخاء والخصب.
٤ - (ومنها): استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء، وقد خالف فيه الإمام أبو حنيفة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة الاستسقاء:
قال النوويّ -﵀-: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنةٌ، واختلفوا هل تُسَنّ له صلاة أم لا؟:
فقال أبو حنيفة: لا تسنّ له صلاةٌ، بل يُستسقَى بالدعاء بلا صلاة، وقال سائر العلماء، من السلف والخلف: الصحابة، والتابعون، فمن بعدهم: تسنّ الصلاة، ولم يخالف فيه إلا أبو حنيفة، وتَعَلَّق بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة.
واحتجّ الجمهور بالأحاديث الثابتة في "الصحيحين" وغيرهما أن رسول الله - ﷺ - صلى للاستسقاء ركعتين، وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، ويتعقبه الصلاة للجمعة فاكتَفَى بها، ولو لم يصلِّ أصلًا كان بيانًا لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة، ولا خلاف في جوازه، وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمةً؛ لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينهما.
قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع: أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة.
الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في إثر صلاة مفروضة، وهو أفضل من النوع الذي قبله.
والثالث، وهو أكملها: أن يكون بصلاة ركعتين وخطبتين، ويتأهب قبله بصدقة، وصيام، وتوبة، وإقبال على الخير، ومجانبة الشرّ، ونحو ذلك من طاعة الله تعالى. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀ -: حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - يقتضي أن سنّة
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٨٧ - ١٨٨.
[ ١٧ / ٥١٩ ]
الاستسقاء الخروج إلى المصلَّى، والخطبة، والصلاة، وبذلك قال جمهور العلماء، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّته صلاةٌ، ولا خروجٌ، وإنما هو دعاءٌ لا غير، وهذا الحديث وما في معناه يردّ عليه، ولا حجّة لأبي حنيفة في حديث أنس - ﵁ -؛ إذ فيه أن النبيّ - ﷺ - دعا من غير صلاة، ولا غيرها؛ لأن ذلك كان دعاءً عُجِّلت إجابته، فاكتَفَى به عمّا سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنّة الاستسقاء، ولَمّا قصد البيان بيّن بفعله، كما في حديث عبد الله بن زيد. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن الحقّ هو ما عليه الجمهور من استحباب صلاة ركعتين للاستسقاء؛ لثبوت الأحاديث في "الصحيحين" وغيرهما بذلك، والذين ادّعوا عدم الاستحباب ليس عندهم دليلٌ، يعارض أدلّة المثبتين، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في تقديم خطبة الاستسقاء على الصلاة، أو العكس: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلفوا في هذا الباب، فروينا عن ابن الزبير أنه خرج يستسقي بالناس، فخطب، ثم صلى بغير أذان، ولا إقامة، وفي الناس يومئذ البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، قال: وروينا أن عمر بن عبد العزيز استسقى على المنبر، ثم نزل، فصلى، وروينا عن عبد الله بن يزيد أنه صلى، ثم استسقى، قال أبو إسحاق الراوي لهذا الحديث: فمشيت يومئذ إلى جنب زيد بن أرقم.
وقال مالك، والشافعي، ومحمد بن الحسن: يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه خطب قبل الصلاة.
وقال ابن المنذر - ﵀ -: يخطب قبل الصلاة. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ - في "المفهم": وظاهر الحديث أن الخطبة مقدمة على الصلاة؛ لأنه جاء فيه بـ "ثم" التي للترتيب والْمُهْلة، وبذلك قال مالك في أول قوليه، وهو قول كثير من الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الصلاة مقدمة
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٣٨.
[ ١٧ / ٥٢٠ ]
على الخطبة، وإليه رجع مالك، وهو قوله في "الموطأ"، وكان مستند هذا القول رواية من روى هذا الخبر بالواو غير المرتبة بدل "ثم"، وما روي عن إسحاق بن عيسى بن الطباع، عن مالك: أنه - ﷺ - بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا نصّ، وَيعْتَضِد هذا بقياس هذه الصلاة على صلاة العيدين، لسبب أنهما يخرج لهما، ولهما خطبة. انتهى.
وقال العلامة الشوكانيّ - ﵀ -: وقد اختَلَفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة، أو العكس، ففي حديث أبي هريرة، وحديث أنس، وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا حديث ابن عباس عند أبي داود، وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، ولكنه لم يصرّح في حديث عبد الله بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد، وكذا قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة.
قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختَلَف من الروايات في ذلك أنه - ﷺ - بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعبّر بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذلك وقع الاختلاف.
والمرجح عند الشافعية، والمالكية البدء بالصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: وقال بعض أصحابنا: ولو قدّم الخطبة على الصلاة صحّتا، ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها، وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة. انتهى. قال الشوكانيّ - ﵀ -: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحقّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ - ﵀ - حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم هل يكبّر في الاستسقاء كالعيد أم لا؟:
[ ١٧ / ٥٢١ ]
قال النوويّ - ﵀ -: اختَلَفوا هل يكبر تكبيرات زائدة في أول صلاة الاستسقاء، كما يكبر في صلاة العيد؟، فقال به الشافعيّ، وابن جرير، ورُوي عن ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، وقال الجمهور: لا يكبر، واحتجُّوا للشافعي بأنه جاء في بعض الأحاديث: صلى ركعتين كما يصلي في العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر والقراءة، وفي كونها قبل الخطبة، واختَلَفت الرواية عن أحمد في ذلك، وخَيَّره داود بين التكبير وتركه، ولم يذكر في رواية مسلم الجهر بالقراءة، وذكره البخاريّ، وأجمعوا على استحبابه، وأجمعوا أنه لا يؤذَّن لها، ولا يقام، لكن يُستحبّ أن يقال: الصلاة جامعة. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: ولم يُذكر في حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا أنها يُكبّر لها كما يُكبّر في العيد، ولذلك لم يَصِر إليه أكثر العلماء، مالك وغيره، وقد قال بالتكبير فيها جماعة، منهم ابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، والشافعيّ، والطبريّ، وحجتهم حديث ابن عبّاس - ﵄ - الذي أخرجه أبو داود، قال فيه: خرج رسول الله - ﷺ - متذلّلًا، متواضعًا، متضرّعًا، حتى أتى المصلَّى، فرقي المنبر، ولم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرّع، والتكبير، ثم صلّى ركعتين، كما يصلي في العيد (^٢).
قال: وهذا لا ينتهض حجة، فانه يصدق على التشبيه، وإن كان من بعض الوجوه، ولا يلزم التشبيه من كلّ الوجوه، إلا في شبيه ومثيل للمبالغة التي فيه، فان العرب تقول: زيدٌ كالأسد، وكالبحر، وكالشمس، تريد بذلك أنه يُشبهه في وجه من الوجوه، على أن هذا الحديث قد رواه الدارقطنيّ، وقال فيه: صلى ركعتين، كبَّر في الأولى بسبع تكبيرات، وقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وقرأ في الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وكبّر خمس تكبيرات، وهذا نصّ غير أن هذا الطريق في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٨٩.
(٢) حديث حسنٌ، رواه أبو داود برقم (١١٦٥).
[ ١٧ / ٥٢٢ ]
قال: ولا خلاف في أنه يجهر فيهما بالقراءة، وقد ذكره البخاريّ، ويُخْطَب فيهما خطبتان، يجلس في أولاهما ووسطهما، وهو قول مالك، والشافعيّ، وقال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وعبد الرحمن بن مهديّ: يخطب خطبة واحدةً، لا جلوس فيها، وخيّره الطبريّ. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "وهذا لا ينتهض حجة … إلخ" فيه نظر لا يخفى، كيف لا ينتهض ما دلّ عليه ظاهر التشبيه، فما الذي أدّاه إلى هذه الدعوى، فهل هناك دليلٌ صريح يدلّ على عدم التكبيرات في صلاة الاستسقاء؟، فالظاهر أن كون صلاة الاستسقاء مثل صلاة العيد في تكبيراتها هو الأقرب.
والحاصل أن ما ذهب إليه القائلون بذلك هو الأرجح، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية تحويل الرداء: قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: وقد اختلفوا في تحويل الرداء، فكان مالك يقول: إذا فرغ من الصلاة في الاستسقاء خطب الناس قائمًا يدعو في خطبته، مستقبل الناس، وظهره إلى القبلة، والناس مستقبلوه، فإذا استقبل القبلة حوّل رداءه، وجعل ما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه، ودعا قائمًا، واستقبل الناسُ جميعًا القبلةَ كما استقبلها الإمام قعودًا، وحوّلوا أرديتهم جميعًا كما حوّل الإمام، فإذا فرغ مما يريد من الدعاء استقبل الناس بوجهه، ثم انصرف.
وممن كان يرى أن يجعل اليمين الشمالَ، والشمالَ اليمينَ أحمدُ بن حنبل، وأبو ثور، وحُكي ذلك عن ابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهديّ، وإسحاق ابن راهويه، وكان الشافعي يقول بذلك إذ هو بالعراق، ثم رجع عنه.
وفيه قول ثان، قاله الشافعي آخر قوليه، قال: آمر الإمام أن ينكّس رداءه، فيجعل أعلاه أسفله، ويزيد مع نكسه، فيجعل شقه الذي كان على منكبه
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٣٩.
[ ١٧ / ٥٢٣ ]
الأيمن على منكبه الأيسر، والذي على منكبه الأيسر على منكبه الأيمن، فيكون جاء بما أراد رسول الله - ﷺ - من نكسه، وبما فعل من تحويل الرداء.
وفيه قول ثالث: قاله محمد بن الحسن، قال: ويقلب الإمام رداءه كله، وقلبه أن يجعل جانب الأيسر على الأيمن، والأيمن على الأيسر، وإنما يتبع في هذا السنة والآثار المعروفة، وليس ذلك على من خلف الإمام. قال أبو الزناد: كان عمر بن عبد العزيز يحوّل رداءه في الاستسقاء، قال: ولم يكن الناس يحوّلون أرديتهم. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ ما ذهب إليه الجمهور من استحباب تحويل الرداء؛ لوضوح أدلته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): أنه اختُلِفَ في حكمة التحويل، فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه، وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يُقصد إليه، قال: وإنما التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حوّل رداءك لتحوّل حالك.
قال الحافظ: وتُعُقِّب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل، والذي ردّه وَرَدَ فيه حديثٌ رجاله ثقات، أخرجه الدارقطنيّ، والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن عليّ، عن أبيه، عن جابر - ﵁ -، ورجّح الدارقطنيّ إرساله، وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظنّ.
وقال بعضهم: إنما حوَّل رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء، فلا يكون سنة في كلّ حال.
وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق، فالحمل على المعنى الأول أولى، فإن الاتّباع أولى من تركه لمجرّد احتمال الخصوص، والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الأرجح مشروعية التحويل، وأنه
_________________
(١) "الأوسط" ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.
[ ١٧ / ٥٢٤ ]
للتفاؤل؛ لحديث جابر - ﵁ - المذكور، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَاسْتَسْقَى، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام الحافظ الفقيه الحجة الثبت المشهور، من كبار [٨] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ الْأَنَصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٢ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاريّ القاضي، أبو سعيد المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) الأنصاريّ النجّاريّ المدنيّ القاضي،
[ ١٧ / ٥٢٥ ]
اسمه وكنيته واحدٌ، وقيل: كنيته أبو محمد، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٢٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢٢.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٧٣] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ (^١)، قَالَا: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ الْمَازِنِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَمَّهُ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فَجَعَلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، يَدْعُو اللهَ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السرح المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَرْمَلَةُ) بن يحيى التجيبيّ المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ١٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله الحافظ المصريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٥ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الإمام المشهور، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (سَمِعَ عَمَّهُ) المراد بعمّه: عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ المتكرّر في الروايات السابقة.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحرملة بن يحيى".
[ ١٧ / ٥٢٦ ]
وقوله: (ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) فيه دليلٌ لمن يقول بتقديم الخطبة على صلاة الاستسقاء، قال النوويّ: وأصحابنا يحملونه على الجواز، كما سبق بيانه. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.