[٢٠٨٩] (٩٠١) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيبَةُ ثنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ، وَاللَّفْظُ لَهُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا، فَكَبِّرُوا، وَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ، لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء البَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسِ) إمام دار الهجرة الحجة الثبت، رأس المتقنين، كبير المتثبّتين، [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تقدّم في الباب الماضي.
[ ١٨ / ٧ ]
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ متقنٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) عن (٨٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٥ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيه ربما دلّس [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ -، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه إسنادان فرّق بينهما بالتحويل، وسبب ذلك اختلاف شيخيه، فسند قتيبة بالعنعنة، وسند أبي بكر بالتحديث إلى هشام، وفيه أيضًا بيان أن لفظ الحديث لأبي بكر، وأما قتيبة فرواه بالمعنى، فتنبّه لهذه الدقائق.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن السند الأول مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فهو بغلانيّ، وقد دخل المدينة، والثاني مسلسلٌ من هشام، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، عن خالته، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٦ - (ومنها): أن فيه عائشة - ﵂ -، ذات المناقب الجمّة، فهي أمّ المؤمنين، الصدّيقة ابنة الصدّيق - ﵄ -، حبيبة رسول الله - ﷺ -، وبنت حبيبه، قد أنزل الله تعالى براءتها في كتابه، وهي من المكثرين السبعة، روت من الحديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٨ ]
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵂ - (قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ) فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس، وهي لغة ثابتة، كما تقدّم (^١). (فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) أي: في وقته بالمدينة، وذلك في السنة العاشرة من الهجرة، كما عليه جمهور أهل السير، في ربيع الأول، أو في رمضان، أو في ذي الحجة في عاشر الشهر، وعليه الأكثر (^٢). (فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي) فيه أنه ينبغي المبادرة بالصلاة عند الخسوف، لقولها: "فقام … إلخ" بالفاء التعقيبيّة، وهو مشروعيّة صلاة الكسوف جماعة، وهو مذهب الجمهور (^٣)، كما سيأتي تحقيقه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
وقال في "الفتح": استُدِلّ به على أنه - ﷺ - كان يحافظ على الوضوء، فلهذا لم يحتج إلى الوضوء في تلك الحال، وفيه نظرٌ؛ لأن في السياق حذفًا، ففي رواية ابن شهاب: "خسفت الشمس، فخرج إلى المسجد، فصفّ الناسُ وراءه"، وفي رواية عمرة: "فخسفت، فرجع ضُحًى، فمَرّ بين الْحُجَر، ثم قام يصلي"، وإذا ثبتت هذه الأفعال، جاز أن يكون حذف أيضًا "فتوضأ، ثم قام يصلي"، فلا يكون نصًّا في أنه كان على وضوء. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الحافظ احتمالًا قد ثبت نصًّا، ففي رواية النسائيّ (١٣/ ١٤٨١) من طريق أبي حفصة، عن عائشة - ﵂ -: "لما كسفت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ -، توضأ، وأمر، فنودي أن الصلاة جامعة … " الحديث، فدلّ على أنه توضأ، غايةُ الأمر أن الراوي اختصر في هذا الحديث ذكر الوضوء، والله تعالى أعلم.
(فَأَطَالَ الْقِيَامَ) وفي رواية أبي حفصة المذكورة أن عائشة قالت: "فحسبت قرأ البقرة"، وفي حديث ابن عباس - ﵄ - عند البخاري: "فقرأ نحوًا من سورة البقرة في الركعة الأولى"، ونحوه للنسائي، ونحوه لأبي داود، من طريق
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٩٢.
(٢) "عون المعبود" ٤/ ٤١.
(٣) "الإعلام" ٤/ ٢٩٢.
[ ١٨ / ٩ ]
سليمان بن يسار، عن عروة، وزاد فيه: "أنه قرأ في القيام من الركعة الثانية نحوًا من آل عمران".
وقولها: (جِدًّا) بكسر الجيم، منصوب على المصدر؛ أي: يجدّ جِدّاَ (^١)، والمراد من هذا القيام قيام القراءة.
(ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا) لم يُذكر في الحديث له حدّ، قال ابن الملقن -﵀-: ذكر أصحابنا أنه يطوّله بقدر مائة آية من البقرة، واختار غيرهم أنه لا يطوّله إلا بما لا يضرّ بمن خلفه. انتهى (^٢).
(ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ) في رواية ابن شهاب الآتية: "ثم قال: سمع الله من حمده، ربنا ولك الحمد"، واستُدِلّ به على استحباب الذكر المشروع في الاعتدال في أول القيام الثاني من الركعة الأولى.
واستشكله بعض متأخري الشافعية من جهة كونه قيام قراءة، لا قيام اعتدال، بدليل اتفاق العلماء ممن قال بزيادة الركوع في كل ركعة على قراءة الفاتحة فيه، وان كان محمد بن مسلمة المالكيّ خالف فيه.
والجواب أن صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة، فلا مدخل للقياس فيها، بل كلُّ ما ثبت أنه - ﷺ - فعله فيها كان مشروعًا؛ لأنها أصل برأسه، وبهذا المعنى رَدّ الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة، حتى مغ من زيادة الركوع فيها.
وقد أشار الطحاويّ إلى أن قول أصحابه جرى على القياس في صلاة النوافل، لكن اعتُرِض بأن القياس مع وجود النص يَضْمَحِلّ، وبأن صلاة الكسوف أشبه بصلاة العيد ونحوها، مما يجمع فيه من مطلق النوافل، فامتازت صلاة الجنازة بترك الركوع والسجود، وصلاة العيدين بزيادة التكبيرات، وصلاة الخوف بزيادة الأفعال الكثيرة، واستدبار القبلة، فكذلك اختصت صلاة الكسوف بزيادة الركوع، فالأخذ به جامع بين العمل بالنصّ والقياس، بخلاف من لم يعمل به، قاله في "الفتح"، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ٢٠٠.
(٢) "الإعلام" ٤/ ٢٩٣.
[ ١٨ / ١٠ ]
(ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ جِدًّا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ) قال الحافظ -﵀-: لم أَرَ في شيء من الطرق بيان ما قال فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه، وإنما فيه الذكر من تسبيح وتكبير ونحوهما، ولم يقع في هذه الرواية ذكر تطويل الاعتدال الذي يقع فيه السجود بعده، ولا تطويل الجلوس بين السجدتين. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: أما تطويل الاعتدال الذي بعده السجود، فسيأتي في حديث جابر - ﵁ - الآتي بعد باب، وتكلّم فيه النوويّ، وسيأتي الجواب عنه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ سَجَدَ) قال النوويّ -﵀-: هذا مما يَحتجّ به من يقول: لا يطوّل السجود، وحجة الآخرين الأحاديث المصرّحة بتطويلة، ويُحْمَل هذا المطلق عليها. انتهى (^٢).
(ثُمَّ قَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَامَ، فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) أي: سلّم من الصلاة، وفي رواية النسائيّ من طريق عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهريّ: "ثمّ تشهّد، ثمّ سلّم" (وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) وفي رواية ابن شهاب الآتية: "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف" (فَخَطَبَ النَّاسَ) فيه مشروعيّة الخطبة للكسوف، قال الحافظ -﵀-: والعجب أن مالكًا رَوَى حديث هشام هذا، وفيه التصريح بالخطبة، ولم يقل به أصحابه، قال: واستُدِلّ به على أن الانجلاء لا يُسقِط الخطبة، بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة، فإنه يُسقط الصلاة والخطبة، فلو انجلت في أثناء الصلاة أتمّها على الهيئة المذكورة عند من قال بها، وعن أصبغ: يتمها على هيئة النوافل المعتادة. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٥.
(٣) "الفتح" ٣/ ٤٠٦.
[ ١٨ / ١١ ]
(فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ) وفي حديث سمرة - ﵁ - عند النسائيّ زيادةُ: "وشَهِد أن لا إله إلا الله، وشهد أنه عبد الله ورسوله".
قال النوويّ -﵀-: فيه دليلٌ على أن الخطبة يكون أولها الحمد لله، والثناء عليه، ومذهب الشافعيّ أن لفظة "الحمد لله" متعيّنة، فلو قال معناها لم تصحّ خطبته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: في عدم صحة الخطبة بذلك نظرٌ لا يخفى، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الجمعة"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ) وفي رواية: "آيتان من آيات الله"؛ أي: علامتان دالّتان على وحدانيّة الله تعالى، وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله تعالى وسطوته، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال القرطبي -﵀ -؛ أي: دليلان على وجود الله -﷿-، وقهره، وكمال قدرته، وخصّهما بالذكر لما وقع للناس من أنهما يخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر عمن لا علم عنده، ممن ضعف عقله، واختَلَّ فهمه، فردّ النبيّ - ﷺ - عليهم جهالتهم، وتضمّن ذلك الردّ على من قال بتأثيرات النجوم، ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله يكسفان، وهو أن الله تعالى يُخَوِّف بهما عباده.
[فإن قيل]: فأيُّ تخويف في ذلك، والكسوف أمر عاديّ بحسب تقابل هذه النيّرات، وحجب بعضها لبعض، وذلك يجري مجرى حجب الجسم الكثيف نور الشمس عما يقابله من الأرض، وذلك لا يحصل به تخويفٌ؟.
[قلنا]: لا نُسلّم أنّ سبب الكسوف ما ادَّعَوه، ومن أين عَرَفوا ذلك؟ بالعقل أم بالنقل؟، وكلّ واحد منهما إما بواسطة نظر، أو بغير واسطة، ودعوى شيء من ذلك ممنوعةٌ، وغايتهم أن يقولوا: ذلك مبنيّ على أمور هندسيّة ورصديّة تُفضي بسالكها إلى القطع، ونحن نمنع أيضًا ما ذكروه إلى القطع (^٣)، وهو أول المسألة.
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ٢٠٠.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٠٢.
(٣) كذا النسخة، ولعله: "من القطع"، فليُحرّر.
[ ١٨ / ١٢ ]
ولئن سلّمنا ذلك جدلًا، لكنا نقول: يحصل بهما تخويف العقلاء من وجوه متعدّدة، أوضحها أن ذلك مذكّر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويُمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام - ﷺ - فَزِعًا يخشى أن تقوم الساعة، وكيف لا؟ وقد قال الله -﷿-: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾ [القيامة: ٧ - ٩]، قال أهل التفسير: جمع بينهما في إذهاب نورهما، وقيل غير ذلك.
وأيضأ فإن كلّ ما في هذا العالم علويّه وسُفليّه دليلٌ على نفوذ قدرة الله، وتمام قهره واستغنائه، وعدم مبالاته، وذلك كله يوجب عند العلماء بالله خوفه وخشيته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وخصّ هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويّان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوّف موجعٌ بخلاف ما يكثر وقوعه، فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، وأيضًا فَلِمَا وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولمَا وَقَعَ للجهّال من اعتقاد تأثيرهما. انتهى كلام القرطبيّ -﵀- (^١).
(وَإِنَّهُمَا لَا يَنْخَسِفَانِ) بفتح أوله، ويجوز الضمّ، وحكى ابن الصلاح منعه (^٢). (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) إنما قال - ﷺ - هذا ردًّا عليهم حيث قالوا: كَسَفَت الشمس لموت إبراهيم ابن النبيّ - ﷺ -، كما سيأتي في الروايات الآتية.
وقال النوويّ -﵀-: قال العلماء: والحكمة في هذا الكلام أن بعض الجاهلية الضُّلال كانوا يعظمون الشمس والقمر، فبيّن - ﷺ - أنهما آيتان مخلوقتان لله تعالى، لا صنع لهما، بل هما كسائر المخلوقات، يطرأ عليهما النقص والتغير كغيرهما، وكان بعض الضلال من المنجِّمين وغيرهم يقول: لا ينكسفان إلا لموت عظيم، أو نحو ذلك، فبيّن أن هذا باطل لا يُغْتَرّ بأقوالهم، لا سيما وقد صادف موت إبراهيم - ﵁ -. انتهى (^٣).
[تنبيه]: قال في "الفتح": استُشكلت قوله: "ولا لحياته"؛ لأن السياق إنما ورد في حقّ من ظنّ أن ذلك لموت إبراهيم، ولم يذكروا الحياة.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٠٣.
(٣) "شرح النووي" ٦/ ٢٠١.
[ ١٨ / ١٣ ]
والجواب أن فائدة ذكر الحياة دفع توهّم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفقد أن لا يكون سببًا للإيجاد، فعمّم الشارع النفي؛ لدفع هذا التوهّم. انتهى (^١).
وتعقّبه الصنعانيّ -﵀-، فقال: لا يخفى أن في كلام الحافظ بحثين:
الأول أن القائلين: "كَسَفت الشمس لموت إبراهيم" جعلوا الكسوف مُسبّبًا عن موته، لا سببًا، كما قاله الحافظ.
الثاني: أن التوهّم بالكسوف يكون سببًا للإيجاد فيه البحث الأول؛ إذ الكلام في المسبّب لا في السبب، ثم إن كون الكسوف سببًا للإيجاد ليس بمعروف عن العرب، ولا عن غيرهم، ولا مناسبة لذلك أصلًا حتى يُتوهّم، فإنه إنما حصل توهّم أن الكسوف سببٌ عن موت عظيم من عظماء أهل الأرض؛ لأن موته تغيّرٌ في العالم السفليّ، فيناسبه تغيّر في العالم العلويّ، وأعظم آيات السماء المشاهدة الشمس والقمر، فتغيّر نورهما يناسب توهّم أنه لتغثر الأرض بموت عظيم من العظماء، فإن موته يُحدث في الأرض ظلمة معنويّة، كما قال أنس - ﵁ -: "لما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله - ﷺ - أظلم من المدينة كلُّ شيء"، وهو كثير في المراثي والأشعار، وحينئذ يظهر ما تخيّلوه، وتوهّموه من مناسبة الكسوف لموت عظيم من عظماء الأرض، وأما توهّم أنه يكون كسوفهما مسبّبًا عن إيجاد عظيم من عظماء الأرض مثلًا، أو خلوصه من عفة يُخاف عليه منها، أو نحو ذلك، فلا مناسبة لتوهّمه أصلًا، ولا وقع هذا التوهّم لأحد، بل وجوده وعافيته مثلًا تناسب زيادة أنوارهما، وظهور إشراقهما؛ لأن إيجاد العظيم يحدث للأرض وأهلها أنوارًا وسُرُورًا، ولذا أضاءت الأنوار بمولده - ﷺ - على ما قيل في أحاديث المولد، فيناسبه زيادة أنوارهما، وإضاءة العالم، كما قيل [من البسيط]:
ثَلَاثَةٌ تُشْرِقُ الدُّنْيَا بِبَهْجَتِهَا … شَمْسُ الضُّحَى وَأَبُو إِسْحَاقَ وَالْقَمَرُ
فجَعَل مَن تُشرق الدنيا بوجوده ودولته ثالث النيّرين، ولا يُعرف عن ذي عقل جعل إيجاد عظيم من عظماء الأرض سببًا لكسوف أحد النيّرين.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠٣.
[ ١٨ / ١٤ ]
إذا عرفت هذا عرفت ضعف ما ذكره في "الفتح" أو بطلانه.
ثم أبدى الصنعانيّ -﵀- ما ظهر له في نكتة زيادة "ولا لحياته" إلى "لموت أحد"، فقال: أراد النبيّ - ﷺ - الاستدلال عليهم في ردّ ما زعموه من أن الكسوف سبب عن موت إبراهيم؛ أي: كما أنها لا تكسف لحياة أحد، ولا يقولونه، ولا يتوهّمونه كذلك لا تنكسف لموته، فكما أنه لا مناسبة عقليّة ولا عاديّة، ولا تخييليّة بين الكسوف والحياة كذلك لا يكسفان لموت أحد كما يتخيّلونه من المناسبة في ذلك، فكما أن هذا باطلٌ بإقراركم فكذلك هنا.
وحاصله أنه - ﷺ - ساق ما لم يدّعوه في نفيه مساق ما ادّعوه لكونه سببًا في الحكم في النفي، ونظيره ما ذكره أئمة التفسير في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]، فإنه تعالى نفى الاستقدام؛ أي: طلب التقدّم مع أنه معلوم عقلًا إحالته، وأنه لا يُتصوّر طلبه، وضمّه إلى نفي التأخّر الممكن عقلًا؛ إعلامًا بأنه قد صار الممكن كالمحال لبيان حاله.
وحاصله أنه قد يُضمّ الممكن إلى المحال لبيان إحالة الممكن، ويُضمّ الواقع إلى غير الواقع؛ لبيان عدم وقوعه، كذلك هنا ضمّ ما لم يقولوه، ولا تخيّلوه في النفي إلى ما قالوه وتخيّلوه؛ لبيان أنهما سواء في الحكم المنفيّ، أحدهما لعدم ادّعائهم له وتخيّلهم، والثاني لنفي الشارع؛ أي: كما أنكم لا تدّعون هذا، فلا تدّعوا هذا. انتهى كلام الصنعانيّ -﵀- ببعض تصرّف (^١)، وهو تحقيقٌ مفيدٌ.
(فَإذَا رَأَيْتُمُوهُمَا) أي: رأيتم الشمس والقمر مكسوفين؛ أي: إذا رأيتم كسوف أَيِّ منهما، قيل: لا يقع كسوفهما معًا.
وقال في "الفتح": والمعنى: إذا رأيتم كسوف كلّ منهما؛ لاستحالة وقوع ذلك فيهما معًا في حالة واحدة عادةً، وان كان ذلك جائزًا في القدرة الإلهيّة. انتهى (^٢).
_________________
(١) "العدة حاشية العمدة" ٣/ ٢٠١ - ٢٠٣.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٠٢.
[ ١٨ / ١٥ ]
(فَكَبَّرُوا، وَادْعُوا اللهَ، وَصَلُّوا، وَتَصَدَّقُوا) فيه الحثّ على هذه الطاعات، وهوأمر استحباب، قاله النوويّ -﵀-.
واستدلّ به على مشروعيّة الصلاة في خسوف القمر، وسيأتي الكلام عليه قريبًا.
(يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ) فيه معنى الإشفاق، كما يخاطب الوالد ولده إذا أشفق عليه بقوله: يا بُنيّ، كذا قيل، وكان قضيّة ذلك أن يقول: يا أمتي، لكن لعدوله عن المضمر إلى المظهر حكمة، وكأنها بسبب كون المقام مقام تحذير وتخويف، لما في الإضافة إلى الضمير من الإشعار بالتكريم، ومثله: "يا فاطمة بنت محمد، لا أُغني عنك من الله شيئًا … " الحديث.
وفي رواية البخاريّ: "والله يا أمة محمد"، بتقديم اليمين تأكيدًا وتعظيمًا لشأن الخبر.
(إِنْ مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرَ مِنَ اللهِ) "إن" نافية تعمل عمل "ليس"، "أحدٌ" اسمها، و"من" زائدة، و"أغيرَ" بالنصب على أنه خبرُها، أو هو مجرور صفة لـ "أحد"، وجرّه بالفتحة؛ لكونه غير منصرف، والخبر محذوف؛ أي: موجود، وفي رواية البخاريّ: "ما من أحد"، فـ "ما" حجازيّة إعرابها كإعراب "إن" المذكور، ويجوز كون "ما" تميميّة، كقوله:
وَمُهَفْهَفِ الأَعْطَافِ قُلْتُ لَهُ انْتَسِبْ … فَأَجَابَ مَا قَتْلُ الْمُحِبِّ حَرَامُ
و"أحد" مبتدأ، و"أغير" خبره.
و"أغير" أفعل تفضيل، من الغَيْرَة - بفتح الغين المعجمة - وهي في اللغة: تغيّر يحصل من الْحَمِيّة والأَنَفَة، وأصلها في الزوجين، والأَهْلِين، وكلّ ذلك محالٌ على الله تعالى؛ لأنه منزّه عن كلّ تغيّر ونقص، فتعيّن حمله على المجاز، فقيل: لما كانت ثمرة المغيرة صونَ الحريم، ومنعهم، وزجر من يقصد إليهم، أطلق عليه ذلك، لكونه مَنَع من فعل ذلك، وزجر فاعله وتوعّده، فهو من باب تسمية الشيء بما يترتّب عليه. وقال ابن فُورك: المعنى: ما أحد أكثر زجرًا عن الفواحش من الله، وقال: غيرة الله ما يُغيّر من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة، أو في أحدهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
[ ١٨ / ١٦ ]
وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين: إما ساكت، وإما مؤوّل على أن المراد بالغيرة شدّة المنع والحماية، فهو من مجاز الملازمة. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا ادَّعَوُا المجاز هنا، والصواب أنه لا مجاز هنا، ولا محال (^١)، فإن الله -﷾- له المغيرة على المعنى اللائق بجلاله وعظمته، وإنما يلزم المحال إذا قلنا: له غيرة كغيرة خلقه، وأما إذا قلنا: غيرة تليق بجلاله، وعظمته، لا تشبه غيرة خلقه، ولا نعلم كنهها، وكيفيتها، فهذا حقّ، وهو مذهب السلف الصالح، كسائر صفاته، من النزول، والاستواء، والرضا، والغضب، والمحبة، والتعجّب، ونحوها، مما ورد في النصوص الصحيحة، فكلها ثابتة له على ظاهرها، وإنما المجهول لنا كيفيتها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله -﷾- أعلم بالصواب.
وقال الطيبي وغيره: وجه اتصال هذا المعنى بما قبله من قوله: "فاذكروا الله … إلخ " من جهة أنهم لما امروا باستدفاع البلاء بالذكر، والدعاء، والصلاة، والصدقة، ناسبَ رَدْعهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصّ منها الزنا؛ لأنه أعظم في ذلك، وقيل: لَمّا كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي، وأشدّها تأثيرًا في إثارة النفوس، وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام من مؤاخذة رب المغيرة، وخالقها -﷾-. انتهى.
(أنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ، أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ) "أن" مصدريّة، والجملة في تأويل المصدر، مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: لزنا عبده، أو زنا أمته، قال
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في ردّ الشبهة التي أثاروها في مسألة المغيرة، قال: وقول القائل: إن هذه -يعني: المغيرة - انفعالات نفسانيّة، فيقال: كلّ ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها لا يوجب أن يكون الله منفعلًا لها عاجزًا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يشاء إلا ما يكون، له الملك، وله الحمد. انتهى. "مجموع الفتاوى" ٦/ ١٢٠.
[ ١٨ / ١٧ ]
الحافظ -﵀-: ولعلّ تخصيص العبد والأمة بالذكر رعاية لحسن الأدب مع الله تعالى؛ لتنزهه عن الزوجة، والأهل ممن يتعلّق بهم المغيرة غالبًا. انتهى.
(يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاللهِ) صدّر - ﷺ - كلامه باليمين؛ لإرادة التأكيد للخبر، وإن كان لا يُرتاب في صدقه (لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ) أي: من عظيم قدرة الله، وانتقامه من أهل الإجرام، وقيل: معناه لو دام علمكم كما دام علمي؛ لأنه متواصل بخلاف غيره، وقيل: معناه لو علمتم من سعة رحمة الله، وحلمه، وغير ذلك ما أعلم لبكيتم على ما فاتكم من ذلك.
وقال القرطبي -﵀ -: يعني: ما يعلم هو من أمور الآخرة، وشدّة أهوالها، ومما أُعدّ في النار من عذابها وأنكالها، ومما أُعدّ في الجنّة، من نعيمها وثوابها، فإنه - ﷺ - قد كان رأى كلّ ذلك مشاهدةً وتحقيقًا، ولذلك كان - ﷺ - متواصل الأحزان، قليل الضحك، جلُّهُ التبسّم. انتهى (^١).
(لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا) قال الباجيّ -﵀-: يريد - ﷺ - أن الله تعالى قد خضه بعلم لا يعلمه غيره، ولعله ما رآه في مقامه من النار، وشناعة منظرها.
وقال النوويّ -﵀-: لو تعلمون من عظم انتقام الله تعالى من أهل الجرائم، وشدّة عقابه، وأهوال القيامة، وما بعدها كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره، لبكيتم كثيرًا، ولقلّ ضحككم لفكركم فيما علمتموه.
ولا يخفى أنهم علموا بواسطة خبره إجمالًا، فالمراد التفصيل، كعلمه - ﷺ -، فالمعنى: لو تعلمون ما أعلم كما أعلم، والله تعالى أعلم، قاله السنديّ -﵀-.
وقال في "الإعلام": وقيل: معناه: لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم؛ لأن علوم الأنبياء متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى البطالة حتى تصدأ، فلا يصقلها إلا الذكر.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٥٧.
[ ١٨ / ١٨ ]
وقال ابن بزيزة: يَحْتَمِل أن يكون المعنى: إنكم لو علمتم من رحمة الله تعالى وحلمه وعفوه عن ذنوب خلقه، ومعاني كرمه ما أعلم لبكيتم كثيرًا، ولضحكتم قليلًا، فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت، ولم تعلموا منه ما علمت، وينشأ هذا عن مطالعة جمال الله تعالى، ونعوت أفضاله، ومشاهدة النعم الواسعة التي لا تقصر عن شيء. انتهى (^١).
وقال الحافظ -﵀-: قيل: معنى القلّة هنا العدم، والتقدير: لتركتم الضحك، ولم يقع منكم إلا نادرًا؛ لغلبة الخوف، واستيلاء الحزن.
وحَكَى ابن بطال عن المهلَّب أن سبب ذلك ما كان عليه الأنصار من محبة اللهو والغناء، وأطال في تقرير ذلك بما لا طائل فيه، ولا دليل عليه، ومن أين له أن المخاطَب بذلك الأنصار دون غيرهم؟ والقصة كانت في أواخر زمنه - ﷺ - حيث امتلأت المدينة بأهل مكة، ووفود العرب، وقد بالغ الزين ابن الْمُنير في الردّ عليه، والتشنيع بما يُستَغنَى عن حكايته. انتهى (^٢).
[فائدة]: قال الحافظ ابن منده -﵀- في "مستخرجه": قوله: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا" رواه مع عائشة عشرة من الصحابة - ﵃ -. انتهى (^٣).
(ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ") قال النوويّ -﵀-: معناه ما أمرت به من التحذير والإنذار، وغير ذلك، مما أرسل به، والمراد تحريضهم على تحفّظه، واعتنائهم به؛ لأنه مأمور بإنذارهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: "ألا" أداة استفتاح وتنبيه، و"هل" يَحْتَمل أن تكون "هل" هنا بمعنى "قد"، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١].
وَيحْتَمِل أن تكون للاستفهام التقريريّ، أو هي للاستفهام الحقيقيّ، بمعنى أنه - ﷺ - سألهم هل بلّغهم ما أُمر به، أم لا؟.
والاحتمال الأول هو الأولى؛ لأنه يقوّيه قوله في رواية أبي معاوية
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٠٨.
(٣) "الإعلام" ٤/ ٣٠٨.
[ ١٨ / ١٩ ]
التالية: "اللهم هل بلّغت؟ "، فإن الاستفهام فيه بعيد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَفي رِوَايَةِ مَالِكٍ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ") يعني: أن في روايته زيادة لفظة "آيتان"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٨٩ و٢٠٩٠ و٢٠٩١ و٢٠٩٢ و٢٠٩٣ و٢٠٩٦ و٢٠٩٧] (٩٠١)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٤ و١٠٤٦ و١٠٤٧ و١٠٥٠ و١٠٥٦ و١٠٥٨ و١٠٦٤ و١٠٦٥ و١٠٦٦) و"العمل في الصلاة" (١٢١٢) و"بدء الخلق" (٣٢٠٣) و"التفسير" (٤٦٢٤)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٨٠)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (٣/ ١٣٢)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٦٣)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٣٨٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٢٨٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٤٦ و٢٤٤٧ و٢٤٤٨ و٢٤٤٩ و٢٤٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٢٧ و٢٠٢٨ و٢٠٢٩ و٢٠٣١ و٢٠٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٢١)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ثبوت الكسوف للشمس والقمر.
٢ - (ومنها): كون الشمس والقمر آيتين دالتين على عظيم قدرة الله تعالى.
٣ - (ومنها): أن تغيّرهما بالانكساف ليس لموت أحد من العظماء، كما هو زعم الجاهلية، بل بتقدير الله تعالى، وحكمته البالغة.
٤ - (ومنها): أن الله -﷾- إنما يغير بعض مخلوقاته تخويفًا لعباده، حتى يرتدعوا عن معاصيهم، ويتوبوا إليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
[ ١٨ / ٢٠ ]
٥ - (ومنها): المبادرة بالصلاة، وسائر ما ذُكر عند الكسوف.
٦ - (ومنها): أن لصلاة الكسوف هيئة تخصّها، من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كلّ ركعة.
٧ - (ومنها): اهتمام الصحابة - ﵃ - بنقل أفعال النبيّ - ﷺ -، ليُقتَدَى به فيها.
٨ - (ومنها): الزجر عن كثرة الضحك، والحثُّ على كثرة البكاء، والتحقق بما سيصير إليه المرء من الموت، والفناء، والاعتبار بآيات الله -﷾-.
قال في "الإعلام": ولا شكّ أن كثرة الضحك، وقلّة البكاء مذمومان شرعًا، فإنهما يدلّان على قسوة القلب، وكثرة البطر.
ومن الضحك ما هو محمود، وهو ما إذا اقترن به مقصود شرعيّ، من تعجّب بنعم الله تعالى، أو فرح للمسلمين، أو تجلّد على الكافرين والمنافقين، ونحو ذلك.
ومن البكاء ما هو مذموم؛ كالبكاء لإظهار الجزع، أو للرياء، أو لإضعاف المسلمين، أو تحزّنًا على المنافقين، أو ما شاكل ذلك، فأما ما كان منه من خشية الله تعالى والخوف منه، فهو شعار عباده المؤمنين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير للذنوب، وتقريب من علام الغيوب، وقد يغلب على الفاجر البكاء، كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعًا وموقوفًا: "إذا كمل فجور العبد ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى" (^١).
٩ - (ومنها): ترجيح التخويف في الخطبة على التوسّع في الترخيص؛ لما في ذكر الرُّخَص من ملاءمة النفوس لما جُبلت عليه من الشهوة، والطبيبُ الحاذق يقابل العلّة بما يُضادّها، لا بما يزيدها، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال في "الإعلام": قوله: "لو تعلمون … إلخ " فيه دليلٌ على علّة مقتضى الخوف، وترجيح الخوف في الموعظة على الإشاعة بالرخص؛ لما في ذلك من التسبّب إلى تسامح النفوس لما جُبِلت عليه، من الإخلاد إلى
_________________
(١) حديث منكر، راجع: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ -﵀- ٤/ ١٣٥.
(٢) "الفتح" ٣/ ٤٠٨.
[ ١٨ / ٢١ ]
الشهوات، وذلك مرضها الخطر، والطبيب الحاذق يقابل العلّة بضدّها، لا بما يزيدها، فإن العلل الْمُزْمِنة إن لمْ يبادر إليها بقطع مادّة الداء بالدواء النافع القاطع لها، وإلا استحكمت العلّة. انتهى (^١). وقد يقع البكاء على أمر نفسانيّ، فيوهم أنه من خشية الله تعالى، فليُتفَطَّن لذلك؛ ليُقْطَع، ويُجتَنَب (^٢).
١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ من قوله: "يا أمة محمد" أن الواعظ ينبغي له حالَ وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه، بل يبالغ في التواضع؛ لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه.
١١ - (ومنها): أن فيه الردَّ على من زعم أن للكواكب تأثيرًا في الأرض؛ لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر، فكيف بما دونهما.
١٢ - (ومنها): أن من حكمة وقوع الكسوف تبيينَ أنموذج ما سيقع في القيامة، وصورة عقاب من لم يُذنب، والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء؛ لوقوع الكسوف بالكوكب، ثم كشف ذلك عنه، ليكون المؤمن من ربّه على خوف ورجاء.
١٣ - (ومنها): أن فيه إشارة إلى تقبيح رأي من يعبد الشمس، أو القمر.
١٤ - (ومنها): أن بعضهم حَمَل الأمر في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] على صلاة الكسوف؛ لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما؛ لما يظهر فيهما من التغير والنقص المنزّه عنه المعبود -﷾-، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حمل الأمر في الآية المذكورة على صلاة الكسوف غير واضح، فتامله.
١٥ - (ومنها): استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستححت عند كل المخاوف؛ لاستدفاع البلاء والمحاذر (^٣).
١٦ - (ومنها): استحباب الدعاء والتوجّه إلى الله تعالى، واللجوء إليه عند
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٠٨.
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٠٩.
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٣٠٣.
[ ١٨ / ٢٢ ]
المخاوف والشدائد، وقد أمر الله تعالى بالدعاء في كتابه في غير موضع، كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]، وقال تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وغير ذلك من الآيات.
ولا شكّ أن الدعاء في الرجاء مطلوبٌ؛ لكونه سببًا لدفع البلاء والشدائد، فقد ثبت عنه - ﷺ -: "تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة" رواه أحمد، والترمذيّ (^١).
وعن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "من سرّه أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب، فليُكثر من الدعاء في الرخاء"، رواه الترمذيّ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف:
قال النوويّ -﵀-: (واعلم) أن صلاة الكسوف رُويت على أوجه كثيرة، ذكر مسلم منها جملة، وأبو داود أخرى، وغيرهما أخرى، وأجمع العلماء على أنها سنة، ومذهب مالك، والشافعيّ، وأحمد، وجمهور العلماء أنه يُسنّ فعلها جماعة، وقال العراقيون: فرادى، وحجة الجمهور الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره.
واختلفوا في صفتها، فالمشهور في مذهب الشافعي أنها ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، وأما السجود فسجدتان كغيرهما، وسواء تمادى الكسوف، أم لا، وبهذا قال مالك، والليث، وأحمد، وأبو ثور، وجمهور علماء الحجاز، وغيرهم.
وقال الكوفيون: هما ركعتان كسائر النوافل؛ عملًا بظاهر حديث جابر بن سمرة، وأبي بكرة - ﵃ -: أن النبيّ - ﷺ - صلى ركعتين.
وحجة الجمهور حديث عائشة، من رواية عروة، وعمرة، وحديث جابر،
_________________
(١) أخرجه أحمد، والترمذيّ، وهو حديث حسن.
(٢) حديث حسنٌ.
[ ١٨ / ٢٣ ]
وابن عباس، وابن عمرو بن العاص - ﵃ - أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، وسجدتان.
قال ابن عبد البرّ: وهذا أصح ما في هذا الباب، قال: وباقي الروايات المخالفة معللة ضعيفة.
وحملوا حديث ابن سمرة بأنه مطلقٌ، وهذه الأحاديث تُبيّن المراد به.
وذكر مسلم في رواية عن عائشة، وعن ابن عباس، وعن جابر ركعتين، في كل ركعة ثلاث ركعات، ومن رواية ابن عباس، وعليّ ركعتين في كل ركعة أربع ركعات، قال الحفّاظ: الروايات الأُوَل أصحّ، ورواتها أحفظ وأضبط.
وفي رواية لأبي داود من رواية أُبيّ بن كعب ركعتين في كلّ ركعة خمس ركعات، وقد قال بكل نوع بعض الصحابة.
وقال جماعة من أصحابنا الفقهاء المحدثين، وجماعة من غيرهم: هذا الاختلاف في الروايات بحسب اختلاف حال الكسوف، ففي بعض الأوقات تأخر انجلاء الكسوف، فزاد عدد الركوع، وفي بعضها أسرع الانجلاء، فاقتصر، وفي بعضها توسط بين الإسراع والتأخر، فتوسط في عدده.
واعترض الأولون على هذا بأن تأخر الانجلاء لا يُعلَم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه منويّ من أول الحال.
وقال جماعة من العلماء، منهم إسحاق ابن راهويه، وابن جرير، وابن المنذر: جرت صلاة الكسوف في أوقات، واختلافُ صفاتها محمول على بيان جواز جميع ذلك، فتجوز صلاتها على كل واحد من الأنواع الثابتة، وهذا قويّ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
وقال في "الفتح" عند شرح حديث عائشة - ﵂ - هذا: واستُدِلّ به على أن لصلاة الكسوف هيئة تخصها من التطويل الزائد على العادة في القيام وغيره، ومن زيادة ركوع في كل ركعة.
وقد وافق عائشةَ على رواية ذلك عبدُ الله بن عباس، وعبدُ الله بن عمرو،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٩٨ - ١٩٩.
[ ١٨ / ٢٤ ]
متفق عليهما، ومثله عن أسماء بنت أبي بكر، وعن جابر عند مسلم، وعن عليّ عند أحمد، وعن أبي هريرة عند النسائي، وعن ابن عمر عند البزار، وعن أم سفيان عند الطبراني، وفي رواياتهم زيادة، رواها الحفّاظ الثقات، فالأخذ بها أولى من إلغائها، وبذلك قال جمهور أهل العلم من أهل الفتيا.
وقد وردت الزيادات في ذلك من طرق أخرى، فعند مسلم من وجه آخر عن عائشة، وآخر عن جابر أن في كل ركعة ثلاث ركوعات، وعنده من وجه آخر عن ابن عباس أن في كل ركعة أربع ركوعات، ولأبي داود من حديث أُبيّ بن كعب، والبزار من حديث عليّ أن في كل ركعة خمس ركوعات، ولا يخلو إسناد منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقيّ، وابن عبد البرّ.
ونقل صاحب "الهدي" عن الشافعيّ، وأحمد، والبخاريّ أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطًا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن ردّ بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم - ﵁ -، وإذا اتحدت القصة تعيّن الأخذ بالراجح.
وجمع بعضهم بين الأحاديث بتعدد الواقعة، وأن الكسوف وقع مرارًا، فيكون كلّ من هذه الأوجه جائزًا، وإلى ذلك نحا إسحاق، لكن لم تثبت عنده الزيادة على أربع ركوعات.
وقال ابن خزيمة، وابن المنذر، والخطابيّ، وغيرهم من الشافعية: يجوز العمل بجميع ما ثبت من ذلك، وهو من الاختلاف المباح، وقوّاه النوويّ في شرح مسلم.
وأبدى بعضهم أن حكمة الزيادة في الركوع، والنقص كان بحسب سرعة الانجلاء وبطئه، فحين وقع الانجلاء في أول ركوع اقتصر على مثل النافلة، وحين أبطأ زاد ركوعًا، وحين زاد في الإبطاء زاد ثالثًا، وهكذا إلى غاية ما ورد في ذلك.
وتعقبه النووي وغيره بأن إبطاء الانجلاء وعدمه لا يُعلم في أول الحال، ولا في الركعة الأولى، وقد اتفقت الروايات على أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدلّ على أنه مقصود في نفسه مَنْويّ من أول الحال.
وأجيب باحتمال أن يكون الاعتماد على الركعة الأولى، وأما الثانية،
[ ١٨ / ٢٥ ]
فهي تبع لها، فمهما اتفق وقوعه في الأولى بسبب بطء الانجلاء يقع مثله في الثانية ليساوي بينهما، ومن ثَمَّ قال أصبغ: إذا وقع الانجلاء في أثنائها يصلي الثانية كالعادة.
وعلى هذا فيدخل المصلي فيها على نية مطلق الصلاة، ويزيد في الركوع بحسب الكسوف، ولا مانع من ذلك.
وأجاب بعض الحنفية عن زيادة الركوع بحمله على رفع الرأس لرؤية الشمس، هل انجلت، أم لا؟ فإذا لم يرها انجلت رجع إلى ركوعه، ففعل ذلك مرة، أو مرارًا، فظنّ بعض من رآه يفعل ذلك ركوعًا زائدًا.
وتُعُقّب بالأحاديث الصحيحة في أنه أطال القيام بين الركوعين، ولو كان الرفع لرؤية الشمس فقط لم يحتج إلى تطويل، ولا سيما الأخبار الصريحة بأنه ذكر ذلك الاعتدال، ثم شرع في القراءة، فكلّ ذلك يردّ هذا الحمل، ولو كان كما زعم هذا القائل لكان فيه إخراج لفعل الرسول - ﷺ - عن العبادة المشروعة، أو لزم منه إثبات هيئة في الصلاة، لا عَهدَ بها، وهو ما فرّ منه. انتهى (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة -﵀- في "منهاج السنة": حديث صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأكثر في مسلم من المواضع المنتقدة بلا ريب. انتهى. وقال في "التوسّل والوسيلة": لا يبلغ تصحيح مسلم تصحيح البخارفي، بل كتاب البخاريّ أجلّ ما صُنّف في هذا الباب، والبخاريّ من أعرف خلق الله بالحديث وعلله مع فقهه فيه، قال: ولهذا كان جمهور ما أنكر على البخاريّ مما صحّحه يكون قوله فيه راجحًا على قول من نازعه، بخلاف مسلم، فإنه نوزع في عدّة أحاديث، مما خَرَّجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبيّ - ﷺ - صلى بثلاث ركوعات، وبأربع ركوعات، كما روى أنه صلى بركوعين، والصواب أنه لم يصلّ إلا بركوعين، وأنه لم يصلّ الكسوف إلا مرّةً واحدةً يوم مات إبراهيم - ﵁ -، وقد بيّن ذلك الشافعيّ، وهو قول البخاريّ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، والأحاديث التي فيها الثلاث، والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم،
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٠٨ - ٤٠٩.
[ ١٨ / ٢٦ ]
ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان، ومن نقل أنه مات عاشر الشهر، فقد كذب. انتهى كلام ابن تيميّة -﵀- (^١).
وقال الشوكانيّ -﵀- في "السيل الجرّار": "إذا تقرّر لك أن القضة واحدة عرفت أنه لا يصحّ ها هنا أن يقال كما قيل في صلاة الخوف: إنه يأخذ بأيّ الصفات شاء، بل الذي ينبغي ها هنا أن يأخذ بأصحّ ما ورد، وهو ركوعان في كلّ ركعة؛ لما في الجمع بين هذه الروايات من التكلّف البالغ". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما سبق من بيان أقوال أهل العلم، وأدلتهم أن ما ذهب إليه الجمهور من أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة قيامان، وقراءتان، وركوعان، هو الراجح؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بذلك، والأحاديث التي تدلّ على خلاف ذلك كلّها منتقدة، لا تصلح لمعارضة هذه الأحاديث الصحيحة، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف في أوقات الكراهة على أقوال:
[الأول]: لا صلاة فيها، بل يذكرون الله، ويدعون، هذا مذهب الحسن البصري، والزهريّ، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة بن خالد، وعمرو بن شعيب، وابن أبي مُليكة، وإسماعيل بن أمية، وأيوب بن موسى، وقتادة، وأبي بكر بن عمرو بن حزم، وقال مالك: لا يُصَلِّي إلا في حين صلاة، وقال الثوري: لا يُصلى في الكسوف في غير وقت صلاة، وقال يعقوب: إذا انكسفت الشمس بعد العصر، فليس بساعة صلاة التطوع، ولكن الدعاء، والتضرع حتى تنجلي.
[والثاني]: متى انكسفت الشمس، نصفَ النهار، أو بعد العصر، أو قبل ذلك صلى الإمام بالناس صلاة الكسوف؛ لأن رسول الله - ﷺ - أمر بالصلاة
_________________
(١) راجع: "المرعاة على المشكاة" ٤/ ١٢٨.
[ ١٨ / ٢٧ ]
لكسوف الشمس، فلا وقت يحرم فيه صلاة أمر بها رسول الله - ﷺ -، وهذا قول الشافعي ومن تبعه، وبه قال أبو ثور.
[والثالث]: إن انكسفت الشمس بعد العصر، فإنهم يُصلون كذلك ما لم تَدْنُ للغروب، وكذلك بعد الفجر ما لم يطلع حاجب الشمس إلى أن يكون قيد رمح، أو رمحين؛ لأنهما وقتان تُصلى فيهما الفوائت، والمكتوبات، وهذا قول إسحاق ابن راهويه.
[والرابع]: يصلى للكسوف إلا في الأوقات الثلاثة التي نهي عن الصلاة فيها، وهي وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الزوال. وبه قال ابن المنذر.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ذهب إليه الشافعي -﵀-، ومن تبعه أنها تصلى وقت ما حصل الانكساف من ليل أو نهار هو الأرجح؛ لظاهر قوله - ﷺ -: "فإذا رأيتموهما فصلوا"، فقد أمر بالصلاة في أيّ وقت رأينا الانكساف، ولم يخص وقتًا دون وقت، وقد سبق في أبواب الأوقات ترجيح القول بأن ذوات الأسباب تجوز في أوقات الكراهة.
ويُرَجَّح هذا أيضًا - كما قال في "الفتح" -: بأن المقصود إيقاع هذه العبادة قبل الانجلاء، وقد اتفقوا على أنها لا تُقضى بعد الانجلاء، فلو انحصرت في وقت لأمكن الانجلاء قبله، فيفوت المقصود.
قال الحافظ -﵀-: ولم أقف في شيء من الطرق مع كثرتها على أنه - ﷺ - صلاها إلَّا ضُحًى، لكن ذلك وقع اتفاقًا، ولا يدلّ على منع ما عداه، واتفقت الطرق على أنه بادر إليها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في صلاة الكسوف للقمر: قال الإمام ابن المنذر -﵀-: اختلفوا في الصلاة عند كسوف القمر، فرأت طائفة أن يُصَلَّى عند كسوف القمر، رَوَينا ذلك عن ابن عباس أنه فعل ذلك، وبه قال عطاء، والحسن البصريّ، وإبراهيم النخعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي.
[ ١٨ / ٢٨ ]
قال ابن المنذر: والأخبار دالّة على هذا القول؛ لأنه سُوِّي بينهما، وأُمِر بالصلاة عند كسوفهما، بُيِّنَ ذلك في الأخبار الثابتة عن نبيّ الله - ﷺ -.
ثم استدلّ بحديث أبي مسعود - ﵁ - الآتي مرفوعًا: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولكنهما آيتان من آيات الله -﷿-، فإذا رأيتموهما، فصلّوا"، متّفقٌ عليه، وبحديث ابن مسعود - ﵁ - الذي أخرجه النسائيّ، وابن خزيمة في "صحيحه"، وفي سنده ضعف، وفيه: "فإذا رأيتم ذلك، فاحمدوا الله، وكبروا، وسبّحوا، وصلوا حتى ينجلي أيهما انكسف … ".
قال: وفي هذا من البيان ما لا يُشكل على من سمعه أن يصلى لكسوف القمر.
قال: والذي ذكرته قول جلّ أهل العلم، غير مالك، فإن ابن نافع حَكَى عنه أنه قال: ليس لكسوف القمر صلاة معروفة محدودة، ولا أرى بأسًا أن يصلي القوم فُرادى، كل رجل منهم لنفسه ركعتين ركعتين، مثل صلاة النافلة.
وحَكَى ابن القاسم عنه أنه قال: وليس في صلاة خسوف القمر سنة، ولا صلاة كصلاة كسوف الشمس.
قال ابن المنذر: وهذه غفلة منه، والسنة دالّة على القول الأول. انتهى كلام ابن المنذر -﵀- ببعض تصرف (^١).
ظ ل الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر -﵀- من استحباب الصلاة لخسوف القمر هو الراجح عندي؛ لظهور أدلته، فقد أورد مسلم في هذا الباب حديث عائشة، وجابر، وأبي مسعود، وابن عبّاس، وأبي موسى الأشعريّ، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة - ﵃ - وكلّها فيها الأمر بالصلاة، والدعاء.
وأخرج ابن حبّان في "صحيحه" من حديث أبي بكرة - ﵁ - بلفظ: "فإذا رأيتم شيئًا من ذلك … "، وعنده من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -: "فإذا انكسف أحدهما، فافزعوا إلى المساجد".
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣١٠ - ٣١٢.
[ ١٨ / ٢٩ ]
والحاصل أن هذه النصوص صريحة في استحباب الصلاة جماعة في خسوف القمر، كما يستحبّ ذلك في كسوف الشمس، في ذهب إليه الجمهور هو الحق، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في استحباب الخطبة للكسوف:
قال في "الفتح": اختُلف في الخطبة فيه، فاستحبّها الشافعيّ، وإسحاق، وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة: لَمْ يبلغنا عن أحمد ذلك، وقال صاحب "الهداية" من الحنفيّة: ليس في الكسوف خطبة؛ لأنه لَمْ يُنقل.
وتُعُقّب بأن الأحاديث ثبتت فيه، وهي ذات كثرة، والمشهور عند المالكيّة أن لا خطبة لها، مع أن مالكًا رَوَى الحديث، وفيه ذكر الخطبة. وأجاب بعضهم بأنه - ﷺ - لَمْ يقصد لها خطبةً بخصوصها، وإنما أراد أن يبيّن لهم الردّ على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس.
وتعقّب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة، وحكاية شرائطها (^١) من الحمد، والثناء، والموعظة، وغير ذلك، مما تضمّنته الأحاديث، فلم يقتصر على الإعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليل.
وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور، وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معيّن، بعد الإتيان بما هو المطلوب منها، من الحمد، والثناء، والموعظة، وجميعُ ما ذكر من سبب الكسوف، وغيره هو مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبيّ - ﷺ -، فيذكر الإمام ذلك في خطبة الكسوف.
نعم نازع ابن قدامة في كون خطبة الكسوف كخطبتي الجمعة والعيدين؛ إذ ليس في الأحاديث المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنيّر في
_________________
(١) في كون هذه الأشياء شرطًا في صحّة الخطبة نظر لا يخفي، وإن قال به الشافعيِّ، والراجح أنَّها من مستحبّات الخطبة، كما سبق بيان ذلك مستوفى في، كتاب الجمعة"، فتبصّر.
[ ١٨ / ٣٠ ]
"حاشيته"، وردّ على من أنكر أصل الخطبة؛ لثبوت ذلك صريحًا في الأحاديث، وذكر أن بعض أصحابهم احتجّ على ترك الخطبة بأنه لَمْ يُنقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيّفه بأن المنبر ليس شرطًا، ثم لا يلزم من أنه لَمْ يُذكر أنه لَمْ يقع. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله ابن قدامة، ونحا إليه ابن المنيّر -رحمهما الله تعالى - هو الصواب عندي، فيستحبّ للإمام أن يخطب خطبة واحدة، كما خطب النبيّ - ﷺ -، وأما كونها خطبتين كالجمعة والعيدين فليس عليه دليل، فلا ينبغي أن يفعله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه (^٢) يَحْيَى بْنُ يَحْيَي، أَخْبَرَنَا أبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَزَادَ: ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ مِنْ آيَاتِ اللهِ" (^٣)، وَزَادَ أَيْضًا: ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ تقدّم قبل بابين.
٢ - (أبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، تقدّم في الباب الماضي.
و"هشام" ذُكر قبله.
وقوله: (وَزَادَ) الفاعل ضمير أبي معاوية.
[تنبيه]: رواية أبي معاوية، عن هشام هذه لَمْ أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٢) وفي نسخة: "وحدثنا".
(٣) "فإن الشمس والقمر آيتان من آيات الله".
[ ١٨ / ٣١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩١] (…) - (حَدَّثَنِي (^١) حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ (ع) وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقَامَ، وَكَبَّرَ (^٢)، وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ قَامَ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كبَّرَ، فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ سَجَدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَأثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَتَانِ اللهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمُوهَا (^٣)، فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ"، وَقَالَ أَيْضًا: "فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ" (^٤)، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا كُلّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ، حَتَّى لَقَدْ رَأَيْتُنِي أُرِيدُ أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ، حِينَ رَأَيْتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدِّمُ"، وقَالَ الْمُرَادِيُّ: "أَتَقَدَّمُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ، وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ (^٥)، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ"، وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ عِنْدَ قَوْلِهِ: "فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ"، وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ).
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدَّثني".
(٢) وفي نسخة: "فكبّر".
(٣) وفي نسخة: "فإذا رأيتموهما".
(٤) وفي نسخة: "حتى يُفَرَّجَ عنكم".
(٥) وفي نسخة: "عمرو بن لُحَيّ".
[ ١٨ / ٣٢ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٣) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح، تقدّم قبل باب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْمُرَادِيُّ) الْجَمليّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٩.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم قبل باب.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١١٥٩) ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، أبو بكر المدنيّ، ثقةٌ ثبت حجةٌ حافظٌ إمام، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٤٨.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقولها: (خَسَفَتِ الشَّمْسُ) تقدّم أن الصواب جواز إطلاق الخسوف بالخاء، والكسوف بالكاف على الشمس والقمر كليهما.
وقولها: (فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى الْمَسْجِدِ) فيه أن السنّة في صلاة الكسوف أن تصلى في المسجد، لا في الصحراء كالاستسقاء.
وقولها: (وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ) ببناء الفعل للفاعل، و"الناسُ" مرفوع على الفاعليّة، ويَحْتَمل أن يكون فاعل "صفّ" ضمير النبيّ - ﷺ -، و"الناسَ" منصوب على المفعوليّة؛ لأن "صفّ" مما يلزم ويتعدّي، يقال: صففتُ القومَ، فصفّوا هم، قاله في "المصباح" (^١).
قال النوويّ - ﵀ -: فيه إثبات صلاة الكسوف، وفيه استحباب فعلها في المسجد الذي تُصَلَّى فيه الجمعة، قال أصحابنا: وإنما لَمْ يخرج إلى المصلَّى؛ لخوف فواتها بالانجلاء، فالسنة المبادرة بها، وفيه استحبابها جماعةً، وتجوز
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٣.
[ ١٨ / ٣٣ ]
فُرادي، وتُشْرَع للمرأة، والعبد، والمسافر، وسائر من تصح صلاته. انتهى (^١).
وقولها: (فَاقْتَرَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) مبالغة في قرأ.
وقولها: (قراءةً طَوِيلةً) في رواية النسائيّ: "قالت عائشة: فحسبت قرأ سورة البقرة".
وقولها: (فَقَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ") قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل على استحباب الجمع بين هذين اللفظين، وهو مذهب الشافعيّ ومن وافقه، وسبقت المسألة في صفة سائر الصلاة، وهو مستحبّ عندنا للإمام والمأموم والمنفرد، يستحب لكل أحد الجمع بينهما، وفي هذا الحديث دليل على استحباب الجمع بينهما في كلّ رفع من الركوع في الكسوف، سواء الركوع الأول والثاني. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم أن المذهب الصحيح أن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد؛ لهذا الحديث الصريح فيه، ومثله المنفرد، وأما المأموم فإنه يحمد، ولا يُسمّع؛ لعدم دليل صريح في ذلك، وقد تقدّم تحقيق البحث في هذا مستوفًى في محلّه، ولله الحمد.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو الطَّاهِرِ: ثُمَّ سَجَدَ) أراد بيان اختلاف شيوخه، فأبو الطاهر لَمْ يذكر في روايته قوله: "ثم سجد"، وإنما قال بعد قوله: "ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد": "ثم فعل في الركعة الأخرى … الخ".
وقولها: (حَتَى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) المراد بالركعات هنا الركوع، لا الركعة المعهودة؛ لأنه - ﷺ - ما صلى في الكسوف إلَّا ركعتين.
وقوله: (فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا) أي: الآية، وفى نسخة: "فإذا رأيتموهما"؛ أي: رأيتم خسوف كلّ منهما.
وقوله: (فَافْزَعُوا لِلصَّلَاةِ) معناه: بادروا بالصلاة، وأسرعوا إليها حتى يزول عنكم هذا العارض الذي يُخاف كونه مقدّمة عذاب.
قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: في قوله: "فافزعوا" إشارة إلى المبادرة إلى ما
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٢.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٢.
[ ١٨ / ٣٤ ]
أَمَر به، وتنبيهٌ على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار، وإشارة إلى أن الذنوب سبب للبلايا والعقوبات العاجلة أيضًا، وأن الاستغفار والتوبة سببان للمحو، يُرجَى بهما زوال المخاوف. انتهى (^١).
وقوله: (حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ) وفي نسخة: "حتى يُفرج عنكم"، فيكون بالبناء للمفعول، من التفريج، وَيحْتَمِلُ أن يكون من الفَرْجِ ثلاثيًّا، يقال: فَرَّجَ الله الغمّ بالتشديد: كَشَفَه، والاسم الْفَرَج بفتحتين، وفَرَجَهُ فَرْجًا، من باب ضَرَب لغةٌ، وقد جمع الشاعر اللغتين، فقال [من البسيط]:
يَا فَارجَ الْكَرْب مَسْدُولًا عَسَاكِرُهُ … كَمَا يُفَرِّجُ غَمَّ الظُّلْمَةِ الْفَلَقُ (^٢)
وقوله: (رَأَيْتُ فِي مَقَامِي هَذَا) قال الكرمانيّ - ﵀ -: المقام يَحْتَمِل المصدر، والزمان، والمكان.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذه الرؤية رؤية عيان حقيقة، لا رؤية علم، بدليل أنه رأى في الجنّة والنار أقوامًا بأعيانهم، ونعيمًا وقِطْفًا من عِنَبٍ، وتناوله، وغير ذلك، ولا إحالة في إبقاء هذه الأمور على ظواهرها، لا سيّمًا على مذهب أهل السنّة في أن الجنّة والنار قد خُلقتا، ووُجدتا، كما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وذلك أنه راجع إلى أن الله تعالى خَلَق لنبيّه - ﷺ - إدراكًا خاصًّا به أدرك به الجنّة والنار على حقيقتهما، كما قد خلق له إدراكًا لبيت المقدس، فطَفِقَ يُخبرهم عن آياته، وهو ينظر إليه، ويجوز أن يقال: إن الله تعالى مثّل له الجنّة والنار، وصوّرهما له في عُرْض الحائط، كما تتمثّل صور المرئيّات في المرآة، ويَعْتَضِد هذا بما رواه البخاريّ من حديث أنس - ﵁ - في غير حديث الكسوف، قال - ﷺ -: "لقد رأيت الآن منذ صلّيتُ لكم الصلاة الجنّة والنار متمثّلتين في قبلة هذا الجدار"، وفي لفظ آخر: "عُرِضت عليّ الجنّة والنار آنفًا في عُرض هذا الحائط، وأنا أصليّ"، وقال فيه: "إني صُوّرت لي الجنّة والنار، فرأيتهما دون هذا الحائط"، ولا يُستبعد هذا من حيث إن الانطباع في المرآة إنما هو في الأجسام الصقيلة؛ لأنا نقول: إن ذلك شرط عاديّ لا عقليّ، ويجوز أن تنخرق
_________________
(١) "إحكام الإحكام في ٣/ ٢٥٣ بنسخة الحاشية.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٤٦٦.
[ ١٨ / ٣٥ ]
العادة، وخصوصًا في مدّة النبوّة، ولو سُلّم أن تلك الشروط عقليّة، فيجوز أن تكون تلك الأمور موجودة في جسم الحائط، ولا يُدرك ذلك إلَّا النبيّ - ﷺ -. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحقّ أن رؤيته - ﵀ - التي ذكرت في هذا الحديث محمولة على حقيقتها، وأما كيفيّتها فليس في النصوص ما يدلّ على تعيينها، فلا ينبغي الخوض فيها بالتخمين، بل يوكل علمها إلى العليم الخبير، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُلَّ شَيْءٍ وُعِدْتُمْ) بالبناء للمفعول، قال السيوطيّ - ﵀ -: هذه الرواية أوضح من رواية: "ما من شيء، لَمْ أكن أُريته، إلَّا رأيته في مقامي هذا"، حتى قال الكرماني: فيه دلالة على أنه رأى ذاته تعالى المقدّسة في ذلك المقام، بناء على عموم الشيء له تعالي، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ الآية [الأنعام: ١٩]، والعقل لا يمنعه، لكن بيّنت هذه الرواية أن كلّ شيء مخصوص بالموعود، كفِتَنِ الدنيا، وفتوحها، والجنّة والنار.
قال السنديّ - ﵀ -: لكن قد يقال: هو تعالى داخل في الموعود؛ لأن الناس يرونه تعالى في الجَنَّة، فليتأمل. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله السيوطيّ: - ﵀ - هو الأولى، يؤيده ما سيأتي عند المصنّف من حديث جابر - ﵁ - بلفظ: "إنه عُرِضَ عليّ كلّ شيء تولَجُونه … "، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنْ آخُذَ قِطْفًا مِنَ الْجَنَّةِ) - بكسر القاف، وسكون الطاء المهملة -: قِطْفُ الثمرة ما يُقطف منها؛ أي: يُقطع، ويُجتني، وهو هنا؛ أي: عُنقُود من العِنَب، كما جاء مفسّرأ في حديث ابن عباس - ﵄ - الآتي: "إني رأيت الجَنَّة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا".
وقوله: (حِينَ رَأَيتُمُونِي جَعَلْتُ أُقَدَّمُ) أي: أخذت، وشرعت أمشي أمامي، فـ "أُقدّم" مضارع قَدَّم اللازمِ، بمعنى تقدّم.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٥٣ - ٥٥٤.
(٢) شرح السندي على النسائيّ" ٣/ ١٣١ - ١٣٢.
[ ١٨ / ٣٦ ]
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "أقدم" ضبطناه بضم الهمزة، وفتح القاف، وكسر الدال المشدَّدة، ومعناه: أُقَدِّم نفسي، أو رجلي، وكذا صَرَّح القاضي عياض بضبطه، وضبطه جماعة: "أَقْدُم" بفتح الهمزة، وإسكان القاف، وضم الدال، وهو من الإقدام (^١)، وكلاهما صحيح. انتهى (^٢).
وقوله: (وقَالَ الْمُرَادِيُّ: أَتَقَدَّمُ) بيان لاختلاف شيوخه في هذا اللفظ؛ يعني: أن شيخه محمد بن سلمة المراديّ قال في روايته: "أتقدّم" بدل قول حرملة وأبي طاهر: "أُقدِّم".
وقوله: (وَلَقَدْ رَأَيْت جَهَنَّمَ) فيه أنَّها مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السنة.
وقوله: (يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا) من باب ضرب يضرب؛ أي: يكسره، ويزاحمه، كما يفعل البحر من شدّة الأمواج؛ يعني: أنَّها لشدة تلهبها واضطرابها، تشبه أمواج البحر التي يَحطِم بعضها بعضًا.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "يحطم بعضها بعضًا" أي: يكسر بعضها على بعض، كما يفعل البحر، والحطم الكسر، وَيحْتَمِل أن يريد بذلك أن بعضها يأكل بعضًا، وبذلك سُمّيت جهنّم الْحُطَمَة، والرجل الْحُطَمة: الأَكُول. انتهى (^٣).
وقوله: (حِينَ رأيتموني تأخرت) فيه المتأخر عن مواضع العذاب والهلاك.
وقوله: (وَرَأَيْتُ فِيهَا ابْنَ لُحَيٍّ) وفي نسخة: "عمرو بن لُحَيّ" - بضم اللام، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الياء - هو عمرو بنِ لُحيّ بن قَمِعَة بن خِنْدِف، أبو خزاعة، وفيه دليل على أن بعض الناس معذب في نفس جهنم اليوم - عافانا الله، وسائر المسلمين -.
وقوله: (وَهُوَ الَّدِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ) أي: شَرَعَ لقريش أن يتركوا النُّوق، ويُعفُوها من الحمل والركوب، ونحو ذلك للأصنام، كما سيأتي بيانه قريبًا.
وجملة "هو الذي … إلخ" تعليل لمحذوف، كما بُيِّنَ في الروايات
_________________
(١) هكذا وقع في شرح النوويّ، والظاهر أن الصواب بضمّ الهمزة، وإسكان القاف، وكسر الدال، فتأمله.
(٢) "شرح النوويّ" ٦/ ٢٠٣.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٥٤.
[ ١٨ / ٣٧ ]
الأخرى، فسيأتي للمصنّف في "صفة الجَنَّة والنار" من حديث أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعيّ، يجرّ قصبه في النار، وكان أول من سيب السوائب".
أي: إنما رآه يجرّ قُصْبه - بضم، فسكون - أي: أمعاءه في النار؛ لأنه الذي غيّر دين إبراهيم، وإسماعيل، فسيّب السوائب.
وذكر ابن إسحاق في "السيرة الكبرى" عن محمد بن إبراهيم التيميّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: "سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأكثم بن الجون: "رأيتُ عمرو بن لُحيّ، يجرّ قُصبه في النار؛ لأنه أوّل من غيّر دين إسماعيل، فنصب الأوثان، وسيّب السائبة، وبَحَرَ البحيرة، ووصَلَ الوصيلة، وحَمَى الحامي".
وروى الطبرانيّ من حديث ابن عباس - ﵄ - رفعه: "أول من غيّر دين إبراهيم عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدِف، أبو خُزاعة".
وذكر الفاكهيّ من طريق عكرمة نحوه مرسلًا، وفيه: فقال المقداد: يا رسول الله مَن عمرو بن لُحيّ؟ قال: "أبو هؤلاء الحيّ من خُزاعة".
وذكر ابن إسحاق أيضًا أن سبب عبادة عمرو بن لُحَيّ الأصنام أنه خرج إلى الشام، وبها يومئذ العماليق، وهم يعبدون الأصنام، فاستوهبهم واحدًا منها، وجاء به إلى مكة، فنصبه إلى الكعبة، وهو هُبَل.
وكان قبل ذلك في زمن جُرْهُم قد فَجَرَ رجل، يقال له: إساف بامرأة، يقال لها: نائلة في الكعبة، فمسخهما الله جلّ وعلا حجرين، فأخذهما عمرو بن لحيّ، فنصبهما حول الكعبة، فصار من يطوف يتمسّح بهما، يبدأ بإساف، ويختم بنائلة.
وذكر محمد بن حبيب، عن ابن الكلبيّ أن سبب ذلك أن عمرو بن لحيّ كان له تابع من الجنّ، يقال له: أبو ثمامة، فأتاه ليلة، فقال: أَجِبْ أبا ثمامة، فقال: لبيك من تهامة، فقال: ادخل بلا ملامة، فقال: ايت سِيفَ جُدّة، تجد آلهةً مُعدّة، فخذها، ولا تهب، وادع إلى عبادتها تُجَبْ، قال: فتوجه إلى جدّة، فوجد الأصنام التي كانت تُعبد في زمن نوح وإدريس، وهي وَدّ، وسُواع، وَيغوث، ويعوق، ونسر، فحملها إلى مكة، ودعا إلى عبادتها، فانتشرت بسبب ذلك عبادة الأصنام في العرب.
[ ١٨ / ٣٨ ]
[تنبيه]: أخرج الشيخان عن سعيد بن المسيب، أنه قال: "البَحيرة" التي يُمنَع دَرّها للطواغيت، فلا يَحلُبُها أحد من الناس، و"السائبة" كانوا يُسيّبونها لآلهتهم، فلا يُحمَل عليها شيء، و"الوصيلة": الناقة تُبكّر في أول نتاج الإبل بأنثي، ثم تثنّي بعدُ بأنثي، وكانوا يسيّبونها لطواغيتهم أَن وَصَلت إحداهما بالأخرى، ليس بينهما ذكر، و"الحام": فَحلُ الإبل، يَضْرِب الضِّرَابَ المعدود، فإذا قضى ضِرَابه، وَدَعُوه للطواغيت، وأَعْفَوه من الحمل، فلم يُحمَل عليه شيء، وسَمَّوه الحامي. انتهى.
وقال القرطيّ - ﵀ -: وقد اختُلف في تفسير هذه الأشياء، فالسائبة: الناقة إذا تابعت بين عَشر إناث، ليس بينهنّ ذكر سُيّبت، فلم يُركب ظهرها، ولم يُجزّ وَبَرها، ولم يَشرَب لبنها إلَّا ضيف، في نتجت بعد من أنثى شُقّت أذنها، ثم خُلّي سبيلها مع أمها على حكمها، وهي البَحِيرة بنت السائبة، وسُمّيت بذلك لأنَّها بُحرت أذنها؛ أي: شُقَّت شقًّا واسعًا، وهذا قول ابن إسحاق، وقال غيره: السائبة: هي التي يَنذُرها الرجل؛ أي: يُسيّبها إن برئ من مرضه، أوأصاب أمرًا يطلبه، فإذا كان ذلك أسابها، فسابت، لا يُنتفع بها.
قال ابن إسحاق: والوصيلة: الشاة إذا أَتْأَمَت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطُن ليس بينهن ذَكر، قالوا: وَصَلَتْ، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث، إلَّا أن يموت شيء منها، فيشترك فيه ذكورهم وإناثهم.
وقال كثير من أهل اللغة: إن الشاة كانت إذا ولدت أنثى، فهي لهم، وإذا ولدت ذكرًا ذبحوه لآلهتهم، وإذا ولدت ذكرًا وأنثى لَمْ يذبحوا الذكر، وقالوا: وصلت أخاها، فيسيّبون أخاها، ولا ينتفعون به.
والحامي: الفحل إذا رُكب ولد ولده، وقيل: إذا نُتج من صلبه عشرة أبطن، قالوا: حَمَى ظهره، فلا يُركب، ولا يُنتفع به، ولا يُمنع من ماء، ولا كلأ. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقوله: (وَانْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ … إلخ) أراد به بيان اختلاف شيوخه أيضًا، فبيّن أن هذا السياق بطوله لشيخيه حرملة، ومحمد بن سلمة المراديّ،
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥٥٥.
[ ١٨ / ٣٩ ]
وأما أبو الطاهر، فوقف عند قوله: "فافزعوا للصلاة"، ولم يذكر ما بعده.
فمال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث مُتَّفقٌ عليه، وقد تقدم تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو وَغَيْرُهُ: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَبَعَثَ مُنَادِيًا: "الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ" (^١)، فَاجْتَمَعُوا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ) أبو جعفر الجمّال، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) أو في التي قبلها (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ٢٢٦.
٢ - (الْوَليدُ بْنُ مُسْلِمٍ) القرشيّ مولاهم، أبو العبّاس الدمشقيّ، ثقةٌ، لكنه كثير التدليس والتسوية [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٣ - (الْأَوْزَاعِيُّ أَبُو عَمْرٍو) عبد الرَّحمن بن عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضلٌ إمام [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَغَيْرُهُ) قال صاحب التنبيه: لا أعرفه (^٢).
وقوله: (فَبَعَثَ مُنَادِيًا) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه، ولعلّه بلال (^٣).
_________________
(١) وفي نسخة: بـ "الصلاةُ جامعة".
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" ص ١٧١.
(٣) "تنبيه المعلم" ص ١٧١.
[ ١٨ / ٤٠ ]
وقوله: (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ") وفي نسخة: بـ "الصلاة جامعة"؛ أي: ينادي بذلك، أو يقول ذلك.
وفي رواية النسائيّ: "فأمر مناديًا ينادي أن الصلاة جامعة"، و"الصلاةَ" منصوب على الإغراء، ونصب "جامعةً" على الحال.
قال بعضهم: يجوز في "الصلاة جامعة" نصبهما على أن الأول مفعول لمحذوف، والثاني منصوب على الحال؛ أي: احضروا الصلاة حال كونها جامعة، ورفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، ورفع الأول على أنه مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: الصلاةُ حاضرةٌ، ونصب الثاني على الحال، ونصب الأول؛ لما تقدّم، ورفع الثاني على أنه خبر لمحذوف؛ أي: هي جامعة.
وإسناد الجمع إليها مجاز عقليّ، من قبيل الإسناد إلى السبب.
وقوله: (فَاجْتَمَعُو ا، وَتَقَدَّمَ، فَكَبَّرَ، وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ) أي: أربع ركوعات، من تسمية الجزء باسم الكلّ.
وقوله: (فِي رَكعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ) يعني: أنه ركع ركوعين، وسجد سجدتين في كلّ واحدة من الركعتين.
قال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: هذا أصحّ ما في هذا الباب، وباقي الروايات المخالفة معلّلة ضعيفة. انتهى.
[تنبيه]: هذه الرواية أخرجها البخاريّ في "صحيحه" مطوّلة، فقال: (١٠٦٦) - حدّثنا محمد بن مِهْران، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرنا ابن نَمِر، سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -: جهر النبيّ - ﷺ - في صلاة الخسوف بقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبّر فركع، وإذا رفع من الركعة، قال: "سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد"، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وقال الأوزاعيّ وغيره: سمعت الزهريّ، عن عروة، عن عائشة - ﵂ -: "أن الشمس خسفت على عهد رسول الله - ﷺ -، فبعث مناديًا بـ "الصلاة جامعة"، فتقدم، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات، وأخبرني عبد الرَّحمن بن نَمِر سمع ابن شهاب مثله، قال الزهريّ: فقلت: ما صنع أخوك ذلك، عبد الله بن الزبير ما صلى إلَّا ركعتين مثل الصبح؛ إذ صلى بالمدينة، قال أجل: إنه أخطأ السنة، تابعه
[ ١٨ / ٤١ ]
سفيان بن حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى.
والحديث دليلٌ على مشروعيّة النداء بـ "الصلاة جامعة" عند الكسوف، قال النوويّ - ﵀ -: فيه دليل للشافعيّ، ومن وافقه أنه يستحب أن ينادى لصلاة الكسوف: "الصلاة جامعة"، وأجمعوا أنه لا يؤذّن لها، ولا يقام. انتهى.
وفيه أيضًا مشروعيّة الاجتماع لصلاة الكسوف، وصلاتها جماعةً، وبيان كيفيّة صلاتها بأنها ركعتان، في كلّ ركعة ركوعان، وسجدتان، وهذه أرجح الكيفيّات، كما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَاب، يُخْبِرُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ نَمِرٍ) - بفتح النون، وكسر الميم - اليحصبيّ، أبو عمرو الدمشقئ، ثقةٌ، لَمْ يرو عنه غير الوليد بن مسلم [٨].
رَوَى عن الزهريّ، ومكحول الشاميّ، وروى عنه الوليد بن مسلم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ابن نَمِر الذي يروي عن الزهريّ ضعيفٌ، وقال دُحَيم: صحيح الحديث عن الزهريّ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به باسٌ، كان كاتبًا، حضر مع ابن هشام والزهريُّ يُملي عليهم، وقال أبو حاتم: ليس بقويّ، وسليمان بن كثير، وسفيان بن حسين أحبَّ إلي منه، لا أعلم روى عنه غير الوليد بن مسلم، وذكره ابن حبان في "الثّقات"، وقال: من ثقات أهل الشام، ومتقنيهم، وقال ابن عديّ: في حديثه عن الزهريّ، عن
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٨ / ٤٢ ]
عروة، عن مروان، عن بسرة، أن النبيّ - ﷺ - أمر بالوضوء في مسّ الذكر، والمرأة مثل ذلك، قال: وهذه الزيادة التي ذُكرت في متنه: "والمرأة مثل ذلك" لا يرويها عن الزهريّ غير ابن نَمِر هذا، وقال يحيى بن معين: هو ضعيف في الزهريّ، ليس أنه أنكر عليه في أسانيد ما روى عن الزهري، ولا في متونه إلَّا ما ذكرتُ من قوله: "والمرأة مثل ذلك"، وهو في جملة مَن يُكتب حديثه من الضعفاء، وابن نَمِر هذا له عن الزهريّ غير نسخة، وهي أحاديث مستقيمة. انتهى.
وقال أبو زرعة الدمشقيّ: حديثه عن الزهريّ مستوٍ، وقال أبو أحمد الحاكم: مستقيم الحديث، وقال ابن الْبَرْقيّ: ثقةٌ، وقال الذُّهْليّ: عبد الرَّحمن بن نَمِر، وعبد الرَّحمن بن خالد ثقتان، ولا تكاد تجد لابن نَمِر حديثًا عن الزهريّ إلَّا ودَوَّن الحديث مثله، يقول: سألت الزهريّ عن كذا، فحدّثني عن فلان وفلان، فيأتي بالحديث على وجهه، ولا أعلم رَوَى عنه غير الوليد، وكذا قال دُحَيم: لَمْ يرو عنه غير الوليد.
قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّن بهذا أن عبد الرَّحمن بن نَمِر هذا ثقةٌ، وإنما ضعّفه ابن معين في حديث واحد، كما بيّنه ابن عديّ في كلامه السابق، وقد وثّقه الأكثرون، ولا سيّما الإمام الذهليّ، فإن له تخصّصًا بأحاديث الزهريّ، ومعرفة الرواة عنه، فقد أثنى عليه، كما سمعته آنفًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، ولم يخرج له الشيخان سوى هذا الحديث الواحد في الكسوف، وهو متابعة.
وقال في "الفتح": عبد الرَّحمن بن نَمِر دِمشقيّ، وثقه دُحيم، والذُّهْليّ، وابن الْبَرْقيّ، وآخرون، وضعفه ابن معين؛ لأنه لَمْ يرو عنه غير الوليد، وليس له في "الصحيحين" غير هذا الحديث، وقد تابعه عليه الأوزاعيّ، وغيره. انتهى (^١).
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٥٤٩.
[ ١٨ / ٤٣ ]
وقوله: (جَهَرَ فِي صَلا الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ) فيه دليلٌ على استحباب الجهر في صلاة الخسوف، وفيه خلاف بين العلماء، وهذا هو المذهب الصحيح.
قال في "الفتح": استُدِلّ به على الجهر في صلاة الخسوف بالنهار، وحمله جماعة ممن لَمْ يَرَ بذلك على كسوف القمر، وليس بجيّد؛ لأن الإسماعيليّ رَوَى هذا الحديث من وجه آخر عن الوليد، بلفظ: "كَسَفَت الشمسُ في عهد رسول الله - ﷺ - "، فذكر الحديث، وكذا رواية الأوزاعي التي بعده صريحة في الشمس. انتهى.
وقال أيضًا: واستَدَلّ بعضهم على ضعف رواية عبد الرَّحمن بن نَمِر في الجهر بأن الأوزاعيّ لَمْ يذكر في روايته الجهر، وهذا ضعيفٌ؛ لأن من ذكر حجةٌ على من لَمْ يذكر، لا سيما والذي لَمْ يذكره لَمْ يتعرض لنفيه، وقد ثبت الجهر في رواية الأوزاعيّ عند أبي داود، والحاكم، من طريق الوليد بن مَزْيَد عنه، ووافقه سليمان بن كثير وغيره، كما ترى. انتهى (^١).
وقال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: اختلف أهل العلم في الجهر بالقراءة في صلاة خسوف الشمس:
فقال طائفة: يجهر بالقراءة فيها، فممن رَوينا عنه أنه جهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس علي بن أبي طالب، وفعل ذلك عبد الله بن يزيد، وبحضرته البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وبه قال أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه.
وقالت طائفة: لا يجهر في كسوف الشمس بالقراءة، هذا قول مالك، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، واحتجّ مالك، والشافعيّ بحديث ابن عباس - ﵄ -، حيث قال: "قرأ نحوأ من سورة البقرة"؛ إذ لو كان النبيّ - ﷺ - جهر بالقراءة لأخبر ابن عباس بالذي قرأه، ولا يحتاج أن يقدّر بنحو سورة البقرة.
واحتجّ من رأى الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف بأن الذي احتجَّ به مالك، والشافعيّ حجة لو لَمْ يأت غيره، وعائشة تخبر أنه جهر بالقراءة، فقبول خبرها أولى؛ لأنَّها في معنى شاهد، فقبول شهادتها يجب، والذي لَمْ يحك
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٣٧.
[ ١٨ / ٤٤ ]
الجهر في معنى نافٍ، وليس بشاهد، وقد يجوز أن يكون ابن عباس من الصفوف بحيث لَمْ يسمع قراءة النبيّ - ﷺ -، فقدّر ذلك بغيره، وتكون عائشة سمعت الجهر، فأدّت ما سمعت.
وقال إسحاق: لو لَمْ يأت في ذلك سنة لكان الجهرُ أشبه الأمر، تشبيهًا بالجمعة والعيدين والاستسقاء، وكل ذلك نهارًا، قال: وأما كسوف القمر فقد أجمعوا على الجهر في صلاته؛ لأن قراءة الليل على الجهر.
قال ابن المنذر - ﵀ -: بهذا أقول، يجهر بالقراءة في صلاة كسوف الشمس والقمر. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - بتصرّف (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه ابن المنذر - ﵀ - من مشروعية الجهر بالقراءة هو الأرجح عندي؛ لصحة حديث الباب، وليس للقائلين بعدم الجهر دليل صريح صحيح، فحديث ابن عباس - ﵄ - عرفت تأويله آنفًا، وحديث سمرة الذي أخرجه النسائيّ: "أن النبيّ - ﷺ - صلى بهم في كسوف الشمس، لا نسمع له صوتًا"، غير صحيح؛ لأن الراوي عن سمرة - ﵁ - ثعلبة بن عِبَاد لَمْ يرو عنه غير الأسود بن قيس، فهو مجهول، وعلى تقدير صحته فهو مثل حديث ابن عباس - ﵄ -، وذلك أن يُحمَل على أنه نَفَى عدمَ سماعه لقراة النبيّ - ﷺ -؛ لبُعده، ولا يلزم من ذلك عدم جهره، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: ذكر الإمام البخاريّ - ﵀ -، في "صحيحه" بعد إيراد رواية عبد الرَّحمن بن نَمِر، عن الزهريّ ما نصّه: تابعه سفيان حسين، وسليمان بن كثير، عن الزهريّ في الجهر. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: "تابعه سليمان بن كثير، وسفيان بن حسين، عن الزهري في الجهر"؛ يعني: بإسناده المذكور، ورواية سليمان وصلها أحمد، عن عبد الصمد بن عبد الوارث عنه، بلفظ: "خَسَفَت الشمسُ على عهد النبي - ﵀ -، فأتى النبيّ - ﵀ -، فكبّر، ثم كبر الناس، ثم قرأ، فجهر بالقراءة … " الحديث، ورويناه في مسند أبي داود الطيالسيّ، عن سليمان بن كثير، بهذا الإسناد مختصرًا: أن "النبيّ - ﷺ - جهر بالقراءة في صلاة الكسوف".
_________________
(١) "الأوسط ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٨.
[ ١٨ / ٤٥ ]
وأما رواية سفيان بن حسين، فوصلها الترمذيّ، والطحاويّ، بلفظ: "صَلّى صلاة الكسوف، وجهر بالقراءة فيها".
وقد تابعهم على ذكر الجهر عن الزهريّ عُقَيل، عند الطحاويُّ، وإسحاقُ بن راشد، عند الدارقطنيّ، وهذه طرقٌ يَعْضِد بعضها بعضًا يفيد مجموعها الجزم بذلك، فلا معنى لتعليل مَن أعلّه بتضعيف سفيان بن حسين وغيره، فلو لَمْ يَرِد في ذلك إلَّا رواية الأوزاعيّ لكانت كافيةً.
وقد ورد الجهر فيها عن عليّ مرفوعًا وموقوفًا، أخرجه ابن خزيمة، وغيره، وقال به صاحبا أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن خزيمة، وابن المنذر - ﵀ -، وغيرهما من محدثي الشافعية، وابن العربيّ من المالكية، وقال الطبريّ: يُخَيَّر بين الجهر والإسرار.
وقال الأئمة الثلاثة: يُسِرّ في الشمس، ويجهر في القمر، واحتجّ الشافعي بقول ابن عباس: "قرأ نحوأ من سورة البقرة"؛ لأنه لو جهر لَمْ يحتج إلى تقدير.
وتُعُقِّب باحتمال أن يكون بعيدًا منه، لكن ذكر الشافعيّ تعليقًا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبيّ - ﷺ - في الكسوف، فلم يسمع منه حرفًا، ووصله البيهقيّ من ثلاثة طُرُق أسانيدها واهية، وعلى تقدير صحتها، فمثبت الجهر معه قدر زائد، فالأخذ به أولى، وإن ثبت التعدد، فيكون فعل ذلك لبيان الجواز، وهكذا الجواب عن حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذيّ: "لَمْ يسمع له صوتًا"، وأنه إن ثبت لا يدلُّ على نفي الجهر.
قال ابن العربيّ: الجهر عندي أولى؛ لأنَّها صلاة جامعة يُنادَى لها، ويُخطَب، فاشبهت العيد والاستسقاء، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيَّن بما ساقه الحافظ - ﵀ - من الأدلّة كون المذهب الأرجح مذهبَ من قال باستحباب الجهر في قراء صلاة الخسوف؛ لقوّة أدلته، وكون الأحاديث المرويّة بخلافه ضعيفة، أو محتملة للتأويل، كما أسلفت وجهه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
[ ١٨ / ٤٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٤] (٩٠٢) - (قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَخْبَرَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فِي رَكْعَتَيْنِ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ) بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشمي، أبو تَمَّام، المدنيّ، ابن عمّ المصطفى - ﷺ - أمه أم ولد.
رَوَى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والحجاج بن عمرو بن غزيّة.
ورَوى عنه الأعرج، والزهريّ، وأبو الأَصبغ السُّلَمي مولى بني سُليم، قال يعقوب بن شيبة: يُعدّ في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ممن وُلد على عهد النبيّ - ﷺ -.
وقال مصعب الزبيريّ: كان فقيهًا فاضلًا، لا عَقِب له، وقال ابن حبّان في "الثقات": كان رجلًا صالحًا فاضلًا فقيهًا، مات بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان.
وُيروى أن معاوية سأل رجلًا عن أعبد الناس بالمدينة؟ فقال: كثير بن العبّاس، وذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة، وقال: لَمْ يبلغنا أنه روى عن النبيِّ - ﷺ - شيئًا، وكان رجلًا صالحًا فقيهًا، ثقةٌ، قليل الحديث.
وروى ابن منده، وابن قانع في "معجم الصحابة" حديثًا يدلّ على صحبته، لكن في إسناده يزيد بن أبي زياد، وقد اختُلف عليه فيه، وقال البغويّ: حدثنا داود بن عمرو، حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، قال: كان النبيّ - ﷺ - يَصُفّ عبد الله، وعُبيد الله، وكثيرًا بَني العباس، ويقول: "مَن سبق فله كذا … " الحديث، قال الحافظ: وهو مرسل جيّد الإسناد، وقد رواه أحمد بن حنبل في "مسنده" عن جرير مثله، وقال الدارقطنيّ في كتاب"الاخوة": روى عن النبيِّ - ﷺ - مراسيل.
روى له البخاري، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله عندهم حديث الباب، وعند المصنّف، والنسائي حديث العباس في غزوة حنين.
[ ١٨ / ٤٧ ]
٢ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، تقدَّم في الباب الماضي.
وقوله: (قَالَ الزُّهْرِيُّ … إلخ) عطف على ما قبله بعاطف مقدَّر، فهو موصول بالإسناد الأول، وليس معلّقًا.
[فائدة]: حذف حرف العطف جائز، ولكن بابه الشعر؛ كقوله:
إِنَّ امْرَأً رَهْطُهُ بِالشَّامِ مَنْزِلُهُ … بِرَمْلِ يَبْرِينَ جَارًا شَدَّ مَا اغْتَرَبَا
وحكى أبو زيد: "أكلتُ خبزًا، لحمًا، تمرًا"، قيل: بحذف الواو، وحكى أبو الحسن الأخفش: "أعطه درهمًا، درهمين، ثلاثة"، بحذف "أو"، وخرّج على ذلك آيات، منها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ [الغاشية: ٨] عطفٌ على ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ [الغاشية: ٢]، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فيمن فتح الهمزة، فهو عطف على ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقوله: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ﴾ الآية [التوبة: ٩٢]؛ أي: و﴿قُلْتَ﴾، وإلى هذا أشار شيخنا المناسيّ - ﵀ -:
وَبَابُهُ الشِّعْرُ وَقِيلَ نَادِرُ … وَقَالَ فِي "التَّسْهِيلِ" نَثْرًا يَظْهَرُ
حَكَى أَبُو الْحَسَنِ فِي الآيَاتِ … أَتَتْكَ فِي "الْمُغْنِي" مُرَتَّبًا (^١)
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٩٤ و٢٠٩٥] (٩٠٢)، و(البخاريّ) في "الكسوف" (١٠٤٦)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٨١)، و(النسائيّ) في "الكسوف" (٣/ ١٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢٤٥٧)، و"أبو نعيم" في "مستخرجه" (٢٠٣٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) راجع: "فتح القريب المجيب" ٢/ ٥٠٩ - ٥١٠.
[ ١٨ / ٤٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٥] … (-) وَحَدَّثَنَا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: كَانَ كَثِيرُ بْنُ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ كسَفَتِ الشَّمْسُ، بِمِثْلِ مَا حَدَّثَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَاجِبُ بْنُ الْوَليدِ) بن ميمون الأعور، أبو محمد المؤدِّب الشاميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٢٨) (م كد) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ) الْخَولانِيِّ الْحِمْصيّ الأبرش، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ الزُّبَيْدِيُّ) أبو الْهُذيل الْحِمْصيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ، من [٧] (ت ٦ أو ٧ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٠/ ١١٧٤.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن الوليد، عن الزهريّ هذه، لَمْ أجد من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ، حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ (^١)، أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا، يَقُومُ قَائِمًا، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكْعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ، وَقَدْ
_________________
(١) وفي نسخة: "من أصدّق حديثه، يريد عائشة".
[ ١٨ / ٤٩ ]
تَجَلَّتِ الشَّمْسَ، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ"، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَاِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ (^١) لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ، يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيُتُمْ كُسُوفًا، فَاذْكُرُوا اللهَ، حَتَّى يَنْجَلِيَا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه الحنظليّ، أبو محمد المروزيّ، ثقةٌ حافظ إمام حجة [١٠] (ت ٢٣٨) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ) بن عثمان الْبُرْسانيّ، أبو عثمان البصريّ، صدوقٌ [٩] (ت ٢٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج، تقدّم قبل باب.
٤ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ) بن قتادة الليثيّ، أبو عاصم المكيّ، قاصّ أهل مكة، وُلد في عهد النبيّ - ﷺ -، من كبار التابعين، مجمع على ثقته [٢] (ت ٦٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤٧٣.
و"عائشة" في ذُكرت قبله.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، في أخرج له ابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، من ابن جريجٍ.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وعائشة - ﵂ - سبق الكلام فيها قريبًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "لا ينكسفان".
[ ١٨ / ٥٠ ]
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباح - ﵀ - أنه قال: (سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ) بتصغير الاسمين (يَقُولُ: حَدَّثَنِي مَنْ أُصَدِّقُ) "من" في محلّ رفع على الفاعليّة، والعائد محذوفٌ؛ أي: قال عبيد بن عُمير: حدّثني الشخص الذي أصدّقه؛ لكونه ثقةً.
[فإن قلت]: هذا يكون من قبيل التعديل على الإبهام، والراجح أنه لا يُقبل، فكيف احتجَّ به المصنّف - ﵀ -؟.
[قلت]: لا يضرّ هذا الإبهام هنا؛ لأن الرواية التالية أزالت الإبهام، حيث صرَّح فيها عُبيد بن عُمير بأنها عائشة - ﵂ -، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
(حَسِبْتُهُ يُرِيدُ عَائِشَةَ) وفي نسخة: "حدّثني من أصدّق حديثه، يريد عائشة"؛ يعني أن عطا" قال: فظننت أن عبيد بن عُمير يريد بالمبهم في قوله: "من أُصدِّق" عائشةَ.
(أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ) وفي رواية النسائيّ: "كَسَفَت الشمس" (عَلَى عَهْدِ رَسُولي اللهِ - ﷺ -) أي: في وقته، فـ "على" بمعنى "في"، وقد تقدّم أن ذلك في السنة العاشرة من الهجرة (فَقَامَ قِيَامًا شَدِيدًا) وفي رواية النسائيّ: "فقام بالناس قيامًا شديدًا"، وقوله: (يَقُومُ قَائِمًا) بيان للقيام الشديد، وهذا من قبيل إحضار هيئة القيام في الحال، فلذلك أتى بصيغة المضارع، وكذا ما بعده، قاله السنديّ - ﵀ -.
(ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، رَكعَتَيْنِ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ) أراد بالركعات هنا الركوع، وهذه إحدى الكيفيّات لصلاة الكسوف، يركع في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وتقدّم ترجيح رواية ركوعين في كلّ ركعة؛ لأنَّها رواية جمهور الحفّاظ، فلا تغفل.
زاد في رواية النسائيّ: "حتى إن رجالًا يومئذ يُغشى عليهم، حتى إن سِجال الماء لتُصث عليهم بما قام بهم".
(فَانْصَرَفَ، وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ) وفي رواية النسائيّ: "فلم ينصرف حتى تجلّت الشمس".
(وَكَانَ اِذَا رَكَعَ قَالَ: "اللهُ كبَرُ"، ثُمَّ يَرْكَعُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأسَهُ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ") أي: مع "ربنا ولك الحمد"؛ لما سبق أنه - ﷺ - جمع بينهما، فتنبّه.
[ ١٨ / ٥١ ]
(فَقَامَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأدنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَكْسِفَانِ) من باب ضرب، وفي نسخة: "لا ينكسفان" (لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ) تقدّم أن هذا قاله - ﷺ - ردًّا لما زعمه بعض الناس من أن الشمس انكسفت لموت ابنه إبراهيم - ﷺ - (وَلَكِنَّهُمَا مِنْ آيَاتِ اللهِ) أي: علامتان عظيمتان دالّتان على عظيم قدرة الله (يُخَوِّفُ اللهُ بِهِمَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ كُسُوفًا) وفي رواية النسائيّ: "فإذا كُسِفَا" (فَاذْكُرُوا اللهَ) وفي رواية النسائيّ: "فافزعوا إلى ذكر الله - عَزَّوَجَلَّ - "، وفي رواية أبي داود: "فافزعوا إلى الصلاة"، وهي أخصّ (حَتَّى يَنْجَلِيَا") أي: ينكشفا، ويزول ما بهما من الكسوف.
والحديث تقدّم تخريجه، وبيان مسائله في حديث عائشة المذكور أول الباب الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^١) أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ، وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِي) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدّستوائيّ البصريّ، صدوقٌ، ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدّستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٥٢ ]
٥ - (قَتَادَةُ) بن دعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ يُدلّس، من كبار [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ) أي: صلَّى ركعتين في كلّ ركعة ثلاث ركوعات، وسجدتان، وقد تقدّم أن الجمهور على ترجيح رواية: صلّى ركعتين في كلّ ركعة ركوعان؛ لكثرة رواتها الحفاظ، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.