وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٤] (٨٨٤) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجِ، أَخْبَرَني الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ صَلَاةَ الْفِطْرِ مَعَ نَبِيِّ اللهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، فَكُلُّهُمْ يُصَلِّيهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ، قَالَ: فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ
_________________
(١) راجع: "تحفة الحبيب على شرح الخطيب" ٢/ ٢١٨.
[ ١٧ / ٤١٢ ]
أقبَلَ يَشُقُّهُمْ، حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: "أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ "، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ: نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟ قَالَ: "فَتَصَدَّقْنَ"، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ فِدًى لَكُنَّ أَبِي وَأُمِّي، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ، وَالْخَوَاتِمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ زاهدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الْكِسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمّام بن نافع الْحِمْيَريّ مولاهم، أبو بكر الصنعانيّ، ثقة حافظٌ مصنِّفٌ شهيرٌ، عَمِيَ في آخر عمره فتغيَّر، وكان يتشيع [٩] (ت ٢١١) وله خمس وثمانون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأُمويّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، وكان يدلِّس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) وقد جاز السبعين (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (الْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ) بن يَنّاق -بفتح التحتانية، وتشديد النون، وآخره قاف- المكيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن صفية بنت شيبة، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء الكيخارانيّ، وعُبيد بن عُمير، ولم يدركه.
ورَوَى عنه أبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع، وعمرو بن مرة، وبُديل بن ميسرة، وابن جريج، وجابر الجعفيّ، وجامع بن أبي راشد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد الليثيّ، وغيرهم.
[ ١٧ / ٤١٣ ]
قال ابن معين، وأبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن عيينة: مات الحسن بن مسلم قبل طاوس، وقال ابن سعد: مات قبل طاوس، وكان ثقةً، وله أحاديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو داود: كان من العلماء بطاووس، وقال في "التقريب": مات قديمًا بعد المائة بقليل.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب سبعة أحاديث فقط، برقم (٨٨٤) و(١٠٢١) وأعاده بعده، و(١١٩٥) و(١٢٤٦) و(١٣١٧) و(١٣٢٨) و(٢١٢٣) وأعاده بعده.
٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيَريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، يقال: اسمه ذَكْوان، وطاوس لقبه، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (١٠٦) وقيل: بعد ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بالطائف سنة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان، قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهما، حيث سمع من لفظهما وحده، ولذا قال: "حدّثني"، ثم فرّق بينهما؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، والحسن، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن عم رسول الله -ﷺ-، ودعا له -ﷺ- بالفهم في القرآن، فكان يُسَمَّى البحر والحبر؛ لسعة علمه، وهو أحد المكثرين السبعة، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-.
[ ١٧ / ٤١٤ ]
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) بكسر الهاء، من باب علِمَ يعلَم، يقال: شَهِدتُ العيد: بمعنى أدركته، وشَهِدت المجلس: حضرته (^١). (صَلَاةَ الْفِطْرِ) منصوب على المفعوليّة، والإضافة من إضافة الشيء إلى سببه (مَعَ نَبِي اللهِ -ﷺ-، وَأَبِي بَكْرٍ) الصدّيق -﵁- (وَعُمَرَ) بن الخطّاب -﵁- (وَعُثْمَانَ) بن عفّان -﵁- (فَكُلُّهُمْ يُصَفَيهَا) هكذا رواية المصنّف بالإفراد، وهو صحيح؛ نظرًا للفظ "كلّ" فإنه مفرد؛ أي: يصلّي كل منهم صلاة الفطر، وفي رواية البخاريّ: "يصلّونها" بضمير الجمع، وهو ظاهرًا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يَخْطُبُ) بعد الصلاة (قَالَ) ابن عبّاس -﵄-: (فَنَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-) أي: من منبره إلى الأرض.
[تنبيه]: قال القاضي عياض ﵀ ما حاصله: نزوله -ﷺ- إلى النساء في خطبته كان في أول الإسلام؛ تأكيدًا لبيعة الإسلام، وهو خاصّ به -ﷺ-، فليس للأئمة فعله، ولا يُباح لهم قطع الخطبة بنزول لوعظ النساء، ومن بَعُدَ من الرجال، وقول عطاء: "إن ذلك لحقّ على الأئمة، وما لهم لا يفعلونه" غير موافق عليه. انتهى خلاصة كلام القاضي ﵀.
قال الجامع عفا الله عنه: في كلام القاضي عياض ﵀ هذا مؤاخذات:
(الأولى): قوله: "نزوله -ﷺ- في خطبته" هذا غير صحيح، بل نزوله كان بعد فراغه من خطبته، فسيأتي في حديث جابر -﵁-، ولفظه: "ثم خطب الناس، فلما فرغ نبيّ الله -ﷺ- نزل، وأتى النساء … " الحديث، فقد صرّح بأن نزوله كان بعد الفراغ، فتبصّر.
(الثانية): قوله: "كان في أول الإسلام، وهو خاصّ به -ﷺ-" فيه نظرٌ؛ فمن أين دعوى الخصوصيّة؟، فهل له عليه حجة، فتبصّر.
(الثالثة): قوله: "ولا يباح لهم قطع الخطبة بنزول … إلخ" فيه نظر
_________________
(١) راجع: "المصباح" ١/ ٣٢٤.
[ ١٧ / ٤١٥ ]
أيضًا، فاين دليل عدم إباحة القطع؟ بل هنا اخلاف الثابت في السنّة، فقد سبق أنه -ﷺ- قال له رجل في أثناء الخطبة: يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه؟، فأقبل عليه رسول الله -ﷺ-، وترك خطبته حتى انتهى إليه، فأُتي بكرسيّ، فقعد عليه، وجعل يعلّمه مما علّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها، فهل بعد هنا اتطلب البيّنة؟ إن هذا لهو العجب.
(الرابعة): قوله في كلام عطاء: "غير موافَق عليه"، فيه نظر أيضًا، بل غير الموافق هو القاضي عياض، فإن ما قاله عطاء ﵀ هو الموافق للسنّة، ولذلك عقد الإمام البخاريّ ﵀ في "صحيحه" له بابًا، فقال: "باب موعظة الإمام النساء يوم العيد"، ثم أورد حديث جابر الآتي، وفي آخره قول عطاء هذا.
والحاصل أن مشروعيّة موعظة الإمام النساء في الخطبة هو الحقّ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ) أي: إلى النبيّ -ﷺ- (حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ) بتشديد الجيم، من التجليس؛ أي: يأمرهم بالجلوس، مشيرًا إليهم بيده، وكأنهم لَمّا انتَقَل -ﷺ- عن مكان خطبته أرادوا الانصراف، فأمرهم بالجلوس حتى يفرُغ من حاجته، ثم ينصرفوا جميعًا، أو لعلهم أرادوا أن يتبعوه فمنعهم، وأمرهم بالجلوس (^١). (ثُمَّ أَقْبَلَ) بالبناء للفاعل؛ أي: توجّه النبيّ -ﷺ- (يَشُقُّهُمْ) أي: يشقّ صفوف الرجال الجالسين (حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ، وَمَعَهُ بِلَالٌ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل (فَقَالَ) أي: قال النبيّ -ﷺ-، بمعنى تلا قوله تعالى: (﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَتَلَا هَذ الْآيَةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا) أي: انتهى من قراءة الآية بتمامها.
وإنما تلا النبيّ -ﷺ- هذه الآية الكريمة؛ ليُذَكِّرهنّ البيعة التي وقعت بينه
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٣٠٤، و"عمدة القاري" ٦/ ٤٣٥.
[ ١٧ / ٤١٦ ]
وبين النساء لَمّا فَتَحَ النبيّ -ﷺ- مكة، وكان النبيّ -ﷺ- لَمّا فَرَغَ من أمر الفتح اجتَمَعَ الناس للبيعة، فجَلَس يبايعهم على الصفا، ولَمّا فَرَغ من بيعة الرجال بايع النساء، وذَكَرَ لهنّ ما ذَكَر الله في الآية المذكورة، قاله في "العمدة" (^١).
(ثُمَّ قَالَ) -ﷺ- (حِينَ فَرَغَ مِنْهَا) أي: قراءة الآية المذكورة، وقوله: ("أَنْتُنَّ عَلَى ذَلِكِ؟ ") مقول "قال"، والخطاب للنساء، و(أَنْتُنَّ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أأنتنّ (عَلَى ذَلِكِ؟) بكسر الكاف؛ خطابًا للأنثى؛ أي: أنتنّ على ما ذُكِر في هذه الآية؟ (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، لَمْ يُجِبْهُ غَيْرُهَا مِنْهُنَّ) أي: من النساء اللاتي حضرن خطبته -ﷺ-، وقوله: (نَعَمْ يَا نَبِيَّ اللهِ) مقول "قلت"؛ أي: نعم، نحن على ذلك.
وفيه دلالة على الاكتفاء في الجواب بـ "نَعَم"، وتنزيلها منزلة الإقرار، وأن جواب الواحد عن الجماعة كافٍ؛ إذا لم يُنكِروا، ولم يمنع مانع من إنكارهم (^٢).
(لَا يُدْرَى حِينَئِذٍ مَنْ هِيَ؟) قال النوويّ ﵀: هكذا وقع في جميع نسخ "صحيح مسلم": "حينئذ"، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال هو وغيره: وهو تصحيفٌ، وصوابه: "لا يَدري حَسَنٌ من هي؟ "، وهو حسن بن مسلم راويه عن طاوس، عن ابن عباس، ووقع في "صحيح البخاريّ" على الصواب، من رواية إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق: "لا يَدري حسنٌ من هي؟ ".
قال النوويّ ﵀: ويَحْتَمِلُ تصحيح "حينئذ"، ويكون معناه: لكثرة النساء، واشتمالهنّ ثيابَهُنَّ لا يدرى من هي؟. انتهى (^٣).
وقد تعقّب الحافظ تصحيح النووي المذكور، فقال بعد ذكر كلامه: لكن اتّحاد المخرج دالّ على ترجيح رواية الجماعة، ولا سيما وجودُ هذا الموضع في "مصنَّف عبد الرزاق" الذي أخرجه مسلم من طريقه كالبخاريّ موافقًا لرواية الجماعة، والفرق بين الروايتين أن في رواية الجماعة تعيين الذي لم يدر مَنِ المرأة؟، بخلاف رواية مسلم.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٦/ ٤٣٥.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٠٤.
(٣) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٢.
[ ١٧ / ٤١٧ ]
قال: ولم أقف على تسمية هذه المرأة إلا أنه يَختلج في خاطري أنها أسماء بنت يزيد بن السَّكَن التي تُعْرَف بخطيبة النساء، فإنها رَوَت أصل هذه القصة في حديث أخرجه البيهقيّ، والطبرانيّ، وغيرهما، من طريق شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد، أن رسول الله -ﷺ- خرج إلى النساء، وأنا معهنّ، فقال: "يا معشر النساء، إنكن أكثر حَطَبُ جهنّم"، فناديت رسول الله -ﷺ-، وكنت عليه جَرِيئة: لِمَ يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تُكْثِرن اللعن، وتَكْفُرن العشير … " الحديث، فلا يبعد أن تكون هي التي أجابته أوّلًا بـ "نعم"، فإن القصّة واحدة، فلعل بعض الرواة ذَكَر ما لم يذكره الآخر، كما في نظائره، والله أعلم.
وقد رَوَى الطبراني من وجه آخر، عن أم سلمة الأنصارية، وهي أسماء المذكورة، أنها كانت في النسوة اللاتي أَخَذَ عليهنّ رسول الله -ﷺ- ما أخذ … الحديث.
ولابن سعد من حديثها: أَخَذ علينا رسول الله -ﷺ- أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، الآية. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١)، وهو بحث مفيدٌ، وتعقّبه العينيّ على عادته المستمرّة، أعرضت عن ذكره؛ لكونه مجرّد تحامل، فتنبّه.
(قَالَ) -ﷺ- ("فَتَصَدَّقْنَ") قال العينيّ ﵀: هذه صيغة أمر، أَمَرَهُنّ -ﷺ- بالصدقة، وهذه الصيغة تشترك فيها جماعة النساء من الماضي، ومن الأمر لهنّ، ويُفَرَّق بينهما بالقرينة.
[فإن قلت]: ما هذه الفاء فيها؟.
[قلت]: يجوز أن تكون للجواب لشرط محذوف، تقديره: إن كنتنّ على ذلكِ، فتصدقن، ويجوز أن تكون للسببية. انتهى كلام العينيّ ﵀ (^٢)، وهو بحث نفيسٌ.
وقال الحافظ ﵀: قوله: قال: "فتصدقن" هو فعل أمر لهنّ بالصدقة، والفاء سببية، أو داخلة على جواب شرط محذوف، تقديره: إن كنتن على ذلك فتصدقن، ومناسبته للآية من قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢]،
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣٠٤.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ٤٣٦.
[ ١٧ / ٤١٨ ]
فإن ذلك من جملة المعروف الذي أُمِرْنَ به. انتهى (^١).
(فَبَسَطَ بِلَالٌ) -﵁- (ثَوْبَهُ) أي: ليجمع صدقات النساء (ثُمَّ قَالَ) بلال -﵁- (هَلُمَّ) هذا على اللغة الفصحى في التعبير بها للمفرد والجمع، قال في "الفتح"؛ أي: أحضرن الصدقات، وادفعنها إليّ.
وقال في "العمدة": لفظ "هَلُمّ" من أسماء الأفعال المتعدية، نحو هَلُمّ زيدًا؛ أي: هاته، وقَرِّبه، وهو مركب من الهاء، ولُمَّ، من لممت الشيء جمعته، وششوي فيه الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث، تقول: هَلُمّ يا رجل، هلم يا رجلان، هلم يا رجال، هلم يا امرأةُ، هلم يا امرأتان، هلم يا نسوة، هذه لغة أهل الحجاز، وأما بنو تميم، فيقولون: هَلُمَّ، هَلُمّا، هَلُمّوا، هَلُمِّي، هَلُمّا، هَلْمُمْن والأولى أفصح، ويجيء لازمًا أيضًا، قال تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. انتهى (^٢).
(فدًى) بكسر الفاء والقصر (لَكُنَّ) بضم الكاف وتشديد النون؛ لأنه خطاب للنساء، فقوله: "فدى" مرفوعٌ على أنه خبر لقوله: (أَبِي وَأُمِّي) والتقدير: أبي وأمي مَفْدِيّان لَكُنّ.
قوله: "لكُنَّ" بضم الكاف وتشديد النون.
وقال في "العمدة": "فداء": إذا كُسِر الفاء يُمَدُّ ويُقْصَرُ، وإذا فُتِح فهو مقصور، والفداء: فِكاكُ الأسير، يقال: فداه يَفْديه فِداءً، وفَدىً، وفاداه يفاديه مُفاداةً: إذا أعطى فِداءه، وأنقذه، وفداه بنفسه، وفدّاه: إذا قال له: جُعِلتُ فداك، وقيل: المفاداة أن يُفْتَكّ الأسير بأسير مثله. انتهى (^٣).
(فَجَعَلْنَ) أي: شرع النساء (يُلْقِينَ) بضم الياء، من الإلقاء، وهو الرمي؛ أي: يرمين (الْفَتَخَ) منصوب على المفعولية لـ"يُلقين" (وَالْخَوَاتِمَ) منصوب بالعطف على سابقه.
قال النوويّ ﵀: "الفتخ": بفتح الفاء والتاء المثناة فوقُ، وبالخاء المعجمة، واحدها فتَخَةٌ، كقَصَبَة وقَصَب، واختُلِف في تفسيرها، ففي "صحيح
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٣٠٤.
(٢) "عمدة القاري" ٦/ ٤٣٦.
(٣) "عمدة القاري" ٦/ ٤٣٦.
[ ١٧ / ٤١٩ ]
البخاري"، عن عبد الرزاق قال: هي الخواتيم العظام، وقال الأصمعيّ: هي خواتيم لا فُصُوص لها، وقال ابن السّكِّيت خواتيم تُلْبس في أصابع اليد، وقال ثعلب: وقد يكون في أصابع الواحد من الرجال، وقال ابن دُريد: وقد يكون لها فُصوص، وتجمع أيضًا فَتَخَاتٍ وأَفْتاخٍ.
و"الخواتيم": جمع خاتم، وفيه أربع لغات: فتح التاء، وكسرها، وخاتام، وخيتام. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في "شرح المقدّمة" عند قوله: "وصلّى الله على محمد خاتم النبيين"، أن للخاتم نحو تسع لغات، واستوفيتها نثرًا ونظمًا، فارجع إليه تستفد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
وقال في "الفتح" بعد ذكر تفسير عبد الرزّاق، ما حاصله: ولكن لم يذكر عبد الرزّاق في أيّ شيء كانت تُلْبَس، وقد ذكر ثعلب أنهن كُنّ يلبسنها في أصابع الأرجل، ولهذا عطف عليها "الخواتيم"؛ لأنها عند الإطلاق تنصرف إلى ما يُلْبَس في الأيدي.
وحُكِي عن الأصمعيّ أن الفتخ الخواتيم التي لا فُصوص لها، فعلى هذا هو من عطف الأعمّ على الأخصّ. انتهى (^٢).
[تنبيه]: ذكر في "الفتح" هنا، ما نصّه: وقد وقع في بعض طرقه عند مسلم هنا ذكر الخلاخيل. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي عزاه إلى مسلم من ذكر الخلاخيل، لم أجده هنا فيما لديّ من النسخ، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
وقوله (فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) متعلّق بـ "يُلقين"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٣.
(٢) "الفتح" ٣/ ٣٠٥.
(٣) "الفتح" ٣/ ٣٠٥.
[ ١٧ / ٤٢٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٤٤ و٢٠٤٥ و٢٠٤٦] (٨٨٤)، و(البخاريّ) (٩٨ و٨٦٣ و٩٦٢ و٩٦٤ و٩٧٥ و٩٧٧ و٩٨٩ و١٤٤٩ و٤٨٩٥ و٥٢٤٩ و٥٨٨٠ و٥٨٨٣ و٧٣٢٥)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٢)، و(ابن ماجه) في إقامة "الصلاة" (٢٧٣)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٢٧٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و٢٨٥ و٣٣١ و٣٤٥ و٣٤٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٤٥٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٥٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٨٦ و١٩٨٧ و١٩٨٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٢٩٧)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٤/ ٣٥٢) و"مشكل الآثار" (١٥/ ١٨٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): مشروعيّة صلاة العيدين، قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعًا، وقد تواتر بها النقل الذي يَقطَع العذرَ، وُيغني عن أخبار الآحاد، وإن كان هذا الحديث من آحاد ما يدُلّ عليها، وقد كان للجاهلية يومان مُعَدّان للَّعِب، فأبدل الله المسلمين منهما هذين اليومين اللذين يَظْهَر فيهما تكبيرُ الله، وتحميده، وتمجيده، وتوحيده، ظهورًا شائعًا، يُغِيظ المشركين، وقيل: إنهما يقعان شكرًا على ما أنعم الله به من أداء العبادات التي في وقتهما، فعيد الفطر شكرًا لله تعالى على إتمام صوم شهر رمضان، وعيد الأضحى شكرًا على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): أنه دليل لمذهب العلماء كافّةً أن خطبة العيد بعد الصلاة، قال القاضي عياض ﵀: هذا هو المتّفَهق عليه من مذاهب علماء الأمصار، وأئمة الفتوى، ولا خلاف بين أئمتهم فيه، وهو فعل النبيّ -ﷺ-، والخلفاء الراشدين بعده، إلا ما رُوي أن عثمان في شطر خلافته الأخير قَدَّم الخطبة؛
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.
[ ١٧ / ٤٢١ ]
لأنه رأى من الناس مَن تفوته الصلاة، ورُوي مثله عن عمر، وليس بصحيح، وقيل: إن أول مَن قدَّمها معاوية، وقيل: مروان بالمدينة في خلافة معاوية، وقيل: زيادٌ بالبصرة في خلافة معاوية، وقيل: فعله ابن الزبير في آخر أيامه، ذكره النوويّ ﵀.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: قد ثبت أن الصلاة مقدمة على الخطبة في صلاة العيد، وهذا الحديث يدل عليه، وقيل: إن بني أمية غَيَّروا ذلك، وجميع ما له خُطَبٌ من الصلوات، فالصلاة مقدَّمة إلا الجمعة، وخطبة يوم عرفة، وقد فُرِّق بين صلاة العيد والجمعة بوجهين:
[أحدهما]: أن صلاة الجمعة فرض عين، ينتابها الناس من خارج المصر، ويدخل وقتها بعد انتشارهم في أشغالهم، وتصرفاتهم في أمور الدنيا، فقُدِّمت الخطبة فيها، حتى يتلاحق الناس، ولا يفوتهم الفرض، لا سيما فرض لا يُقْضَى على وجهه، وهذا معدوم في صلاة العيد.
[الثاني]: أن صلاة الجمعة هي صلاة الظهر حقيقةً، وإنما قُصِرت بشرائط، منها الخطبتان، والشرط لا يتأخر، وتتعذر مقارنة هذا الشرط للمشروط الذي هو الصلاة، فلزم تقديمه، وليس هذا المعنى في صلاة العيد؛ إذ ليست مقصورة عن شيء آخر بشرط، حتى يلزم تقديم ذلك الشرط. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان استحباب وعظ النساء، وتذكيرهنّ الآخرة، وأحكام الإسلام، وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، ويستحب حثُّهنّ على الصدقة، وتخصيصهنّ بذلك في مجلس منفرد، قال النوويّ: وهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدةٌ، وخوفٌ على الواعظ، أو الموعوظ، أو غيرهما.
٤ - (ومنها): أن النساء إذا حضرن صلاة الرجال، ومجامعهم يكُنّ بِمَعْزِل عنهم؛ خوفًا من فتنة، أو نظرة، أو فكر ونحوه.
٥ - (ومنها): أن صدقة التطوع لا تفتقر إلى إيجاب وقبول، بل تكفي فيها المعاطاة؛ لأنهن ألقين الصدقة في ثوب بلال من غير كلام منهنّ، ولا من
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٢٤ - ١٢٥.
[ ١٧ / ٤٢٢ ]
بلال، ولا من غيره، قال النوويّ: وهذا هو الصحيح في مذهبنا، وقال أكثر أصحابنا العراقيين: تفتقر إلى إيجاب وقبول باللفظ؛ كالهبة، والصحيح الأول، وبه جزم المحققون. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: اشتراط التلفّظ بالإيجاب والقبول في المعاملات؛ كالبيع والشراء فيه، والهبة والنكاح مما لا دليل عليه، والحقّ عدم الاشتراط، وقد حقّقته في "كتاب النكاح" من "شرح النسائيّ" فراجعه، تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٦ - (ومنها): جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقف ذلك على ثُلُث مالها، قال النوويّ: هذا مذهبنا، ومذهب الجمهور، وقال مالك: لا يجوز الزيادة على ثلث مالها إلا برضاء زوجها، ودليلنا من الحديث أن النبيّ -ﷺ- لم يسألهنّ، استأذنّ أزواجهنّ في ذلك أم لا؟، وهل هو خارج من الثلث أم لا؟، ولو اختلف الحكم بذلك لسأل، وأشار القاضي إلى الجواب عن مذهبهم بأن الغالب حضور أزواجهنّ، فتركهم الإنكار يكون رضاء بفعلهنّ، وهذا الجواب ضعيف، أو باطلٌ؛ لأنهنّ كنّ معتزلات، لا يعلم الرجال مَنِ المتصدقة منهنّ من غيرها؟ ولا قدر ما تتصدق به، ولو علموا فسكوتهم ليس إذنًا. انتهى كلام النوويّ ﵀.
وعبارة "الفتح": واستُدِلّ به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها، أو على مقدار معين من مالها؛ كالثلث، خلافًا لبعض المالكية، ووجه الدلالة من القصّة ترك الاستفصال عن ذلك كلّه، قال القرطبيّ: ولا يقال في هذا: إن أزواجهن كانوا حُضُورًا؛ لأن ذلك لم يُنْقَل، ولو نُقِل فليس فيه تسليم أزواجهنّ لهنّ ذلك؛ لأن مَن ثبت له الحقّ فالأصل بقاؤه حتى يُصَرِّح بإسقاطه، ولم يُنقل أن القوم صَرَّحُوا بذلك. انتهى. وأما كونه من الثلث فما دونه، فإن ثبت أنهنّ لا يجوز لهنّ التصرف فيما زاد على الثلث لم يكن في هذه القصة ما يدلّ على جواز الزيادة. انتهى.
وقال في "العمدة": [أفإن قلت]: احتجّ مالك ومن تبعه في ذلك بما خرّجه أبو داود، من حديث موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن
[ ١٧ / ٤٢٣ ]
رسول الله -ﷺ- قال: "لا يجوز لامرأة أمرٌ في مالها إذا ملك زوجها عصمتها".
وبما خرّجه النسائيّ، وابن ماجه، من حديث أبي كامل، عن خالد؛ يعني: ابن الحارث، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا يحل لامرأة عطية إلَّا بإذن زوجها".
قال البيهقيّ: الطريق إلى عمرو بن شعيب صحيح، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب، لزمه إثباته.
والجواب عنه من أوجه:
(أحدها): معارضته بالأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه، فقُدِّمت عليه، وقد يقال: إنه واقعة حال، فيمكن حملها على أنها كانت قدر الثلث.
(الثاني): على تسليم الصحة إنه محمول على الأولى والأدب، ذكره الشافعيّ في "البويطيّ"، قال: وقد أَعْتَقَت ميمونة -﵂-، فلم يَعِبِ النبيّ -ﷺ- عليها، وكما يقال: ليس لها أن تصوم وزوجها حاضر، إلَّا بإذنه، فإن فَعَلت فصومها جائز، ومثله إن خرجت بغير إذنه، فباعت، فهو جائز.
(الثالث): الطعن فيه، قال الشافعيّ: هذا الحديث سمعناه، وليس بثابت، فيلزَمَنا أن نقول به، والقرآن يدل على خلافه، ثم الأمر، ثم المنقول، ثم المعقول.
قيل: أراد بالقرآن قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الآية [النساء: ٦]، ولم يفرّق، فدلَّت هذه الآيات على نفوذ تصرفها في مالها دون إذن زوجها.
وقال -ﷺ- لزوجة الزبير -﵄-: "ارضَخِي، ولا تُوعي، فيوعيَ اللهُ عليك"، متّفَقٌ عليه، وقال: "يا نساء المسلمات لا تَحْقِرَنّ جارة لجارتها، ولو فِرْسِن شاة"، واختلدت مولاة لصفية بنت أبي عبيد من زوجها من كل شيء، فلم يُنكر ذلك ابن عمر -﵄-.
[ ١٧ / ٤٢٤ ]
وقد طَعَنَ ابن حزم في حديث عمرو بن شعيب، بأن قال: صحيفة منقطعة، وقد علمتَ أن شعيبًا صَرَّح بعبد الله بن عمرو، فلا انقطاع.
وقد أخرجه الحاكم من حديث حماد بن سلمة، عن داود بن أبي هند، وحبيب المعلِّم، عن عمرو به، ثم قال: صحيح الإسناد.
ثم ذكر ابن حزم من حديث ابن عمر -﵄- سئل رسول الله -ﷺ-: وما حقّ الزوج على زوجته؟ قال: "لا تصدق إلَّا بإذنه، فمان فعلت كان له الأجر، وعليها الوزر".
ثم قال: هذا خبرها لكٌ؛ لأن فيه موسى بن أعين، وهو مجهول، وليث بن أبي سُليم، وليس بالقويّ، وهو غريب منه، فإن موسى بن أعين رَوَى عن جماعة، وعنه جماعة، واحتج به الشيخان، ووثقه أبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي.
نعم فيه الحسن بن عبد الغفار، وهو مجهول، وليته أعلّه به.
ثم ذكر حديث إسماعيل بن عياش، عن شُرَحبيل بن مسلم الخولانيّ، عن أبي أمامة، رفعه: "لا تنفق المرأة شيئًا من بيت زوجها إلَّا بإذنه"، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: "ذلك أفضل أموالنا".
ثم قال: إسماعيل ضعيف، وشُرَحبيل مجهول، لا يُدْرَى من هو؟.
وهذا عجيب منه، فإسماعيل حجة فيما يروي عن الشاميين، وشُرَحبيل شاميّ، وحاشاه من الجهالة، روى عنه جماعة، قال أحمد: هو من ثقات الشاميين، نعم ضعفه ابن معين، وقد أخرجه ابن ماجه، والترمذيّ، وقال: حسنٌ.
(الرابع): من أوجه الجواب ما قيل: إن المراد من مال زوجها، لا من مالها، وفيه نظرٌ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أنّ الأرجح في هذه المسألة هو الذي ذهب إليه الجمهور من جواز صدقة المرأة من مالها دون استئذان زوجها، ولا يقدّر ذلك بثلث ولا غيره؛ لقوّة الأدلّة على ذلك، وأما الأحاديث
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٢٤.
[ ١٧ / ٤٢٥ ]
التي أورودها فلا تعارض أدلّة الجواز؛ لإمكان حملها على أن الأولى والأحسن لها أن تستأذن زوجها؛ تطييبًا لخاطره، وإدخالًا للمسرّة عليه، وهذا الحمل أولى؛ للجمع بين الأحاديث، فتأمّل، والله تعالى أعلم بالصواب.
٧ - (ومنها): مشروعيّة خروج النساء إلى المصلَّى.
٨ - (ومنها): جواز التفدية بالأب والأمِّ، وملاطفة العامل على الصدقة بمن يدفعها إليه.
٩ - (ومنها): بيان أن الصدقة من دوافع العذاب؛ لأنه -ﷺ- أمرهنّ بالصدقة، ثم عَلَّل بانهنّ أكثر أهل النار؛ لما يقع منهنّ من كفران النعم، وغير ذلك.
١٠ - (ومنها): أن فيه بذلَ النصيحة، والإغلاظ بها لمن احتيج في حقّه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يُحتاج إليه؛ لتلاوة آية الممتحنة؛ لكونها خاصّة بالنساء.
١١ - (ومنها): جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج.
قال في "الفتح": وأَخَذَ منه الصوفية جواز ما اصطلحوا عليه من الطلب، ولا يخفى ما يُشترط فيه من أن المطلوب له أيكون غير قادر على التكسب مطلقًا، أو لما لا بُدّ له منه؟. انتهى.
١٢ - (ومنها): أن في مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يَعِزّ عليهنّ من حليهنّ مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالةً على رفيع مقامهنّ في الدين، وحرصهنّ على امتثال أمر الرسول -ﷺ-، ورضي الله عنهنّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم صلاة العيدين:
(اعلم): أنهم اختلفوا في حُكمها، فقال الشافعيّ، وجمهور أصحابه، وجماهير العلماء: سنة مؤكّدة، وقال أبو سعيد الإصطخريّ من الشافعية: هي فرض كفاية، وقال أبو حنيفة: هي واجبة، فإذا قلنا: فرض كفاية، فامتنع أهل موضع من إقامتها قوتلوا عليها، كسائر فروض الكفاية، وإذا قلنا: إنها سنة لم
[ ١٧ / ٤٢٦ ]
يقاتلوا بتركها، كسنة الظهر، وغيرها، وقيل: يقاتلون؛ لأنها شعار ظاهر، قاله النووي في "شرح مسلم".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الجمهور من أنها سنة مؤكّدة هو الراجح؛ لحديث طلحة بن عبيد الله -﵁- عند الشيخين وغيرهما: أن رجلًا جاء إلى النبيّ -ﷺ-، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: "لا، إلا أن تطّوّع".
وحديث معاذ -﵁- المشهور، فقد أخرج الشيخان وغيرهما، عن ابن عباس -﵄-، أن النبيّ -ﷺ- بعث معاذًا -﵁- إلى اليمن، فقال: "ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم".
ففي هذين الحديثين دلالة ظاهرة على أن صلاة العيد تطوع غير فريضة، والله تعالى أعلم. واتفقوا على أن أوّل عيدٍ صلّاهُ النبيّ -ﷺ- عيدَ الفطر في السنة الثانية من الهجرة، وهي التي فُرِض رمضان في شعبانها، ثم داوم عليه -ﷺ- إلى أن توفّاه الله تعالى، وقيل: شُرع عيد الأضحى أيضًا في السنة الثانية من الهجرة (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٥] (…) - (وَحَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ- لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَهتَاهُنَّ، فَذَكَرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْخَاتَمَ، وَالْخُرْصَ، وَالشَّيْءَ).
_________________
(١) راجع: "المرعاة" ٥/ ٢١ - ٢٢.
[ ١٧ / ٤٢٧ ]
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، نزيل مكة، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجّةٌ، فقيهٌ عابدٌ [٥] (١٣١) عن (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رَبَاح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ، كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
و"ابن عبّاس" ذُكر قبله.
وقوله: (لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ) بفتح اللامين، اللام الأولى جواب قسم محذوف، يتضمنه لفظ "أشهد"؛ لأنه كثيرًا مّا يُستعْمَل في معنى القسم، تقديره: والله لقد صلى، ومعناه: أحلف بالله على أن رسول الله -ﷺ- صلى صلاة العيد قبل الخطبة.
وقوله: (فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) "رأى" هنا بمعنى "ظنّ"، وقد صُرّح به في رواية البخاريّ، ولفظه: "فظنّ أنه لم يُسمع النساء"، وفيه دليلٌ على أن على الإمام افتقادَ رعيته، وتعليمهم، ووعظهم.
وقوله: (فَذَكَّرَهُنَّ، وَوَعَظَهُنَّ).
وقوله: (وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ) هي ما تُبْذَل من المال؛ لثواب الآخرة، وهي تتناول الفريضة والتطوع، لكن الظاهر أن المراد بها هنا هو الثاني، قاله في "العمدة" (^١).
(وَبِلَالٌ قَائِلٌ بِثَوْبِهِ) قال النوويّ ﵀: "قائل" بهمزة قبل اللام، يكتب بالياء؛ أي: فاتحًا ثوبه للأخذ فيه، وفي الرواية الأخرى: "وبلال باسط ثوبه":
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢/ ١٢٣.
[ ١٧ / ٤٢٨ ]
معناه أنه بسطه ليجمع الصدقة فيه، ثم يُفَرِّقها النبيّ -ﷺ- على المحتاجين، كما كانت عادته -ﷺ- في الصدقات المتطوع بها والزكوات، وفيه دليلٌ على أن الصدقات العامّة أنما يَصْرِفها في مصارفها الإمام. انتهى (^١).
وقوله: (فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ) "جعلت" من أفعال المقاربة، وهي مثل "كاد" في الاستعمال، تَرْفَع الاسم، وخبرهُ الفعل المضارع بغير "أن"، وهو متأوَّل باسم الفاعل، فتقديره هنا: فجعلت المرأة ملقيةً الخاتم … إلخ.
وقوله: (وَالْخُرْصَ) بضمّ الخاء المعجمة، وكسرها، وسكون الراء: الحلَقة الصغيرة، من الْحَلْيِ، وهو من حوْليِ الأُذُن، قاله ابن الأثير ﵀ (^٢).
وقال في "القاموس": و"الخرص" بالضمّ، ويُكسر: حَلَقَة الذهب والفضّة، أو حَلَقة الْقُرْط، أو الحلَقَةُ الصغيرة من الْحُلِيّ، جمعه خِرْصَان. انتهى (^٣).
وقوله: (وَالشَّيْءَ) من عطف العامّ على الخاصّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٦] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (ح) وحَدَّثَني يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ) هو: يعقوب بن إبراهيم البغداديّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٥/ ٢٠٩.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٢) راجع: "النهاية" ٢/ ٢٢.
(٣) "القاموس المحيط" ٢/ ٣٠٠.
[ ١٧ / ٤٢٩ ]
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة، تقدّم قريبًا.
٤ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم قريبًا أيضًا.
و"أيوب" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية حمّاد بن زبد، عن أيوب هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى" (٦/ ٦٠) فقال:
(١١١١١) وحدّثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت عطاء قال: سمعت ابن عباس يقول: أشهد على رسول الله -ﷺ-، أو قال عطاء: أشهد على ابن عباس، أنه قال: إن رسول الله -ﷺ- خطب بعد الصلاة في يوم عيد، ثم أَتَى النساء، وظَنّ أنه لم يُسمعهنّ، وبلال معه، فوعظهنّ، وأمرهنّ بالصدقة، فجعلت المرأة تُلقي الخاتم، والقرط، وبلال يأخذ في ناحية ثوبه. انتهى.
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، فقد ساقها البخاريّ ﵀، فقال:
(١٤٤٩) حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا إسماعيل، عن أيوب، عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال ابن عباس -﵄-: أشهد على رسول الله -ﷺ- لصلى قبل الخطبة، فرأى أنه لم يسمع النساء، فأتاهنّ، ومعه بلال، ناشر ثوبه، فوعظهنّ، وأمرهنّ أن يتصدقن، فجعلت المرأة تُلقي، وأشار أيوب إلى أذنه، وإلى حلقه. انتهى.
وقوله: "وأشار أيوب" هوأيوب السختيانيّ المذكور في السند، "إلى أذنه" أي: إلى ما في أذنه، وأراد به الحلق، والقُرْط، وإلى ما في حلقه، وأراد به القلادة (^١).
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تمام شرحه، ومسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٧] (٨٨٥) - (وَحَدَّثنَا (^٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٩/ ٩.
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٧ / ٤٣٠ ]
ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي (^١) عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ- نَزَلَ، وَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ، وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ، يُلْقِينَ النِّسَاءُ صَدَقَةً (^٢)، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ صَدَقَةً يَتَصَدَّقْنَ بِهَا حِينَئِذٍ، تُلْقِي الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا، وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ، قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ، فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ (^٣)، وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٢ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) -﵄-، تقدّم قريبًا أيضًا.
والباقون ذُكروا في الباب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: قال عطاء: سمعت جابر بن عبد الله -﵄- (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ) وفي الرواية التالية: "قال: شهِدت مع رسول الله -ﷺ- الصلاة يوم العيد" (فَصَلَّى) أي: أراد أن يصلي (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدّم الكلام عليه مستوفى في شرح حديث ابن عبّاس -﵄- (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، فَلَمَّا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ -ﷺ-) أي: من خطبته (نَزَلَ) أي: من منبره (وَأتى النِّسَاءَ) أي: إلى صفوفهنّ (فَذَكَّرَهُنَّ) من التذكير، وهو الوعظ (وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى يَدِ بِلَالٍ) التوكّؤ على العصا هو التحمّل عليها، والمراد أنه كان معتمدًا على يد بلال -﵁-، كما تفيده رواية "صحيح البخاري"، قاله السنديّ ﵀، والجملة في محلّ نصب
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٢) وفي نسخة: "الصدقة".
(٣) وفي نسخة: "يحقّ عليهم".
[ ١٧ / ٤٣١ ]
على الحال من الفاعل (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ) أي: ليأخذ الصدقة، والجملة حال أيضًا (يُلْقِينَ النِّسَاءُ) هكذا هو في النسخ: "يُلقين النساءُ"، وهو جائز على لغة "أكلوني البراغيث"، وسمّاها ابن مالك - ﵀ - لغة "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار"، وإليها أسْار في "الخلاصة" بقوله:
وَقَدْ يُقَالُ سَعِدَا وَسَعِدُوُا … وَالْفِعْلُ لِلظَّاهِر بَعْدُ مُسْنَدُ
وقوله: (صَدَقَةً) منصوب على المفعوليّة، وفي نسخة: "الصدقة"، قال ابن جُريج (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: زَكَاةَ يَوْمِ الْفِطْرِ؟) بنصب "زكاةَ" بفعل مقدّر دلّ عليه قوله: "يُلقين" (قَالَ) عطاء (لَا) أي: ليس هذا المدفوع زكاة الفطر (وَلَكِنْ) بتخفيف النون حرف استدراك (صَدَقَةً) بالنصب مفعولًا لمقدّر؛ أي: يُلقين صدقةً، ويَحْتملٍ الرفع خبرًا لمحذوف؛ أي: هي صدقةٌ، وقوله: (يَتَصَدَّقْنَ بِهَا) صفة لـ"صدقةً"، وقوله: (حِينَئِذٍ) ظرف لـ"يتصدّقن"؛ أي: يتصدّقن في ذلك الوقت (تُلْقِي) بضمّ أوله، من الإلقاء (الْمَرْأَةُ فَتَخَهَا) بفتحات: هي الخواتيم العظام، أو هي التي لا فصوص لها، كما تقدّم بيانه، وقوله: (وَيُلْقِينَ، وَيُلْقِينَ) هكذا هو في النسخ مكررٌ، وهو صحيحٌ، ومعناه: ويلقين كذا، ويلقين كذا، كما ذكره في باقي الروايات، قال ابن جريج: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَحَقًّا) هكذا بالنصب، وهو مفعول لفعل مقدّر؛ أي: أتراه حقًّا (عَلَى الْإِمَامِ الْآنَ) أي: في الوقت الحاضر، والمراد بعد موت النبيّ -ﷺ- (أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ، حِينَ يَفْرُغُ) أي: من خطبته (فَيُذَكِّرَهُنَّ؟ قَالَ) عطاء (إِي) بكسر الهمزة، وسكون الياء التحتانيّة بمعنى نعم، قال ابن هشام الأنصاريّ ﵀: "إِيْ" بالكسر والسكون: حرف جواب بمعنى "نَعَم"، فيكون لتصديق المخبِر، ولإعلام المستخبِر، ولوعد الطالب، فتقع بعد قام زيد، وهل قام زيد؟، واضرب زيدًا، ونحوهنّ، كما تقع "نعم" بعدهنّ، وزعم ابن الحاجب أنها إنما تقع بعد الاستفهام، نحو قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ولا تقع عند الجميع الا قبل القسم، وإذا قيل: إِيْ والله، ثم أسقطت الواو جاز سكون الياء وفتحها وحذفها، وعلى الأول، فيلتقي ساكنان على غير حدِّهما. انتهى (^١).
_________________
(١) "مغني اللبيب" ١/ ١٠٥ - ١٠٦.
[ ١٧ / ٤٣٢ ]
وقوله: (لَعَمْرِي) قال في "القاموس": الْعَمْرُ بالفتح، وبالضمّ، وبضمّتين: الحياةُ، جمعه أَعمارٌ. انتهى (^١).
وقال في "النهاية": الْعَمْرُ بالفتح الْعُمْرُ، ولا يُستعمل في القسم إلا المفتوح. انتهى (^٢).
وقال في "المصباح": وَعَمِرَ يَعْمَرُ، من باب تَعِبَ عَمْرًا بفتح العين وضمّها: طال عُمْر، فهو عامر، ويتعدّى بالحركة والتضعيف، فيقال: عَمَرَهُ الله يَعْمُرُهُ، من باب قَتَلَ، وعَمَّره تعميرًا؛ أي: أطال عُمْره، وتدخل لام القسم على المصدر المفتوح، فتقول: لَعَمْرُك لأفعلنّ، والمعنى: وحياتِكَ وبقائك. انتهى (^٣).
فتبيّن بما ذُكر أن ما هنا بفتح العين المهملة، وسكون الميم.
[فإن قلت]: كيف يحلف بحياته، والحلف بغير الله ممنوعٌ؟.
[قلت]: الظاهر أنه ما أراد الحلف هنا، إنما هو مجرّد تأكيد الكلام، كما يقال: تربت يمينه، وحلقى، وعقرى، مما لا يُراد به حقيقته، والله تعالى أعلم.
(إِنَّ ذَلِكَ لَحَقّ عَلَيْهِمْ) أي: إنه من الأمور الثابتة شرعًا على الأئمة، وفي نسخة: "يَحِقّ عليهم" (وَمَا لَهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيُّ شيء منعهم من فعله؟، والاستفهام للإنكار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٤٧ و٢٠٤٨] (٨٨٥)، و(البخاريّ) في "العيدين" (٩٥٨ و٩٧٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤١)، و(النسائيّ) في
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٢/ ٩٥.
(٢) "النهاية" ٣/ ٢٩٨.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٢٩.
[ ١٧ / ٤٣٣ ]
"العيدين" (١٥٧٥) وفي "الكبرى" (١٧٨٤ و١٥٦٢ و١٧٦٢ و١٧٦٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٢٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و٣/ ٢٩٦ و٣١٤ و٣١٨ و٣٨١ و٣٨٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (١٦١٠ و١٦١٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٨٩ و١٩٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٥)، وبقيّة المسائل تقدّمت في شرح حديث ابن عبّاس -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ يَوْمَ الْعِيدِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ، ثُمَّ قَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى بِلَالٍ، فَأَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ، وَحَثَّ عَلَى طَاعَتِهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ، وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ حَطَبُ جَهَنَّمَ"، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ، مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ، سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ، فَقَالَتْ: لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاةَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ"، قَالَ: فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ في ثَوْبِ بِلَالٍ، مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ، وَخَوَاتِمِهِنَّ) (^١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ) ميسرة الْعَرْزَميّ الكوفيّ، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٥) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "وخواتيمهنّ".
[ ١٧ / ٤٣٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) -﵄- أنه (قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ) منصوب على المفعوليّة و"شهِدت"، وقوله: (يَوْمَ الْعِيدِ) منصوب على الظرفيّة له (فَبَدَأَ) بالهمزة؛ لأنه بمعنى ابتدأ، وأما بدا بمعنى ظهر، فغير مهموز، ولا يناسب هنا (بالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) فيه تقديم الصلاة على الخطبة، فلو بدأ بالخطبة، فقد أسَاء، قال ابن الملقّن: وفي احتسابها احتمال لإمام الحرمين. انتهى. (بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ) فيه عدم الأذان والإقامة لصلاة العيد، وهو مجمع عليه اليوم، وهو المعروف من فعل النبيّ -ﷺ-، وخلفائه الراشدين، ونُقل عن بعض السلف فيه شيء خلاف إجماع من قبله ومن بعده، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب التالي -إن شاء الله تعالى- (ثُمَّ قَامَ) -ﷺ- (مُتَوَكِّئًا عَلَى بلَالٍ) التوكّؤ: التحامل، والمراد هنا: الميل في قيامه متحاملًا على بلال -﵁-، فيؤخذ منه القيام في الخطبة، والتوكؤ على شيء، ولو على آدميّ، ولا يتعيّن القوس والعصا، كما قاله الفقهاء، وجواز استعانة العالم بمن يخدُمُهُ (^١). (فَاَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ) "التقوى" أصلها وَقْوَى؛ لأنها من وَقَى يَقِي، فأُبدلت الواو تاءً كما ابدلت في تُراب، وتُخمة، والأصل وُرابٌ، ووُخمة، فكأن المتّقي يجعل بينه وبين النار وِقَايةً، قالوا: هي عبارة عن امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه (وَحَثَّ) أي: حرّض وحرص (عَلَى طَاعَتِهِ) هي الانقياد للأوامر، وأصلها طوعة؛ لأنها من طاع يطوع: إذا انقاد، فقُلبت الواو ألفًا؛ لتحرّكها وانفتاح ما قبلها، والحثّ على الطاعة يكون بأمرين: الأول بالترغيب في الجزاء عليها، والثاني بالترهيب من تركها بفوات ثوابها، وترتّب العقاب عليه (وَوَعَظَ النَّاسَ) الوعظ: هو الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] أي: تأمرون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة﴾ [سبأ: ٤٦]؛ أي: آمركم، وهو النصح أيضًا، والتذكير بالعواقب (وَذَكَّرَهُمْ) التذكير يكون بالنعم، ودفع النقم، واستحقاق الله ﷾ الطاعةَ والتنزيهَ، والتحميدَ، والتوحيدَ، والشكرَ على ذلك كلّه، وعلى التوفيق له.
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٢٦.
[ ١٧ / ٤٣٥ ]
قال ابن دقيق العيد ﵀: وهذه المقاصد التي ذَكَرَها الراوي من الأمر بتقوى الله، والحثّ على طاعته، والموعظة، والتذكير، هي مقاصد الخطبة، وقد عَدَّ بعض الفقهاء من أركان الخطبة الواجبة الأمرَ بتقوى الله، وبعضهم جَعَل الواجب ما يسمى خطبة عند العرب، وما يتأدى به الواجب في الخطبة الواجبة تتأدى به السنة في الخطبة المسنونة. انتهى (^١).
(ثُمَّ مَضَى) النبيّ -ﷺ- (حَتَّى أَتَى النِّسَاءَ) هذا ظاهر في أن إتيانه -ﷺ- إلى النساء كان بعد فراغه من الخطبة، لا في أثنائها، كما زعم ذلك القاضي عياض، وقد تقدّم تعقّبه (فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، فَإِنَّ أَكْثَرَكُنَّ) أي: أكثر جنس النساء، لا أكثر المخاطبات (حَطَبُ جَهَنَّمَ") أي: وقودها، قال في "القاموس": الْحَطَبُ محرّكةً: ما أُعدّ من الشجر شَبُوبًا، وقال أيضًا: الشَّبُوب -أي بالفتح-: ما تُوقَد به النار. انتهى. (فَقَامَتِ امْرَأَةٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفها (^٢). (مِنْ سِطَةِ النِّسَاءِ) بكسر السين المهملة، وفتح الطاء المخفّفة، وأصل هذه اللفظة من الوسط الذي هو الخيار، أو المعنى أنها جالسة في وسطهنّ.
قال النوويّ ﵀: هكذا هو في النسخ: "سِطَة النساء" بكسر السين، وفتح الطاء المخففة، وفي بعض النسخ: "واسطة النساء"، قال القاضي عياض: معناه: من خيارهنّ، والوسط: العدل والخيار، قال: وزعم حُذّاق شيوخنا أن هذا الحرف مُغَيَّر في كتاب مسلم، وأن صوابه: من سَفِلَة النساء (^٣)، وكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، والنسائيّ في "سننه"، وفي رواية لابن أبي شيبة: "امرأة ليست من عِلّيّة النساء"، وهذا ضِدّ التفسير الأول، ويَعْضِده قوله بعده: "سَفْعَاءُ الخدين"، هذا كلام القاضي.
قال النوويّ: وهذا الذي ادَّعَوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها: من خيار النساء، كما فسره، هو بل المراد: امرأة
_________________
(١) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٣٠.
(٢) "تنبيه المعلم بمبهمات صحيح مسلم" (ص ١٦٩).
(٣) "السَّفِلَةُ": بفتح السين، وكسر الفاء: الساقطة من الناس.
[ ١٧ / ٤٣٦ ]
من وسط النساء، جالسةٌ في وسطهنّ، قال الجوهريّ وغيره من أهل اللغة: يقال: وَسَطتُ القومَ أَسِطُهم وَسْطًا، وسِطَةً: أي: توسطتهم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تحصّل مما ذُكر من تفسير "سِطَةِ النساء" ثلاثة معان: خيار النساء، وسَعلَةُ النساء، وجالسةٌ في وسطهنّ، وما قاله النوويّ أقرب، والله تعالى أعلم.
(سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ) بفتح السين، بوزن حمراء؛ أي: فيهما تغير وسواد، السُّفْعَةُ نوع من السواد، وليس بالكثير، وقيل: هي سواد مع لون آخر، وقال الفيّوميّ: السُّفْعَة وِزَان غُرْفة: سواد مُشْرَبٌ بحمرة، وسَفِعَ الشيءُ، من باب تَعِبَ: إذا كان لونه كذلك، فالذكر أسفَعُ، والأنثى سَفْعَاء، مثل أحمر وحمراء. انتهى.
وقال ابن الملقن ﵀: قوله: "سفعاء الخدّين": هو بضمّ السين، وفتحها، حكاهما صاحب "المطالع"، قال: وهو شُحُوب، وسوادٌ في الوجه، وفي "البارع"، و"الصحاح": هو سواد الخدّين من المرأة الشاحبة، وقال الأصمعيّ: هو حمرة يعلوها سواد، وقال ابن دقيق العيد: الأسفع، والسَّفْعَاءُ من أصاب خدّه لون يُخالف لونه الأصليّ، من سواد، أو خُضرة، أو غيره. انتهى (^١).
(فَقَالَتْ) تلك المرأة (لِمَ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: لأيّ شيء كنّا أكثر حطب جهنّم؟ (قَالَ) -ﷺ- ("لِأَنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ) بضمّ أوله، من الإكثار (الشَّكَاةَ) بفتح الشين: أي: التشكّي، قال القرطبيّ ﵀: يعني: التشكّي بالأزواج؛ أي: يكتمن الإحسان، ويُظهرن التشكّي كثيرًا. انتهى.
وقال في "الصحاح": شَكَوتُ فلانًا أشكوه شَكْوًا، وشَكِيّةً، وشَكَاةً: إذا أخبرت عنه بسوء فعله، فهو مَشْكُوٌّ، ومَشْكيٌّ، والاسم: الشَّكْوَى، وقال غيره: الشِّكَايةُ والشَّكِيّة: إظهار ما يُصيبك به غيرك من المكروه، والاشتكاء: إظهار ما بك من مكروه، أو مرض، ونحوه. انتهى (^٢).
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٣٦.
(٢) "العدّة حاشية العمدة" ٣/ ١٧٣.
[ ١٧ / ٤٣٧ ]
وقال ابن الملقّن ﵀: ألف الشكوى منقلبة عن واو؛ كالصلاة، والزكاة، والشكاة، والشكاية بمعنى واحد؛ أي: تَكْتُمن الإحسانَ، وتظهرن الشكوى، ولا شكّ أن الشكاية في الأصل جائزة إذا اضطرّ إليها، فإذا أُكثر منها دلّ ذلك على عدم الرضا بقضاء الله تعالى، فاقتضى دخول النار (^١).
وقال ابن دقيق العيد ﵀: وتعليله -ﷺ- بالشَّكاة، وكفران العشير، دليل على تحريم كفران النعمة؛ لأنه جعله سببًا لدخول النار، وهذا السبب في الشكاية يجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالزوج، وجحد حقِّه، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ما يتعلق بالله تعالى، من عدم شكره، والاستكانة لقضائه، وإذا كان النبيّ -ﷺ- قد ذكر ذلك في حقّ مَن هذا ذنبه، فكيف بمن له منهنّ ذنوب أكثرُ من ذلك، كترك الصلاة، والقذف. انتهى (^٢).
وقال الفاكهيّ: والأول أظهر؛ لأن الشكاية من الله تعالى لا يختصّ بالنساء، وقال الحلبيّ: ويؤيّده أنه قرنه بقوله: "وتكفرن العشير". انتهى (^٣).
(وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ") قال أهل اللغة: يقال: العشير: هو المعاشر، والمخالط، وحمله الأكثرون هنا على الزوج، وقال آخرون: هو كلُّ مخالط، قال الخليل: يقال هو العَشِير والشَّعِير على القلب، ومعنى الحديث: أنهن يَجْحَدن الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلة معرفتهنّ، فيُستدلُّ به على ذمّ مَن يجحد إحسان ذي إحسان، قاله النوويّ ﵀ (^٤).
وقال في "الفتح": الْعَشِيرُ: فَعِيل بمعنى مُعاشر، مثل أَكِيل بمعنى مؤاكل؛ أي: تجحدن حقّ الخليط، وهو الزوج، أوأعمّ من ذلك. انتهى.
وقال في "الإعلام": معنى العشير عند الأكثرين: الزوج، وهو معدول عن اسم الفاعل للمبالغة، وقيل: هو كلُّ مخالط، وقد أحسن الحريريّ ﵀ حيث قال في "مقاماته": وَأَفِي العشير، وإن لم يواف بالعشير، أراد بالأول المعاشر، وبالثاني الْعُشْر، فإنه يقال: عُشْر وعَشِير، ومِعْشَار بمعنى.
_________________
(١) "الإعلام" ٤/ ٢٣٦.
(٢) "إحكام الأحكام" ٢/ ١٣١.
(٣) "العدّة حاشية العمدة" ٣/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٤) "شرح النوويّ" ٦/ ١٧٥ - ١٧٦.
[ ١٧ / ٤٣٨ ]
قال: ومعنى الكفر هنا: جحد الإحسان؛ لضعف عقلهنّ، وقلّة معرفتهنّ، فإن الزوج قوّامٌ على المرأة بالنفقة، والكسوة، والسكنى، وغضّ بصرها عن المحارم، وقيام حرمتها به، وسترها، وقد بيّن الله تعالى ذلك في كتابه، فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية [النساء: ٣٤].
واعلم أن الكفر عند الإطلاق لا يُطلق إلا على الكفر المنافي للإسلام، وقد يُطلق على الكفر المنافي لكماله، لقصد التنبيه على عظم قبحه شرعًا وعادةً، لا للخروج من الإسلام. انتهى (^١).
وقال القاضي أبو بكر ابن العربيّ ﵀: إنما خصّ كفران العشير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله -ﷺ-: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" (^٢)، فقرن حقّ الزوج على الزوجة بحقّ الله، فإذا كفرت المرأة حقّ زوجها -وقد بلغ من حقّه عليها هذه الغاية- كان ذلك دليلًا على تهاونها بحقّ الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر دون كفر، لا يُخرج عن الملّة. انتهى (^٣).
(قَالَ) جابر -﵁- (فَجَعَلْنَ) أي: أخذن وشرعن (يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ) بضمّ الحاء المهملة، وكسرها، والضمّ أشهر وأكثر، وقد قرئ بهما في السبع، وأكثر القرَّاء على الضمّ، واللام مكسورة، والياء مشدّدةٌ، وهو جمع حَلْيٍ، بفتح، فسكون، كفَلْسٍ وفُلُوس، أفاده في "الإعلام"، و"المصباح" (^٤).
(يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ) "يُلقين" بضمّ أوله، من الإلقاء، والجملة في محلّ نصب على الحال (مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ) جمع قُرط، قال في "المصباح": القُرط: ما يُعلّق في شحمة الأذن، والجمع أَقْرِطَة، وقِرَطَة، وزان عِنبَة. انتهى (^٥).
وقال في "القاموس": الْقُرْط بالضمّ: ما يُعلّق في شحمة الأذن، جمعه أَقراطٌ، وقِرَاطٌ، وقُرُوطٌ، وقِرَطَةٌ، كقِرَدَة. انتهى (^٦)، ونحوُه في "اللسان".
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٣٧.
(٢) حديث صحيح.
(٣) راجع: "الفتح" ١/ ١٠٥.
(٤) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٢٤١، و"المصباح" ١/ ١٤٩.
(٥) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٨.
(٦) "القاموس" ٢/ ٣٧٨.
[ ١٧ / ٤٣٩ ]
وقال النوويّ: قال ابن دُرَيد: كل ما عُلِّق في شحمة الأذن فهو قُرْط، سواء كان من ذهب، أو خَرَز، وأما الْخُرْص فهو الحلقة الصغيرة من الْحَلْي، قال القاضي: قيل: الصواب قِرَطَتهنّ بحذف الألف، وهو المعروف في جمع قُرْط، كخُرْجٍ وخِرَجَة، ويقال في جمعه: قِرَاط، كرُمْحٍ ورِمَاح، قال: لا يبعد صحّة أقرطة، ويكون جمعَ جمعٍ؛ أي: جمع قِرَاط، لا سيّما وقد صحّ في الحديث. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن ما تقدّم في عبارة "المصباح" من أن "أقرطة" جمع قُرْط صريح في كونه جمعًا، فلا داعي لدعوى كونه جمع جمع، فتأمل، والله تعالى أعلم.
(وَخَوَاتِمِهِنَّ) وفي بعض النسخ: "وخواتيمهنّ" بالياء بعد التاء، وهو: جمع خاتم، هي: حَلْقَة ذات فَصّ من غيرها، فإن لم يكن لها فصّ فهي فَتَخَةٌ، بفاء، وتاء مثنّاة من فوق، وخاء معجمة، وزان قَصَبَة، قاله في "المصباح" (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد جاء بيان مسائله في شرح حديث ابن عبّاس -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٤٩] (٨٨٦) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي (^٣) عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَنُ يَوْمَ الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنصَارِيُّ، أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ، وَلَا بَعْدَمَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ، وَلَا شَيْءَ، لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ).
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ١٧٦.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٦٣.
(٣) وفي نسخة: "حدّثني".
[ ١٧ / ٤٤٠ ]
رجال هذا الحديث: ستة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، وهو مسلسل بالتحديث، والإخبار.
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) -﵄- (وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيِّ) -﵄- أنهما (قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بتشديد الذال، مبنيًّا للمفعول (يَوْمَ الْفِطْرِ) منصوب على الظرفيّة لـ"يؤذّن" (وَلَا يَوْمَ الْأَضْحَى) قال ابن جُريج: (ثُمَّ سَأَلْتُهُ) أي: عطاء (بَعْدَ حِينٍ) أي: بعد زمن طويل (عَنْ ذَلِكَ) أي: عن الأذان والإقامة للعيد (فَأَخْبَرَنِي) وقوله: (قَالَ) بيان وتوضيح لمعنى "أخبرني" (أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيُّ) -﵄- (أَنْ) مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، وجملة "لا أذان … إلخ" خبرها، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" حيث قال:
وَإِنْ تُخَفَّفْ "أَنَّ" فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ … وَالْخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلَةً مِنْ بَعْدِ "أَنْ"
والتقدير هنا: أنه (لَا أَذَانَ) "لا" نافية للجنس، و"أذان" اسمها مبنيّ على الفتح؛ لتركّبه معها، وخبرها قوله: (لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ) ظرف لـ"أذان"، وقوله (حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ) بدل من الظرف قبله؛ أي: وقت خروجه من مكانه إلى مكان الصلاة (وَلَا بَعْدَما يَخْرُجُ) "ما" مصدريّة؛ أي: بعد خروجه (وَلَا إِقَامَةَ، وَلَا نِدَاءَ) من عطف العامّ على الخاصّ، للتوكيد، وكذا قوله: (وَلَا شَيْءَ) من أنوع النداء، كقوله: الصلاة جامعة، كما يستحبّه الشافعيّة، وقوله: (لَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ، وَلَا إِقَامَةَ) ذكره تأكيدًا لعدم مشروعيّة أيّ نوع من أنواع النداء لصلاة العيدين، قال النوويّ ﵀: هذا ظاهره مخالفٌ لما يقوله أصحابنا وغيرهم: إنه يُسْتَحبّ أن يقال: "الصلاة جامعة"، كما قدمنا، فيُتأوَّل على أن المراد: لا أذان، ولا إقامة، ولا نداء في معناهما، ولا شيء من ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا التأويل الذي ذكره النوويّ عجيب غريب صدوره عن مثله، فإن بطلان هذا التأويل مما لا يتردّد فيه منصفٌ بعد أن سمع حديث جابر -﵁- هذا الذي ذَكَره هنا بصيغ مؤكّدة، وكرّره مبالغة في التحذير عن مخالفته، فماذا بعد هذا النصّ الصحيح الصريح؟، وسيأتي تمام البحث في
[ ١٧ / ٤٤١ ]
المسألة الثالثة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله -﵃- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٤٩ و٢٠٥٠] (٨٨٦)، و(البخاريّ) (٩٦٠)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٦) عن ابن عبّاس، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٤٢ و٣٣٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في أقوال أهل العلم في حكم الأذان والإقامة للعيدين:
قال ابن قُدامة ﵀، ما حاصله: لا نعلم في عدم مشروعيّة الأذان والإقامة خلافًا ممن يُعْتَدّ بخلافه، إلا أنه رُوي عن ابن الزبير أنه أذَّن وأقام، وقيل: أول من أَذَّن في العيد ابن زياد، وهذا دليل على انعقاد الإجماع قبله على أنه لا يُسَنّ لها أذان ولا إقامة، وبه يقول مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأصحاب الرأي، وقد ثبت أن النبيّ -ﷺ- كان يصلي العيد بغير أذان ولا إقامة.
فرَوَى ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- صلى العيدين بغير أذان ولا إقامة، وعن جابر مثله، مُتَّفَقٌ عليه.
وقال جابر بن سمرة ريمبن: صلَّيتُ مع رسول الله -ﷺ- العيد غير مرّة، ولا مرتين، بلا أذان ولا إقامة، رواه مسلم.
وعن عطاء قال: أخبرني جابر أن لا أذان يوم الفطر، حين يخرج الإمام، ولا بعدما يخرج، ولا إقامة، رواه مسلم، وسنّة رسول الله -ﷺ- أحقّ أن تتبع. انتهى كلام ابن قُدامة ﵀ (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
_________________
(١) "المغني" لابن قُدامة ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ١٧ / ٤٤٢ ]
وقال في "الفتح" ما حاصله: إن ترك الأذان في العيد ورد من حديث ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر -﵃-، وغيرهم.
أما حديث ابن عمر، ففي رواية النسائيّ: "خرج رسول الله -ﷺ- في يوم عيد، فصلى بغير أذان ولا إقامة … " الحديث.
وأما حديث ابن عباس وجابر -﵃-، ففي رواية عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عند مسلم: "فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بغير أذان ولا إقامة"، وعنده من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، قال: "لا أذان للصلاة يوم العيد، ولا إقامة، ولا شيء"، وفي رواية يحيى القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، أن ابن عباس قال لابن الزبير: "لا تؤذن لها، ولا تُقِم"، أخرجه ابن أبي شيبة عنه.
ولأبي داود من طريق طاوس، عن ابن عباس: "أن رسول الله -ﷺ- صلى العيد بلا أذان ولا إقامة"، إسناده صحيح.
وقد جاء الحديث أيضًا عن جابر بن سمرة، عند مسلم، وعن سعد بن أبي وقاص، عند البزار، وعن البراء، عند الطبرانيّ في "الأوسط".
وقال مالك في "الموطأ": سمعت غير واحد من علمائنا يقول: لم يكن في الفطر، ولا في الأضحى نداء، ولا إقامة، منذ زمن رسول الله -ﷺ- إلى اليوم، وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.
قال الحافظ: واستُدِلّ بقول جابر: "ولا إقامة، ولا شيء" على أنه لا يقال أمام صلاتها شيء من الكلام، لكن رَوَى الشافعي عن الثقة، عن الزهريّ، قال: كان رسول الله -ﷺ- يأمر المؤذن في العيدين أن يقول: "الصلاة جامعة"، وهذا مرسل يَعْضِده القياس على صلاة الكسوف؛ لثبوت ذلك فيها، كما سيأتي.
قال الشافعيّ: أحبّ أن يقول: "الصلاة"، أو "الصلاة جامعة"، فإن قال: هلموا إلى الصلاة لم أكرهه، فإن قال: حي على الصلاة، أو غيرها من ألفاظ الأذان أو غيرها كرهت له ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الة عنه: قوله: "لكن رَوَى الشافعيّ … إلخ" غير مقبول؛ لأمور:
[ ١٧ / ٤٤٣ ]
(الأول): أن أثر الزهريّ هذا غير صحيح؛ لأنه من مرسله، ومعلوم أن مراسيله شبه ريح، فقد أخرج البيهقيّ من طريق أبي قُدامة السرخسيّ، عن يحيى بن سعيد قال: مرسل الزهريّ شرّ من مرسل غيره؛ لأنه حافظ، وكلما يقدر أن يسمي سمَّى، وإنما يترك من لا يستجيز أن يسمّيه، وقال ابن معين: مراسيل الزهريّ ليست بشيء، وقال الشافعيّ: إرسال الزهريّ عندنا ليس بشيء، وذلك أنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم، ذكر هذا كلّه ابن رجب في "شرح علل الترمذيّ" (^١).
(الئاني): أنه يُبطل أثره أيضًا ثبوت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة في نفي الأذان والإقامة وجميع أنواع النداء بضدّه، فيبطل الاعتماد عليه.
(الثالث): أن القياس على الكسوف غير صحيح؛ لأنه في مقابلة النصّ، والقياس في مقابلة النصّ فاسد الاعتبار، كما سبق غير مرّة، فيكون اعتضاد المرسل الضعيف جدًّا بالقياس الفاسد، ولا يخفاك ما في هذا من الوهاء فتبصّر بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد.
والحاصل أن مذهب الجمهور الذين لا يرون مشروعيّة النداء للعيدين، لا بألفاظ الأذان المشهورة، ولا بغيرها؛ كالصلاةُ جامعة، ونحوها هو الحقّ الذي لا محيد عنه، فتمسّك به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
[تنبيه]: اختُلِفَ في أول من أحدث الأذان في العيدين، فرَوَى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيب أنه معاوية، ورَوَى الشافعيّ، عن الثقة، عن الزهريّ مثله، وزاد: فأخذ به الحجاج حين أُمِّر على المدينة.
وروى ابن المنذر عن حُصين بن عبد الرحمن، قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة.
وقال الداوديّ: أول من أحدثه مروان، قال الحافظ: وكلُّ هذا لا ينافي أن معاوية أحدثه، كما تقدم في البداءة بالخطبة.
وقال ابن حبيب: أول من أحدثه هشام.
ورَوَى ابن المنذر، عن أبي قلابة قال: أول من أحدثه عبد الله بن الزبير،
_________________
(١) "شرح علل الترمذيّ" ١/ ٢٨٤.
[ ١٧ / ٤٤٤ ]
وقد وقع في الحديث التالي أن ابن عباس أخبره أنه لم يكن يؤذَّن لها، لكن في رواية يحيى القطان أنه لَمّا ساء ما بينهما أَذَّن؛ يعني: ابن الزبير وأقام، ذكره في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٠] (…) - (وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ أَوَّلَ مَا بُويعَ لَهُ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا، قَالَ: فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ يَوْمَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ، إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يُفْعَلُ، قَالَ: فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهم رجال الإسناد الماضي، وهو أيضًا مسلسل بالتحديث والإخبار.
شرح الحديث:
عن عطاء بن أبي رباح ﵀ (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) -﵄- (أَرْسَلَ) بالبناء للفاعل (إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) هو: عبد الله بن الزبير بن العوَّام القرشيّ الأسديّ، أبو بكر، وأبو خُبيب، كان أوّل مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين، ولي الخلافة تسع سنين، وقُتل في ذي الحجّة سنة (٧٣ هـ)، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" (١٦/ ٦١٠). (أَوَّلَ مَا بُويِعَ لَهُ) أي: لابن الزبير بالخلافة، و"أوّلَ" منصوب على الظرفيّة متعلّق بـ "أَرْسَلَ"، وكانت مبايعته سنة أربع وستّين عقب موت يزيد بن معاوية (^٢).
وقوله: (أَنَّهُ) يَحْتَمِل فتح همزته، فيكون في تأويل المصدر مفعولًا لـ"أَرْسَلَ"، ويَحْتَمِل كسرها على أن يكون مفعولًا لـ"أَرْسَل" محكيًّا؛ لإرادة لفظه؛ أي: أرسل إليه هذه الجملة (لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بالبناء للمفعول (لِلصَّلَاةِ يَوْمَ
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) "الفتح" ٣/ ٢٧٩.
[ ١٧ / ٤٤٥ ]
الْفِطْرِ) أي: لم يكن يؤذّن أحد يوم عيد الفطر في زمن النبيّ -ﷺ-، (فَلَا تُؤَذِّنْ لَهَا) الفاء فصيحيّة؛ أي: فإذا علمت أن السنّة عدم التأذين فيه، فلا تخالف السنّة (قَالَ) عطاء (فَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ) -﵄- (يَوْمَهُ) أي: في ذلك اليوم الذي نهاه عنه ابن عبّاس -﵄-، ولعلّ هذا إشارة إلى ما وقع لابن الزبير من الأذان في العيد بعد أن وقعت الوحشة بينهما، كما سبقت الإشارة في المسألة التنبيه المذكور قريبًا (وَأَرْسَلَ) ابن عبّاس -﵄- أيضًا (إِلَيْهِ) أي: إلى الزبير -﵄- (مَعَ ذَلِكَ) أي: مع بيان ما سبق من عدم مشروعيّة الأذان في يوم الفطر (إِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) فيه أن السنّة تقديم الصلاة على الخطبة في العيد، وقد تقدّم البحث فيه مستوفًى (وَإِنَّ ذَلِكَ) أي: المذكور من تقديم الصلاة على الخطبة، ويَحْتَمل أن تكون الإشارة إلى ما سبق من ترك الأذان، وتقديم الصلاة معًا (قَدْ كَانَ يُفْعَلُ) بالبناء للمفعول؛ أي: قد كان النبيّ -ﷺ- يفعله، وخلفاؤه الراشدون، وهذا فيه إشارة إلى أنه قد وقع فيه تغيير من بعض الناس، كما أسلفت تحقيقه في التنبيه المذكور قريبًا (قَالَ) عطاء (فَصَلَّى ابْنُ الزُّبَيْرِ) -﵄- (قَبْلَ الْخُطْبَةِ)؛ أي: عملًا بالسنّة.
[فإن قلت]: كيف خالف ابن الزبير بعد معرفته السنة، حيث روي عنه أنه أذّن للعيد؟.
[قلت]: لعلّه اجتهد، فظهر له ما يقتضي جواز ذلك، لكن الحقّ أن السنّة أحقّ أن تُتّبع، ولا يكون لاجتهاد أحد بعد صحّتها مجالٌ، فإن السنّة قاضية على الآراء كلّها، فنعتذر عمن خالفها بنحو ما ذكرته آنفًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٠] (٨٨٦)، و(البخاريّ) في "الجمعة" (٩٥٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٣/ ٢٧٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٧٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى"
[ ١٧ / ٤٤٦ ]
(١/ ٤٠٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥١] (٨٨٧) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقُتَيْبَةُ ابْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ، وَلَا إِقَامَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (قُتَيْبَة بْنُ سَعِيدٍ) الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في الباب.
٥ - (أَبُو الْأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٦ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذُّهْليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره، فربّما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
٧ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنادة السُّواليّ الصحابيّ ابن الصحابيّ، نزل الكوفة، ومات بها سنة سبعين (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
[ ١٧ / ٤٤٧ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥١] (٨٨٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٨)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٧٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٩ و٥/ ٩١ و٩٤)، و(عبد الله بن أحمد) في "زوائد المسند" (٥/ ٩٥ و٩٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤٠٢ و٤٠٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٠٠)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٥٢] (٨٨٨) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبله.
٢ - (عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٣ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم العمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع وأربعين ومائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، تقدّم قبل باب.
٦ - (ابْنُ عُمَرَ) -﵄-، تقدّم قبل باب أيضًا، وشرح الحديث قد تقدّم في شرح حديث ابن عبّاس -﵄- المذكور أول الباب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
[ ١٧ / ٤٤٨ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٢] (٨٨٨)، و(البخاريّ) في "العيدين" (٩٥٧ و٩٦٣)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣١)، و(النسائيّ) في "العيدين" (٣/ ١٨٣)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٧٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٧٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٢ و٣٨ و٣٩ و٩٢ و١٠٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٤٣)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١١٠١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أول الكتاب قال:
[٢٠٥٣] (٨٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةٌ، ؤابْنُ حُجْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ، فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ، فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ قامَ، فَاقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، وَهُمْ جُلُوسٌ مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ لَة حَاجَةٌ بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا"، وَكَان أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُني يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَخرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ (^١)، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا، يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُركَ مَا تَعْلَمُ، فلْتُ: كلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ، ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوت) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
_________________
(١) وفي نسخة: "نحو المصلَّى".
[ ١٧ / ٤٤٩ ]
٢ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد ذُكر قبله.
٣ - (ابْنُ حُجْرٍ) هو: عليّ بن حُجْر السَّعْديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزُّرَقيّ، أبو إسحاق القارئ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٥ - (دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ) الفَرّاء الدبّاغ القرشيّ مولاهم، أبو سليمان المدنيّ، ثقةٌ فاضلٌ [٥] مات في خلافة أبي جعفر (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٤.
٦ - (عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ) بن أبي سَرْح القرشيّ العامريّ المكيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس المائة (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان بن عُبيد الأنصاريّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، استُصغر بأُحُد، ثم شهد ما بعدها، مات سنة (٣ أو ٤ أو ٦٥) وقيل: (٧٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٨٥.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة شيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمل والأداء، فقد سمع هو من لفظهم مع غيره، وهم كذلك، ولذا قالوا جميعًا: "حدّثنا".
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من إسماعيل بن جعفر.
٣ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: داود، عن عياض.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) -﵁-، وفي رواية عبد الرزاق، عن داود بن قيس، عن عياض، قال: سمعت أبا سعيد، وكذا أخرجه أبو عوانة، من طريق ابن وهب، عن داود (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ) زاد في رواية البخاريّ: "إلى المصلَّى" وهو بضمّ الميم، وفتح اللام المشدّدة:
[ ١٧ / ٤٥٠ ]
موضع بالمدينة معروف، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عُمَر بن شَبَّة في "أخبار المدينة" عن أبي غَسّان الْكِنَانيّ، صاحب مالك ﵀ (^١).
(فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ) وفي رواية البخاريّ: "فأوّلُ شيء يبدأ به الصلاة" (فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ) أي: أتمها (وَسَلَّمَ) منها (قَامَ، فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ) أي: واجههم، وفي رواية البخاريّ: "ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس"، وفي رواية ابن حبّان من طريق داود بن قيس: "فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه"، وروى ابن خزيمة في رواية مختصرة: "خَطَب يوم عيد على رجليه"، وهذا مشعر بأنه لم يكن بالمصلَّى في زمانه -ﷺ- منبرٌ، ويدلّ على ذلك قول أبي سعيد: "فلم يزل الناس على ذلك، حتى خرجت مع مروان"، كما سيأتي بيانه.
(وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ) جملة إسمية وقعت حالًا، و"جُلُوسٌ": جمع جالس؛ أي: والحال أن الناس جالسون في مكان صلاتهم، وفي رواية البخاريّ: "والناس جُلُوسٌ على صفوفهم، فيَعِظُهم، ويوصيهم، ويأمرهم" (فَإِنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِبَعْثٍ) وفي رواية البخاريّ: "فإن كان يريد أن يقطع بَعْثًا قطعه"، و"الْبَعْثُ" بفتح الباء الموحّدة، وسكون العين المهملة، وفي آخره ثاء مثلثة: بمعنى المبعوث، وهو الجيش؛ يعني: أنه -ﷺ - إذا كان يريد أن يبعث جيشًا إلى جهة من الجهات (ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ) أي: ذكر ذلك البعث، وبيّن مقداره، وعيّن مكانه، وأوضح ما يلزمهم تجاه ذلك (أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ) من إعانة فقير، أو إغاثة ملهوف (أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ) -ﷺ- (يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا، تَصَدَّقُوا") أي: بالتكرار تأكيدًا لشأن الصدقة (وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ) حيث يؤكّد عليهنّ الحث على الصدقة، فيقول: "يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار" (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) إلى بيته (فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ) أي: لم يزل الحال على هذا الذي كان عليه النبيّ -ﷺ- من صلاته العيدين في المصلَّى بلا منبر، وتقديمه الصلاة على الخطبة (حَتَّى كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ) بن أبي العاص بن أميّة، أبو عبد الملك الأمويّ المدنيّ، ولي الخلافة سنة (٦٤)، ومات في رمضان سنة (٦٥) وليست له صحبة، وكان معاوية -﵁- استعمله على المدينة.
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٧٤، و"عمدة القاري" ٦/ ٢٧٥.
[ ١٧ / ٤٥١ ]
وفي رواية البخاريّ: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان، وهوأمير المدينة في أضحى، أو فطر".
(فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ) أي: مماشيًا له يده في يدي، هكذا فسّروه، قاله النوويّ (^١)، وقال ابن الأثير: المخاصرة: أن يأخذ الرجل بيد رجل آخر يتماشيان، ويد كلّ واحد منهما عند خَصْرِ صاحبه. انتهى (^٢).
وزاد عبد الرزاق، عن داود بن قيس: "وهو بيني وبين أبي مسعود"؛ يعني: عقبة بن عمرو الأنصاريّ؛ يعني: أن مروان كان بينه وبين أبي مسعود -﵁-.
(حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ) "إذا" للمفاجأة، وارتفاع "كثير" على أنه مبتدأ وخبره جملة (قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ) والعامل في "إذا" معنى المفاجأة، والمعنى: فاجأنا كثير بن الصلت زمان الإتيان، وقيل: "إذا" حرف لا يَحتاج إلى عامل.
و"الطين" بالكسر: معروف، و"اللبِنُ" بفتح اللام، وكسر الموحّدة، آخره نون: ما يُعمل من الطين، ويُبنى به، والواحدة لَبِنةٌ، ويجوز التخفيف، فيصير مثل حِمْلٍ، قاله في "المصباح" (^٣).
قيل: إنما اختار له بناء المنبر باللبن والطين لا من الخشب؛ لكونه يُترك بالصحراء في غير حرز، فلا يُخاف عليه من النقل بخلاف منابر الجوامع (^٤).
[تنبيه]: "كثير" هو: ضدُّ القليل، و"الصَّلْتُ" بالتاء المثناة من فوقُ، وهو كثير بن الصَّلْت بن معاوبة الْكِنديّ، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، وقَدِمَ المدينة هو وإخوته بعده، فسكنها، وحالف بني جُمَح، وروى ابن سعد بإسناد صحيح إلى نافع، قال: كان اسم كثير بن الصلت قليلًا، فسماه عمر كثيرًا، ورواه أبو عوانة، فوصله بذكر ابن عمر، ورفعه بذكر النبيّ -ﷺ-، والأول أصحّ.
وقال الذهبيّ في "تجريد الصحابة": كثير بن الصَّلْت بن معدي كرب
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ١٧٧.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٢/ ٣٧.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٥٤٨.
(٤) راجع: "عمدة القاري" ٦/ ٤٠٦.
[ ١٧ / ٤٥٢ ]
الكنديّ، أخو زبيد، وُلد في عهد النبيّ -ﷺ-، رَوَى عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن كثير بن الصلت كان اسمه قليلًا، فسماه النبيّ -ﷺ- كثيرًا، والأصح أن الذي سماه كثيرًا عمر -﵁-. انتهى.
وقد صَحّ سماع كثير من عُمر ومن بعده، وقال العجليّ: هو تابعيّ مدنيّ ثقةٌ، وكان له شرفٌ، وحالٌ جميلة في نفسه، وله دارٌ كبيرةٌ بالمدينة في المصلَّى، وقبلة المصلَّى في العيدين إليها، وكان كاتبًا لعبد الملك بن مروان على الرسائل، وهو ابن أخي جَمْد -بفتح الجيم، وسكون الميم، أو فتحها- أحد ملوك كِنْدة الذين قُتِلوا في الردّة، وقد ذَكَر ابنُ منده الصَّلْت في "الصحابة"، وفي صحّة ذلك نظرٌ، وقال الذهبيّ: والصلت أبو زبيد الكنديّ مختلف في صحبته، وروى عنه ابنه زبيد، وكثير. انتهى (^١).
[تنبيه آخر]: قال في "الفتح": مقتضى ما سبق أن أول من اتخذ المنبر في العيد مروان، وقد وقع في "المدونة" لمالك، ورواه عُمَر بن شَبَّة، عن أبي غَسّان عنه، قال: أول من خطب الناس في المصلَّى على المنبر عثمان بن عفان -﵁-، كلّمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، وهذا مُعْضَلٌ، وما في "الصحيحين" أصحّ، فقد رواه مسلم من طريق داود بن قيس، عن عياض، نحو رواية البخاريّ.
قال: ويَحْتَمِلُ أن يكون عثمان فَعَل ذلك مرّةً، ثم تركه، حتى أعاده مروان، ولم يَطَّلِع على ذلك أبو سعيد -﵁-.
وإنما اخْتَصَّ كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلَّى؛ لأن داره كانت مجاورةً للمصلى، كما سيأتي في حديث ابن عباس -﵄- أنه -ﷺ- أتى في يوم العيد إلى الْعَلَمِ الذي عند دار كثير بن الصَّلْت (^٢)، قال ابن سعد: كانت دار
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٢٧٤، و"عمدة القاري" ٦/ ٤٠٥.
(٢) هو ما أخرجه البخاريّ في "كتاب الاعتصام" (٧٣٢٥) قال: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس، قال: سئل ابن عباس أشهدت العيد مع النبيّ -ﷺ-؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلى، ثم خطب، ولم يذكر أذانًا ولا إقامةً، ثم أمر =
[ ١٧ / ٤٥٣ ]
كثير بن الصلت قبلة المصلَّى في العيدين، وهي تُطِلُّ على بَطْن بُطْحَان الوادي الذي في وسط المدينة. انتهى.
وإنما بَنَى كثير بن الصَّلْت داره بعد النبيّ -ﷺ- بمدة، لكنها لما صارت شهيرة في تلك البقعة، وُصِفَ المصلَّى بمجاورتها. انتهى (^١).
(فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ، كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ) أي: ليخطب قبل الصلاة، وفي رواية البخاريّ: "فلما أتينا المصلّى؛ إذا منبرٌ بناه كثير بن الصّلْت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلّي، فجبذت بثوبه، فجبذني، فارتفع، فخطب قبل الصلاة".
(وَأنَما أَجُزُهُ نَحْوَ الصَّلَاةِ) وفي نسخة: "نحو المصلَّى"؛ أي: ليبدأ بالصلاة قبل الخطبة؛ اتبّاعًا للسنّة (فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ) أي: إلحاحه على ما أراده من تقديم الخطبة على الصلاة (قُلْتُ: أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟) أي: أين اتّباع السنّة في تقديم الابتداء بالصلاة طى الخطبة؟.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "أين الابتداء بالصلاة" هكذا ضبطناه على الأكثر، وفي بعض الأصول: "ألا نبتدئ" بـ "ألا" التي هي للاستفتاح، وبعدها نون، ثم باء موحّدة، وكلاهما صحيح، والأول أجود في هذا الموطن؛ لأنه ساقه للإنكار عليه. انتهى (^٢).
وفي رواية البخاريّ: " فقلتُ له: غيّرتم والله" (فَقَالَ: لَا) أي: لا نبدأ بالصلاة (يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية البخاريّ: "قد ذهب ما تعلم"، قال أبو سعيد -﵁-: (قُلْتُ: كَلَّا) كلمة مركبة عند ثعلب من كاف التشبيه، و"لا" النافية، قال: وإنما شُدِّدت لامها؛ لتقوية المعنى، ولدفع توهّم بقاء معنى الكلمتين، وعند غيره هي بسيطة، وهي عند سيبويه، والخليل، والمبرّد، والزجاج، وأكثر البصريين حرف معناه الرَّدْع والزجر، لا معنى لها عندهم إلا ذلك، حتى إنهم يجيزون أبدًا الوقف عليها،
_________________
(١) = بالصدقة، فجعل النساء يُشرن إلى آذانهنّ وحلوقهنّ، فأمر بلالًا فأتاهنّ، ثم رجع إلى النبيّ -ﷺ-. انتهى.
(٢) "الفتح" ٣/ ٢٧٤.
(٣) "شرح النووي" ٦/ ١٧٨.
[ ١٧ / ٤٥٤ ]
والابتداء بما بعدها، وحتى قال جماعة منهم: متى سمعت "كلا" في سورة، فاحكم بأنها مكية؛ لأن فيها معنى التهديد والوعيد، وأكثر ما نزل ذلك بمكة؛ لأن أكثر العتوّ كان بها، ذكره ابن هشام في "المغني"، وله فيه تعقّب على ما ذُكر، وتفصيل للمسألة، فراجعه (^١).
والمعنى هنا: ارتدع، وانزجر عما زعمته؛ لأنه لا خير فيه.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ، لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ) لقد صدق أبو سعيد -﵁- فيما قال، فوالله إن الذي يعلمه هو طريَق النبيّ -ﷺ-، ففيه الهدى، والفلاح، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ الآية [النور: ٥٤]، وقال: ﴿افَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
فكيف يكون غيره خيرًا منه؟ بل الخير كلُّ الخير في اتّباع سنته -ﷺ-، والشرّ كلُّ الشرّ في مخالفتها.
وفي رواية البخاريّ: "فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة". انتهى.
[تنبيه]: قوله: "لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ" صريحٌ في أن أبا سعيد هو الذي أنكر، وتقدّم لمسلم في "كتاب الإيمان" من طريق طارق بن شهاب، قال: أوّلُ من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان، فقام إليه رجل، فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرِك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قضى ما عليه، وهذا ظاهر في أنه غير أبي سعيد، وكذا هو في رواية رجاء، عن أبي سعيد عند أحمد، وأبي داود، وابن ماجه، بلفظ: "أخرج مروان المنبر يوم العيد، وبدأ بالخطبة قبل الصلاة، فقام إليه رجل … " الحديث.
قال في "الفتح": يَحْتَمِل أن يكون الرجل هوأبا مسعود الذي وقع في رواية عبد الرزاق، أنه كان معهما، ويَحْتَمِل أن تكون القصة تعددت، ويدلّ على ذلك المغايرةُ الواقعة بين روايتي عياض ورجاء، ففي رواية عياض أن المنبر بُنِي بالمصلَّى، وفي رواية رجاء أن مروان أخرج المنبر معه، فلعلّ مروان
_________________
(١) "مغني اللبيب" ١/ ٢٤٩.
[ ١٧ / ٤٥٥ ]
لما أنكروا عليه إخراج المنبر، ترك إخراجه بعدُ، وأمر ببنائه من لَبِنٍ وطين بالمصلَّى، ولا بُعْدَ في أن يُنْكَر عليه تقديم الخطبة على الصلاة مرةً بعد أخرى، ويدل على التغاير أيضًا أن إنكار أبي سعيد وقع بينه وبينه، وانكار الآخر وقع على رؤوس الناس. انتهى (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثَلَاثَ مِرَارٍ) أي: قال أبو سعيد ذلك ثلاث مرّات، وإنما كرّره توكيدًا للإنكار (ثُمَّ انْصَرَفَ) أي: إلى الصفّ، لا أنه ترك الصلاة معه.
قال النوويّ: قال القاضي عياض: قوله: "ثم انصرف" أي: عن جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وليس معناه أنه انصرف من المصلى، وترك الصلاة معه، بل في رواية البخاريّ أنه صلى معه، وكلمه في ذلك بعد الصلاة، وهذا يدل على صحة الصلاة بعد الخطبة، ولولا صحتها كذلك لما صلاها معه.
قال النوويّ: واتفق أصحابنا على أنه لو قدّمها على الصلاة صحّت، ولكنه يكون تاركًا للسنة، مفوتًا للفضيلة، بخلاف خطبة الجمعة، فإنه يشترط لصحة صلاة الجمعة تقدُّم خطبتها عليها؛ لأن خطبة الجمعة واجبة، وخطبة العيد مندوبة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم مناقشة اشتراط الخطبة للجمعة في بابه، فإن شئت فراجعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٢٠٥٣] (٨٨٩)، و(البخاريّ) (٣٠٤ و٩٥٦ و١٤٦٢ و٢٦٥٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٤٠)، و(النسائيّ) في "سننه" (٣/ ١٨٧ و١٩٠)، و(ابن ماجه) في "إقامة الصلاة" (١٢٨٨)، و(أحمد) في
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٢٧٥.
(٢) "شرح النووي" ٦/ ١٧٨.
[ ١٧ / ٤٥٦ ]
"مسنده" (٣/ ٣١ و٣٦ و٤٢ و٥٤ و٥٦)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٤٥ و١٤٤٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الخطبة على الأرض عن قيام في المصلى أولى من القيام على المنبر، والفرق بينه وبين المسجد أن المصلَّى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كلُّ من حضر، بخلاف المسجد، فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم.
٢ - (ومنها): استحباب الخروج إلى المصلى في العيد، وأن صلاتها في المسجد لا تكون إلا عن ضرورة.
٣ - (ومنها): إنكار العلماء على الأمراء؛ إذا صنعوا ما يخالف السنة.
٤ - (ومنها): أن فيه الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر، وإن كان المنكَر عليه واليًا.
٥ - (ومنها): أن الانكار يكون باليد لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليد اللسان مع إمكان اليد؛ وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان".
٦ - (ومنها): حلف العالم على صدق ما يُخبر به.
٧ - (ومنها): المباحثة، والمجادلة في الأحكام الشرعيّة؛ للوصول إلى ما هو الصواب.
٨ - (ومنها): جواز عمل العالم بخلاف الأَولى؛ إذا لم يوافقه الحاكم على الأولى؛ لأن أبا سعيد حضر الخطبة، ولم ينصرف، فيُسْتَدلّ به على أن البداءة بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها.
قال ابن الْمُنَيِّر ﵀ في "الحاشية": حَمَلَ أبو سعيد -﵁- فعل النبيّ -ﷺ- في ذلك على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتَذَر عن ترك الأولى بما ذكره من تغيُّر حال الناس، فرأى أن المحافظة على أصل السنة، وهو إسماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئة فيها، ليست من شرطها، والله أعلم.
٩ - (ومنها): استحباب مواجهة الخطيب الناس، وجلوسهم بين يديه.
[ ١٧ / ٤٥٧ ]
١٠ - (ومنها): وعظ الإمام في صلاة العيد، ووصيته، وتخويفه عن عواقب الأمور.
١١ - (ومنها): بيان أن السنّة بدأ تغييرها في عهد الصحابة -﵃-، كما فعل مروان بن الحكم في هذه القضيّة.
١٢ - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على استحباب الخروج إلى الصحراء لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد؛ لمواظبة النبيّ -ﷺ- على ذلك مع فضل مسجده.
وقال الشافعيّ ﵀ في "الأُمّ": بلغنا أن رسول الله -ﷺ- كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة، وكذا مَن بعده إلا من عذر مطر ونحوه، وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف مكة، قال: فلو عُمِّر بلد، فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد، لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كَرِهت الصلاة فيه، ولا إعادة.
قال الحافظ: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة، لا لذات الخروج إلى الصحراء؛ لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.