وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٦] (٩٩٢) - (وَحَدَّثَني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَبَيْنَا أنَا فِي حَلْقَةٍ فِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ، يُحْمَى عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كتِفَيْهِ، وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ، قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأدْبَرَ، وَاتَبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ، قَالَ (^١): إِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - ﷺ - دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "أترَى أُحُدًا؟ " فَنَظَرْتُ مَا عَلَى مِنَ الشَّمْسِ، وَأنَا أَظُن أنهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَقُلْتُ: أَرَاهُ، فَقَالَ: "مَا يَسُرنِي أَن لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا، أنفِقُهُ كُلهُ، إِلا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ"، ثُمَّ هَؤُلَاءِ
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال".
[ ١٩ / ٢٢٤ ]
يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا، قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلإخْوَتكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ، وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟ قَالَ: لَا وَرَبِّكَ، لَا أَسْألهُمْ عَنْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ، حَتَّى ألحَقَ بِاللهِ وَرَسُوله).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) أبو خيثمة النسائيّ، ثم البغداديّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن عليّة البصرىّ، ثقةٌ ثبت حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (الْجُرَيْرِيُّ) سعيد بن إياس، أبو مسعود البصريّ، ثقةٌ اختلط قبل موته بثلاث سنين [٥] (ت ١٤٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٠/ ٢٦٦.
٤ - (أَبُو الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير العامريّ البصريّ، ثقةٌ [٢] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٠/ ٧٨٣.
٥ - (الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسِ) بن معاوية بن حُصين التميميّ السعديّ، أبو بحر البصريّ، اسمه الضحّاك، وقيل: صخر، وقيل: الحارث، والأحنف لقب، ثقة مخضرم [٢].
أدرك النَّبيّ - ﷺ -، ولم يسلم، وُيرْوَى بسند لَيِّن أن النَّبيّ - ﷺ - دعا له، رَوَى عن عمر، وعليّ، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأبي ذرّ - ﵃ -، وغيرهم.
وروى عنه الحسن البصريّ، وأبو العلاء بن الشِّخِّير، وطَلْق بن حَبِيب، وغيرهم.
قال الحسن: ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف، ومناقبه كثيرة، وحِلْمُه يُضْرَب به الْمَثَلُ، وذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، قال: وكان ثقةً مأمونًا قليل الحديث، وذكر الحاكم أنه الذي افتَتَحَ مَرْوَ الرُّوذ، وقال مصعب بن الزبير يوم موته: ذهب اليوم الحزم والرأي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أحمد في "الزهد": حدّثنا أبو عُبيدة الحداد، ثنا عبد الملك بن مَعْن، عن خير بن حبيب، أن الأحنف بَلَّغَهُ رجلان دعاء النبي - ﷺ - له فسجد، ومن طريق الحسن، عن الأحنف قال: لست بحليم، ولكني أتحالم.
[ ١٩ / ٢٢٥ ]
قيل: مات سنة (٦٧) وقيل: سنة (٧٢).
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٩٢) وأعاده بعده، و(٢٦٧٠): "هلك المتنطّعون … "، و(٢٨٨٨): "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما … "، وأعاده بعده.
٦ - (أبو ذَرّ) الغفاريّ -﵁- تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (منها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وأبي ذرّ -﵁-، فرَبَذِيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين البصريين الثقات روى بعضهم عن بعض: الجريريّ، عن أبي العلاء، عن الأحنف، وأن الأحنف هذا أول محلّ ذكره في الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ الْجُرَيْرِيِّ) سعيد بن إياس (عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ) يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير (عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ) ووقع عند البخاريّ، من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه التصريح بالتحديث من الجريريّ، وأبي العلاء، ولفظه: "وحدّثني إسحاق بن منصور، أخبرنا عبد الصمد، قال: حدّثني أبي، حدّثنا الْجُريريّ، حدّثنا أبو العلاء بن الشِّخِّير، أن الأحنف بن قيس حدّثهم، قال: جلست إلى مل! من قريش … " (قَالَ) الأحنف (قَدِمْتُ) بكسر الدال (الْمَدِينَةَ) النبويّة (فَبَيْنَا) هي "بين " الظرفيّة أُشبعت فتحتها، فتولّدت منها الألف، وقد تقدّم البحث فيها مستوفى غير مرّة (أنا فِي حَلْقَةٍ) بسكون اللام، وحكى الجوهريّ لُغيّة رديئة في فتحها؛ أي: بين أوقاتي قعودي في حلقة، قاله النوويّ ﵀ (^١).
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٧٧.
[ ١٩ / ٢٢٦ ]
(فِيهَا مَلَأٌ- بفتح الميم- مهموزًا: أشراف القوم، سُمُّوا بذلك؛ لكَلاءتهم بما يُلْتَمَس عندهم من المعروف، وجَوْدة الرأي، أو لأنهم يملئون العيون أُبَّهَةً، والصدور هَيْبةً، والجمع أملاءٌ، مثلُ سَبَب وأسباب (^١).
(مِنْ) للبيان مع التبعيض (قُرَيْشٍ) أي: من قبيلة قريش، وهم مَن ولدهم النضر بن كنانة، ومن لم يلده فليس بقرشيّ، وقيل: هم بنو فهر بن مالك، ومن لم يلده فليس من قريش، والأول قول الأكثرين، والثاني أصحّ، كما قال الحافظ العراقيّ ﵀ في "ألفيّة السيرة":
أَمَّا قُرَيْشٌ فَالأَصَحُّ فِهْرُ … جِمَاعُهَا وَالأَكْثَرُونَ النَّضْرُ
(إِذْ) بكسر، فسكون هي الْفُجائيّة (جَاءَ رَجُلٌ أَخْشَنُ الثِّيَابِ) بالخاء المعجمة، من الخُشُونة، وهو ضدّ اللين (أَخْشَنُ الْجَسَدِ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ) قال النوويّ ﵀: هو بالخاء والشين المعجمتين في الألفاظ الثلاثة، ونقله القاضي هكذا عن الجمهور، وهو من الخشونة، قال: وعند ابن الحذّاء في الأخير خاصّةً "حَسَنُ الوجه"، من الحسن، ورواه القابسيّ في البخاريّ "حَسَنُ الشعر، والثياب، والهيئة"، من الحسن، ولغيره "خَشِنُ" من الخشونة، وهو أصوب. انتهى.
ولفظ البخاريّ: "فجاء رجل خَشِن الشعر، والثياب، والهيئة"، قال في "الفتح": قوله: "خشن الشعر … إلخ " كذا للأكثر بمعجمتين، من الخشونة، وللقابسي بمهملتين، من الحسن، والأول أصح؛ لأنه اللائق بزيّ أبي ذرّ -﵁-، قال: وليعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال، عن الأحنف، قَدِمتُ المدينة، فدخلت مسجدها؛ إذ دخل رجل آدم، طُوال، أبيض الرأس واللحية، يشبه بعضه بعضأ، فقالوا: هذا أبو ذرّ. انتهى (^٢).
(فَقَامَ) أي: وقف (عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ) بالنون والزاي، من كَنَزَ يَكْنِزُ، من باب ضرب، في المشهور، وحكى بعضهم أيضًا أنه من باب
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٠.
(٢) "الفتح" ١٤/ ٢٢٣، و"عمدة القاري" ٨/ ٢٦٤.
[ ١٩ / ٢٢٧ ]
نصر (^١)، وفي رواية الإسماعيليّ: "بَشِّر الكَنَّازين" بتشديد النون، جمع كَنّاز مبالغةُ كانز، وقال ابن قرقول: وعند الطبريّ، والهرويّ: "الكاثرين" بالثاء المثلثة والراء، من الكثرة، والمعروف هو الأول.
وقوله: "بَشِّر" من باب التهكم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٢] و[التوبة: ٤٣] و[الانشقاق: ٤٢] (^٢).
قال النوويّ ﵀: أما قوله: "بَشِّر الكانزين"، فظاهره أنه أراد الاحتجاج لمذهبه في أن الكنز كلُّ ما فَضَل عن حاجة الإنسان، هذا هو المعروف من مذهب أبي -﵁-، وروي عنه غيره، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الكنز هو المال الذي لم تؤدَّ زكاته، فأما إذا أديت زكاته، فليس بكنز، سواءٌ كَثُر أم قلّ.
وقال القاضي عياض: الصحيح أن إنكاره إنما هو على السلاطين الذين يأخذون لأنفسهم من بيت المال، ولا ينفقونه في وجوهه.
وتعقّبه النوويّ، فقال: هذا الذي قاله القاضي باطل؛ لأن السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم، ولم يخونوا في بيت المال، إنما كان في زمنه اْبو بكر، وعمر، وعثمان -﵃-، وتُوُفّي في زمن عثمان -﵁- سنة ثنتين وثلاثين. انتهى (^٣).
(بِرَضْفٍ) بفتح الراء، وسكون المعجمة، بعدها فاء: هي الحجارة الْمُحْمَاةُ، واحدها رَضْفَة (يُحْمَى) بالبناء للمفعول؛ أي: يوقد (عَلَيْهِ) أي: على ذلك الكنز (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) في "جهنّم " مذهبان لأهل العربية: أحدهما أنه اسم عجمئ فلا ينصرف؛ للعُجْمة، والعلميّة، قال الواحديّ: قال يونس: وأكثر النحويين هي أعجمية، لا تنصرف؛ للتعريف والعجمة، وقال آخرون: هو اسم عربيٌّ، سُفيت به؛ لبعد قَعْرها، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث، قال قطرب، عن رؤبة: يقال: بئر جِهِنّامٌ: أي: بعيدة القَعْر، وقال الواحديّ في موضع آخر: قال بعض أهل اللغة: هي مشتقة من الجهومة، وهي الغِلَظ، يقال: جَهْمُ
_________________
(١) راجع: "تاج العروس في شرح القاموس" ٤/ ٧٥.
(٢) راجع: "عمدة القاري" ٨/ ٢٦٤.
(٣) "شرح النووي" ٧/ ٧٧.
[ ١٩ / ٢٢٨ ]
الوجه؛ أي: غليظه، وسُمِّيت جهنم؛ لغلظ أمرها في العذاب (^١).
(فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ) الْحَلَمة: هي اللحمة الناتئة على رأس الثدي، قال الفيّوميّ ﵀: الْحَلَمُ -بفتحئين-: الْقُرَاد الضَّخْمُ، الواحدة حَلَمَةٌ، مثلُ قَصَب وقَصَبَؤ، وقيل لرأس الثدي، وهي اللَّحْمة الناتئة حَلَمَةٌ على التشبيه بقدرها، قال الأزهريّ، والْحَلَمة: الْحَبّةُ على رأس الثدي من المرأة، ورأس الثَّنْدُوة من الرجل. انتهى (^٢).
وقال النوويّ ﵀: فيه جواز استعمال الثَّدْي في الرجُل، وهو الصحيح، ومن أهل اللغة من أنكره، وقال: لا يقال ثَدْيٌ إلا للمرأة، ويقال في الرجل: ثَنْدُوَة، وقد سبق بيان هذا مبسوطًا في "كتاب الأيمان" في حديث الرجل الذي قَتَلَ نفسه بسيفه، فجعل ذُبابه بين ثدييه، وسبق أن الثَّدْيَ يُذَكَّر ويؤنث، قاله النووي ﵀ (^٣).
(حَتى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفَيْهِ) بضم النون، وسكون المعجمة، بعدها ضاد معجمة: العظنم الدقيق الذي على طَرَف الكتف، وقيل: هو أعلى الكتف، ويقال له الناغض؛ أيضًا، قال الخطابيّ: هو الشاخص منه، وأصل النُّغْض الحركة، فسُمِّي ذلك الموضع نُغْضًا؛ لأنه يتحرك بحركة الإنسان، من قولهم: أنغض رأسه: أي: حرّكه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ الآية [الإسراء: ٥١]؛ أي: يُحرّكونها استهزاءً (^٤). (وَيُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كَتِفَيْهِ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيَيْهِ، يَتَزَلْزَلُ) بزايين معجمتين: أي: يضطرب، ويتحرّك؛ يعني: أن الرَّضْفَ يتزلزل من النُّغْض إلى الْحَلَمَة، وفي رواية الإسماعيليّ: "فيتجلجل " بجيمين، قال القاضي عياضٌ ﵀: قيل: معناه أنه بسبب نضجه يتحرك؛ لكونه يهتري، قال: والصواب أن الحركة والتزلزل إنما هو للرَّضْف؛ أي: يتحرك من نُغْض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه.
ووقع في بعض النسخ: "على حلمة ثدي أحدهم -إلى قوله-: حتى
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٧/ ٧٧ - ٧٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٤٨ - ١٤٩.
(٣) " شرح النووي" ٧/ ٧٨.
(٤) "المفهم" ٣/ ٣٣.
[ ١٩ / ٢٢٩ ]
يخرج من حلمة ثدييه" بإفراد الثدي في الأول، وتثنيته في الثاني، وكلاهما صحيح (^١).
(قَالَ: فَوَضَعَ الْقَوْمُ رُءُوسَهُمْ) أي: أطرقوها متخشّعين، أو مستثقلين، يدلّ عليه قوله: "إن هؤلاء لا يعقلون شيئًا"
(فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَع إِلَيْهِ شَيْئًا) أي: ما رَدُّوا عليه شيئًا مما حدَّثهم ذلك الرجل؛ لأنه صحابيّ ثقةٌ عدل عندهم، فما أخبرهم به لا يكون إلا صدقًا، أو لكراهتهم مناقشته في ذلك (قَالَ) الأحنف (فَأَدْبَرَ) أي: ولّى الرجل بعد أن أخبرهم بما ذُكر (وَاتبَعْتُهُ) أي: لأتبيّن من هو؟، ففي رواية البخاريّ: وأنا لا أدري من هو؟ (حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيةٍ) هي الأسطوانة، والجمع سَوَارٍ، مثلُ جاريةٍ وجَوَارٍ (فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ إِلَّا كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ) لعل ذلك أنهم يرون أن الوعيد الذي ذكّرهم لا ينطبق عليهم، حيث إنهم يؤدّون الزكاة، وما أدّيت زكاته فليس بكنز، فمذهبهم خلاف مذهب أبي ذرّ -﵁-، فهو وإن حدّثهم بالصدق، إلا أنه فهم منه الإطلاق، وهم فهموا منه التقييد بما لم تُؤدّ زكاته، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو ذرّ -﵁-، وفي نسخة: "فقال" (إِن هَؤُلَاءِ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) بَيَّن وجه ذلك في آخر الحديث حيث قال: إنما يجمعون الدنيا … إلخ.
وفي الرواية التالية من طريق خُلَيد الْعَصَريّ، عن الأحنف، فقلت: إ من هذا؟ قالوا: هذا أبو ذرّ، فقمت إليه، فقلت: ما شيء سمعتك تقوله؟ قال: ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم -ﷺ-"، وفي هذه الزيادة رَدّ لقول من قال: إنه موقوف على أبي ذرّ، فلا يكون حجة على غيره، ولأحمد من طريق يزيد الباهليّ، عن الأحنف: "كنت بالمدينة، فإذا أنا برجل يَفِرّ منه الناس حين يرونه، قلت: من أنت؟ قال: أبو ذرّ، قلت: ما نفر الناس عنك؟ قال: إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله -ﷺ- ".
(إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- دَعَانِي فَأَجَبْتُهُ، فَقَالَ: "أترَى أحُدًا؟ ") بضقتين الجبل المعروف بالمدينة، وإنما استفهمه عن رؤيته؛ لتحقّق رؤيته حتى يشبّه له
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٧٨.
[ ١٩ / ٢٣٠ ]
به ما أراده بقوله: "ما يسُرّني أن لي … إلخ" (فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ) ثم بيّن سبب نظره الشمس، بقوله: (وَأنَا أَظُنُّ أنَّهُ يَبْعَثُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ) يعني: أنه ظنّ أنه -ﷺ- يرسله إلى أُحُد لقضاء حاجة، فاراد أن يعلم قدر الباقي من الوقت، هل يكفيه للذهاب والرجوع أم لا؟ (فَقُلْتُ: أَرَاهُ) أي: أُحُدًا (فَقَالَ) -ﷺ- ("مَا) نافية (يَسُرُّنِي) بفتح أوله، وضمّ ثالثه؛ أي: يُفرِحني (أَن لِي مِثْلَهُ) أي: مثل احُد (ذَهَبًا) منصوب على التمييز (أنْفِقُهُ كُلَّهُ) بالنصب توكيد للضمير المنصوب (إِلا ثَلَاَثةَ دَنَانِيرَ") قال القرطبيّ ﵀، ﵀: يعني: دينارًا يرصُده لدين؛ أي: يؤخّره، ودينارًا لأهله، ودينارًا لإعتاق رقبة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا فسّر القرطبيّ الثلاثة الدنانير بهذا التفسير، ولم يذكر مُستنده في ذلك، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا) قال القرطبيّ ﵀: ظاهر احتجاج أبي ذرّ -﵁- بهذا الحديث وشبهه أن الكنز المتوعّد عليه هو جَمْعُ ما فَضَلَ عن الحاجة، وهكذا نُقل من مذهبه، وهو من شدائده -﵁-، ومما انفرد به، وقد رُوي عنه خلاف ذلك، وحُمِل إنكاره هذا على ما أخذه السلاطين لأنفسهم، وجمعوه لهم من بيت المال وغيره، ولذلك هَجَرهم، وقال: لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد سبق أن حمل إنكار أبي ذرّ -﵁- على سلاطين وقته باطلٌ؛ لأنهم هم الخلفاء الراشدون، فلا يمكن أن يفعلوا ذلك، بل الصواب أن مذهب أبي ذرّ -﵁- أنه يرى أن أخذ ما فضل عن حاجة الإنسان يُعتبر من الكنز المتوعّد عليه، وهذا تشدّد منه -﵁-.
(قَالَ) الأحنف (قُلْتُ: مَا لَكَ) "ما" استفهاميّة؛ أي: أيّ شيء ثبتٌ لك (وَلِإخْوَتك مِنْ قُرَيْشٍ لَا تَعْتَرِيهِمْ) أي: تزورهم وتأتيهم تطلب حاجتك منهم، يقال: عَرَوْته واعتروته، واعتريته، واعتررته براءين: إذا أتيته تطلب حاجتك منه، ومن الأخيرة قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الآية [الحج: ٣٦]، وهو الزائر، وقوله: (وَتُصِيبُ مِنْهُمْ؟) مؤكّد لما قبله؛ أي: تأخذ من أموالهم
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٣٤.
(٢) "المفهم" ٣/ ٣٤.
[ ١٩ / ٢٣١ ]
حاجتك (قَالَ) أبو ذرّ -﵁- (لَا وَرَبِّكَ لَا أَسْأَلهُمْ) "لا" الأولى نافية، والثانية مؤكّدة لها، فُصِل بينهما بالقسم، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: ٦٥].
وقوله: (عَنْ دُنْيَا) قال النوويّ ﵀: هكذا هو في الأصول "عن دُنيا"، وفي رواية البخاريّ: "لا أسألهم دُنيا" بحذف "عن"، وهو الأجود؛ أي: لا أسألهم شيئًا من متاع دنياهم (^١). (وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ) أي: لا أستفتيهم، وأطلب منهم أن يُفتوني عن أمرٍ دينيّ (حَتَّى ألحَقَ بِاللهِ) تعالى (وَرَسُولهِ) -ﷺ-؛ أي: حتى أموت، أراد أبو ذرّ -﵁- بذلك أنه مستغن عنهم دُنيا ودينًا، أما من حيث الدنيا، فإنه لا حاجة فيها؛ لكونه لا يأخذ منها إلا قوته، وأما من حيث الدين، فإنه أعلم منهم؛ لكونه عاش مع النبيّ -ﷺ- طويلًا، وعلّمه من أمور الدين ما يُغنيه عن سؤال غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٢٣٠٦ و٢٣٠٧] (٩٩٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٠ و١٦٧ و١٦٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٥٩ و٣٢٦٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٧٣ - ٧٤)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَشْهَبِ، حَدَّثَنَا خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَرَّ أَبُو
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ٧٨ - ٧٩.
[ ١٩ / ٢٣٢ ]
ذَرٍّ، وَهُوَ يَقُولُ: "بَشّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، وَبِكَيٍّ مِنْ قِبَلِ أقفَائِهِمْ، يَخْرُجُ مِنْ جِبَاهِهِمْ"، قَالَ: ثُمَّ تَنَحَّى، فَقَعَدَ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: فَقُمْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَا شَيءٌ سَمِعْتُكَ تَقُولُ قُبَيْلُ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ إِلَّا شَيْئًا قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيهِمْ -ﷺ-، قَالَ: قُلْتُ: مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ، فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً، فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُليّ، أبو محمد، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع وتسعون سنة (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (أَبُو الْأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السعديّ العُطَارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (ت ١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (خُلَيْدٌ الْعَصَرِيُّ) هو: خُليد بن عبد الله، أبو سُليمان البصريّ، يقال له: مولى لأبي الدرداء، صدوق يُرسل [٤].
رَوَى عن عليّ، وسلمان، وأبي ذرّ، وأبي الدرداء، والأحنف، وزيد بن صوحان، وقرأ عليه القرآن.
وروى عنه أبان بن أبي عياش، وأبو الأشهب العُطَارديّ، وعوف الأعرابيّ، وقتادة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين، أنه قال: لم يسمع خُليد بن عبد الله من سلمان، قال: فقلت: يقول: لَمّا ورد علينا سلمان، قال: يعني: بالبصرة. انتهى.
قال الحافظ: وعلى هذا فيبعد سماعه من عليّ، وأبي ذرّ -﵄-، وأما أبو الدرداء -﵁-، فقال ابن حبان في "الثقات" لما ذكره: يقال: إن هذا مولى لأبي الدرداء -﵁-.
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وله عند أبي داود حديث واحد فقط.
[تنبيه]: قوله: "الْعَصَريّ" -بفتح العين، والصاد المهملتين-: منسوب إلى بني عَصَر، وهو بطن من عبد القيس، وهو عَصَر بن عوف بن عمرو بن
[ ١٩ / ٢٣٣ ]
عوف بن جذيمة بن عوف بن بكر بن عوف بن أنمار بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس، قاله في "اللباب" (^١).
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ) "الكيّ" بفتح الكاف، وتشديد الياء التحتانيّة: مصدر كَوَى، يقال: كواه يَكْويه كَيًّا: إذا أحرق جلده بحديدة ونحوها (^٢).
وقوله: (مِنْ جُنُوبِهِمْ) بالضمّ: جمع جَنْب، بفتح، فسكون، كفَلْس وفُلُوس، وجنب الإنسان: ما تحت إبطه إلى كشحه (^٣).
وقوله: (أقفَائِهِمْ) بفتح الهمزة: جمع قَفًا، قال الفيّوميّ ﵀: الْقَفَا مقصورًا: مؤخّرُ العُنُق، ويذكّر ويؤنّث، وجمعه على التذكير أَقْفيةٌ، وعلى التأنيث أقفاء، مثلُ أَرْجاء، قاله ابن السّرّاج، وقد يُجمَع على قُفِيّ، والأصل مثلُ فُلُوس، وعن الأصمعيّ أنه سَمِع ثلاثَ أَقْفٍ، قال الزجّاج: التذكير أغلب، وقال ابن السّكّيت: القَفَا مذكّر، وقد يؤنّث، وألفه واوٌ، ولهذا يثنّى قَفَوينْ. انتهى (^٤).
وقوله: (جِبَماهِهِمْ) بالكسر: جمع جبهة، كلكلبة وكِلاب، قال الخليل: هي مستوى ما بين الحاجبين إلى الناصية، وقال الأصمعيّ: هي موضع السجود. انتهى (^٥).
وقو له: (قُبَيْلُ) تصغير " قَبْلُ".
وقوله: (مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ … إلخ) قال القرطبيّ ﵀: أراد ما يُعطاه الرجلُ من بيت المال على وجه يستحقّه، وهو الذي قال فيه النبي -ﷺ- لعمر -﵁-: "ما أتاك من هذا المال، وأنت غيرُ مُشرِفٍ، ولا سائل فخُذه، وما لا، فلا تُتبعه نفسك" (^٦)، متّفقٌ عليه.
وقوله: (مَعُونَةً) بالنصب على أنه اسم "إنّ" مؤخّرًا، ووزنها مَفْعُلةٌ بضمّ
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ٢/ ١١٧ - ١١٨.
(٢) "القاموس" ٤/ ٣٨٤.
(٣) "المصباح" ١/ ١١٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٥١٢.
(٥) "المصباح" ١/ ٩١.
(٦) "المفهم" ٣/ ٣٥.
[ ١٩ / ٢٣٤ ]
العين، وبعضهم يجعل الميم أصليّة، ويقول: هي مأخوذةٌ من الماعون، ويقول: هي فَعُولةٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١).
وقوله: (فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ) أي: إذا كنت لا تتوصّل إليه إلا بوجه غير جائز، فلا تلتفت إليه، فإن سلامة الدِّين أهمّ من نَيْل الدنيا، فكيف إذا انتهى الأمر إلا أن لا يسلم دِينٌ، ولا تنال دُنيا؟ ومَن أخسر صَفْقةً ممن خسر الآخرة والأولى؟ نعوذ بالله تعالى من سخطه (^٢).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.