وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٨] (٩٩٣) - (حَدَّثَنِي (^٣) زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: (قَالَ اللهُ ﵎: يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أنفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلْأنُ، سَحَّاءُ، لَا يَغِيضُهَا شَيءٌ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الهلاليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام، من كبار [٨] (ت ١٩٨) وله (٩١) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٣.
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٤٣٩.
(٢) "المفهم" ٣/ ٣٥.
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٩ / ٢٣٥ ]
٤ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٥ - (الْأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة الأخذ والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه زهير، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين من أبي الزناد.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁-، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ) جملة حاليّة، ومعناها: يرفع الحديث إلى النبيّ -ﷺ-، وإنما عدل عن الصيغ المشهورة، مثل "قال"، أو "حدّث"، أو "أخبر"، ونحوها؛ لكونه نسي الصيغة، مع تأكّده بإسناده إلى النبيّ -ﷺ-، فأتى بصيغة تَحْتَمل الجميع، فتنبّه.
(قَالَ) -ﷺ- "قَالَ اللهُ ﵎) هذا هو الذي يُسمّى بالحديث القدسيّ، وهو ما يُسنده النبيّ -ﷺ- إلى الله تعالى على سبيل الحكاية، والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن متعبّد بلفظه، بخلاف هذا، فإنه لم يُتعبّد بتلاوته، فتنبّه.
(يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ) بقطع الهمزة، أمر من الإنفاق (أُنْفِقْ عَلَيْكَ) بضمّ الهمزة مجزوم على أنه جواب الأمر؛ أي: أعطك عوض ما أعطيته، وهذا معنى قوله ﷿: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٤] فيتضمن الحثّ
[ ١٩ / ٢٣٦ ]
على الإنفاق معنًى في وجوه الخير، والتبشير بالْخَلَف من فضل الله تعالى (^١).
(وَقَالَ) -ﷺ- (يَمِينُ الله مَلْأَى) مبتدأ وخبره، وهو فعلى تأنيث ملآن بالنون (وَقَالَ) محمد بن عبد الله (بْنُ نُمَيْرٍ) شيخه الثاني في روايته (مَلْآنُ) بالنون، قال النوويّ ﵀: هكذا وقعت رواية ابن نُمير بالنون، قالوا: وهو غلطٌ منه، وصوابه "ملآى"، كما في سائر الروايات، ثم ضبطوا رواية ابن نمير من وجهين: أحدهما: إسكان اللام، وبعدها همزة، والثاني: "ملان" بفتح اللام بلا همز. انتهى (^٢).
ووقع في رواية للبخاريّ "يد الله" بدل "يمين الله"، قال في "الفتح": ويُتَعقَّب برواية "يمين الله" على مَن فَسَّر اليد هنا بالنعمة، وأبعدُ منه من فسّرها بالخزائن، وقال: أَطْلق اليد على الخزائن؛ لتصرّفها فيها. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد أجاد صاحب "الفتح" حيث تعقّب من فسّر اليد بالنعمة، أو بالخزائن، فالحقّ أن اليد صفة ثابتة لله تعالى على ظاهرها كما يليق بجلاله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
قال: وقوله: "مَلْآى" بفتح الميم، وسكون اللام، وهمزة، مع القصر: تأنيث ملآن، ووقع بلفظِ ملآن في رواية لمسلم، وقيل: هي غلط، ووَجَّهَهَا بعضهم بإرادة اليمين، فإنها تُذَكَّر وتؤنّث، وكذلك الكَفّ (^٤).
قال: والمراد من قوله: ملآى، أو ملآن لازمه، وهو أنه في غاية الغنى، وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق. انتهى (^٥).
قال الجامع عفا الله عنه: تفسير الملء باللازم ليس صوابًا؛ إذ فيه دعوى المجاز، والحقّ أن يُفسّر بالملزوم واللازم معًا، فإن صفات الله تعالى ثابتة له حقيقةً لا مجازًا، ولا محذور في إثباتها على حقيقتها؛ لأن الملء إذأ نُسب
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٧٩.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٧٩.
(٣) "الفتح" ١٧/ ٣٧٣.
(٤) فقد ذكر في "المصباح" أن الكفّ مذكّر، ولا يُعرف تانيثه ممن يوثق به.
(٥) "الفتح" ١٧/ ٣٧٣.
[ ١٩ / ٢٣٧ ]
إلى الله تعالى يكون على ما يليق به، فلا يلزم منه التشبيه، فتنبّه لهذه الدقائق، فمانها من مزالّ الأقدام، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (سَخَاءُ) صيغة مبالغة، من السَّحِّ، وهو الصبّ الدائم، وهو خبر ثانٍ لـ"يمين الله".
وقال النوويّ ﵀: ضَبَطُوا "سحاء" بوجهين: أحدهما: "سَحًّا" بالتنوين على المصدر، وهذا هو الأصح الأشهر، والثاني: حكاه القاضي "سَحَّاءُ" بالمد على الوصف، ووزنه فعلاء، صفة لليد، والسَّحّ الصبّ الدائم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الوجه الثاني هو الموجود في النسخ التي عندنا، فتنبّه.
وقال في "الفتح": قوله: "سَحَّاء" بفتح المهملتين، مُثَقَّلًا ممدودًا؛ أي: دائمةُ الصبِّ، يقال: سَحَّ بفتح أوله مثقلًا يَسُحُّ بكسر السين في المضارع، ويجوز ضمها، وضُبِطَ في مسلم "سَحًّا" بلفظ المصدر. انتهى.
وفي الرواية التالية: "سحّاءُ الليل والنهار"، والمراد عدم الانقطاع لعطائه؛ أي: هي دائمة الانصباب في الليل والنهار.
وقال السنديّ ﵀: قيل: ما أتمّ البلاغة، وأحسن هذه الاستعارة، فلقد نبّه رسول الله -ﷺ- بهذا اللفظ على معان دقيقة:
[منها]: وَصْفُ يده تعالى في الإعطاء بالتفوّق والاستعلاء، فإن السحّ إنما يكون من عُلْو.
[ومنها]: أنها المعطية عن ظهر غنًى؛ لأن الماء إذا انصبّ من فوقُ انصبّ بسهولة.
أومئها،: جزالة عطاياه ﷾، فإن السحّ يُستعمل فيما ارتفع عن حدّ التقاطر إلى حدّ السيلان.
[ومنها]: أنه لا مانع لها؛ لأن الماء إذا أخذ في الانصباب من فوقُ لم يستطع أحدٌ أن يردّه. انتهى. وهو توجيه وجيه، والله تعالى أعلم.
(لَا يَغِيضهَا شَيءٌ) أي: لا يَنْقُصها شيء من الإنفاق، يقال: غاض الماءُ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٠.
[ ١٩ / ٢٣٨ ]
يَغِيض، من باب سار غَيْضًا ومَغَاضًا: نَضَبَ؛ أي: ذهب في الأرض، وغاضه الله يتعدّى، ولا يتعدّى، وغاض الشيءُ: نقَصَ، ومنه يقال: غاض ثمن السلعة: إذا نقص، وغِضْتُهُ: نقصتُهُ، يُستعمل لازمًا ومتعدّيًا، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ") في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة، تنازع فيهما "لا يَغيضها"، و"سحّاء"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١١/ ٢٣٠٨ و٢٣٠٩] (٩٩٣)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٦٨٤ و٥٣٥٢)، و" التوحيد" (٧٤١٩ و٧٤٩٦)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠٤٥)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٦٣)، و(ابن ماجه) في "السنّة" (١٩٧)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٢ و٤٦٤ و٥٠٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧٢٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٣٤)، و(الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٥٥٣)، و(البيهقيّ) في "الأسماء والصفات " (٣٩٥ و٣٩٦)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كثرة جود الله ﷾، وأنه ينفق كيف يشاء.
٢ - (ومنها): سعة رزقه تعالى، بحيث لا ينقصه الإنفاق.
٣ - (ومئها): أنه يستفاد من الرواية التالية أنه ﷾ يرفع الميزان بأفعال العباد، وأرزاقهم، ويخفضه، كيف يشاء، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٤٥٩.
[ ١٩ / ٢٣٩ ]
٤ - (ومنها): الردّ على الجهميّة في إنكارهم الصفات الثابتة لله ﷿ في نصوص الكتاب والسنّة الصحيحة، وهي اليد، واليمين، وأنه تعالى يرفع القسط، ويخفضه، وكلها صفات لائقة بجلاله، ثابتة له كما أثبتها هذا النصّ الصريح الصحيح، فلا نعطّل، ولا نشبّه، ولا نؤوّل.
قال الإمام الترمذيّ ﵀ في "جامعه" بعد إخراجه هذا الحديث ما نصّه: قال أبو عيسى: هذا حديث قد رَوَته الأئمةُ، نؤمن به كما جاء، من غير أن يُفَسَّر، أو يُتَوَهَّم، هكذا قال غيرُ واحد من الأئمة، منهم سفيان الثوريّ، ومالك بن أنس، وابن عيينة، وابن المبارك، أنه تُرْوَى هذه الأشياء، وُيؤمَنُ بها، ولا يقال: كيف؟. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مراد الترمذيّ ﵀ بقوله: "من غير أن يُفَسَّر" تفسير الكيفيّة، كما أوضحه آخر كلامه، فتنبّه، فإن بعض الناس يَحْمِل تفويض السلف على أنهم يفوّضون المعنى، وهذا غلطٌ عليهم، فإنهم يعلمون معنى الصفات على ظاهرها، وُيثبتونها كذلك، وإنما يجهلون، ويفوّضون معنى كيفيّتها، فتفطّن لهذه الدقيقة فإنها من مزالّ الأقدام، فقد زلّ فيها كثير ممن ينتسب إلى العلم، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٠٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الزَزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مًا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "إِنَّ اللهَ قَالَ لِي: أَنفِقْ أُنفِقْ عَلَيْكَ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (يَمِينُ اللهِ مَلْأَى، لَا يَغِيضُهَا، سَحَّاءُ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أنفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ (^١) وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِض").
_________________
(١) وفي نسخة: "السماوات".
[ ١٩ / ٢٤٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (٢٤٥) (خ م دت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَاقِ بْنُ هَمَّام) أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظٌ، مصنّفٌ شهيرٌ، عمي، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ) الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الإيمان، ٢٦/ ٢١٣.
و"أَبُو هُرَيْرَةَ" ذُكر قبله.
وقوله: (أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ) المتوفّى سنة بضع عشرة ومائة، وستأتي ترجمته في [٣٤/ ٢٣٩٠] "باب النهي عن المسألة"، وهمّام أكبر سنًّا من أخيه وهب، لكن تأخّرت وفاته عنه، فقد تُوُفّي سنة (١٣٢) على الصحيح.
وقوله: (قَالَ: هَذَا … إلخ) أي: قال همّام بن منبّه مشيرًا إلى ما كتبه في صحيفته من حديث أبي هريرة -﵁-، فاسم الإشارة مبتدأ خبره قوله: "مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁- … إلخ".
وقوله: (فَذَكرَ) أي: همّام (أَحَادِيثَ) كثيرة، وهي نحو (١٣٨) حديثًا.
وقوله: (مِنْهَا) جارّ ومجرور خبر مقدّم لقوله: "وقال: قال رسول الله -ﷺ- … إلخ " لقصد لفظه، فهو محكيّ.
(لَا يَغِيضُهَا) أي: لا ينقصها شيء من الإنفاق، ففاعله مقدّر، يدلّ عليه السياق، وقد جاء مصرّحًا به في الرواية السابقة، حيث قال: "لا يغيضها شيء".
وقوله: (سَحَّاءُ) بالمدّ والهمز والرفع على أنه خبرٌ لـ "يمينُ الله" بعد خبرين، وقوله: "الليل والنهار" في هذه الرواية منصوبان على الظرفيّة متعلّقان بما في "سحّاء" من معنى الفعل، قال القرطبيّ ﵀: هذه هي الرواية المشهورة، وعند أبي بحر: "سَحًّا" منصوبًا منوّنًا على أنه مصدر، حُذف فعله؛
[ ١٩ / ٢٤١ ]
أي: تسُحّ سحًّا، والسخ الصبّ الكثير (^١).
وقوله: (اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ) قال النوويّ ﵀: ضبطناه بوجهين: نصب "الليلَ والنهارَ"، ورفعهما، فالنصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل.
وقال في "الفتح "؛ بالنصب على الظرفيّة؛ أي: فيهما، ويجوز الرفع، ووقع في رواية لمسلم: ة سَحُّ الليلِ والنهارِ" بالإضافة، وفتح الحاء، ويجوز ضمها. انتهى (^٢).
[تنبيه]: قال الطيبيّ ﵀: يجوز أن تكون "ملآى"، و"لا يَغِيضها"، و"سحّاء"، و"أرأيت" على تأويل مقول فيه أخبارًا مترادفةَ و"يمين الله"، ويجوز أن تكون الثلاثة الأخيرة أوصافاَ و"ملآى"، ويجوز أن يكون "أرأيت" استئنافًا وفيه معنى الترقّي، كأنه لَمّا قيل: "ملآى" أَوْهَم جواز النقصان، فأزاله بقوله: "لا يَغِيضها شيءٌ"، وربما يمتلئ الشيءُ، ولا يغيض، فقيل: سَحَاءُ، ليؤذن بالغيضان، وقرنها بما يدلّ على الاستمرار، من ذكر الليل والنهار، ثم أتبعها بما يدلّ على أن ذلك ظاهر غير خافٍ على ذي بصر وبصيرة بعد أن انتقل من ذكر الليل والنهار إلى المدّة المتطاولة بقوله: "أرأيتم" مستأنفًا؛ لأنه خطاب عامّ، والهمزة فيه للتقرير، قال: وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغنى، وكمال السعة، والنهاية في الجود، وبسط اليد في العطاء. انتهى كلامه ببعض تصرّف (^٣).
وقوله: (أَرَأَيْتُمْ) بضمير الجمع، وفي رواية ابن ماجه: "أريت" بضمير المخاطب الواحد، وهو تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة.
وقوله: (مَا أنفَقَ) "ما" مصدريّة؛ أي: أتعلمون إنفاق الله تعالى (مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ) الضمير راجع إلى الإنفاق (لَمْ يَغِضْ)، بِالغين والضاد المعجمتين، وهو بمعنى ينقص، وفاعله ضمير الإنفاق أيضًا؛ أي: لم ينقص ذلك الإنفاق (ما فِي يَمِينِهِ) "ما" هذه موصولة، وهي مع صلتها مفعول "يَغِض"، وفي رواية البخاريّ: "ما في يده".
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٣/ ٣٨.
(٢) "الفتح" ١٧/ ٣٧٣.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٢/ ٥٥٢ - ٥٥٣.
[ ١٩ / ٢٤٢ ]
وقوله: (قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) فيه إشارة إلى أنه لم يكن تحت العرش قبل السماوات والأرض شيء إلا الماء، وإلى أن جوده تعالى لا نهاية له، ولا حصر.
وقال في "الفتح": مناسبة ذكر العرش هنا أن السامع يتطلع من قوله: "خلق السماوات والأرض" ما كان قبل ذلك، فذَكَرَ ما يدل على أن عرشه قبل خلق السماوات والأرض كان على الماء، كما وقع في حديث عمران بن حصين -﵄- بلفظ: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض". انتهى.
وقوله: (وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ، يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ) قال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: أحدهما: "الْفَيْضُ" بالفاء والياء المثناة تحتُ، والثاني: "الْقَبْضُ" بالقاف والباء الموحدة، وذكر القاضي أنه بالقاف، وهو الموجود لأكثر الرواة، قال: وهو الأشهر والمعروف، قال: ومعنى القبض الموت، وأما الفيض بالفاء فالإحسان والعطاء والرزق الواسع، قال: وقد يكون بمعنى القبض بالقاف؛ أي: الموت، قال البكراويّ: والفيض الموت، قال القاضي: قَيْسٌ يقولون: فاضت نفسه بالضاد: إذا مات، وطَيّئٌ يقولون: فاظت نفسه بالظاء، وقيل: إذا ذكرت النفس فبالضاد، وإذا قيل: فاظ من غير ذكر النفس فبالظاء، وجاء في رواية أخرى: "وبيده الميزان، يَخْفِض ويرفع"، فقد يكون عبارةً عن الرزق ومقاديره، وقد يكون عبارة عن جملة المقادير، ومعنى "يخفض، ويرفع"، قيل؛ هو عبارة عن تقدير الرزق، يُقَتِّره على من يشاء، ويوسعه على من يشاء، وقد يكونان عبارة عن تصرف المقادير بالخلق بالعز والذل، والله أعلم. انتهى (^١).
ووقع في رواية البخاريّ: "وبيده الأخرى الميزان، يخفض ويرفع"؛ أي: يخفض الميزان ويرفعها، قال الخطابيّ: الميزان مَثَلٌ والمراد القسمة بين الخلق، وإليه الإشارة بقوله: "يخفض وبرفع"، وقال الداوديّ: معنى الميزان أنه قدّر الأشياء، ووقّتها، وحددها، فلا يملك أحد نفعًا ولا ضرًّا إلا منه وبه.
وقال السنديّ ﵀ في "شرح النسائيّ": وعنى قوله: "وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨١.
[ ١٩ / ٢٤٣ ]
الْمِيزَانُ" كما ذكروا في "اليمين" من المجاز، فليُتأمل، قال: والوجه مذهب السلف، فالواجب فيه وفي أمثاله الإيمان بما جاء في الحديث والتسليم، وترك التصرّف فيه بالعقل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد السنديّ ﵀ في آخر كلامه، فإن مذهب السلف هو الأسلم، والأعلم، والأحكم، فيا ليته التزم هذا المذهب في كلّ كتابه لأفاد وأجاد، ولكنك في بعض المواضع ترى منه العجب العُجاب، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقال في "الفتح": ووقع في رواية همام؛ يعني: عند البخاريّ: "وبيده الأخرى الفيض، أو القبض"، الأولى بفاء وتحتانية، والثانية بقاف وموحدة، كذا للبخاريّ بالشك، ولمسلم بالقاف والموحدة بلا شك، وعن بعض رواته فيما حكاه عياض بالفاء والتحتانية، والأول أشهر، قال عياض: المراد بالقبض قبض الأرواح بالموت، وبالفيض الإحسان بالعطاء، وقد يكون بمعنى الموت، يقال: فاضت نفسه إذا مات، ويقال: بالضاد وبالظاء. انتهى.
قال الحافظ: والأولى أن يُفَسَّر بمعنى الميزان؛ ليوافق رواية الأعرج التي في هذا الباب، فإن الذي يوزن بالميزان يَخِفّ وَيرْجَح، فكذلك ما يُقْبَض، وَيحْتَمِل أن يكون المراد بالقبض المنع؛ لأن الإعطاء قد ذُكِر في قوله قبل ذلك: "سَحَّاءُ الليل والنهار"، فيكون مثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥].
ووقع في حديث النَّوّاس بن سَمْعان -﵁- عند مسلم: "الميزان بيد الرحمن، يرفع أقوامًا، ويَضَعُ آخرين".
وفي حديث أبي موسى -﵁- عند مسلم، وابن حبان: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي أن ينام، يَخْفِض القسط، ويرفعه"، وظاهره أن المراد بالقسط الميزان، وهو مما يؤيد أن الضمير المستتر في قوله: "يخفض ويرفع" للميزان، كما بدأت الكلام به، وقد تقدّم على هذا الحديث في "كتاب الإيمان" (^٢)، فراجعه، تستفد.
_________________
(١) "شرح السنديّ" ١/ ١٣١.
(٢) تقدّم برقم (١٧٩) حديث أبي موسى -﵁- قال: قام فينا رسول الله - ﷺ- بأربع: =
[ ١٩ / ٢٤٤ ]
وقال المازريّ: ذكر القبض والبسط وإن كانت القدرة واحدة؛ لتفهيم العباد أنه يفعل بها المختلفات، وأشار بقوله: "بيده الأخرى" إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأشياء باليدين معًا، فعبّر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين؛ لتفهيم المعنى المراد بما اعتادوه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه المازريّ، وكذا القرطبيّ في "المفهم" من تفسيره اليد بالقدرة مذهب منابذٌ لظواهر الكتاب والسنّة، ومذهب السلف الصالح، وقد بيّنّا بطلانه في هذا الشرح في غير موضع، وكذا في شرح النسائيّ، وشرح ابن ماجه في عذة مواضع بما يكفي ويشفي.
والحاصل أن الله له صفة اليد كما أن له صفة القدرة، وله سائر صفاته العليّة على ما يليق بجلاله، فتبصّر، ولا تتهوّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.