وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٦] (٩٣٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (ابْنُ عُلَيَّةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم، تقدّم قبل باب.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، وأيوب هو: السختيانيّ، وكذلك مضى لطائف الإسناد.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) أنه (قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ) -﵂-: (كُنَّا نُنْهَى) بالبناء للمفعول (عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ) أي: ما زلنا على النهي بدليل قولها في رواية حفصة التالية: "نُهِينا عن اتّباع الجنائز"، قال في "الفتح": ورواه يزيد بن أبي حكيم، عن الثوريّ، بلفظ: "نهانا رسول الله -ﷺ-"، أخرجه الإسماعيليّ، وفيه ردّ على من قال: لا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم يُسَمَّ الناهي فيه؛ لما رآه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعًا، وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين، ويؤيِّد رواية الإسماعيليّ ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدّته أم عطية، قالت: لَمّا دخل رسول الله -ﷺ- المدينة جَمَع النساء في بيت، ثم بَعَث إلينا عمر، فقال: "إني رسول رسول الله -ﷺ- إليكنّ، بعثني إليكنّ لأبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا … " الحديث، وفي آخره: "وأمرنا أن نُخرج في العيد العواتق، ونهانا أن
[ ١٨ / ٢٨٩ ]
نخرج في جنازة"، وهذا يدلّ على أن رواية أم عطية الأولى من مرسل الصحابة.
وقولها: (وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا) بالبناء للمفعول؛ أي: ولم يُؤَكَّد علينا في المنع، كما أكَّد علينا في غيره من المنهيات، فكأنها قالت: كُرِه لنا اتّباعُ الجنائز من غير تحريم.
وقال القرطبيّ ﵀: قولها: "ولم يُعزَم علينا"؛ أي: لم يُحَرَّم علينا، ولم يُشدَّد علينا، وظاهر كلامها أنهنّ نُهين عن ذلك نهي تنزيه وكراهة، وإلى منع ذلك صار جمهور العلماء؛ لهذا المعنى، ولقوله -ﷺ-: "ارجعن مأزورات، غير مأجورات" (^١)، وإليه ذهب ابن حبيب، وكرهه مالك للشابّة، وفي الأمر المستنكر، وأجازه إذا لم يكن ذلك، وأجازه علماء المدينة؛ لقولها: "ولم يُعزم علينا". انتهى (^٢).
قال في "الفتح" بعد نقل كلام القرطبيّ المذكور: ويدلُّ على الجواز ما رواه ابن أبي شيبة، من طريق محمد بن عمرو بن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- كان في جنازة، فرأى عُمرُ امرأةً، فصاح بها، فقال: "دَعْها يا عمر … " الحديث، وأخرجه ابن ماجه، والنسائيّ من هذا الوجه، ومن طريق أخرى، عن محمد بن عمرو بن عطاء، عن سلمة بن الأزرق، عن أبي هريرة، ورجاله ثقات.
وقال المهلَّب: في حديث أم عطية دلالة على أن النهي من الشارع على درجات، وقال الداوديّ: قولها: "نهينا عن اتّباع الجنائز" أي: إلى أن نصل إلى القبور، وقولها: "ولم يُعْزم علينا" أي أن لا نأتي أهل الميت، فنُعَزِّيهم، ونترحم على ميتهم، من غير أن نتبع جنازته. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظرٌ، نعم هو في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن النبيّ -ﷺ- رأى فاطمة مقبلةً،
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه، وهو ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن سلمان، قال أبو زرعة: واهي الحديث، وقال النسائيّ: متروك الحديث، وضعّفه غيرهما.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥٩١ - ٥٩٢.
[ ١٨ / ٢٩٠ ]
فقال: "من أين جئت؟ " فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم، فقال: "لعلك بلغت معهم الْكُدَى؟ "، قالت: لا … الحديث (^١)، أخرجه أحمد، والحاكم، وغيرهما، فأَنكَر عليها بلوغ الْكُدَى، وهو بالضم، وتخفيف الدال المقصورة، وهي المقابر، ولم يُنكِر عليها التعزية.
وقال المحب الطبريّ ﵀: يَحْتَمِل أن يكون المراد بقولها: "ولم يعزم علينا"؛ أي: كما عُزِم على الرجال بترغيبهم في اتّباعها بحصول القيراط، ونحو ذلك، والأول أظهر، والله أعلم. انتهى ما في "الفتح" (^٢)، وهو بحث نفيسٌ.
والحاصل أن الراجح في معنى قولها: "ولم يُعزم علينا" هو المعنى الأول، وهو أن نهيه -ﷺ- لنا عن اتّباع الجنائز ليس مؤكّدًا كتأكّد سائر المنهيّات التي ذُكرت في تلك البيعة وهي التي اشتملت عليها آية: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ الآية [الممتحنة: ١٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) أخرج الإمام أحمد ﵀ في "مسنده": (٦٥٣٨) من طريق سعيد بن أبي أيوب، حدثنا ربيعة بن سيف المعافريّ، عن أبي عبد الرحمن الحبليّ، عن عبد الله بن عمرو، قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله إذ بصر بامرأة، لا نظنّ أنه عرفها، فلما توجهنا الطريق، وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة بنت رسول الله -ﷺرضي الله عنها-، فقال: "ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم، وعزَّيتهم، فقال: "لعلك بلغت معهم الْكُدَى؟ " قالت: معاذ الله أن أكون بلغتها معهم، وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر، قال: "لو بلغتها معهم ما رأيت الجنة حتى يراها جدّ أبيك". انتهى. وأخرجه أبو داود، والنسائيّ، وقال النسائيّ: ربيعة بن سيف ضعيف، وقال البخاريّ: عنده مناكير، ووثقه العجليّ، وابن حبّان، وقال: يُخطئ كثيرًا، وقال النسائي في رواية: ليس به بأس، وقال الدارقطنيّ: صالح. والحاصل أن ربيعة هذا مختلف فيه، وضعّف الحديث الشيخ الألبانيّ ﵀.
(٢) "الفتح" ٤/ ١٨ - ١٩.
[ ١٨ / ٢٩١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم عطيّة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف هنا [١١/ ٢١٦٦ و٢١٦٧] (٩٣٨)، و(البخاريّ) في "الحيض" (٣١٣) و"الجنائز" (١٢٧٨)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٦٧)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٧٧)، و(عبد الرزاق) في "مصنفه" (٣/ ٤٥٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٢/ ٤٨٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٩٠)، و(إسحاق ابن راهويه) في "مسنده" (٥/ ٢١٦ - ٢١٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ٥٣)، و"الأوسط" (٢/ ٦٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في حكم اتّباع النساء الجنائز: قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في ذلك، فممن روينا عنه أنه كره اتّباعهنّ الجنائز ابن مسعود، وابن عمر، وعائشة، وأبوأمامة، وكَرِه ذلك مسروقٌ، والحسن، والنخعيّ، وأحمد، وإسحاق، وكان الأوزاعيّ يرى منع النساء الخروج مع الجنائز، وقد ذُكِر عن عبد الجبّار بن عمر أنه كان في جنازة مع أبي الزناد، وربيعة، ومعهم فيها نساء، قال: فلم أرهما ينكران شهود النساء الجنائز يومئذ، وحُكي عن الزهريّ أنه لم ينكر ذلك، ورُوي عن الحسن البصريّ أنه كان لا يرى بأسًا أن تصلي النساء على الجنازة، وهنّ على الدوابّ من غير علّة، وكان مالك لا يرى بذلك بأسًا، وكره ذلك لنسائه.
قال ابن المنذر ﵀: أما الذين كرهوا حضور النساء الجنائز، فلعلّ من حجتهم حديث أم عطيّة -﵂-، بل قد احتجّ به بعضهم.
ثم ساق ابن المنذر ﵀ لمن رخّص في ذلك، فقال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة، قال: حدّثنا أبو بكر (^١)، قال: حدثنا وَكِيعٌ، عن هِشَام بن عُرْوَةَ، عن وَهْبِ بن كَيْسَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَمْرٍو بن عَطَاءٍ، عن أَبي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- كان في جِنَازَةٍ، فَرَأَى عُمَرُ امرأةً، فَصَاحَ بها، فقال له
_________________
(١) هو: ابن أبي شيبة، هكذا ساقه في "مصنّفه" ٢/ ٢٨٢.
[ ١٨ / ٢٩٢ ]
رسول اللهِ -ﷺ-: "دَعْهَا يا عُمَرُ، فإن الْعَيْنَ دامعةٌ، وَالنَّفْسَ مُصَابَةٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ" (^١).
قال ابن المنذر ﵀: وقد روينا عن النبيّ -ﷺ- أنه قال لامرأة: "صلاتك في بيتك يخر من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك"، فإذا كان هذا سبيلها في الصلاة، وقد أُمرن بالتستّر، فالقعود من الجنائز أولى بهنّ وأستر، والله أعلم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن ما ذهب إليه الجمهور من كراهة اتّباع النساء الجنائز هو الأرجح؛ لحديث أم عطيّة -﵂- المذكور في الباب، وأما القول بتحريمه، ففيه نظر؛ لهذا الحديث، ولحديث أبي هريرة -﵁- في قصّة عمر -﵁-، فإنه صريح في الدلالة على الجواز.
والحاصل أنه يكره اتّباعهنّ الجنائز؛ لما ذكرناه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة، تقدّم قبل باب.
٢ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ الكوفيّ، نزل الشام، ثقةٌ مأمون [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
_________________
(١) هذا الحديث رجاله ثقات، بل هم من رجال الصحيح، وقد ضعّفه بعضهم، ولا أدري سببه، وقوّاه الحافظ في "الفتح".
(٢) "الأوسط" ٥/ ٣٨٧ - ٣٨٩.
[ ١٨ / ٢٩٣ ]
والباقون تقدّموا في الباب الماضي، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه، و"هشام" هو: ابن حسّان القردوسيّ.
والحديث متّفقٌ عليه، ومضى البحث فيه مستوفى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.