وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٠] (٩٩٤) - (حَدَّثنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ (^١)، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ: "أفضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ"، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثئَم قَالَ أَبُو
_________________
(١) = "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يرفع القسط، ويخفضه، ويُرفع إليه عمل النهار بالليل، وعمل الليل بالنهار".
(٢) وفي نسخة: "عن أبي أسماء الرحبي".
[ ١٩ / ٢٤٥ ]
قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ، أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ (^١)، وَبُغْنِيهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزهْرَانيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زيدٍ) أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أيَّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابدٌ [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، كثير الإرسال، وفيه نصث يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (أَبُو أَسْمَاءَ) عمرو بن مرثد الرَّحَبيّ الدمشقيّ، ويقال: اسمه عبد الله، ثقةٌ [٣] مات في خلافة عبد الملك (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
٧ - (ثَوْبَانُ) بن بُجْدُد، ويقال: ابن جَحْدر الهاشميّ مولى النبيّ -ﷺ-، صَحِبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، مات -﵁- بحِمْص سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفية أخذه عنهما، ثم فصّل؛ لاختلافهما في كيفيّة صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى أبي الربيع، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين إلى أبي قلابة، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان شاميّان.
_________________
(١) وفي نسخة: "يعفّهم الله، أو ينفعهم الله به".
[ ١٩ / ٢٤٦ ]
٤ - (ومنها): أن ثلاثةً من التابعين روى بعضهم عن بعض: أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ ثَوْبَانَ) بن بُجْدُد -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: "أفضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ) يراد به العموم؛ أي: أكثر الدنانير إذا أُنفقت (دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ) بكسر العين المهملة، وتخفيف الياء التحتانيّة: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد عَيِّل، مثلُ جِيَادٍ وجَيِّدٍ، ويقال: عال الرجل اليتيم عَوْلًا، من باب قال: إذا كَفَلَهُ، وقام به (^١).
والمعنى: أن أفضل ما يُنفقه الرجل من الدنانير دينارٌ يُنفقه على من يعولهم، وتلزمه نفقتهم ومؤنتهم، من نحو زوجة، وولد، وخادم، وهذا إذا نوى به وجه الله تعالى؛ لما أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "إنك لن تُنفق نفقة تبتغي بها وجه الله، إلا أُجرت عليها، حتى ما تَجعَل في فم امرأتك".
وأخرجا عن أبي مسعود البدريّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا أنفق الرجل على أهله يَحتسبها، فهو له صدقة"، ولفظ مسلم: "إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقةً، وهو يحتسبها، كانت له صدقةً".
(وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ الله) متعلّق بحال من "دابته"؛ أي: حال كونها مربوطة، أو مجاهَدًا بها في سبيل الله ﷿، وفي رواية ابن ماجه: "على فرس في سبيل الله " (وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ ﷿) متعلّق بحال مقدّر؛ أي: حال كونهم مجاهدين في سبيل الله تعالى، والمراد رُفقاؤه الغُزاة، وقيل: المراد بـ "سبيل الله" كلُّ طاعة.
وقال القاري ﵀ (^٢): يعني: أن الإنفاق على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضل من الإنفاق على غيرهم، ذكره ابن الملك.
قال: ولا دلالة في الحديث على الترتيب؛ لأن الواو لمطلق الجمع، إلا
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٨.
(٢) راجع: "المرقاة" ٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
[ ١٩ / ٢٤٧ ]
أن يقال: الترتيب الذكريّ الصادر من الحكيم لا يخلو عن حكمة، فالأفضل ذلك، إلا أن يوجد مخصِّصٌ، ولذا قال -ﷺ-: "فابدءوا بما بدأ الله به"، رواه أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن (^١).
(قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد الْجَرْميّ (وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ) منوّهًا بتقديم العيال على غيرهم، ومنبّهًا على عظم أجر الإنفاق عليهم (وَأَيُّ رَجُلٍ) مبتدأ خبره قوله: (أَعْظَمُ أَجْرًا) منصوب على التمييز (مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ يُعِفُّهُمْ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإعفاف؛ أي: يمنعهم الله تعالى بسببه من مذلّة السؤال (أَوْ) للشكّ من الراوي (يَنْفَعُهُمُ) بفتح أوله، من النفع، وقوله (اللهُ بِهِ) تنازعه الفعلان قبله، وفي بعض النسخ: "يُعفّهم الله، أو ينفعهم"، وعليه فلا تنازع (وَيُغْنِيهِمْ) بضمّ أوله، من الإغناء، وهو مؤكّد لما قبله.
وهذا الذي قاله أبو قلابة يدلّ له ما يأتي في حديث أبي هريرة -﵁- التالي: "أعظمها نفقةً الذي أنفقته على أهلك"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان -رضي الله عن - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١٠] (٩٩٤)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٧٤٨)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصّلَة" (١٩٤٤)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٩١٨٢)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٦٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٧ و٢٧٩ و٤٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٨) و(٧/ ٤٦٧)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) هكذا وقعت في رواية للنسائيّ: "ثم خرج، فقال: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فابدءوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر، وأما لفظ مسلم فهو "أَبْدَأُ" بصيغة مضارع المتكلّم، وأكثر الروايات بلفظ: "نبدأ"، بصيغة المضارع المبدوء بالنون، فتنبّه.
[ ١٩ / ٢٤٨ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على النفقة على العيال، وبيان عظم الثواب فيه؛ لأن منهم من تجب نفقته بالقرابة، ومنهم من تكون مندوبةً، وتكون صدقةً وصلةً، ومنهم من تكون واجبةً بملك النكاح، أو ملك اليمين، وهذا كله فاضل محثوثٌ عليه، وهو أفضل من صدقة التطوع، ولهذا قال -ﷺ- في الرواية التالية: "أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك"، مع أنه ذكر قبله النفقة في سبيل الله، وفي العتق، والصدقة، ورَجَّحَ النفقة على العيال على هذا كله؛ لما ذكرناه وزاده تأكيدًا بقوله -ﷺ- في الحديث الآخر: "كفى بالمرء إثمًا أن يَحْبِس عمن يملك قوته" (^١).
٢ - (ومنها): الحثّ على العناية بالخيل ونحوه من عُدّة الجهاد في سبيل الله ﷿.
٣ - (ومنها): الحثّ على التعاون في الجهاد، والإنفاق على الغزاة المعوزين فيه؛ لأنه من باب التعاون على البرّ والتقوى، قال ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ الآية [المائدة: ٢]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١١] (٩٩٥) - (حَدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُزَاَحِمِ بْنِ زُفَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "دِينَارٌ أنفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ أنفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أنفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
_________________
(١) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ٨١ - ٨٢.
[ ١٩ / ٢٤٩ ]
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل بابين.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٦ - (مُزَاحِمُ بْنُ زُفَرَ) بن الحارث الضبّيّ، ويقال: الثوريّ، ويقال: العلاليّ الجعفريّ العامريّ الكوفيّ، وهو مزاحم بن أبي مُزَاحم، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والشعبيّ والربيع بن عبد الله التيميّ، والقاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، والضحاك بن مزاحم.
ورَوَى عنه مِسْعَز، والمسعوديّ، ومنصور بن أبي الأسود، والثوريّ، وشعبة، وشريك، وغيرهم.
قال أبو داود، عن شعبة: أخبرني مُزاحم بن زُفَر الضبيّ، وكان كخير الرجال، وقال إسحاق بن منصور، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: مات يوم النهر غازيًا مع قتيبة بن مسلم. انتهى.
عَلَّقَ له البخاريّ، عن عمر بن عبد العزيز أَثَرًا، وروى له مسلم والنسائي حديث مجاهد عن أبي هريرة: دينار أعطيه في سبيل الله تعالى … الحديث، وليس له عندهما إلا هذا الحديث.
٧ - (مُجَاهِدُ) بن جبر أبو الحجّاج المخزوميّ مولاهم المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه إمام في التفسير [٣] (ت ١٠١) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحادهم في كيفية التحمّل والأداء.
[ ١٩ / ٢٥٠ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه الأول والثاني، فما أخرج لهما الترمذيّ، وسوى مزاحم، فانفرد به المصنّف والنسائيّ، وأما شيخه الثالث، فممن اتّفق الجماعة على الرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى زهير، فنسائيّ، ثم بغداديّ، ومجاهد، فمكيّ، وأبو هريرة -﵁-، فمدنيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُول الله -ﷺ -: "دِينَارٌ أنفَقْتَهُ) قوله: "دينار" مبتدأ، خبره جملة "أعظمها أجرًا … إلخ"، وقوله: "أنفقته … إلخ " في محلّ رفع صفة لـ "دينارٌ"، وما بعده عطف عليه (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: في الجهاد، وقيل: المراد عموم سبيل الطاعة، كالحجّ، وطلب العلم (وَدِينَارٌ أنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ) أي: في فكّها، أو إعتاقها (وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أنفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ) وقوله: (أَعْظَمُهَا) مبتدأ (أَجْرًا) منصوب على التمييز، وخبر المبتدأ قوله: (الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ") والجملة خبر "دينارٌ"، كما مرّ آنفًا، وفيه دليلٌ على أن إنفاق الرجل على أهله أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب، ومن الصدقة على المساكين، وإنما كان أعظمها أجرًا؛ لكونه فرضًا، وهي تطوّع، والفرض أفضل من التطوّع، ولأنه صدقةٌ وصلةٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١١] (٩٩٥)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٧٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٧٣ و٤٧٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٠)، وفوائد الحديث تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٩ / ٢٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٢] (٩٩٦) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، إِذ جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "كفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) -بفتح الجيم، وسكون الراء- الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع، من كبار [١١] (تخ م د ق) تقدم في "الصلاة" ٣٤/ ١٠١٦.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ الْكِنَانِيُّ) هو: عبد الرحمن بن عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٩] (ت ٢٣١) (م س) تقدم في "الجمعة" ١٥/ ٢٠٠٩.
٣ - (أَبُوهُ) عبد الملك بن سعيد بن حيّان بن أبجر الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٦] (م دت س) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٢.
٤ - (طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفِ) بن عمرو بن كعب الياميّ الكوفيّ، ثقةٌ قاريءٌ فاضلٌ [٥] (ت ١١٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٦.
٥ - (خَيْثَمَةُ) بن عبد الرحمن بن أبي سَبْرَة -بفتح المهملة، وسكون الموحّدة- واسمه يزيد بن مالك بن عبد الله بن ذويب الْجَهْنيّ الكوفيّ -لأبيه ولجده صحبةٌ، وَفَدَ جده أبو سَبْرَة إلى النبيّ -ﷺ- ومعه ابناه: سَبْرة، وعزيز- ثقةٌ، يرسل [٣].
رَوَى عن أبيه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، والبراء بن عازب، وعَديّ بن حاتم، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
ورَوَى عنه زِرّ بن حُبَيش، وأبو إسحاق السَّبِيعيّ، وطلحة بن مُصَرِّف، وعمرو بن مُرّة الْجَمَليّ، وقتادة، والأعمش، ومنصور، وغيرهم.
[ ١٩ / ٢٥٢ ]
قال ابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: كوفيّ تابعيّ، ثقةٌ، وكان رجلًا صالحًا، وكان سَخِيًّا، ولم ينج من فتنة ابن الأشعث إلاهو وإبراهيم النخعيّ، وقال مالك بن مِغْوَل، عن طلحة بن مُصَرِّف: ما رأيت بالكوفة أحدًا أعجب إليّ منهما.
قال البخاريّ: مات قبل أبي وائل، وقال غيره: مات بعد سنة ثمانين، وأرّخه ابن قانع سنة (٨٠)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وساق بسنده إلى نُعيم بن أبي هند، قال: رأيت أبا وائل في جنازة خيثمة، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: لم يسمع خيثمةُ من ابن مسعود، وكذا قال أبو حاتم، وقال أبو زرعة: خيثمة عن عمر مرسلٌ، وقال ابن القطان: يُنظَر في سماعه من عائشة -﵂-.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط برقم (٩٩٦) و(١٠١٦) وكرره ثلاث مرات، و(١٠٦٦) و(٢٠١٧) و(٢٥٨٦) و(٢٨٧١).
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد بن سَعْد بن سَهْم السهميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات في ذي الحجة ليالي الْحَرّة على الأصحّ بالطائف على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيّين، سوى الصحابيّ، فمصريّ، ثم طالفيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ذو مناقب جمّة، فهو ابن صحابيّ، من السابقين إلى الإسلام، ومن الصحابة المكثرين من الرواية، وأحد العبادلة الأربعة، ومن فقهاء الصحابة -﵃-.
شرح الحديث:
(عَنْ خَيْثَمَةَ) بن عبد الرحمن الْجُهنيّ أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) بالضمّ: جمع جالس (مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو) بن العاص -﵄- (إِذْ جَاءَهُ) فجائيّة؛ أي: فاجأه
[ ١٩ / ٢٥٣ ]
مجيء (قَهْرَمَانٌ لَهُ) -بفتح القاف، وإسكان الهاء، وفتح الراء-: هو الخازن القائم بحوائج الإنسان، وهو بمعنى الوكيل، وهو بلسان الْفُرْس (^١). (فَدَخَلَ) أي: القهرمان (فَقَالَ) عبد الله بن عمرو -﵄- لقهرمانه (أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ) أي: العبيد، فهو هنا بمعنى الجمع، قال الفيّوميّ ﵀: ويُطلق الرقيق على الذكر والأنثى، وجمعه أَرِقّاءُ، مثلُ شَحِيحٍ وأَشِحّاء، وقد يُطلق على الجمع أيضًا، فيقال: عَبِيدٌ رَقِيقٌ، ومنه: "وليس في الرقيق صدقةٌ" أي: في عَبِيد الخدمة. انتهى (^٢). (قُوتَيمْ؟) بالضمّ: ما يُؤكل ليُمسك الرَّمَقَ، قاله ابن فارس، والأزهريّ، والجمع: أقوات، ويقال: قاته يقوته قَوْتًا، من باب قال: أعطاه قُوتًا (^٣). (قَالَ) القهرمان (لَا) أي: لم أُعطهم قوتهم (قَالَ) عبد الله بن عمرو -﵄- (فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ) وقوله: (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) جملة تعليليّة لأمره بإعطائهم قوتهم ("كَفَى بِالْمَرْءِ) الباء زائدة في المفعول؛ أي: كفى المرء (إِثْمًا) منصوب على التمييز، وقوله: (أَنْ يَحْبِسَ) في تأويل المصدر فاعل "كَفَي"، ومعنى "يحبس": يمنع (عَمَّنْ يَمْلِكُ) "من" موصولة، والعائد محذوف؛ لكونه فضلةً؛ أي: عن الشخص الذي يملكه (قُوتَهُ") منصوب على المفعوليّة و"يَحْبِس".
والمعنى أنه أَبُو لم يكن للشخص ذنب غير منعه مملوكه قوته، لكفاه ذلك إثمًا يوجب له دخول النار، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢٣١٢] (٩٩٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٤١)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٤/ ١٢٢ و٥/ ٢٣ و٨٧)، و(البيهقيّ) في "الصغرى" (٦/ ٥٧٠)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٧/ ٨٢.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٥.
(٣) "المصباح" ٢/ ٥١٨.
[ ١٩ / ٢٥٤ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب النفقة على العبيد.
٢ - (ومنها): بيان كون التقصير في نفقة العبيد إثمًا، وهو معنى حديث عبد الله بن عمرو -﵄- الذي أخرجه أحمد، وأبو داود بسند صحيح، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كَفَى بالمرء إثمًا أن يُضَيِّع من يَقُوت".
٣ - (ومنها): عناية الشريعة بحقوق جميع الناس، حتى العبيد والبهائم، حيث أوجبت على ملّاكها الإنفاق عليهم، والقيام بحقوقهم، فما أكمل الشريعة، وأشملها، وأقومها، وأعدلها، وأوفاها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.