وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٨] (٩٣٩) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ-، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل البصرة.
[ ١٨ / ٢٩٤ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ) وفي رواية للبخاريّ، من طريق ابن جُريج، عن أيوب، سمعت ابن سيرين، وقد رواه أيوب أيضًا عن حفصة بنت سيرين، كما سيأتي بعد حديثين، ومدار حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة، ابني سيرين، وحفظت منه حفصة ما لم يحفظه محمد، كما سيأتي مبيّنًا.
قال ابن المنذر ﵀: ليس في أحاديث الغسل للميت أعلى من حديث أم عطيّة، وعليه عَوَّلَ الأئمّة. انتهى.
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) -﵂-، وفي رواية ابن جريج: "جاءت أم عطية"، امرأة من الأنصار اللاتي بايعن رسول الله -ﷺ- قدمت البصرة، تُبَادر ابنًا لها، فلم تُدركه.
قال الحافظ ﵀: وهذا الابن ما عَرفتُ اسمه، وكأنه كان غازيًا، فقَدِمَ البصرة، فبلغ أم عطيّة، وهي بالمدينة قُدومه، وهو مريض، فرَحَلت إليه، فمات قبل أن تلقاه، ودلّت بعض الروايات أن قدومها كان بعد موته بيوم، أو يومين انتهى.
(قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ-، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ) وفي الرواية الآتية: "قالت: دخل علينا رسول الله -ﷺ- حين توفّيت ابنته … " قال في "الفتح": ويُجْمَع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل. وفي رواية خالد الحذّاء، عن حفصة الآتية: "أن رسول الله -ﷺ- حيث أمرها أن تغسل ابنته … "، وفي رواية النسائيّ من طريق هشام بن حسّان، عن حفصة أن مجيئهنّ إليها كان بأمره -ﷺ-، ولفظه: ماتت إحدى بنات النبيّ -ﷺ-، فأرسل إلينا، فقال: "اغسلنها … ".
ويُجمع بأنه -ﷺ- أمرها ونسوة سواها أن يغسلن ابنته، فدخلن للغسل، فأتاهنّ النبيّ -ﷺ-، ودخل عليهنّ في مكان الغسل، وقال لهنّ ما قال، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله: "ابنته" سيأتي من رواية عاصم الأحول، عن حفصة أنها زينب بنت رسول الله -ﷺ-، قال في "الفتح": لم تقع في شيء من رواية البخاريّ
[ ١٨ / ٢٩٥ ]
مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص بن الربيع، والدة أُمَامة التي تقدّم ذكرها في "الصلاة"، وهي أكبر بنات النبيّ -ﷺ-، وكانت وفاتها فيما حكاه الطبريّ في "الذيل" في أول سنة ثمان، وقد وردت مسماة في هذا عند مسلم، من طريق عاصم الأحول، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: لما ماتت زينب بنت رسول الله -ﷺ-، قال رسول الله -ﷺ-: "اغسلنها … "، فذكر الحديث.
قال الحافظ: ولم أرها في شيء من الطرق، عن حفصة، ولا عن محمد مسماة إلا في رواية عاصم هذه، وقد خولف في ذلك، فحَكَى ابن التين، عن الداوديّ الشارح، أنه جزم بان البنت المذكورة أم كلثوم، زوج عثمان، ولم يذكر مستنده، وتعقّبه المنذريّ بأن أم كلثوم توفيت، والنبيّ -ﷺ- ببدر، فلم يشهدها، وهو غلط منه، فإن التي توفيت حينئذ رُقَيَّة.
وعزاه النوويّ، تبعًا لعياض لبعض أهل السير، وهو قصور شديد، فقد أخرجه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الوهّاب الثقفيّ، عن أيوب، ولفظه: "دخل علينا، ونحن نغسل ابنته، أم كلثوم"، وهذا الإسناد على شرط الشيخين، وفيه نظر.
وكذا وقع في "المبهمات" لابن بشكوال، من طريق الأوزاعيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم … الحديث، وقرأت بخطّ مغلطاي: زعم الترمذيّ أنها أم كلثوم، وفيه نظر، كذا قال، ولم أر في الترمذيّ شيئًا من ذلك.
وقد رَوَى الدُّولابي في "الذرية الطاهرة" من طريق أبي الرجال، عن عمرة، أن أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ابنة النبيّ -ﷺ- … الحديث.
فيمكن ترجيح ذلك لمجيئه من طرق متعددة، ويمكن الجمع بأن تكون حضرتهما جميعًا، فقد جزم ابن عبد البرّ ﵀ في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: طريق الجمع أولى من الترجيح؛ إذ فيه العمل بالحديثين، بخلاف الثاني، فإن فيه إلغاءَ أحدهما، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: قال الحافظ ﵀: ووقع لي من تسمية النسوة اللاتي حضرن معها -يعني أم عطيّة- ثلاث غيرها، ففي "الذرّيّة الطاهرة" أيضًا من طريق
[ ١٨ / ٢٩٦ ]
أسماء بنت عُمَيس أنها كانت ممن غسلها، قالت: ومعنا صفيّة بنت عبد المطّلب، ولأبي داود من حديث ليلى بنت قَانِف -بقاف، ونون، وفاء- الثقفيّة، قالت: كنت فيمن غسلها، وروى الطبرانيّ من حديث أم سلمة شيئًا يومئ إلى أنها حضرت ذلك أيضًا. انتهى (^١).
(فَقَالَ) -ﷺ-: ("اغْسِلْنَهَا) قال ابن بزيزة ﵀: استُدِلّ به على وجوب غسل الميت، وهو مبنيّ على أن قوله فيما بعدُ: "إن رأيتنّ ذلك" هل يرجع إلى الغسل، أو العدد؟ والثاني أرجح، فثبت الْمُدَّعَى.
قال ابن دقيق العيد ﵀: لكن قوله: "ثلاثًا" ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء، فيتوقّف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد؛ لأن قوله: "ثلاثًا" غير مستقلّ بنفسه، فلا بدّ أن يكون داخلًا تحت صيغة الأمر، فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، والندب بالنسبة إلى الإيتار. انتهى. وقواعد الشافعية لا تأبى ذلك، ومن ثمّ ذهب الكوفيون، وأهل الظاهر، والمزنيّ إلى إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر الحديث، وجاء عن الحسن مثله، أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، قال: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء بعدُ فخمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعًا، قال هشام: وقال الحسن: يغسل ثلاثًا، فإن خرج منه شيء غسل ما خرج، ولم يُزد على ثلاث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الكوفيون، والظاهرية، والمزني من وجوب غسل الثلاث، وإن خرج منه شيء يُغسل، ولا يعاد الغسل هو الذي يظهر لي؛ لظاهر حديث الباب، وأما القول بإعادة الغسل فيما إذا خرج منه شيء، فمما لا دليل عليه، بل الظاهر أن يغسل الخارج فقط، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا) وفي رواية عاصم، عن حفصة الآتية: "اغسلنها وترًا، ثلاثًا، أو خمسًا"، و"أو" هنا للتنويع، والنصّ على الثلاث، أو الإشارة
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٧٠٥ - ٧٠٦.
[ ١٨ / ٢٩٧ ]
إلى المستحبّ الإيتار، ألا يُرى أنه نقلهنّ من الثلاث إلى الخمس دون الأربع، قاله في "العمدة" (^١).
وقال النوويّ ﵀: المراد اغسلنها وترًا، وليكن ثلاثًا، فإن احتجتن إلى زيادة، فخمسًا، وحاصله أن الإيتار مطلوب، والثلاث مستحبّة، فإن حصل الإنقاء بها لم يُشْرَع ما فوقها، وإلا زيد وترًا، حتى يحصل الإنقاء، والواجب من ذلك مرة واحدة عامّة للبدن. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد علمت أن الراجح وجوب الثلاث؛ للأمر به في هذا الحديث، فتنبّه.
(أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) بكسر الكاف؛ لأنه خطاب للمؤنّث؛ إذ القاعدة العربية أن يُجعل أول الكلام لمن يُسأل عنه، وآخره لمن يخاطبه، فيقول: كيف ذلك الرجل يا امرأة، وكيف تلك المرأة يا رجل، قاله ابن الملقّن ﵀ (^٢).
وفي رواية أيوب، عن حفصة الآتية: "اغسلنها وترًا ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا".
قال الحافظ ﵀: ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: "سبعًا" التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، وأما ما سواها، فإما "أو سبعًا"، وإما "أو أكثر من ذلك"، فيَحْتَمِل تفسير قوله: "أو أكثر من ذلك" بالسبع، وبه قال أحمد، فكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وساق من طريق قتادة، أن ابن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطيّة، ثلاثًا، وإلا فخمسًا، وإلا فأكثر، قال: فرأينا أن أكثر من ذلك سبعٌ، وقال الماورديّ: الزيادة على السبع سَرَف. وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء، فلا أحبّ الزيادة على ذلك. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الأقوال كلها مخالفة للنصّ الصحيح الصريح في الزيادة على السبع، إن دعت الحاجة إليها، فإن رواية: "ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك" صحيحة، أخرجها المصنّف بعد حديثين،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٥٨.
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤٢٩.
[ ١٨ / ٢٩٨ ]
والبخاريّ برقم [١٢٥٨]، وغيرهما، فلا التفات إلى خلاف من خالفها، فإن السنّة إذا صحّت فهي الحجة برأسها، وإن خالفها الجلّ، إلا لدليل ينسخها، أو يُقَدّم عليها، وليس هنا شيء من ذلك، فوجب المصير إليها.
وقد ترجم النسائيّ ﵀ ترجمة خاصّة بمشروعية الزيادة في الغسل على السبعة، فقال: [٣٤] "غسل الميت أكثر من سبعة"، واستدلّ بالزيادة المذكورة في هذه الرواية، فللَّه درّه، ما أحسن استنباطه رحمه الله تعالى!!!.
وأما قول الحافظ وتبعه العينيّ: لم أر التعبير بقوله: "أكثر من ذلك" بعد قوله: "أو سبعًا" إلخ، فهو سهو منهما، فقد عرفت أن التعبير به ثابت في "الصحيحين"، فتنبّه والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ) قال العلامة ابن الملقّن ﵀: وأتى -ﷺ- بالنون الثقيلة لجماعة النساء من حيث إن الغسل لا يتعاطاه إلا جماعة منهنّ، لكن نظرًا للمصلحة الشرعية قد يكون لواحدة منهنّ، فحسن جمعهنّ في الرواية، وإفراد أم عطيّة في الخطاب.
قال: ومعنى "إن رأيتنّ" أي: إن رأيتنّ الزيادة في العدد، وعند الاحتياج، وليس معناه التخيير والتفويض إلى شهوتهنّ، وقيل: معناه إن رأيتنّ الغسل، وما أبعده، وبنى المالكية على ذلك منهم المازريّ الخلاف عندهم في وجوب الغسل، فمن قال بالثاني قال: إن غسله سنة، ومن قال بالأول قال: إنه واجب، وهذا مبنيّ على الخلاف في أن التقييد، والاستثناء، والشرط إذا تعقب جُمَلًا، هل يعود إلى جميعها، إلا ما أخرجه الدليل، أو إلى أقربها؟
وتعجّب بعضهم من النوويّ في نقله الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، فإن الخلاف فيه عندهم، حكاه المازريّ وغيره، وقال القرطبيّ: الأولى أنه سنّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كونه فرضًا هو الحقّ، كما هو قول الجمهور؛ لأمر النبيّ -ﷺ- بذلك، وهو للوجوب عند عدم الصارف، كما هنا، والله تعالى أعلم.
قال: وليس عند مالك، وبعض أصحابه في غسل الميت تحديد بعدد
[ ١٨ / ٢٩٩ ]
معيّن، ولكن يُنقّى الميت، ولا يُقْتَصر مع ذلك على ما دون الثلاث، فإن احتيج إلى الزيادة استحبّ الوتر، وليس لذلك عنده حدّ.
قال القاضي عياض: وإلى هذا يرجع قول الشافعيّ وغيره من العلماء، وكذا إذا احتاج الغاسل إلى أكثر من ذلك؛ لقوله: "إن رأيتنّ ذلك"، ونحا أحمد، وإسحاق إلى أن لا يزاد على سبع، والرواية التي أسلفناها تردّ ذلك. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن القول بالزيادة على السبع إذا احتيج إليه هو الصواب؛ لما تقدم من رواية الشيخين وغيرهما: "أو سبعًا، أو أكثر من ذلك"، والله تعالى أعلم.
وقال ابن المنذر: إنما فوّض الرأي إليهنّ بالشرط المذكور، وهو الإيتار، وحَكَى ابن التين عن بعضهم، قال: يحتمل قوله: "إن رأيتنّ" أن يرجع إلى الأعداد المذكورة، ويحتمل أن يكون معناه: إن رأيتنّ أن تفعلن ذلك، وإلا فالإنقاء يكفي. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت الردّ على هذا القول فيما تقدّم، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
(بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قال في "القاموس": "السِّدْر" -بكسر فسكون-: شجر النَّبِقِ، الواحدة بِهاء، جمعه سِدْرَات -بكسر فسكون- وسِدِرَات -بكسرتين- وسِدَرَات -بكسر ففتح- وسِدَر -كذلك- وسُدُرٌ -بضمتين-. انتهى بإيضاح (^٢).
وقال في "المصباح": "السِّدْرّة": شجرة النَّبِقِ، والجمع سِدَرٌ -بكسر ففتح- ثم يُجمعُ على سِدَرَات، فهو جمع الجمع، وتُجمَع السدرة أيضًا على سِدْرَات -بالسكون- حملًا على لفظ الواحد، قال ابن السَّرَّاج: وقد يقولون: سِدْرٌ -بكسر فسكون- ويريدون الأقلّ؛ لقلّة استعمالهم التاء في هذا الباب، وإذا أطلق السِّدْر في الغَسْل فالمراد به الوَرَقُ المطحون، قال الحجّة في التفسير: والسدر نوعان: أحدهما ينبت في الأَرْياف، فيُنتَفَع بوَرَقه في الغَسْل،
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ٤٦.
[ ١٨ / ٣٠٠ ]
وثمرته طيّبة، والآخر ينبت في البّرّ، ولا يُنتفع بوَرَقه في الغَسْل، وثمرته عَفِصَةٌ. انتهى.
[تنبيه]: قال: الزين ابن المنيّر ﵀: قوله: "بماء وسدر" يتعلّق بقوله: "اغسلنها"، وظاهره أن السدر يُخلَط في كلّ مرّة من مرّات الغسل، وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف، لا للتطهير؛ لأن الماء المضاف لا يُتطهّر به. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "لأن الماء المضاف لا يتطهّر به" غير صحيح؛ لأن حديث الباب ظاهر في كونه مطهّرًا، ولا يُعْدَل عن هذا الظاهر إلا لدليل صحيح صريح، فالماء المضاف إليه السدر ونحوه من الأشياء الطاهرة مطهّر ما دام اسم الماء ثابتًا له، كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيّم -رحمهما الله تعالى-.
وقال في "الفتح" بعد نقل كلام ابن المنيّر المذكور: وقد يُمْنَع لزوم كون الماء يصير مضافًا بذلك؛ لاحتمال أن لا يُغَيِّر السدرُ وصف الماء بأن يُمعَك بالسدر، ثم يغسل بالماء في كلّ مرّة، فإن لفظ الخبر لا يأبى ذلك. انتهى.
قال الجامع: لكن الأول هو الظاهر، فلا داعي إلى أن يعدل عنه، كما علمت، والله أعلم.
وقال القرطبيّ ﵀: يُجعل السدر في ماء، ويُخَضخَض إلى أن تخرج رغوته، ويدلك به جسده، ثم يصبّ عليه الماء القَرَاح، فهذه غسلة.
وحَكَى ابن المنذر أن قومًا قالوا: تُطرح ورقات السدر في الماء؛ أي: لئلا يمازج الماء، فيتغيّر وصفه المطلق. وحُكي عن أحمد أنه أنكر ذلك، وقال: يُغسل في كلّ مرّة بالماء والسدر.
قال الجامع: هذا الذي حُكِي عن الإمام أحمد ﵀ هو الحقّ، الذي يجب المصير إليه، وما عداه من التأويلات التى ذكروها، فآراء ساقطة، لا أثارة عليها من الأدلّة، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وأعلى ما ورد في ذلك ما رواه أبو داود من طريق قتادة، عن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغُسْل، عن أمّ عطيّة، فيغسل بالماء والسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور.
[ ١٨ / ٣٠١ ]
قال ابن عبد البرّ: كان يقال: كان ابن سيرين من أعلم التابعين بذلك.
قال الجامع: هذا الذي نُقل عن ابن سيرين هو الذي ينبغي اتباعه؛ لكونه أعلم التابعين بذلك، لكن الثالثة تكون بالماء والسدر، والكافور؛ لظاهر النصّ، والله تعالى أعلم.
وقال ابن العربيّ ﵀: من قال: الأولى بالماء القَرَاح، والثانية بالماء والسدر، أو العكس، والثالثة بالماء والكافور، فليس هو في لفظ الحديث. انتهى، وكأن قائله أراد أن تقع إحدى الغسلات بالماء الصرف المطلق؛ لأنه المطهّر في الحقيقة، وأما المضاف فلا.
قال الجامع: قوله: وأما المضاف فلا غير صحيح؛ لأن الشارع جعل الماء والسدر مطهّرًا حقيقةً، فكيف يقال: إن المضاف لا يطهّر؟ إن هذا لشيء عجيب!!!.
قال: وتمسّك بظاهر الحديث ابن شعبان، وابن الفرضي، وغيرهما من المالكيّة، فقالوا: غسل الميت إنما هو للتنظيف، فيجزئ بالماء المضاف، كماء الورد، ونحوه، قالوا: وإنما يكره من جهة السرف، والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبّديّ يُشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندوبة.
وقيل: شُرع احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون عليه جنابة، وفيه نظر؛ لأن لازمه أن لا يُشرَع غسل من هو دون البلوغ، وهو خلاف الإجماع. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب.
(وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا) قال في "القاموس" -عند تعداد معاني الكافور- ما نصّه: وطيب معروف، يكون من شجر بجبال بحر الهند والصين، يُظِلُّ خلقًا كثيرًا، وتَألَفُهُ النُّمُورة، وخشبه أبيض هَشٌّ، ويوجد في أجوافه الكا فور، وهو أنواع. نتهى (^٢).
وقوله: (أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ) "أو" هنا للشكّ من الراوي؛ أيَّ اللفظين قال، والأول محمول على الثاني؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكلّ شيء منه.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٧٠٢ - ٧٠٣.
(٢) "القاموس المحيط" ٢/ ١٢٨.
[ ١٨ / ٣٠٢ ]
وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور، وقال النخعيّ، والكوفيّون: إنما يجعل في الحنوط؛ أي: بعد إنهاء الغسل والتجفيف، قاله في "الفتح".
وعبارة ابن الملقّن: انفرد أبو حنيفة، فقال: لا يستحبّ استعمال الكافور، وخالفه الثلاثة والجمهور، وهذا الحديث حجة عليه، وروي عن النخعيّ: إنما ذلك في الحنوط، لا في الغسل، وعزاه القرطبيّ إلى الأوزاعيّ، ويمكن أن يتأول من قال هذا "في الأخيرة"؛ أي: بعد تمامها، والظاهر بخلافه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذه الأقوال كلها يردُّها ظاهر الحديث، كما أشار إليه ابن الملقّن، فالصواب مشروعية استعمال الكافور في المرة الأخيرة من الغسلات، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قيل: الحكمة في الكافور مع كونه يُطيّب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم، أن فيه تجفيفًا، وتبريدًا، وقوّة نفوذ، وخاصيّةً في تصليب بدن الميت، وطرد الهوامّ عنه، وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيّبة في ذلك، وهذا هو السرّ في جعله في الأخيرة؛ إذ لو كان في الأولى مثلًا لأذهبه الماء.
وهل يقوم المسك مثلًا مقام الكافور؟ إن نُظِر إلى مجرّد التطييب، فنعم، وإلا فلا، وقد يقال: إذا عُدم الكافور قام غيره مقامه، ولو بخاصيّة واحدة مثلًا، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ أن غير الكافور لا يقوم مقامه، عند وجوده، بل يجب استعماله، لأمر النبيّ -ﷺ- بذلك، حيث قال: "واجعلن في الآخرة كافورًا"، والله تعالى أعلم.
(فَإِذَا فَرَغْتُنَّ) أي: من غسلها على الكيفية المذكورة، والخطاب لجماعة الإناث (فَآذِنَّنِي") أي: أعلمنني، وهو بمد الهمزة، وتشديد النون الأولى فعل أمر من الإيذان، وهو الإعلام، قال السنديّ: ويَحْتَمِل أن يُجعل من التأذين، والمشهور الأول. انتهى. (فَلَمَّا فَرَغْنَا، آذَنَّاهُ) أي: أعلمناه بفراغنا من الغسل المذكور (فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ) بفتح الحاء المهملة -ويجوز كسرها، وهي لغةُ هُذيل-
[ ١٨ / ٣٠٣ ]
بعدها قاف ساكنة، والمراد به هنا الإزار، كما وقع مفسّرًا في آخر هذه الرواية عند البخاريّ، والحقو في الأصل مَعْقِد الإزار، وأطلق على الإزار مجازًا.
وقال ابن الملقّن ﵀: الحقو بالكسر، وفتحها لغتان، والمعروف من كلام العرب الثاني، وقالته هذيل بالأول، كما أفاده القرطبيّ، وهو الإزار، والأصل فيه الخصر معقد الإزار، وسُمّي الإزار مجازًا؛ لملازمته إياه، وهو من باب تسمية الشيء بما يلازمه، كما قالوا للمَزَادة راوية، والراوية اسم للجمل الحامل لها. انتهى (^١).
وقال في "المصباح": الْحَقْوُ موضع شَدّ الإزار، وهو الخاصرة، ثم توسّعوا حتى سَمَّوُا الإزار الذي يُشدّ على العورة حَقْوًا، والجمع أَحْقٍ، وحُقِيٍّ، مثل فلس وفُلُوس، وقد يُجمع على حِقَاءٍ، مثل سَهْم وسِهَام. انتهى (^٢).
ووقع عند البخاريّ من رواية ابن عون، عن محمد بن سيرين بلفظ: "فنزع من حقوه إزاره"، والحقو في هذا على حقيقته، قاله في "الفتح" (^٣).
(فَقَال: (أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ") أي: اجعلنه شِعارَها؛ أي: الثوب الذي يلي جسدها، وقد وقع عند البخاريّ تفسير أيوب السختيانيّ له، فقال: الففنها فيه، فالمراد من إشعارها الإزارَ لَفّها فيه، وليس مجرّد وضعه عليها، فتنبّه.
قيل: الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل، ولم يناولهنّ إياه أوّلًا، ليكون قريب العهد من جسده الكريم -ﷺ-، حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم عطيّة -﵂- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "الإعلام" ٤/ ٤٣٥ - ٤٣٦.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٤٥.
(٣) "الفتح" ٣/ ٧٠٩.
[ ١٨ / ٣٠٤ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١٢/ ٢١٦٨ و٢١٦٩ و٢١٧٠ و٢١٧١ و٢١٧٢ و٢١٧٣ و٢١٧٤ و٢١٧٥ و٢١٧٦] (٩٣٩)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٦٧ و١٢٥٣ و١٢٥٤ و١٢٥٧ و١٢٥٩ و١٢٦١)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٤٢)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (٩٩٠)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٨١ و١٨٨٣ و١٨٨٤ و١٨٨٥ و١٨٨٧ و١٨٨٨ و١٨٨٩ و١٨٩٠ و١٨٩١ و١٨٩٢ و١٨٩٣ و١٨٩٤) و"الكبرى" (٢٠٠٨ و٢٠١٠ و٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣ و٢٠١٤ و٢٠١٥ و٢٠١٦ و٢٠١٧ و٢٠١٨ و٢٠٢٠ و٢٠٢١)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٥٥)، و(مالك) في "الموطأ" (٥١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢٠٢٦٦ و٢٦٧٥٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢٠٩١ و٢٠٩٢ و٢٠٩٣ و٢٠٩٤ و٢٠٩٥ و٢٠٩٦ و٢٠٩٧ و٢٠٩٨ و٢٠٩٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعية غسل الميت، وكون الغسل بالماء والسدر.
٢ - (ومنها): استعمال الكافور في الغسلة الأخيرة.
٣ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من تعليم أمور الدين لأمته رجالا ونساءً.
٤ - (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا عَلّم أمرًا يتعلّق بالمأمورية، لا يمكن الائتمار به إلا بالفعل على صورة أن يقيّد الأمر، والتعليم بغاية، لتوضع موضعه.
٥ - (ومنها): أنه ينبغي للمأمور التقيّد بالأمر فورًا وغايةً.
٦ - (ومنها): أن على العالم أن يبتدئ بتعليم العلم إذا علم أن العامل يجهل ذلك العلم، أو يقصّر في العمل به.
٧ - (ومنها): مشروعية الإيتار في غسل الميت على حسب الحاجة، كما سبق.
٨ - (ومنها): تفويض الحاجة في ذلك إلى العامل على حسب المصلحة الشرعية، من غير إسراف، ولا تقتير.
٩ - (ومنها): التبرّك بآثار رسول الله -ﷺ-.
١٠ - (ومنها): جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل.
[ ١٨ / ٣٠٥ ]
١١ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ ﵀: هذا الحديث أصل في جواز التطفر بالماء المضاف إذا لم يُسلَب الماء الإطلاق. انتهى.
قال الحافظ ﵀: وهو مبنيّ على أن الصحيح أن غسل الميت للتطهير، كما تقدّم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله العلامة ابن العربي ﵀ هو الحقّ الذي يدلّ عليه حديث الباب وغيره، وقد تقدّم الردّ على الأقوال المخالفة له قريبًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
١٢ - (ومنها): أن بعضهم استدّل به على عدم وجوب غسل من غسل ميتًا؛ حيث إن النبيّ -ﷺ- لم يأمرهنّ بذلك، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب غَسْل من غسل ميتًا:
(اعلم): أنه استَدَلّ بعض أهل العلم بهذا الحديث على أنه لا يجب الغُسل على من غَسَلَ الميت، من حيث إنه موضع تعليم، فلو وجب لذكره النبيّ -ﷺ-.
قال العلامة ابن الملَقِّن ﵀: وعدم الوجوب هو الصحيح، من مذهب الشافعي، ورواية المدنيين عن مالك، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد، والجمهور، لكن قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بوجوبه، وأوجب أحمد، وإسحاق الوضوء منه، والجمهور على استحبابه، والحديث المرويّ فيه من طريق أبي هريرة -﵁-: "مَن غَسَلَ ميتًا فليغتسل، ومن مسّه فليتوضأ"، ضعيف بالاتفاق، كذا قال النوويّ في "شرح مسلم"، وتبعه بعض شراح هذا الكتاب يعني "عمدة الأحكام" وليس بجيّد، فقد حسّنه الترمذيّ، وصححه ابن حبّان، وابن السكن، وقال البخاريّ: الأشبه وقفه على أبي هريرة -﵁-.
ويُحْمَل على الاستحباب بدليل حديث ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل؛ إذا غسلتموه، فإن ميتكم ليس بنجس". رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح على شرط
[ ١٨ / ٣٠٦ ]
البخاريّ، ثم قال: وفيه ردّ لحديث أبي هريرة الذي أسلفناه، وليس كما قال، بل يُعمل بهما، فيستحبّ الغسل، فإذا قلنا بالوجوب، فقيل: تعبّد، وقيل: محمول على نجاسة بدن الآدمي بالموت (^١)، وهو قول بعضهم. وقيل: المعنى فيه حرمة الميت، حكاه الماورديّ. انتهى كلام ابن الملقّن رحمه الله تعالى.
وقال البغويّ ﵀ في "شرح السنة": واختَلَف أهل العلم في الغسل من غسل الميت، فذهب بعضهم إلى وجوبه، وذهب أكثرهم إلى أنه غير واجب، قال ابن عمر، وابن عباس -﵃-: ليس على غاسل الميت غسل، وروي عن عبد الله بن أبي بكر، عن أسماء بنت عُميس امرأة أبي بكر أنها غسلت أبا بكر حين توفي، فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة، وهذا يوم شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا.
وقال مالك، والشافعيّ: يستحبّ له الغسل، ولا يجب، وقال النخعي، وأحمد، وإسحاق: يتوضأ غاسل الميت، وقال أحمد: لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث، وقال ابن المبارك: لا يغتسل، ولا يتوضأ. انتهى كلام البغويّ ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث: "من غسل ميتًا فليغتسل … " قال الحافظ في "الفتح": رواه أبو داود، من طريق عمرو بن عمير، ورواته ثقات، إلا عمرو بن عمير، فليس بمعروف، وروى الترمذيّ، وابن حبان، من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة نحوه، وهو معلول؛ لأن أبا صالح لم يسمعه من أبي هريرة -﵁-، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: الصواب عن أبي هريرة موقوف، وقال أبو داود بعد تخريجه: هذا منسوخ، ولم يبين ناسخه، وقال الذهليّ فيما حكاه الحاكم في "تاريخه": ليس فيمن غسل ميتًا حديث ثابت. انتهى.
وقد استوفى الكلام عليه الحافظ ﵀ في "التلخيص الحبير"، ودونك عبارته، قال ﵀: حديث: "من غسل ميتًا فليغتسل" رواه أحمد، والبيهقيّ، من رواية ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة بهذا، وزاد:
_________________
(١) هذا ضعيف، فإن الميت لا ينجس بالموت، فتنبّه.
[ ١٨ / ٣٠٧ ]
"ومن حمله فليتوضأ". وصالح ضعيف، ورواه البزار، من رواية العلاء، عن أبيه، ومن رواية محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، ومن رواية أبي بحر البكراويّ، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، كلهم عن أبي هريرة، ورواه الترمذيّ، وابن ماجه، من حديث عبد العزيز بن المختار، وابن حبان من رواية حماد بن سلمة، كلاهما عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة -﵁-، ورواه أبو داود، من رواية عمرو بن عُمير، وأحمد من رواية شيخ، يقال له: أبو إسحاق، كلاهما عن أبي هريرة -﵁-، وذكر البيهقيّ له طرقًا، وضعّفها، ثم قال: والصحيح أنه موقوف، وقال البخاري: الأشبه موقوف، وقال عليّ، وأحمد: لا يصحّ في الباب شيء، نقله الترمذيّ عن البخاريّ، عنهما، وعلّق الشافعيّ القول به على صحّة الخبر، وهذا في "البويطيّ". وقال الذهليّ: لا أعلم فيه حديثًا ثابتًا، ولو ثبت للزمنا استعماله. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه: لا يرفعه الثقات، إنما هو موقوف، وذكر الدارقطني الخلاف في حديث ابن أبي ذئب، هل هو عن صالح، أو عن المقبريّ، أو عن سهيل، عن أبيه، أو عن القاسم بن عباس، عن عمرو بن عمير؟ ثم قال: وقوله: عن المقبريّ أصحّ. وقال الرافعي: لم يصحح علماء الحديث في هذا الباب شيئًا مرفوعًا، قلت: قد حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان.
وله طريق أخرى، قال عبد الله بن صالح: ثنا يحيى بن أيوب، عن عُقيل، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، رفعه: "من غسل ميتًا، فليغتسل"، ذكره الدارقطنيّ، وقال: فيه نظر. قلت: رواته موثقون، وقال ابن دقيق العيد في "الإمام": حاصل ما يُعلُّ به وجهان: أحدهما من جهة الرجال، ولا يخلو إسناد منها من متكلّم فيه، ثم ذكر ما معناه أن أحسنها رواية سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهي معلولة، وإن صححها ابن حبان، وابن حزم، فقد رواها سفيان، عن سهيل، عن أبيه، عن إسحاق مولى زائدة، عن أبي هريرة، قلت: إسحاق مولى زائدة أخرج له مسلم، فينبغي أن يصحح الحديث. قال: وأما رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فإسناد حسن، إلا أن الحفّاظ من أصحاب محمد بن عمرو رووه عنه موقوفًا.
[ ١٨ / ٣٠٨ ]
وفي الجملة هو بكثرة طرقه أسوأ أحواله أن يكون حسنًا، فإنكار النووي على الترمذيّ تحسينه معترض، وقد قال الذهبيّ في "مختصر البيهقي": طرق هذا الحديث أقوى من عدّة أحاديث، احتجّ بها الفقهاء، ولم يُعلّوها بالوقف، بل قدّموا رواية الرفع، والله أعلم.
وفي الباب عن عائشة، رواه أحمد، وأبو داود، والبيهقيّ، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو زرعة، وأحمد، والبخاريّ، وصححه ابن خزيمة.
وفيه عن عليّ، وسيأتي في "الجنائز"، وعن حذيفة ذكره ابن أبي حاتم، والدارقطنيّ في "العلل"، وقالا: لا يثبت، قلت: ونفيهما الثبوت على طريقة المحدثين، وإلا فهو على طريقة الفقهاء قويّ؛ لأن رواته ثقات، أخرجه البيهقيّ، من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حذيفة، وأعلّه بأن أبا بكر بن إسحاق الصبغيّ، قال: هو ساقط، قال: وقال علي ابن المدينيّ: لا يثبت فيه حديث. انتهى، وهذا التعليل ليس بقادح؛ لما قدمناه.
وعن أبي سعيد، رواه ابن وهب في "جامعه"، وعن المغيرة، رواه أحمد في "مسنده".
وذكر الماورديّ أن بعض أصحاب الحديث خرّج لهذا الحديث مائة وعشرين طريقًا، قال الحافظ: وليس ذلك ببعيد.
وقد أجاب أحمد عنه بأنه منسوخ، وكذا جزم بذلك أبو داود، ويدلّ له ما رواه البيهقيّ عن الحاكم، عن أبي عليّ الحافظ، عن أبي العباس الهمدانيّ الحافظ، ثنا أبو شيبة، ثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس -﵄-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ليس عليكم في غَسل ميتكم غُسْل؛ إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرًا، وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم"، قال البيهقيّ: هذا ضعيف، والحمل فيه على أبي شيبة.
قال الحافظ: أبو شيبة هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة، احتجّ به النسائيّ، ووثقه الناس، ومَن فوقه احتجّ بهم البخاريّ، وأبو العباس، هو ابن عُقْدة حافظ كبير، إنما تكلّموا فيه بسبب المذهب، ولأمور أخرى، ولم يضعفه
[ ١٨ / ٣٠٩ ]
بسبب المتون أصلًا، فالإسناد حسن، فيجمع بينه وبين الأمر في حديث أبي هريرة بان الأمر على الندب، أو المراد بالغسل غسل الأيدي، كما صرّح به في هذا.
قلت: ويؤيِّد أن الأمر فيه للندب ما رواه الخطيب في ترجمة محمد بن عبد الله المخرّميّ من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: قال لي أبي: كتبتَ حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل، ومنا من لا يغتسل"؟. قال: قلت: لا، قال: في ذلك الجانب شابّ، يقال له: محمد بن عبد الله، يحدّث به، عن أبي هشام المخزوميّ، عن وهيب، فاكتبه عنه.
قلت: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين مختلف هذه الأحاديث، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ ﵀ في "التلخيص".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد الحافظ ﵀ في تحقيق الكلام على هذا الحديث، وأفاد، وخلاصته أن حديث أبي هريرة -﵁-، مرفوعًا: "من غسل ميتًا، فليغتسل " حسنه الترمذيّ، وصححه ابن حبان، وابن القطان، واحتجّ به ابن حزم، فالراجح أنه صحيح، لكنه محمول على الاستحباب؛ لحديث ابن عباس -﵄-، مرفوعًا: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل … " الحديث، وأثر ابن عمر -﵄-: "كنا نغسل الميت، فمنا من يغتسل … " الحديث، وكلاهما ثابتان، فالعمل بكلها متعيّن.
والحاصل أن المذهب الصحيح هو القول باستحباب الاغتسال لمن غسل الميت، والوضوء لمن حمله عملًا بكلّ الأحاديث.
ثم إن الراجح أن الأمر فيه تعبّديّ، والقول بكون الميت نجسًا باطل؛ لما تقدّم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في غسل أحد الزوجين للآخر إذا مات:
(اعلم): أنه استدلَّ بعض أهل العلم بحديث الباب على أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها، وأنه لا يغسلها، إلا عند عدمهنّ، وهو مذهب الحسن، قال ابن الملقّن ﵀: وقد يمنع من ذلك حتى يتحقق أن زوج زينب
[ ١٨ / ٣١٠ ]
كان حاضرًا إذ ذاك، لا مانع له من غسلها، وأنه لم يفوّض الأمر إلى النسوة، وجمهور العلماء على خلافه، وأنه أحقّ، وذهب الشعبيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يغسلها جملة، وقال سحنون: الأولياء أحقّ، واختلف الشافعيّة في أن النساء أحقّ بغسل الميتة من زوجها على وجهين، أصحهما نعم؛ لأنهنّ أليق، وأجمعَ العلماء على أن لها غسل زوجها، وإن كان فيه رواية عن أحمد، والأصحّ أنها تغسله أبدًا. انتهى.
وقال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: أجمع أهل العلم على أن للمرأة أن تغسل زوجها إذا مات، وقد روينا عن أبي بكر الصديق -﵁- أنه أوصى أن تغسله أسماء بنت عُميس زوجته، قال: وذلك بحضرة المهاجرين والأنصار، لم ينكر ذلك منهم منكر، وأن أبا موسى غسلته امرأته.
قال: واختلفوا في الرجل يغسل زوجته، فقالت طائفة: يغسلها، هكذا قال علقمة، وجابر بن زيد، وعبد الرحمن بن الأسود، وسليمان بن يسار، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، ومالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد بن حنبل، وإسحاق. وكرهت طائفة ذلك، كرهه الشعبيّ، وقال الثوريّ، وأصحاب الرأي: لا يغسلها.
قال ابن المنذر: وبالقول الأول أقول، ولا فرق بين غسل الرجل زوجته، وبين غسلها إياه، وليس فيما يحلّ لكلّ واحد بينهما، ويحرم من صاحبه في حياته، وبعد مماته فرق، فإن قال قائل: إن أبا بكر غسلته أسماء؟ قيل له: وغسل عليّ فاطمة، وليست العلة التي اعتلّ بها ناس، من باب غسل الموتى بسبيل؛ لأنه يطلقها ثلاثًا، فتكون في عدة منه، وتموت، فلا تغسله عند من خالفنا، فبطل لما كان هذا مذهب من خالفنا أن يكون لقوله: هي في عدة منه، وليس هو في عدة منها معنى، والله أعلم. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الإمام ابن المنذر ﵀، من ترجيح القول بأن لكل واحد من الزوجين غسلَ الآخر هو الحق؛ لما ذكره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٦.
[ ١٨ / ٣١١ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٦٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: "مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون في السند السابق.
[تنبيه]: في هذه الرواية وقع رواية أيوب عن محمد بن سيرين، عن أخته حفصة بنت سيرين، عن أم عطيّة، فأدخل محمد بينه وبين أم عطيّة واسطة، وقد صرَّح في رواية النسائيّ بالإخبار عن حفصة، ونصّه: "عن محمد قال: أخبرتني حفصة، عن أم عطيّة"، وأما بقيّة الروايات، فإنه رواها عن أم عطيّة مباشرة من غير واسطة، والحديث أيضًا مما رواه أيوب عن حفصة، عن أم عطيّة، فثبت بهذا أن أيوب تارة يرويه عن محمد، عن أم عطيّة، وتارة عن حفصة، عن أم عطيّة، وتارة عن محمد، عن حفصة، عن أم عطيّة، وكلها في "الصحيح"، فأما رواية محمد، عن حفصة، عن، أم عطيّة، ففي "صحيح مسلم" هنا، وأما روايته عن أم عطيّة، ففي "الصحيحين" كليهما، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَشَطْنَاهَا) بتخفيف الشين المعجمة: أي: سرّحنا شعرها بالْمُشْط، يقال: مَشَطَت الشعرَ مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سرّحته، والتثقيل مبالغة، وامتشطت المرأة مَشَطَت شعرها، والْمُشْطُ الذي يُمْتشط به بضمّ الميم، وتميم تكسر، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أَمْشاطٌ، والْمُشَاطة بالضمّ: ما يسقُطُ من الشعر عن مَشْطِهِ، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١).
وقوله: (ثَلَاَثةَ قُرُونٍ) جمع قَرن، والمراد به الْخُصْلة من الشعر، و"ثلاثةَ" منصوب على الحال؛ أي: حال كونه ثلاثة قرون، والمعنى: جعلنا شعرها
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٧٤.
[ ١٨ / ٣١٢ ]
ثلاث ضفائر بعد أن حللناه، وغسلناه، وسرّحناه، وهو بمعنى قولها في الرواية الآتية: "فضَفَرْنا شعرَها ثلاثة أثلاث: قرنيها، وناصيتها".
وفيه حجة للشافعيّ ﵀ ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر، ومثل المرأة في ذلك الرجل إذا كان له شعر يُنقَض؛ لأجل التنظيف، وليبلغ الماء البشرة، وذهب من منعه إلى أنه قد يفضي إلى انتشاف شعره، وأجاب من أثبته بأنه يُضمّ إلى ما انتثر منه، أفاده في "الفتح" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تخريجه، وبقي الكلام على مذاهب العلماء في حكم مشط الشعر، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في حكم تضفير شعر الميت:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في تضفير شعر الميتة، فكان الشافعيّ يقول: يُضفّر شعر رأسها كلّه، ناصيتها، وقرنها ثلاث قرون، ثم ألقيت خلفها، وكذلك قال أحمد، وأومأ إليه إسحاق، وبه نقول؛ لحديث أم عطيّة -﵂-.
وكان الأوزاعيّ يقول: ليس مشط رأس الميتة ثلاثة قرون بواجب، ولكن يفرّق شعرها، ويرسله مع خدّيها، وقال أصحاب الرأي: يرسل من بين ثدييها من الجانبين جميعًا، ثم يُسدل الخمار عليه. انتهى (^٢).
وقال العلامة ابن الملقّن ﵀ عند الكلام على قوله: "وجَعَلْنا رأسها ثلاثة قرون" ما حاصله: أي ثلاث ضفائر، ضفيرتين، وناصيتها، كما جاء مبيّنًا في رواية أخرى، وتضمّن ذلك التسريحَ، والضَّفْرَ، بناء على أن الغالب في أن الضَّفْر بعد التسريح، وإن كان هذا اللفظ لا يُشعر به صريحًا، وقد جاء في رواية في "الصحيح": "فمَشَطْناها ثلاثة قرون"، وبه قال الشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب المالكي.
وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا يستحبّ المشط، ولا الضَّفْر، بل يُرسَل شعرها على جانبيها مفرّقًا. ونقل القرطبيّ عن الأوزاعيّ أنه لا يجب الْمَشْطُ، وما نقلناه عن الأوزاعي تبعنا فيه النوويّ ﵀، ولم يَعرِف ابنُ القاسم الضَّفْر،
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٧١٣ - ٧١٤.
(٢) "الأوسط" ٥/ ٣٣٣.
[ ١٨ / ٣١٣ ]
وقال: يُلَفّ، وقال بعض الشافعية -فيما حكاه الشيخ تقي الدين-: تُجعَل الثلاث خلف ظهرها، قال: ورَوَى في ذلك حديثًا أثبت استحبابه به، وهو ثابت من فعل من غَسَل بنت رسول الله -ﷺ-؛ أي: كما أخرجه البخاريّ من حديث أم عطيّة -﵂-.
وقال ابن الجوزيّ: إنه السنّة، قال القاضي: ومن حجة مَن مَنَعٍ الاستحباب أنه ليس في الحديث معرفة النبيّ -ﷺ- بفعل أم عطية، فيُجعلَ سنةً وحجةً، قال النوويّ: الظاهر اطّلاعه عليه، واستبيانه فيه كما في غيرها، واعترض عليه الفاكهيّ، فقال: هذا الظاهر عنده، غير ظاهر.
قال ابن الملقّن: قلت: عجيب منه، ومن القاضي عياض، ففي "صحيح ابن حبّان" أنه -ﷺ- أمر بذلك، ولفظ روايته: "واجْعَلْنَ لها ثلاثة قرون"، وترجم عليه: "باب ذكر البيان بأنّ أم عطيّة إنما مَشَطَت قرونها بأمر المصطفى -ﷺ-، لا من تلقاء نفسها"، فاستفيد ذلك، ولم يطّلع القرطبيّ أيضًا على هذه الرواية، فادَّعَى أن ذلك لم يَرِد مرفوعًا. انتهى كلام ابن الملقّن ﵀ (^١).
وقال في "الفتح": وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر من رواية هشام، عن حفصة، عن أم عطيّة، قالت: قال لنا رسول الله -ﷺ-: "اغسلنها وترًا، واجْعَلْنَ شعرها ضفائر". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن المذهب الراجح مشروعية نقض شعر رأس الميتة، وتسريحه، وجعله ثلاث ضفائر، وإلقاؤه خلف ظهرها؛ لصحة الأحاديث بذلك، على ما قدّمناه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٠] (…) -
(وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (^٢) (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤٤٣ - ٤٤٥.
(٢) وفي نسخة: "حماد بن زيد".
[ ١٨ / ٣١٤ ]
ابْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وفي حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ: قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ: قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُريعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمِّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود، تقدّم قبل باب.
٤ - (حَمَّادُ) بن زيد تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ أَيُّوبَ) أي: كلّ من مالك، وحمّاد بن زيد، وابن عليّة رووا عن محمد بن سيرين … إلخ.
وقولها: (تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ-) تقدّم أنها زينب -﵂-.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُريعٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) إنما نصّ على هذا؛ لأن يزيد بن زُريع رواه بسند آخر، وهو السند الماضي بعد السند المذكور، وهو: عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطيّة، ففيه إدخال الواسطة بين محمد وبين أم عطيّة، فأراد أن رواية هؤلاء إنما هي بلا واسطة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: أما رواية مالك بن أنس، عن أيوب، فساقها البخاريّ ﵀ في "صحيحه" فقال:
(١٢٥٣) - حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدّثني مالك، عن أيوب السختيانيّ، عن محمد بن سيرين، عن أم عطيّة الأنصارية -﵂- قالت: دخل علينا رسول الله -ﷺ- حين توفيت ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلكِ، إن رأيتنّ ذلك، بماء وسدر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنّ، فآذنّني"، فلما فرغنا آذنّاه، فأعطانا حِقوه، فقال: "أشعرنها إياه"، تعني إزاره. انتهى.
[ ١٨ / ٣١٥ ]
وأما رواية حماد بن زيد، عن أيوب، فساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(٣١٤٢) - حدّثنا القعنبيّ، عن مالك (ح) وحدّثنا مسدّد، حدّثنا حماد بن زيد، المعنى عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أم عطية، قالت: دخل علينا رسول الله -ﷺ- حين توفيت ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، بماء وسدر، واجْعَلْنَ في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنّ، فآذنّني"، فلما فرغنا آذنّاه، فأعطانا حقوه، فقال: "أشعرنها إياه"، قال عن مالك: يعني إزاره، ولم يقل مسدد: "دخل علينا". انتهى.
وأما رواية ابن علية، فساقها النسائيّ ﵀ في "سننه" فقال:
(١٨٩٠) - أخبرنا عمرو بن زُرارة، قال: حدّثنا إسماعيل، عن أيوب، عن محمد، عن أم عطية، قالت: أتانا رسول الله -ﷺ-، ونحن نغسل ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، بماء وسدر، واجعَلْنَ في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنّ فآذنّني"، فلما فرغنا آذنّاه، فألقى إلينا حقوه، وقال: "أشعرنها إياه"، قال: أو قالت حفصة: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا"، قال: وقالت أم عطية: "مشطناها ثلاثة قرون". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧١] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكِ"، فَقَالَتْ حَفْصَةُ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: وَجَعَلْنَا رَأْسَهَا ثَلَاَثةَ قُرُونٍ).
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا".
[ ١٨ / ٣١٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذكروا قبله.
وقوله: (أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ) هذه الرواية صريحة في مشروعيّة الزيادة على السبع، بخلاف الروايات السابقة، فإنها كلها إلى السبع فقط، ولذا أنكر الزيادة على السبع من غفل عن هذه الرواية، وهي في "الصحيحين"، وقد سبق الردّ عليه، فلا تغفل، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: هذه الرواية من رواية حفصة، عن أم عطيّة، وقد سبق أن مدار حديث أم عطيّة على محمد، وحفصة ابني سيرين، وأن حفصة حفظت منها ما لم يحفظه محمد، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية حماد، عن أيوب هذه ساقها البخاريّ ﵀، فقال:
(١٢٥٩) - حدّثنا حامد بن عمر، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، عن أم عطية، قالت: توُفيت إحدى بنات النبيّ -ﷺ-، فخرج النبيّ -ﷺ-، فقال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ، بماء وسدر، واجْعَلْن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فماذا فرغتنّ فآذنّني"، قالت: فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: "أشعرنها إياه".
وعن أيوب، عن حفصة، عن أم عطية -﵂- بنحوه، وقالت: إنه قال: "اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ"، قالت حفصة: قالت أم عطية -﵂-: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون. انتهى.
فقوله: "وعن أيوب … إلخ" موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٢] (…) - (وَحَدَّثنَا (^٢) يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثنَا ابْنُ عُلَيةَ، وَأَخْبَرَنَا (^٣) أَيُّوبُ، قَالَ: وَقَالَتْ حَفْصَةُ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ: قَالَتْ: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا"، قَالَ: وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: مَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٧٠٥.
(٢) وفي نسخة: "حدثنا".
(٣) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٣١٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا قبل حديث.
وقوله: (قَالَتْ: اغْسِلْنَهَا … إلخ) أي: قالت أم عطيّة: قال النبيّ -ﷺ- لنا: "اغسلنها خمسًا … إلخ"، فجملة "اغسلنها … إلخ" مقول لـ"قال" المقدّر، فتنبّه.
وقوله: (وِتْرًا، ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا) "ثلاثًا … إلخ" بدل من "وترًا"، أو عطف بيان له، وهو بيان للمراد من الوتر هنا؛ إذ الوتر أقله الواحد، وليس مرادًا هنا، فبيّنه بأنه ثلاث … إلخ.
والحديث متّفق عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٣] (…) - (حَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، "قالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي الْخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي"، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمر بن محمد بن بكر، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ) الضرير تقدّم قبل باب.
٤ - (عَاصِم الْأَحْوَلُ) هو: ابن سليمان، تقدّم قبل باب أيضًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٨ / ٣١٨ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا (^١) هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ نَغْسِلُ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكِ"، بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ، وَعَاصِمٍ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَتْ: فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاَثةَ أَثْلَاثٍ: قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٢ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) الْقُردوسيّ، تقدّم في الباب الماضي.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (إِحْدَى بَنَاتِهِ) تقدّم في الرواية التي قبلها أنها زينب بنت رسول الله -ﷺ-.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِ أَيُّوبَ، وَعَاصِمٍ) يعني: أن هشام بن حسّان حدّث عن حفصة بنت سيرين بنحو ما حدّث به أيوب السختياني، وعاصم الأحول كلاهما عنها.
وقوله: (وَقَالَ في الْحَدِيثِ) فاعل "قال" ضمير هشام.
وقولها: (فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا) أي: جعلنا شعرها ضفائر، يقال: ضَفَرتُ الشَّعْرَ ضَفْرًا من باب ضرب: إذا جعلته ضَفَائر، كلُّ ضَفِيرة على حِدَةٍ بثلاث طاقات، فما فوقها، والضَّفِيرة من الشعر: الْخُصْلة، والجمع ضفائر، وضُفُرٌ بضمّتين، والضّفِيرة أيضًا: الذُّؤَابة، أفاده في "المصباح" (^٢).
وقولها: (ثَلَاَثةَ أَثْلَاثٍ) أي: ثلاث أجزاء.
وقولها: (قَرْنَيْهَا، وَنَاصِيَتَهَا) بالنصب على البدليّة من "ثلاثة أثلاث".
_________________
(١) وفي نسخة: "حدثنا".
(٢) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٣.
[ ١٨ / ٣١٩ ]
وقولها: (قَرْنَيْهَا) أي: الشعر النابت في قرني رأسها، وهما جانباه الأعلى، قال في "القاموس": الْقَرنُ: الرَّوْقُ من الحيوان، وموضعه من رأسنا، أو الجانب الأعلى من الرأس، جمعه قُرونٌ، والذُّؤَابةُ، أو ذُؤابة المرأة، والْخُصْلة من الشَّعَرِ. انتهى المقصود منه (^١).
وقولها: (وَنَاصِيَتَهَا) قال في "القاموس": الناصيةُ، والناصاة: قُصَاصُ الشعر. انتهى (^٢)، وقال أيضًا: وقُصاص الشعر مثلّثة، والضمّ أعلى: حيث تنتهي نِبْتَتُهُ من مقدّمه، أو مؤخّره. انتهى (^٣).
[تنبيه]: رواية هشام بن حسّان، عن حفصة هذه ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٦٧٦١) - حدّثنا يحيى بن سعيد، ويزيد بن هارون، قالا: أنا هشام، عن حفصة، قالت: حدّثتني أم عطية، قالت: تُوُفّيت إحدى بنات النبيّ -ﷺ-، فأتانا رسول الله -ﷺ-، فقال: "اغسلنها بسدر، واغسلنها وترًا: ثلاثًا، أو خمسًا، أو أكثر من ذلك، إن رأيتنّ ذلك، واجعلن في الآخرة كافورًا، أو شيئًا من كافور، فإذا فرغتنّ فآذنّني"، قالت: فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال: "أشعرنها إياه"، قالت أم عطية: وضَفَرْنا رأس ابنة النبيّ -ﷺ- ثلاثة قرون، وألقينا خلفها: قرنيها، وناصيتها. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حَيْثُ أَمَرَهَا أَنْ تَغْسِلَ ابْنَتَهُ، قَالَ لَهَا: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا").
_________________
(١) راجع: "القاموس المحيط" ٤/ ٢٥٧.
(٢) "القاموس" ٤/ ٣٩٥.
(٣) "القاموس" ٢/ ٣١٣.
[ ١٨ / ٣٢٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هُشَيْمُ) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السّلميّ، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (خَالِدُ) بن مِهْران الحذّاء، أبو المنازل البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، يرسل [٥] (ت ١ أو ١٤٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٤.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا) أمرٌ لجماعة النسوة اللاتي حضرن غسل ابنة النبيّ -ﷺ-.
وقوله: (بِمَيَامِنِهَا) جمع مَيْمَنة؛ أي: بالأيمن من بدنها، من اليد، والْجَنْب، والرجل؛ يعني ابدأن بالأعضاء اليمنى منها قبل اليسرى في الغسل والوضوء.
وقوله: (وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا) أي: ابدأن بغسل مواضع الوضوء منها قبل باقي الأعضاء.
قال الحافظ ﵀: ليس بين الأمرين تنافٍ، لإمكان البداءة بمواضع الوضوء، وبالميامن معًا.
قال الزين ابن المنيّر ﵀: قوله: "ابدأن بميامنها" أي: في الغسلات التي لا وضوء فيها، "ومواضع الوضوء منها" أي: في الغسلة المتصلة بالوضوء، وكأن المصنّف أشار بذلك إلى مخالفة أبي قلابة في قوله: يبدأ بالرأس، ثم باللحية، قال: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرّة والتحجيل. انتهى.
واستدلّ به على استحباب المضمضة، والاستنشاق في غسل الميت، خلافًا للحنفية، بل قالوا: لا يستحبّ وضوءه أصلًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: نسبة عدم استحباب الوضوء إلى الحنفية غَلَطٌ، فقد قالوا باستحباب الوضوء، لكن بلا مضمضة ولا استنشاق، كما بيّنه العينيّ ﵀.
قال الحافظ ﵀: وإذا قلنا باستحبابه، فهل يكون وضوءًا حقيقيًّا، بحيث
[ ١٨ / ٣٢١ ]
يعاد غسل تلك الأعضاء في الغسل، أو جزءًا من الغسل، بُدئت به هذه الأعضاء تشريفًا؟ الثاني أظهر من سياق الحديث، والبداءة بالميامن، وبمواضع الوضوء مما زادته حفصة في روايتها عن أم عطية على أخيها محمد، وكذا الْمَشْط، والضَّفْرُ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح من أقوال أهل العلم مشروعية الوضوء للميت مع المضمضة والاستنشاق، على ظاهر حديث الباب، فإن الوضوء الشرعيّ إذا أطلق ينصرف إلى ما يشملهما.
وقيل: لا يشرعان، قال العينيّ ﵀: وضوء الميت سنة، كما في الاغتسال في حالة الحياة، غير أنه لا يُمَضْمَض، ولا يستنشق؛ لأنهما متعسران؛ لتعذر إخراج الماء من الأنف والفم.
وقال ابن قُدامة ﵀ في "المغني": يُوَضِّؤه وضوءه للصلاة، فيغسل كفيه، ثم يأخذ خرقة خشنة، فيبلّها، ويجعلها على إصبعه، فيمسح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما، ويكون ذلك في رفق، ثم يغسل وجهه، وُيتِمّ وضوءه، قال: ولا يدخل الماء فاه، ولا منخريه في قول أكثر أهل العلم، كذلك قال سعيد بن جبير، والنخعيّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، وقال الشافعيّ: يمضمض، ويستنشق، كما يفعل بالحيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشافعيّ ﵀: هو الأظهر؛ لموافقته لظاهر النصّ، فتبصّر.
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٦] (…) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ خَالِدٍ،
_________________
(١) "الفتح" ٣/ ٧١١.
[ ١٨ / ٣٢٢ ]
عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
كلّهم ذُكروا في الباب، وخالد هو "الحذّاء".
والحديث متّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.