أي هذا كتاب تُذكر فيه الأحاديث الدّالة على أحكام الزكاة.
وإنما ذَكَر "كتاب الزكاة" عقيب "كتاب الصلاة"؛ لأن الزكاة ثالثة الإيمان، وثانية الصلاة في الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٣]، وأما السنة فقوله - ﷺ -: "بُنى الإسلام على خمس … " الحديث (^١).
مسائل تتعلّق بهذه الترجمة:
(المسألة الأولى): في بيان ما يتعلّق بلفظ "الزكاة" من حيث اشتقاقها، ومعناها لغةً وشرعًا:
قال العلامة ابن الأثير ﵀: قد تكرّر في الحديث ذكر "الزكاة"، و"التزكية"، وأصل "الزكاة" في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكلّ ذلك قد استُعمِل في القرآن، والحديث، ووزنها فَعَلَة كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها انقلبت ألفًا، وهي من الأسماء المشتركة بين الْمُخرَج، والفعل، فتُطلَق على العين، وهي الطائفة من المال الْمُزَكَّى بها، وعلى المعنى، وهو التزكية. ومن الجهل بهذا البيان أُتِي من ظَلَم نفسه بالطعن على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤] ذاهبًا إلى العين،
_________________
(١) راجع: "عمدة القاري" ٨/ ٢٣٣.
[ ١٩ / ٥ ]
وإنما المراد المعنى الذي هو التزكية، فالزكاة طُهْرة للأموال، وزكاة الفطر طُهرة للأبدان. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ ﵀: والزكاء بالمدّ: النماء، والزيادة، يقال: زكا الزرع والأرض تزكو زُكُوًّا، من باب قعد، وأزكى بالألف مثله، وسُمّي القدرُ الْمُخرَج من المال زكاةً؛ لأنه سبب يُرجى به الزكاءُ، وزكَّى الرجلُ ماله -بالتشديد- تزكيةً، والزكاةُ اسم منه، وأزكى الله المالَ، وزكّاه بالألف، والتثقيل. وإذا نسبت إلى الزكاة وجب حذفُ الهاء، وقلبُ الألف واوًا، فيقال: زكويّ، كما يقال في النسبة إلى حصاة حَصَويّ؛ لأن النسبة تردّ إلى الأصول، وقولهم: زكاتيّةٌ عاميّ، والصواب زكويّة. انتهى (^٢).
وقال النوويّ ﵀ في "المجموع": قال الإمام أبو الحسن الواحديّ: الزكاة تطهير للمال، وإصلاح له، وتمييز، وإنماء، كلّ ذلك قد قيل، قال: والأظهر أن أصلها عن الزيادة، يقال: زكا الزرع يزكو زَكَاءً ممدود، وكلّ شيء ازداد فقد زكا، قال: والزكاة أيضًا الصلاح، وأصلها من زيادة الخير، يقال: رجلٌ زَكِىٌّ؛ أي: زائد الخير، من قوم أزكياء، وزَكَّى القاضي الشهودَ: إذا بيّن زيادتهم في الخير، وسمي ما يُخرَج من المال للمساكين بإيجاب الشرع زكاةً؛ لأنها تزيد في المال الذي أُخرِجت منه، وتوفّره في المعنى، وتقيه الآفات، هذا كلام الواحديّ.
وأما الزكاة في الشرع، فقال صاحب "الحاوي" وآخرون: هو اسم لأخذ شيء مخصوص، من مال مخصوص، على أوصاف مخصوصة، لطائفة مخصوصة.
و[اعلم]: أن الزكاة لفظة عربيّة معروفة قبل ورود الشرع، مستعملة في أشعارهم، وذلك كثير من أن يُستدلّ له، قال صاحب "الحاوي": وقال داود الظاهريّ: لا أصل لهذا الاسم في اللغة، وإنما عُرف بالشرع، قال صاحب "الحاوي": وهذا القول -وإن كان فاسدًا- فليس الخلاف فيه مؤثّرًا في أحكام الزكاة. انتهى كلام النوويّ (^٣).
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٠٧.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٥٤.
(٣) "المجموع" ٥/ ٢٩٥.
[ ١٩ / ٦ ]
وقال الحافظ ﵀ في "الفتح": والزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكا الزرع: إذا نما، وتَرِد أيضًا في المال، وترد أيضًا بمعنى التطهير. وشرعًا بالاعتبارين معًا.
أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى أن الأجر بسببها يكثر، أو بمعنى أن متعلّقها الأموال، ذات النماء، كالتجارة، والزراعة، ودليل الأول: "ما نقص مالٌ من صدقة" (^١)، ولأنها يضاعف ثوابها، كما جاء: "إن الله يربّي الصدقة" (^٢).
وأما بالثاني: فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل، وتطهير من الذنوب.
وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها.
وقال ابن العربيّ: تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة، والمندوبة، والنفقة، والحقّ، والعفو. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب الحوليّ إلى فقير ونحوه، غير هاشميّ، ولا مطّلبيّ.
ثم لها ركنٌ، وهو الإخلاص، وشرطٌ، هو السبب، وهو ملك النصاب الحوليّ، وشرطُ من تجب عليه، وهو العقل، والبلوغ، والحرّيّة.
ولها حكم، وهو سقوط الواجب في الدنيا، وحصول الثواب في الأخرى.
وحكمة: وهي التطهير من الأدناس، ورفع الدرجة، واسترقاق الأحرار، فإن الإنسان عبد الإحسان. انتهى. وهو جيّدٌ لكن في شرط من تجب عليه اختلاف.
والزكاة أمر مقطوع به في الشرع، يَستغني عن تكلّف الاحتجاج له، وإنما وقع الاختلاف في فروعه، وأما أصل فرضية الزكاة فمن جحدها كفر. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^٣).
وقال العلامة ابن الملقّن ﵀ في كتابه "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام": الزكاة في اللغة: النماء، والتطهير. فمن الأول قولهم: زَكَى الزرعُ؛ أي: نما، فالمال ينمو بإخراج الزكاة من حيث لا يُرى، وإن كان في الظاهر يُحسّ بالنقصان، وقد صحّ أنه - ﷺ - قال: "ما نقص مال من صدقة". وقد وقع لبعض الصالحين، فوجد وزن ما عنده كما كان قبل الصدقة. وقيل: يزكو عند الله
_________________
(١) أخرجه مسلم.
(٢) متّفقٌ عليه بنحوه.
(٣) "الفتح" ٤/ ٥.
[ ١٩ / ٧ ]
أجرها، كما صحّ أن الله تعالى يربّي الصدقة حتى تكون كالجبل. وقيل: لأن متعلقها الأموال ذات النماء، فسميت بالنماء لتعلقها به.
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ الآية [التوبة: ١٠٣]، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]؛ أي: طهّرها من دنس المعاصي والمخالفات، دليله قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أخملها بالمعاصي، فالزكاة تطهّر النفس من رذيلة البخل وغيره. وقد قيل: من أذى زكاة ماله لم يُسَمّ بخيلًا، وتطهّر أيضًا من الذنوب، وتطهّر المال أيضًا من الخبث. وقيل: سميت زكاةً لأنها تزكي صاحبها، وتشهد بصحّة إيمانه؛ ولهذا قال - ﷺ -: "والصدقة بُرهان" رواه مسلم. وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٧] لا يشهدون أن لا إله إلا الله. وتسمى أيضًا صدقةً؛ كما نصّ عليه القرآن والسنّة؛ لأنها دليل لتصديق صاحبها، وصحّة إيمانه ظاهرًا وباطنًا. وتسمى أيضًا حقَّا، قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، ونفقةً، قال تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤] وعفوًا، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فهذه خمسة أسماء.
وقوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤]، وقوله: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]؛ أي: طاهرًا. وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]، وقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٨]؛ أي: يتقرّب. وقيل: يعمل صالحًا.
وجاء في القرآن بمعنى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧)﴾ [عبس: ٧]. وبمعنى الحلال، قال تعالى: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ [الكهف: ١٩]. ومن العجب إنكار داود الظاهريّ وجود الزكاة لغة، وقال: إنما عُرفت بالشرع.
وهي في الشرع: اسم لما يُخرج من المال طهارةً له.
وشُرعت لمصلحة الدافع طهرةً له، وتضعيفًا لأجره، ولمصلحة الآخذ سدًّا لخلّته.
وأفهم الشرع أنها وجبت للمساواة، وأنها لا تكون إلا في مال له بالٌ، وهو النصاب، ثم جعلها في الأموال النامية، وهي العين، والزرع، والماشية. وأجمعوا على أن وجوب الزكاة في هذه الأنواع، واختلفوا فيما سواها كالعروض، والجمهورُ على الوجوب فيها؛ خلافًا لداود، مستدلًّا بحديث:
[ ١٩ / ٨ ]
"ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة". متفق عليه، وحمله الجمهور على ما كان للقنية. وحدّد الشرع نصاب كل جنس بما يحتمل المواساة.
فنصاب الفضّة خمس أواق، وهي مائتا درهم بنصّ الحديث. وأما الذهب، فعشرون مثقالًا بنصّ الحديث، والإجماع أيضًا، وإن كان فيه خلاف شاذّ. وأما الزرع والثمار والماشية، فنُصُبُها معلومة.
ورتّب الشرع مقدار الواجب بحسب المؤنة والتعب في المال، فأعلاها، وأقلها تعبًا الركاز، وفيه الخمس؛ لعدم التعب فيه، ويليه الزرع والثمر، فإن سُقي بماء السماء، ونحوه، ففيه العشر، وإلا فنصفه؛ لأن في الأول التعبَ من طرف (^١)، والثاني من طرفين، ويليه الذهب والفضة، والتجارة، ففيها ربع العشر؛ لأنه يحتاج إلى العمل فيه جميع السنة، ويليه الماشية، فإنه يدخلها الأوقاص (^٢)، بخلاف الأنواع السابقة.
فالمأخوذ إذًا: الْخُمُس، ونصفه، وربعه، وثمنه، وهذا من حسن ترتيب الشريعة، وهو التدريج في المأخوذ. انتهى كلام ابن الملقّن (^٣).
وقال القرطبىّ ﵀: وتسمى الزكاة صدقةً مأخوذة من الصدق؛ إذ هي دليل على صحّة إيمانه، وصدق باطنه مع ظاهره.
قال: وشرعها الله تعالى مواساة للفقراء، وتطهيرًا للأغنياء من البخل، وإنما تجب على من كان له من المال ما له بالٌ، وأقلّ ذلك النصاب على ما يأتي بيانه.
ثم موضوعها الأموال النامية؛ أي: الصالحة للنماء، وهي العين، والحرث، والماشية، ثم هذه الأصول منها ما ينمو بنفسه، كالحرث والماشية، ومنها ما ينو بتغيير عينه وتقليبه كالعين. والإجماع منعقدٌ على تعلّق الزكاة بأعيان هذه المسميات، فأما تعلّق الزكاة بما سواها من العروض، والديون، ففيها ثلاثة أقوال:
_________________
(١) وقع في الكتاب بلفظ "من طرفين" في الموضعين، والظاهر أن الأول خطأ.
(٢) جمع وَقَص بفتحتين، وهو ما بين الفريضتين من نُصُب الزكاة مما لا شيء فيه. اهـ. مصباح.
(٣) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٥/ ٧ - ١١.
[ ١٩ / ٩ ]
فأبو حنيفة يوجبها على الإطلاق، وداود يُسقطها في ذلك، ومالك يوجبها في عروض التجارة، وفي الديون تفصيل يعرف في كتب الفقه، وسيأتي حجة كل فريق في تضاعيف الكلام. انتهى كلام القرطبيّ ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله القرطبيّ من إيجاب الإمام أبي حنيفة الزكاة في الديون على الإطلاق، ليس كما قال، بل في مذهبه تفصيل، فليُرجَع لكتب مذهبه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في السنة التي فُرضت فيها الزكاة:
ذهب الأكثرون إلى أنّ فرضيتها وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية، قبل فرض رمضان، أشار إليه النوويّ في "باب السير" من كتابه "الروضة". وجزم ابن الأثير في "التاريخ" بأن ذلك كان في السنة التاسعة. وهذا -كما قال الحافظ- فيه نظر، فقد ثبت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس، وفي عدّة أحاديث ذكر الزكاة، وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل، وكانت في أول السابعة، وقال فيها: "يأمرنا بالزكاة"، لكن يمكن تأويل كلّ ذلك، كما سيأتي في آخر الكلام.
وقوّى بعضهم ما ذهب إليه ابن الأثير بما وقع في قصّة ثعلبة بن حاطب المطوّلة، ففيها: "لما أنزلت آية الصدقة بعث النبيّ - ﷺ - عاملًا، فقال: ما هذه إلا جزية، أو أخت الجزية". والجزية إنما وجبت في التاسعة، فتكون الزكاة في التاسعة. لكن الحديث ضعيف، لا يُحتجّ به.
وادّعَى ابن خزيمة في "صحيحه" أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتجّ بما أخرجه من حديث أم سلمة في قصّة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب، قال للنجاشيّ في جملة ما أخبره به عن النبيّ - ﷺ -: "ويأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام". انتهى.
قال الحافظ: وفي استدلالة بذلك نظرٌ؛ لأن الصلوات الخمس لم تكن فُرضت بعدُ، ولا صيام رمضان، فيحتمل أن تكون مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشيّ، وإنما أخبره بذلك بعد مدّة، قد وقع فيها ما ذكر،
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥.
[ ١٩ / ١٠ ]
من قصّة الصلاة، والصيام، وبلغ ذلك جعفرًا، فقال: "يأمرنا" بمعنى يأمر به أمته، وهو بعيدٌ جدًّا.
وأولى ما حُمل عليه حديث أم سلمة هذا -إن سَلِمَ من قدح في إسناده- أن المراد بقوله: "يأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام"؛ أي في الجملة، ولا يلزم من ذلك أن يكون المراد بالصلاة الصلوات الخمس، ولا بالصيام صيام رمضان، ولا بالزكاة هذه الزكاة المخصوصة ذات النصاب والحول.
ومما يدلّ على أن فرض الزكاة كان قبل السنة التاسعة حديث أنس - ﵁ - في "الصحيح" في قصّة ضمام بن ثعلبة، وفيه قوله: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتردها على فقرائنا؟ وكان قدوم ضمام سنة خمس، كما تقدّم، وإنما الذي وقع في التاسعة بعث العمّال لأخذ الصدقات، وذلك يقتضي تقدّم فريضة الزكاة قبل ذلك.
ومما يدلّ على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فُرض بعد الهجرة؛ لأن الآية الدّالة على فرضيته مدنيّة بلا خلاف.
وثبت عند أحمد، وابن خزيمة أيضًا، والنسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، من حديث قيس بن سعد بن عُبادة، قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت الزكاة، فلم يأمرنا، ولم ينهنا، ونحنُ نفعله". إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمّار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفيّ، اسمه عَرِيب -بالمهملة المفتوحة- ابن حُميد، وقد وثّقه أحمد، وابن معين، وهو دالٌّ على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب.
ووقع في "تاريخ الإسلام": في السنة الأولى فُرِضت الزكاة. وقد أخرج البيهقيّ في "الدلائل" حديث أم سلمة المذكور من طريق "المغازي لابن إسحاق" من طريق يونس بن بُكير، عنه، وليس فيه ذكر الزكاة، وابن خزيمة أخرجه من حديث ابن إسحاق، لكن من طريق سلمة بن الفضل، عنه، وفي سلمة مقال (^١).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٩ - ١٠.
[ ١٩ / ١١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن مما ذُكر أن الراجح أن فرض الزكاة كان بعد الهجرة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن تجب عليه الزكاة:
قال الإمام محمد بن رُشد ﵀ في كتابه "بداية المجتهد، ونهاية المقتصد": اتفقوا على أنها تجب على كل مسلم حرّ، بالغ، عاقل، مالك للنصاب، ملكًا تامًّا.
واختلفوا في وجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذّمّة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دينٌ، أو له الدين، ومثل المال المحبّس الأصل.
فأما الصغار، فإن قومًا قالوا: تجب عليهم الزكاة في أموالهم، وبه قال عمر، وعلىّ، وابن عمر، وجابر، وعائشة، والحسن بن عليّ من الصحابة - ﵃ -، وبه قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء، ومجاهد، وربيعة، ومالك، والشافعيّ، والثوريّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الأمصار.
وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلًا. وبه قال النخعيّ، والحسن، وسعيد بن جبير، من التابعين.
وفرّق قوم بين ما تُخرج الأرض، وبين ما لا تُخرجه، فقالوا: عليه الزكاة فيما تُخرجه الأرض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك، من الماشية، والنّاضّ (^١)، والعُرُوض، وغير ذلك. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه.
وفرق آخرون بين النّاضّ وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناضّ.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة عليه، أو لا إيجابها هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية، هل هي عبادة كالصلاة، والصيام؟ أم هي حقّ واجب للفقراء على الأغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حقّ واجبٌ للفقراء والمساكين في أموال الأغنياء، لم يَعتَبِر في
_________________
(١) أي: الدراهم والدنانير، فقد ذكر في "القاموس" من معاني "الناضّ": الدرهم والدينار، أو إنما يسمّى ناضًّا إذا تحوّل عينًا بعد أن كان متاعًا. انتهى بتصرّف.
[ ١٩ / ١٢ ]
ذلك بلوغًا من غيره، وأما من فرّق بين ما تُخرجه الأرض، أو لا تخرجه، وبين الخفيّ والظاهر، فلا أعلم له مستندًا في هذا الوقت. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: المذهب الأول عندي هو الأرجح؛ لعموم النصوص الصحيحة في إيجاب الزكاة، ولما روي من آثار عن الصحابة: عمر، وعليّ، وعائشة، وجابر - ﵃ -، رواها أبو عبيد، والبيهقيّ، والدارقطنىّ وغيرهم. والله تعالى أعلم.
قال: وأما أهل الذمّة، فإن الأكثر على أن لا زكاة على جميعهم؛ إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب -أعني أن يؤخذ منهم مِثلا ما يؤخذ من المسلمين في كلّ شيء-.
وممن قال بهذا: الشافعىّ، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوريّ، وليس عن مالك في ذلك قولٌ، وإنما صار هؤلاء لهذا لأنه ثبت أنه فعل عمر بن الخطّاب بهم، وكأنهم رأوا أن مثل هذا هو توقيفٌ، ولكن الأصول تعارضه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون هذا الذي أُخذ من نصارى بني تغلب زكاة فيه نظرٌ لا يخفى. والله تعالى أعلم.
قال: وأما العبيد فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب:
فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلًا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة - ﵃ -، ومالك، وأحمد، وأبي عُبيد، من الفقهاء.
وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعيّ، فيما حكاه ابن المنذر، والثوريّ، وأبو حنيفة، وأصحابه.
وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مرويّ عن ابن عمر، من الصحابة، وبه قال عطاء، من التابعين، وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر، وبعضهم (^١). وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هو على أن لا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق. وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة.
وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد اختلافهم في هل يملك العبد ملكًا تامًّا أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكًا تامًّا، وأن السيّد هو المالك؛ إذ
_________________
(١) هكذا النسخة بالواو، ولعله (أو بعضهم) بـ (أو)، فليُحرّر.
[ ١٩ / ١٣ ]
كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيّد، ومن رأى أنه لا واحد منهما يملكه ملكًا تامًّا، لا السيّد؛ إذ كانت يد العبد هي التي عليه، لا يد السيّد، ولا العبد أيضًا؛ لأن للسيّد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلًا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرّفها فيه تشبيهًا بتصرّف يد الحرّ قال: الزكاة عليه، لا سيّما من كان عنده أن الخطاب العامّ يتناول الأحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلّق بالمكلّف لتصرّف اليد في المال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير هو الظاهر عندي؛ لأن النصوص تعمّ الحرّ والعبد، وظواهر النصوص أن العبد يملك إذا أذن له السيّد في التصرّف. والله تعالى أعلم.
قال: وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق أموالهم، أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال قوم: لا زكاة في مال حَبًّا كان، أو غيره حتى تُخرج منه الديون، فإن بقي ما تجب فيه الزكاة زُكّي، وإلا فلا. وبه قال الثوريّ، وأبو ثور، وابن المبارك، وجماعة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: الدَّين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها.
وقال مالك: الدَّين يمنع زكاة الناضّ فقط، إلا أن يكون له عُروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يَمنع.
وقال قوم بمقابل القول الأول، وهو أن الدَّين لا يمنع زكاة أصلًا.
والسبب في اختلافهم اختلافُهم: هل الزكاة عبادة، أو حقّ مرتّبٌ في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حقّ لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدَّين؛ لأن حقّ صاحب الدَّين متقدّم بالزمان على حقّ المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدَّين، لا للذي المالُ بيده، ومن قال: هي عبادة قال: تجب على من بيده مالٌ؛ لأن ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلّف، سواء كان عليه دَينٌ، أو لم يكن؛ وأيضًا فإنه قد تعارض هنالك حقّان: حقّ لله، وحقّ للآدميّ، وحقّ الله أحقّ أن يُقضى. والأشبه بغرض
[ ١٩ / ١٤ ]
الشرع إسقاط الزكاة عن المديون؛ لقوله - ﷺ -: "صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم … " والمديون ليس بغنيّ. وأما من فرّق بين الحبوب، وغير الحبوب، وبين الناضّ، وغير النّاضّ، فلا أعلم له شبهة بيّنة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الأقرب عندي أن من عليه دَين يستغرق ماله، لا زكاة عليه أصلًا، ومن عليه دين لا يستغرق لا زكاة عليه بقدر الدين، ويزكي ما عداه؛ لظاهر النصّ المذكور، فإنه شرط في أخذ الزكاة أن يكون غنيًّا، والمديون لا يسمّى غنيًّا. والله تعالى أعلم.
قال: وأما المال الذي هو في الذّمّة -أعني في ذمة الغير- وليس هو بيد المالك، وهو الدَّين، فإنهم اختلفوا فيه أيضًا، فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قُبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعيّ، وبه قال الليث، أو هو قياس قوله. وقوم قالوا: إذا قبضه زكّاه لما مضى من السنين. وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن أقام عند المديون سنين إذا كان أصله عن عوض، وأما إذا كان عن غير عوض، مثل الميراث، فإنه يستقبل به الحول. انتهى كلام ابن رشد ﵀ ببعض تصرّف (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أنه إن كان الدَّين عند مقرّ به، أو له عليه بيّنة، فإنه يزكّيه، وإلا فلا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في اشتراط الحول في الزكاة: ذكر ابن رشد ﵀ أن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضّة والماشية الحولَ، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة - ﵃ - ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعًا من حديث ابن عمر - ﵄ -، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول"، وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف، إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية - ﵃ -، وسبب اختلافهم أنه لم يَرِد في ذلك
_________________
(١) "بداية المجتهد" ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
[ ١٩ / ١٥ ]
حديث ثابت، قاله ابن رشد ﵀ (^١).
وقال النووىّ ﵀ ما معناه: هذا الأثر المذكور عن أبي بكر، وعثمان، وعليّ - ﵃ - صحيح عنهم، رواه البيهقيّ وغيره، وقد روي عن علي، وعائشة - ﵄ - عن النبىّ - ﷺ -، أنه قال: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
قال: وإنما لم يحتجّ المصنّف -يعني صاحب "المهذّب"- بالحديث؛ لأنه ضعيف، فاقتصر على الآثار المفسّرة. قال البيهقىّ: الاعتماد في اشتراط الحول على الآثار الصحيحة، فيه عن أبي بكر الصدّيق، وعثمان، وابن عمر، وغيرهم - ﵃ -.
قال العبدريّ: أموال الزكاة ضربان:
(أحدهما): ما له نماء في نفسه، كالحبوب والثمار، فهذا تجب الزكاة فيه لوجوده.
(والثاني): ما هو مُرَصَّدٌ للنماء، كالدراهم، والدنانير، وعروض التجارة، والماشية، فهذا يُعتبر فيه الحول، فلا زكاة في نصابه حتى يحول عليه الحول، وبه قال الفقهاء كافّةً، قال: وقال ابن مسعود، وابن عباس - ﵄ -: تجب الزكاة فيه يوم ملك النصاب، قال: فإذا حال الحول وجبت زكاة ثانية (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: مذهب الجمهور، في اشتراط الحول عندي هو الأرجح؛ للآثار الصحيحة المذكورة، والحديث المذكور صحيح موقوفًا، لكن الموقوف في مثل هذا في حكم المرفوع، وأما رفعه فضعيف. وقد صححه بعض أهل العلم من المعاصرين، وفيه نظر لا يخفى؛ لأن فيه عنعنة أبي إسحاق السبيعىّ، وهو معروف بالتدليس، وأن جرير بن حازم خالف الثقات في رفعه، فقد رواه الثوريّ، وشريك، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهم عن أبي إسحاق عن علي موقوفًا (^٣).
وفيه علّة أخرى، نبّه عليها ابن الموّاق، وهي أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق، فقد رواه الحفاظ أصحاب ابن وهب: سحنون،
_________________
(١) "بداية المجتهد" ١/ ٢٧٠.
(٢) "المجموع" ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٣) راجع: "إرواء الغليل" للشيخ الألبانىّ ٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧.
[ ١٩ / ١٦ ]
وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، فذكره. ذكره الحافظ في "التلخيص الحبير" (^١).
وهذه العلة بمفردها تكفي، فإن الحسن بن عمارة متروك الحديث.
وقد روي الحديث أيضًا عن ابن عمر، وعائشة - ﵃ -، بأسانيد ضعيفة، لا تصلح للاحتجاج بها، ولا للاستشهاد.
والحاصل أن الاعتماد في المسألة على الآثار الصحيحة المتقدّمة، لا على المرفوع، كما نبّه عليه البيهقىّ ﵀، فيما تقدم من كلامه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.