وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٧] (٩٤٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي سَبِيلِ اللهِ، نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ"، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهْوَ يَهْدِبُهَا).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِي) النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الْعَبسيّ الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظ، له تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
[ ١٨ / ٣٢٣ ]
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٤٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٥ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، من كبار [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٦ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْرَان الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ يدلّس [٥] (ت ١٤٧) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٧ - (شَقِيقُ) بن سلمة الأسديّ، أبو وائل الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٨ - (خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ) التميميّ، أبو عبد الله الصحابيّ الجليل مات -﵁- سنة (٣٧) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٣/ ١٤٠٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيات المصنّف ﵀، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله منهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيها، فتنبّه.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير شيخيه: يحيى، وأبي بكر، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أن شيخه أبا كريب أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، غير يحيى، فنيسابوريّ.
٥ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- أحد مشاهير الصحابة -﵃-، من السابقين الأولين إلى الإسلام، وكان يُعذّب في الله ﷿، وشَهِد بدرًا، وما بعدها، ثم نزل الكوفة، ومات بها -﵁-، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣٢٤ ]
شرح الحديث:
(عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ) -﵁- أنه (قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) أي: بأمره وإذنه، أو المراد بالمعيّة الاشتراك في حكم الهجرة؛ إذ لم يكن معه -ﷺ- حِسًّا إلا الصّدّيق، وعامرُ بن فُهَيرة -﵄- (فِي سَبِيلِ اللهِ) أي: لإعلاء كلمة الله تعالى (نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ) أي: نطلب بهجرتنا مرضاة الله تعالى، لا عَرَضًا من الدنيا وقال في "الفتح"؛ أي: جِهَة ما عنده، من الثواب، لا جهة الدنيا. انتهى. (فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ) قال النوويّ ﵀: معناه وجوب إنجاز وعد بالشرع، لا وجوبٍ بالعقل (^١) كما تزعمه المعتزلة، وهو نحو ما في الحديث: حقّ الله على العباد، وقد سبق شرحه في "كتاب الإيمان". انتهى (^٢).
وفي رواية للبخاريّ من طريق ابن عيينة، عن الأعمش: "فوقع أجرنا على الله"، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
وأما قوله: "فوجب أجرنا"، فالمراد بالوجوب على الله إيجابه على نفسه بمقتضى وعده الصادق، حيث قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية [التوبة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾ [الزمر: ٢٠].
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "فوجب أجرنا على الله" أي: بما وعد به من هاجر بقوله الصدق، ووعده الحقّ، لا بالعقل؛ إذ لا يجب على الله تعالى شيء عقلًا، ولا وضعًا. انتهى (^٣).
(فَمِنَّا مَنْ مَضَى) أي: مات (لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا) أي: من عَرَض الدنيا؛ يعني: أنه لم يوسّع عليه الدنيا، ولم يُعجّل له شيء من جزاء عمله،
_________________
(١) أي: بمجرد العقل دون الاستناد إلى الشرع، وإلا فما أوجبه الشرع فقد أوجبه العقل، فتنبّه.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٦.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥٩٧.
[ ١٨ / ٣٢٥ ]
قاله النوويّ ﵀ (^١).
وقال في "الفتح": هو كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، وكأن المراد بالأجر ثمرته، فليس مقصورًا على أجر الآخرة.
قال: وهذا مشكل على ما تقدّم من تفسير ابتغاء وجه الله، ويُجْمَع بأن إطلاق الأجر على المال في الدنيا بطريق المجاز بالنسبة لثواب الآخرة، وذلك أن القصد الأول هو ما تقدّم لكن منهم من مات قبل الفتوح، كمصعب بن عُمير، ومنهم من عاش إلى أن فُتح عليهم، ثمّ انقسموا، فمنهم من أعرض عنه، وواسى به المحاويج، أوّلًا، فأوّلًا، بحيث بقي على تلك الحالة الأولى، وهم قليل، منهم أبو ذرّ، وهؤلاء ملتحقون بالقسم الأول، ومنهم من تبسّط في بعض المباح فيما يتعلّق بكثرة النساء، والسراري، أو الخدَم، والملابس، ونحو ذلك، ولم يستكثروا، وهم كثير، ومنهم ابن عمر، ومنهم من زاد، فاستكثر بالتجارة، وغيرها، مع القيام بالحقوق الواجبة والمندوبة، وهم كثير أيضًا، منهم عبد الرحمن بن عوف، وإلى هذين القسمين أشار خبّاب، فالقسم الأول، وما التحق به توفّر له أجره في الآخرة، والقسم الثاني مقتضى الخبر أنه يُحسب عليهم ما وصل إليهم، من مال الدنيا، من ثوابهم في الآخرة، ويؤيّده ما أخرجه مسلم، من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: "ما من غازية، تغزو، فتغنَمُ، وتَسْلَمُ، إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم … " الحديث، ومن ثَمَّ آثر كثير من السلف قلّة المال، وقَنِعُوا به، إما ليتوفّر لهم ثوابهم في الآخرة، وإما ليكون أقلَّ لحسابهم عليه. انتهى (^٢).
(مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ) أي: من هؤلاء الذين لم يأكلوا من أجرهم شيئًا مصعب بن عُمير -بصيغة التصغير- ابن هشام بن عبد مناف بن عبد الدار بن قُصيّ، يجتمع مع النبيّ -ﷺ- في قُصيّ، وكان يُكنى أبا عبد الله، من السابقين إلى الإسلام، وإلى هجرة المدينة.
قال الحافظ ابن عبد البرّ ﵀: أسلم قديمًا، والنبيّ -ﷺ- في دار الأرقم،
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٦.
(٢) "الفتح" ١١/ ٢٨٢ - ٢٨٢، طبعة دار الريان.
[ ١٨ / ٣٢٦ ]
وكَتَمَ إسلامه خوفًا من أمه، فعَلِمَه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله، فأوثقوه، فلم يزل محبوسًا، إلى أن هَرَب مع من هاجر إلى الحبشة، ثم رجع مع من رجع إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشَهِد بدرًا، ثم أُحدًا، ومعه اللواء، فاستُشهد.
وقال البراء -﵁-: أول من قدم علينا مُصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان القرآن، أخرجه البخاريّ في "صحيحه".
وذكر ابن إسحاق أن النبيّ -ﷺ- أرسله مع أهل العقبة الأولى، يُقرئهم، ويُعلّمهم، وكان مصعب، وهو بمكة في ثروة، ونعمة، فلما هاجر صار في قلّة، فأخرج الترمذيّ من طريق محمد بن كعب: حدّثني من سَمِع عليًّا، يقول: "بينما نحن في المسجد؛ إذ دخل علينا مصعب بن عُمير، وما عليه إلا بُردة، له مرقوعة بفَرْوَة، فبكى رسول الله -ﷺ- لما رآه للذي كان فيه من النعم، والذي هو فيه اليوم" (^١).
(قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ) بالبناء للمفعول، والجملة مستأنفةٌ، أو في محل نصب على الحال من "مصعب"؛ أي: استُشهد في غزوة أُحد، وكان صاحب لواء رسول الله -ﷺ- يومئذ، ثبت ذلك في مرسل عُبيد بن عُمير بسند صحيح، عند ابن المبارك في "كتاب الجهاد"، قاله في "الفتح". (فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ) وفي رواية البخاريّ: "فلم نَجِد شيئًا نكفِّنه فيه" (إِلَّا نَمِرَةٌ) بفتح النون، وكسر الميم، ثم راء: هي إزار، من صوف، مخطّط، أو بُردة، وفي "المصباح": والنّمِرَة" بفتح النون، وكسر الميم: كِسَاء فيه خطوط، بِيضٌ، وسُودٌ، تلبسه الأعراب، قال ابن الأثير: وجمعها نِمَار، كأنها أُخذت من لون النَّمِر؛ لما فيها من السواد والبياض. انتهى (^٢).
(فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ) وفي رواية البخاريّ ﵀: "كنّا إذا غطّينا بها رأسه"؛ أي: سترنا بتلك النمرة رأس مصعب -﵁- (خَرَجَتْ رجْلَاهُ) لكونها قصيرة، لا تُوَاري جسده كلّه (وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأَسُهُ) وكذا هو عند البخاريّ، وفي رواية النسائيّ: "خرجت رأسه" بإلحاق الفعل التاء، وما في
_________________
(١) راجع: "الإصابة" ٩/ ٢٠٨ - ٢٠٩، و"الفتح" ١١/ ٢٨٣.
(٢) "المصباح" ٢/ ٦٢٦، و"النهاية" ٥/ ١١٨.
[ ١٨ / ٣٢٧ ]
"الصحيحين" هو الموافق للقاعدة؛ لأن الرأس مذكّر، قال الفيّوميّ: الرأس عضوٌ معروف، وهو مذكّر، وجمعه أرؤسٌ، ورُؤُوسٌ. انتهى (^١).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ) وفي رواية البخاريّ: "فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ بها"، وفيه أنه إذا لم يواري الثوبُ جميع بدن الميت، فرأسه أولى بالستر (وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ") بكسر الهمزة، وسكون الذال المعجمة، وكسر الخاء المعجمة، بعدها راء: نبات معروف، ذَكيّ الريح، وإذا جَفّ ابيضّ، قاله في "المصباح" (^٢).
وقال ابن الأثير ﵀: حَشيشة طيّبة الرائحة، تُسَقّف بها البيوت فوق الخشب، وهمزتها زائدة، وإنما ذكرناها هاهنا -يعني: باب الهمزة- حملًا على ظاهر لفظها. انتهى (^٣).
(وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ) بفتح الهمزة، وسكون التحتانية، وفتح النون والمهملة؛ أي: أدركت، ونضِجَتْ، واستحقَّت القَطْفَ، وفي بعض الروايات: "يَنَعَت" بغير ألف، وهي لغة، قال القزّاز: وأينعت أكثرُ، قاله في "الفتح" (^٤)، وفي "المصباح": يَنَعَتِ الثمارُ، يَنْعًا، من بابي نَفَعَ، وضَرَبَ: أدركت، والاسم اليُنْعُ بضمّ الياء، وفتحها، وبالفتح قرأ السبعة: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ فهي يانِعَةٌ، وأينعَتْ بالألف مثله، وهو أكثر استعمالًا من الثلاثيّ. انتهى (^٥).
(فَهْوَ يَهْدِبُهَا) بفتح أوله، وسكون ثانية، وكسر الدال المهملة؛ أي: يَجتنيها، وَيقتطفها، وضبطه النوويّ بضم الدال، وكسرها، وحَكى ابن التين تثليثها (^٦).
قال النوويّ ﵀: وهذا استعارة لما فَتح الله عليهم من الدنيا. انتهى.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٤٥.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٠٧.
(٣) "النهاية" ١/ ٣٣.
(٤) "الفتح" ١١/ ٢٨٣.
(٥) "المصباح" ٢/ ٦٨٢.
(٦) هكذا نقل في "الفتح" التثليث عن ابن التين، والذي يقتضيه ظاهر ما في "القاموس"، و"اللسان" أنه بكسر الدال فقط، فما نُقل عن ابن التين، وكذا ضبط النووي له بالضمّ محلّ نظر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٣٢٨ ]
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث خباب -﵁- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) ﵀ هنا [١٣/ ٢١٧٧ و٢١٧٨] (٩٤٠)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٧٦) و"المناقب" (٣٨٩٧ و٣٩١٤) و"المغازي" (٤٠٤٧) و"الرقاق" (٦٤٣٢ و٦٤٤٨)، و(أبو داود) في "الوصايا" (٢٨٧٦)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (٣٨٥٣)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٠٣) و"الكبرى" (٢٠٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (١٠٥٥٤ و٢٠٥٥٠ و٢٠٥٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٠٢ و٢١٠٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب تكفين الميت.
٢ - (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الكفن من رأس المال، وأنه مقدَّم على الديون؛ لأن النبيّ -ﷺ- أمر بتكفينه في نَمِرته، ولم يسأل هل عليه دين مستغرق أم لا؟، ولا يبعد من حال مَن لا يكون عنده إلا نمرة أن يكون عليه دين، قال النوويّ ﵀: واستثنى أصحابنا من الديون الدينَ المتعلق بعين المال، فيقدَّم على الكفن، وذلك كالعبد الجاني، والمرهون، والمال الذي تعلَّقت به زكاةٌ، أو حقّ بائعه بالرجوع بإفلاس ونحو ذلك. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): بيان أن الكفن يكون ساترًا لجميع البدن، إن تيسّر، وإلا فستر رأسه أولى.
قال النوويّ ﵀: وفيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن، ولم يوجد غيره جُعِل مما يلي الرأس، وجُعِل النقص مما يلي الرجلين، ويُستر الرأس، فإن ضاق عن ذلك سُترت العورة، فإن فضل شيء جُعل فوقها،
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٦.
[ ١٨ / ٣٢٩ ]
فإن ضاق عن العورة سُترت السوأتان؛ لأنهما أهمّ، وهما الأصل في العورة.
وقد يُسْتَدَلُّ بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط، ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن.
[فإن قيل]: لم يكونوا متمكنين من جميع البدن؛ لقوله: "لم يوجد له غيرها".
فجوابه أن معناه: لم يوجد مما يَملِك الميت إلا نمرة، ولو كان ستر جميع البدن واجبًا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه، إن لم يكن له قريب تلزمه نفقته، فإن كان وجب عليه.
[فإن قيل]: كانوا عاجزين عن ذلك؛ لأن القضية جرت يوم احد، وقد كثرت القتلى من المسلمين، واشتغلوا بهم، وبالخوف من العدوّ، وغير ذلك.
فجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولِّين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب، ونحوها. انتهى كلام النوويّ ﵀، وهو حسنٌ، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): ما كان عليه السلف، من الصدق في وصف أحوالهم.
٥ - (ومنها): أن الصبر على مكابدة الفقر، وصعوبته من منازل الأبرار.
٦ - (ومنها): أن هجرة أصحاب رسول الله -ﷺ- لم تكن لدنيا، يصيبونها، ولا نعمة يتعجّلونها، وإنما كانت خالصة لله تعالى؛ ليثيبهم عليها في الآخرة أجرًا عظيمًا، كما وعدهم بذلك، فمن مات منهم قبل فتح البلاد توفّر له ثوابه، ومن بقي حتى نال من طيبات الدنيا خَشِيَ أن يكون عُجّل له أجر طاعته، كما ثبت في قصة عبد الرحمن بن عوف، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(١٢٧٥) - حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم، أن عبد الرحمن بن عوف -﵁-، أُتي بطعام، وكان صائمًا، فقال: قُتل مصعب بن عُمير، وهو خير مني، كُفّن في بُردة، إن غُطِّي رأسه، بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه، بدا رأسه، وأُراه قال: وقُتل حمزةُ، وهو خير مني، ثم بُسط لنا، من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خَشِينا أن تكون حسناتنا، عُجِّلت لنا، ثم جَعَل يبكي، حتى ترك الطعام.
[ ١٨ / ٣٣٠ ]
وبالجملة فكانوا أحرص الناس على نعيم الآخرة، رضي الله تعالى عنهم، وعنّا معهم برحمته، إنه أرحم الراحمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الكفن من أين يُخرَج؟:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: "ذِكْرُ إخراج الكفن قبل قضاء الديون، والوصايا، والمواريث": اختلفوا في الكفن من أين يُخرَج؟ فقال أكثر أهل العلم: يُخرَج من جميع المال، هكذا قال سعيد بن المسيّب، وعطاء، ومجاهد، والحسن البصريّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، وعُمر بن عبد العزيز، وقتادة، ومالك، وسفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وابن الحسن، وروينا ذلك عن الشعبيّ، والنخعيّ، قال: وبهذا نقول؛ لأن خبر مصعب بن عُمير -﵁- دليل على ذلك، وهو قوله: "لم يترك إلا نمرة، كُفّن فيها".
قال: وفي المسألة قولان شاذّان: أحدهما قول خِلَاس بن عمرو: إن الكفن من الثلث.
والقول الثاني قول طاوس: إن الكفن من جميع المال، وإن كان المال قليلًا، فمن الثلث، وفي حديث ابن عباس -﵁- في قصة المحرم الذي مات دليل على أن الكفن من رأس المال، وهو قوله: "وكفّنوه في ثوبيه". انتهى كلام ابن المنذر ﵀ (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًا.
وحاصله أن الكفن من جميع المال، وأنه مقدّم على الدين والوصية؛ لأن النبيّ -ﷺ- نصّ على تكفين مصعب بتلك النَّمِرَة، ولم يستفصل، هل عليه دين، أو وصية، أم لا؟ وكذلك في قصّة المحرم، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- وقد ثبت عن الإمام الشافعيّ ﵀ مقالته المشهورة وهي، قاعدةٌ مسلّمة لَدَى المحقّقين في باب الاستدلال، وهي: "تركُ الاستفصال، في حكاية الحال، مع
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣.
[ ١٨ / ٣٣١ ]
قيام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج رخًصللهُ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا اِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا (^١) عِيسَى بْنُ يُونُسَ (ح) وَحَدثنا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا (^٢) عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ شهير [١٠] (ت ٢٣٩) عن (٨٣) سنةً (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (اِسْحَاقُ بْنُ اِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٥ - (مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ) أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) (م فق) تقدم في "الإيمان" ٤١/ ٢٧٣.
٦ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٧ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، تقدّم قريبًا.
٨ - (ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو: سفيان الإمام المشهور، تقدّم قريبًا.
و"الْأَعْمَشُ" ذُكر قبله.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "حدّثنا".
[ ١٨ / ٣٣٢ ]
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن الأعمش، ساقها البخاريّ ﵀، فقال:
(٣٨٩٧) - حدّثنا الحميديّ، حدّثنا سفيان، حدّثنا الأعمش، قال: سمعت أبا وائل يقول: عُدْنا خبّابًا، فقال: هاجرنا مع النبيّ -ﷺ- نريد وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنّا مَنِ مَضَى لم يأخذ من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عُمير، قُتِل يوم أُحد، وتَرَك نمِرَة، فكنا إذا غَطَّينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطّينا رجليه بدا رأسه، فأمرنا رسول الله -ﷺ- أن نُغَطِّي رأسه، ونجعل على رجليه شيئًا من إذخر، ومِنّا من أينعت له ثمرته، فهو يهدبها". انتهى.
وأما روايات جرير، وعيسى بن يونس، وعليّ بن مسهر، كلهم عن الأعمش، فلم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٧٩] (٩٤١) - (حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كفنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أثوَابٍ، بِيضٍ، سَحُوبيَّةٍ، مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَة، أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا (^١) شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اشْتُرِيَتْ لَهُ؛ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ لَكَفنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) وفي نسخة: "فإنها".
[ ١٨ / ٣٣٣ ]
٣ - (عَائِشَةُ) -﵂-، تقدّمت أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخيه: يحيى، وأبي بكر، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، وأما أبو كريب، فهو أحد التسعة الذين اتّفق بالرواية عنهم الجماعة، بلا واسطة، كما مرّ غير مرّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقون كوفيّون، سوى يحمص، فنيسابوريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه روايةَ تابعيّ، عن تابعيّ، والابن عن أبيه، عن خالته.
٥ - (ومنها): أن فيه أحد الفقهاء السبعة، وهو عروة، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت من الأحاديث (٢٢١٠)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- أنها (قَالَتْ: كُفِّنَ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله: (رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ) زاد في "طبقات ابن سعد": "إزار، ورداء، ولفافة" (بِيضٍ) بالجرّ صفة لـ "أثواب"، وهو بكسر الموحّدة جمع أبيض، ووزنه في الأصل فُعْلٌ، بضمّ الفاء، مثل حُمْر، كما قال في "الخلاصة":
فُعْلٌ لِنَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا … وَفِعْلَةٌ جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى
ولكن أُبدل من ضمة الياء كسرة، كراهة انقلاب الياء واوًا.
[فائدة]: قيل: إن أصول الألوان أربعة: الابيضاض، والاحمرار، والاصفرار، والاسوداد، وما عدا ذلك من الألوان يتشعّب منها، ذكره ابن الملقّن ﵀ (^١).
_________________
(١) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤١٦.
[ ١٨ / ٣٣٤ ]
(سَحُوليَّةٍ) - بفتح السين، وضمها- قال النوويّ: ﵀: والفتح أشهر، وهي رواية الأكثرين، وقال في "النهاية" تبعًا للْهرويّ: يُروى بفتح السين، وضمها، فالفتح منسوب إلى السَّحُول، وهو القَصَّار؛ لأنه يَسْحَلُها؛ أي: يَغْسلها، أو إلى سَحُول، وهي قرية باليمن، وأما الضمّ، فهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النَّقِيّ، ولا يكون إلا من قطن، وفيه شُذوذ؛ لأنه نُسب إلى الجمع، وقيل: إن اسم القرية بالضمّ أيضًا. انتهى (^١).
وقال في "الصحاح": السَّحْل الثوب الأبيض، من الكُرْسُف، من ثياب اليمن، قال المسَيّب بن عَلَس يذكر ظُعُنًا [من الكامل]:
وَلَقَدْ أرَى ظُعُنًا أُبَيِّنُهَا … تُحْدَى كَأَنَّ زُهَاءَهَا الأَثْلُ
فِي الآلِ يَخْفِضُهَا وَيَرْفَعُهَا … رِيعٌ يَلُوحُ كَأَنَّهُ سَحْلُ
و"الرَيع" بالكسر، والفتح: الطريق، شَبَّهَ الطريق بثوب أبيض.
والجمع سُحُول، وسُحُلٌ، مثلُ سُقُف، ثم ذكر الحديث، ثم قال: ويُقال: سُحُول موضع باليمن، وهي تنسب إليه، وقال في "المحكم": السَّحْلُ ثوب أبيض، وخصّ بعضهم به الثوب من القطن، وقيل: السَّحْلُ ثوب أبيض رقيق، وجمع كل ذلك أَسْحَالٌ، وسُحُولٌ، وسُحُل.
قال الْمُتَنَخِّلُ الْهُذَليّ:
كَالسُّحُلِ الْبِيضِ جَلَا لَوْنَهَا … سَحُّ نِجَاءِالْحَمَلِ الأَسْوَلِ (^٢)
وقال الفيّوميّ ﵀: و"سَحُول" مثلُ رَسول، بلدة باليمن، يُجلب منها الثياب، وُينْسَب إليها على لفظها، فيقال: أثواب سَحُولية، وبعضهم يقول: سُحُولية بالضمّ، نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة إلى الجمع إذا لم يكن عَلَمًا، وكان له واحد من لفظه، تَرُدّ إلى الواحد بالاتفاق. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: وإلى هذه القاعدة أشار ابن مالك ﵀ في "الخلاصة" بقوله:
_________________
(١) "النهاية" ٢/ ٣٤٧.
(٢) راجع: "لسان العرب" ١١/ ٣٢٧ - ٣٢٨.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٦٨.
[ ١٨ / ٣٣٥ ]
وَالْوَاحِدَ اذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ … إِنْ لَمْ يُشَابِهْ وَاحَدًا بِالْوَضْعِ
(مِنْ كُرْسُفٍ) بضمّ الكاف والسين المهملة، بينهما راء ساكنة: هو القطن، وقال في "القاموس": الْكُرْسُفُ كعُصْفُرٍ، وزُنْبُورٍ: القطنُ. انتهى (^١). وقال في "المصباح" الْكُرْسفُ: القطن، والكرسُفَةُ: أخصّ منه، مثالُ بُنْدُق، وبُنْدُقة. انتهى.
ووقع في رواية للنسائيّ بلفظ: "كُفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب بِيضٍ يمانية، كرسفٍ"، قال ابن الأثير ﵀: جعل الكرسف وصفًا للثياب، وإن لم يكن مشتقًّا، كقولهم: مررتُ بحيّةٍ ذِرَاعٍ، وإبلٍ مائةٍ، ونحو ذلك. انتهى (^٢).
وقولها: (لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ) قال النوويّ: ﵀: معناه: لم يُكَفَّن في قميص، ولا عمامة، وإنما كُفِّن في ثلاثة أثواب غيرهما، ولم يكن مع الثلاثة شيء آخر، هكذا فسره الشافعيّ، وجمهور العلماء، وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، قالوا: ويستحب أن لا يكون في الكفن قميصٌ، ولا عمامةٌ، وقال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتأولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليهما، وهذا ضعيف، فلم يثبت أنه -ﷺ- كُفِّن في قميص وعمامة.
وهذا الحديث يتضمن أن القميص الذي غُسِل فيه النبيّ -ﷺ- نُزِع عنه عند تكفينه، وهذا هو الصواب الذي لا يَتَّجِهُ غيره؛ لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد الأكفان.
وأما الحديث الذي في "سنن أبي داود" عن ابن عباس -﵄- أن النبيّ -ﷺ- كُفن في ثلاثة أثواب: الْحُلَّةُ ثوبان، وقميصه الذي تُوُفِّي فيه، فحديثٌ ضعيفٌ، لا يصح الاحتجاج به؛ لأن يزيد بن أبي زياد أحد رواته مُجْمَعٌ على ضعفه، لا سيّما وقد خالف بروايته الثقات. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^٣)، وهو تحقيقٌ حسنٌ جدًّا.
(أَمَّا الْحُلَّةُ) بضم الحاء المهملة، وتشديد اللام: جمعها حُلَلٌ، كغُرْفة
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٣/ ١٨٨.
(٢) "النهاية في غريب الحديث" ٤/ ١٦٣.
(٣) "شرح النووي" ٧/ ٨.
[ ١٨ / ٣٣٦ ]
وغُرَف، وهي بُرُود اليمن، ولا تسمّى حُلّةً إلا أن تكون ثوبين، من جنس واحد (^١). (فَإِنَّمَا) وفي بعض النسخ: "فإنها" (شُبِّهَ) بتشديد الموحّدة، مبنيًّا للمفعول، يقال: شَبَّهتُ عليه تشبيهًا، مثلُ لَبَّسته عليه تلبيسًا وزنًا ومعنًى، فالمشابهة: المشاركة في معنًى من المعاني، والاشتباه: الالتباس، قاله الفيّوميّ ﵀ (^٢)، والمعنى هنا أنه اشتَبَه (عَلَى النَّاسِ فِيهَا) أي: في شأن الْحُلّة، وفي رواية النسائيّ: "فذُكر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبُرْد من حِبَرَة، فقالت: قد أُتي بالبرد، ولكنهم ردّوه، ولم يُكفّنوه فيه"، وقولها: (أَنَّهَا) بفتح الهمزة بتقدير حرف التعليل؛ أي: لأنها، وَيحْتَمِل أن يكون بكسر الهمزة على أن الجملة تعليليّة، وهو تعليل للتشبيه عليهم؛ أي: إنما شُبّه عليهم؛ لأنها (اشْتُرِيَتْ) بالبناء للمفعول (لَهُ) -ﷺ- (لِيُكَفَّنَ فِيهَا) بالبناء للمفعول أيضًا (فَتُرِكَتِ الْحُلَّةُ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: لم تُجعل في جملة الكفن (وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، بِيضٍ، سَحُولِيَّةٍ، فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) الصدّيق، وهو عبد الله بن عبد الله بن عثمان، وهو شقيق أسماء بنت أبي بكر، ذكره ابن حبان في "الصحابة"، وقال: مات قبل أبيه، وثبت ذكره في "صحيح البخاري" في قصة الهجرة، عن عائشة -﵂- قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش، وهو غلام شابٌّ فَطِنٌ، فكان يبيت عندهما، ويخرج من السَّحَر، فيصبح مع قريش.
وذكر الطبري في "تاريخه" أن عبد الله بن أُرَيقط الدُّئليّ الذي كان دليل النبيّ -ﷺ- لَمّا رجع بعد أن وصل النبيّ -ﷺ- إلى المدينة، أخبر عبد الله بن أبي بكر الصديق بوصول أبيه إلى المدينة، فخرج عبد الله بعيال أبي بكر، وصحبهم طلحة بن عبيد الله، حتى قدموا المدينة.
وقال ابن عبد البرّ: لم أسمع له بمشهد إلا في الفتح، وحنين، والطائف، فإن أصحاب المغازي ذكروا أنه رُمِي بسهم، فجُرِح، ثم اندمل، ثم انتقض، فمات في خلافة أبيه، في شوال سنة إحدى عشرة.
_________________
(١) "النهاية" ١/ ٤٣٢، و"المصباح المنير" ١/ ١٤٨.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٠٤.
[ ١٨ / ٣٣٧ ]
قال المرزباني في "معجم الشعراء": أصابه حجر في حصار الطائف، فمات شهيدًا، وكان قد تزوج عاتكة، وكان بها مُعْجَبًا، فشغلته عن أموره، فقال له أبوه: طَلِّقها، فطلقها، ثم نَدِم، فقال [من الطويل]:
أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَزَ شَارِقٌ … وَمَا لَاحَ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ مُحَلِّقُ
لَهَا خُلُق جَزْلٌ وَرَأيٌ وَمَنْصِبٌ … وَخَلْقٌ سَوِيٌّ فِي الْحَيَاةِ وَمَصْدَقُ
وَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا … وَلَا مِثْلُهَا فِي غَيْرِ شَيْءٍ تُطَلَّقُ
وله فيها غير هذا، فَرَقّ له أبو بكر، فأمره بمراجعتها، فراجعها، ومات وهي عنده، ولها مرثية.
روى البخاريّ في "تاريخه" من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ أن عبد الله بن أبي بكر كان تزوّج عاتكة بنت زيد بن عمرو أخت سعيد بن زيد، وأنه قال لها عند موته: لك حائطي، ولا تزوّجي بعدي، قال: فأجابته إلى ذلك، فلما انقضت عدّتها خطبها عمر، فذكر القصة في تزويجه، ورواه غيره فذكر معاتبة عليّ لها على ذلك (^١).
(فقالَ) عبد الله (لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي، ثُمَّ قَالَ: لَوْ رَضِيَهَا اللهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ) -ﷺ- (لَكَفَّنَهُ فِيهَا، فَبَاعَهَا، وَتَصَدَّقَ بثَمَنِهَا) وفي رواية ابن إسحاق في "المغازي" عن هشام، عن أبيه، عن عائشةَ -﵂- قالت: كُفِّن رسول الله -ﷺ- في بُرْدَي حِبَرَة، حتى مَسَّا جلده، ثم نزعهما، فأمسكهما عبد الله؛ ليُكَفَّن فيهما، ثم قال: وما كنت لأمسك شيئًا منع الله رسوله -ﷺ- منه، فتصدق بهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا (١٣/ ٢١٧٩ و٢١٨٠ و٢١٨١ و٢١٨٢] (٩٤١)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٦٤ و١٢٧١ و١٢٧٢ و١٢٧٣ و١٣٨٧) و"اللباس"
_________________
(١) راجع: "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٢٤، ٢٥.
[ ١٨ / ٣٣٨ ]
(٥٨١٤)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٠ و٣١٥١)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (٩٩٦) و"الشمائل" (٣٩٣)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٩٧ و١٨٩٨ و١٨٩٩) و"الكبرى" (٢٠٢٤ و٢٠٢٥ و٢٠٢٦)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" ١٤٦٩١)، و(مالك) في "الموطّأ" (٥٢١ و٥٢٢)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٥٧٤)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦١٧١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٤٥٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٤٠ و٤٥ و١١٨ و١٣٢ و١٦٥ و١٩٢ و٢٠٣ و٢١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٣٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤٤٩٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٠٤ و٢١٠٥ و٢١٠٦ و٢١٠٧ و٢١٠٨ و٢١٠٩ و٢١١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٩٩ و٤٠٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في ذكر اختلاف الروايات في كفن النبي - ﷺ -:
قال الحافظ وليّ الدين العراقيّ ﵀: اتفَقَ عليه -يعني حديث الباب- الأئمةُ الستةُ، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بزيادة "من كُرسف، ليس فيها قميص، ولا عمامة"، وليس قوله: "من كُرْسُف" عند الترمذيّ، ولا عند ابن ماجه، زاد مسلم: "أما الحلّة، فإنما شُبِّهَ على الناس فيها أنها اشتُريت له ليكفّن فيها، فتركت الحلّة، وكفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، فأخذها عبد الله بن أبي بكر، فقال: لأحبسنها حتى أُكَفِّن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيّه -ﷺ-، لكفنه فيها، فباعها، وتصدّق بثمنها".
وفي رواية له: "ادرج رسول الله - ﷺ - في حُلّة يمانية، كانت لعبد الله بن أبي بكر، ثم نُزعت منه، وكفّن في ثلاثة أثواب سحولية يمانية، ليس فيها عمامة، ولا قميص … " الحديث.
وفي رواية أصحاب "السنن" الأربعة: "كفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب بيض يمانية، كُرْسُف، ليس فيها قميص، ولا عمامة"، فذُكِر لعائشة قولهم: في ثوبين، وبرد حبرة؟ فقالت: قد أُتي بالبرد، ولكنهم رَدُّوه، ولم يكفنوه فيه، وقال الترمذيّ: حسن صحيح، وفي رواية للبيهقيّ: "في ثلاثة أثواب سحولية جُدُد".
[ ١٨ / ٣٣٩ ]
وأخرج أبو داود في "سننه" عنها: لا أُدرج رسول الله -ﷺ- في ثوب واحد، حِبَرة، ثم أُخِّر عنه"، وهو حديث صحيح.
وفيه أيضا عن ابن عباس -﵁-: "في ثلاثة أثواب نجرانيّة، الحلّة ثوبان، وقميصه الذي مات فيه"، قال عثمان -يعني ابن أبي شيبة-: "في ثلاثة أثواب، حُلّة حمراء، وقميصه الذي مات فيه"، قال الحافظ ﵀: تفرد به يزيد بن أبي زياد، وقد تغير، وهذا من ضعيف حديثه.
وفي رواية لابن ماجه عن ابن عمر -﵄-، قال: "كُفِّنَ رسولُ الله -ﷺ- في ثلاثةِ رِيَاطٍ، بِيضٍ، سحولية"، وهو حديث حسن.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: "كُفِّنَ رسولُ الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب: قميصه الذي مات فيه، وحُلّة نجرانية"، وهو حديث ضعيف، فيه يزيد بن أبي زياد، وقد تقدم الكلام عليه قريبًا.
وفي "مسند أحمد" عن عائشة -﵁-: "أن رسول الله -ﷺ- كفّن في ثلاث رياط بيض يمانية"، وفيه أيضًا، عن ابن عباس: "كُفّن رسول الله -ﷺ- في ثوبين أبيضين، وبرد أحمر"، وانفرد أحمد بالحديثين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أما الأول، فرجاله ثقات، وأما الثاني ففيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، سيئ الحفظ، وأيضًا لم يسمع الحكم عن مقسم إلا خمسة أحاديث، كما في ترجمته من "تهذيب التهذيب"، وليس هذا منها، فهو ضعيف.
وعند أبي سعيد بن الأعرابي، عن أبي هريرة -﵁-، قال: "كُفّن رسول الله -ﷺ- في ريطتين، وبرد نجرانيّ".
وعند ابن عساكر: "كفّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، ولا قباء، ولا عمامة".
وروى ابن أبي شيبة، وأحمد، والبزّار عن علي -﵁-: "أن النبيّ -ﷺ- كفّن في سبعة أثواب".
قال الحافظ ﵀: وهو من رواية عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن ابن الحنفية، عن عليّ، وابنُ عَقِيل سيّئ الحفظ، يصلح حديثه للمتابعات، فأما إذا
[ ١٨ / ٣٤٠ ]
انفرد، فيحسّن، وأما إذا خالف، فلا يقبل، وقد خالف هو رواية نفسه، فرَوَى عن جابر أنه -ﷺ- كفّن في ثوب نَمِرة.
وعند ابن سعد، عن الشعبيّ: "كفّن في ثلاثة أثواب، برد، يمانية غِلاظ إزار، ورداء، ولفافة".
وعن مرّة بن شُرَحبيل، عن ابن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- لما ثَقُلَ، قلنا: فيم نكفّنك؟ قال: "في ثيابي هذه إن شئتم، أو في يمانية، أو ثياب مصر".
وعن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- زُرّ عليه قميصه الذي كفن فيه، قال ابن سيرين: أنا زررت على أبي هريرة.
وعند أبي بشر الدّولابيّ، عن سالم، عن أبيه: "أن رسول الله -ﷺ- كفّن في ثلاثة أثواب: ثوبين صُحَارين (^١)، وثوب حبرة".
وعند ابن عديّ، عن ابن عباس -﵄- قال: "كفّن النبيّ -ﷺ- في ثوبين أبيضين سحولتين".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد وردت روايات مختلفة، كما ذكرنا بعضها في كفن النبيّ -ﷺ-، وأصحها -كما قال الترمذيّ، والحاكم، وغيرهما- حديث عائشة -﵂- المذكور في الباب، فهو المعتمد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب تكفين الميت، وهو إجماع المسلمين، ويجب في ماله، فإن لم يكن له مال فعلى من عليه نفقته، فإن لم يكن ففي بيت المال، فان لم يكن وجب على المسلمين، يُوَزِّعه الإمام على أهل اليسار، وعلى ما يراه، قاله النوويّ ﵀ (^٢).
٢ - (ومنها): بيان عدد كفن النبيّ -ﷺ-.
_________________
(١) قال في "النهاية" ٣/ ١٢: صُحار؛ أي: بالضمّ: قرية باليمن، نُسب إليها الثوب، وقيل: هي حمرة خفية كالْغُبْرة. انتهى.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٨.
[ ١٨ / ٣٤١ ]
٣ - (ومنها): استحباب كون الكفن ثلاثةً اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، قال النوويّ ﵀: وهو مذهبنا، ومذهب الجماهير، والواجب ثوب واحد، والمستحب في المرأة خمسة أثواب، ويجوز أن يكفن الرجل في خمسة، لكن المستحب أن لا يُتجاوَز الثلاثة، وأما الزيادة على خمسة فإسراف في حق الرجل والمرأة. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): استحباب كونها بِيضًا؛ لأن الأبيض أنظف، وأطيب، وهو إجماع، وقد أمر النبيّ -ﷺ- بذلك، فقد أخرج أصحاب "السنن" عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "البَسُوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكَفِّنوا فيها موتاكم".
٥ - (ومنها): عدم مشروعية القميص، والعمامة في الأكفان؛ لقول عائشة -﵂-: "ليس فيها قميص، ولا عمامة".
٦ - (ومنها): استحباب كون الأكفان من القطن؛ لقولها أيضًا: "من كُرسف"، وهو القطن، كما تقدّم.
قال النوويّ ﵀: ويكره المصبغات، ونحوها من ثياب الزينة، وأما الحرير فقال أصحابنا: يحرم تكفين الرجل فيه، ويجوز تكفين المرأة فيه مع الكراهة، وكره مالك، وعامّة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا، قال ابن المنذر: ولا أحفظ خلافه. انتهى.
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة": عن الحسن البصرفي، ومحمد بن سيرين أنه كان يُعجبهما أن يكون الكفن كَتّانًا.
وقال أصحاب الشافعيّ: جنسه في كلّ ميت ما يجوز له لبسه في الحياة، فيجوز تكفين المرأة في الحرير، لكن يكره، ويحرم تكفين الرجل به، فاما المزعفر، والمعصفر، فلا يحرم تكفينها فيه، ولكن يكره على المذهب، وكذا قال الحنفيّة: ما جاز للإنسان لبسه في حياته جاز تكفينه به، وقال أحمد بن حنبل: لا يعجبني أن يكفّن في شيء من الحرير، وكره ذلك الحسن، وابن المبارك، وإسحاق، قال ابن المنذر: ولا أحفظ عن غيرهم خلافه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨.
[ ١٨ / ٣٤٢ ]
وذكر ابن قُدامة في جواز تكفين المرأة بالحرير احتمالين، وقال: أَقْيَسُهُما الجواز، لكن يكره، وكذلك يكره تكفينها بالمعصفر، ونحوه.
وقال الأوزاعيّ: لا يكفّن الميت في الثياب المصبغة، إلا ما كان من الْعَصْب؛ يعني: ما صُبغ بالعَصْب، وهو نبت ينبت باليمن.
وعند المالكية في التكفين بالحرير أقوال: (الجواز مطلقًا) لسقوط المنع بالموت، لكن يكره. (والمنع مطلقًا) إلا لضرورة، وهما محكيان عن مالك. (والثالث) قاله ابن حبيب: يجوز للنساء دون الرجال. وقال القاضي عياض، والنوويّ في "شرح مسلم": كره مالك، وعامة العلماء التكفين في الحرير مطلقًا انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في معنى قول عائشة -﵂-: "ليس فيها قميص، ولا عمامة":
(اعلم): أنهم اختلفوا فيه، فحمله الشافعيّ، والجمهور على أنه ليس في الكفن موجودًا، فلا يستحبّ ذلك. وحمله مالك، وأبو حنيفة على أنه ليس معدودًا، بل يَحْتَمِل أن يكون ثلاثة أثواب، زيادة على القميص والعمامة، ومثله قوله تعالى: ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] فإنه يدلّ على أنّ ثَمَّ عَمَدًا، إلا أنها غير مرئيّة، والتقدير: بغير عمد مرئية لكم، وَيحْتَمِل أن يتناول الصفة والموصوف جميعًا (^١).
قال العلامة ابن الملقّن ﵀: وهو حمل ضعيف؛ لعدم ثبوته في الحديث، بل يتضمّن أن القميص الذي غُسل فيه النبيّ -ﷺ- نزع عنه عند تكفينه، ولا يتجه غير ذلك؛ لأنه لو كُفّن فيه مع رطوبته لأفسد الأكفان. انتهى (^٢).
وقال الحافظ ولي الدين ﵀: الصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص، ولا عمامة أصلًا، وقيل: معناه أنه كفّن في ثلاثة أثواب خارجة عن القميص والعمامة، قال الشيخ تقيّ الدين ﵀: والأول أظهر في المراد.
وذكر النوويّ في "شرح مسلم" أن الأول تفسير الشافعيّ، وجمهور
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٨.
(٢) "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام" ٤/ ٤١٦ - ٤١٧.
[ ١٨ / ٣٤٣ ]
العلماء، قال: وهو الصواب الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وقال: إن الثاني ضعيف، فلم يثبت أنه -ﷺ- كُفّن في قميص وعمامة. انتهى.
وترتّب على هذا اختلافُهم في أنه هل يستحبّ أن يكون في الكفن قميص وعمامة، أم لا؟ فقال مالك، والشافعيّ، وأحمد: يستحبّ أن يكون الثلاثة لفائف، ليس فيها قميص، ولا عمامة، واختلفوا في زيادة القميص والعمامة، أو غيرهما على اللفائف الثلاثة؛ لتصير خمسة.
فذكر الحنابلة أنه مكروه، وقالت الشافعية: إنه جائز غير مستحبّ، وقالت المالكية: إنه مستحبّ للرجال والنساء، وهو في حقّ النساء آكد، قالوا: والزيادة إلى السبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف، وقالت الحنفية: إن الأثواب الثلاثة إزار، وقميص، ولفافة.
ورواه ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" عن عبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وذكر الحنابلة أنه لو كفّن في إزار، وقميص، ولفافة لم يكره، ولكن الأفضل الأول، وهذا جائز بلا كراهة.
وقال بعض متأخري المالكيّة: يجزئ على قول مالك قميص وعمامة ولفافة، والمشهور عندهم أن الثلاثة لفائف، كما تقدّم، وهو رواية ابن القاسم. وقال سفيان الثوريّ: إن شئت في قميص ولفافتين، وإن شئت في ثلاث لفائف.
وقد ظهر بذلك أن من قال: إن من الثلاثة قميصًا، فهو مخالف لهذا الحديث على الاحتمالين المتقدمين معًا، وكأنه تمسّك في استحباب القميص بإلباسه -ﷺ- عبد الله بن أُبَيّ قميصًا، وسيأتي ذكره.
وذكر الحنفية في توجيهه أنه الذي يعتاد لبسه في الحياة، فكذا بعد الموت، ويقتضي اختلافه باختلاف عادة ذلك الميت فيما كان يلبسه في حياته، لكن قد يقال: حمل الأمر على الأكثر الأغلب.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": قال مالك، وأبو حنيفة: يستحبّ قميص وعمامة، وتاولوا الحديث على أن معناه: ليس القميص والعمامة من جملة الثلاثة، وإنما هما زائدان عليها، ثم ضعّفه كما تقدّم، وقد عرفت أن الحنفية يجعلون القميص من جملة الثلاثة.
وروى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" كون الميت لا يُعمّم عن الشعبيّ، وأبي
[ ١٨ / ٣٤٤ ]
الشعثاء جابر بن زيد، وحكاه ابن بطّال وغيره عن جابر بن عبد الله، وعطاء، ورَوَى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه يُعَمّم، كما يُعَمَّمُ الحيُّ، وعن الحسن: توضع العمامة وسط رأسه، ثم يُخَالَف بين طرفيها، هكذا على جسده، وقال مالك في "المدوّنة": من شأن الميت أن يعمّم عندنا.
ورَوَى البيهقيّ في "الخلافيات" عن مالك أنه قال: ليس على هذا العمل عندنا؛ يعني: تقميص الميت. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن السنة أن تكون الأثواب الثلاثةُ خالية عن القميص، والعمامة؛ لأنّ ظاهر هذا الحديث يدلّ على ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): في اختلاف أهل العلم في عدد الكفن:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: رَوَينا عن ابن عمر -﵄- أنه قال: كفّن عمر في ثلاث أثواب، ثوبين سحوليين، وثوبًا كان يلبسه.
وقالت عائشة -﵄-: لا يكفّن الميت في أقلّ من ثلاثة أثواب لمن قدر.
وكان طاوس يكفّن الرجل من أهله في ثلاثة أثواب، ليس فيهنّ عمامة.
وممن رأى أن الميت يكفّن في ثلاثة أثواب: مالك، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وقد رَوَينا عن سُويد بن غفلة، قال: كفّن أبو بكر في معقدين، قال: والذي رَوَيناه عن عائشة أنه قال: "اغسلوا ثوبي هذا، واجعلوا معه ثوبين" أصحّ.
وقال الأوزاعيّ: يجزئ ثوبان، وقال مالك: يكفي في ثوبين؛ إذا لم يوجد غيرهما، وكان ابن عمر يكفّن أهله في خمسة أثواب، عمامة، وقميص، وثلاث لفائف، وقال النعمان: يكفّن الرجل في ثوبين.
قال ابن المنذر ﵀: أحبّ الأكفان إليّ ما قدر الله جَلَّ ذكرُهُ لنبيه -ﷺ- أن كفّن فيه، ثلاثة أثواب بيض، يُدْرج فيها الميت إدراجًا، لا يكون فيما يكفّن فيه الميت قميص، ولا عمامة، فإن كفّن الميتُ في ثوب، أو في ثوبين لم أكره ذلك. انتهى كلام ابن المنذر ﵀ باختصار (^١).
_________________
(١) "الأوسط" ٥/ ٣٥٤ - ٣٥٦.
[ ١٨ / ٣٤٥ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن المنذر ﵀ حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ وليّ الدين ﵀: السنّة للرجل في الكفن ثلاثة أثواب، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأحمد، وأبو حنيفة، والجمهور.
قال الإمام الترمذيّ ﵀: رُوي في كفن النبيّ -ﷺ- روايات مختلفة، وحديث عائشة أصحّ الروايات التي رويت في كفن النبيّ -ﷺ-، والعمل على حديث عائشة -﵂- عند أكثر أهل العلم، من أصحاب النبيّ -ﷺ-، وغيرهم. انتهى (^١).
وقال البيهقيّ ﵀ في "الخلافيات": قال أبو عبد الله -يعني الحاكم-: تواترت الأخبار عن عليّ بن أبي طالب، وابن عباس، وعائشة، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل -﵃- في تكفين النبيّ -ﷺ- في ثلاثة أثواب، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة.
ورَوَى ابن أبي شيبة في "مصنّفه" التكفين في ثلاثة أثواب، عن أبي بكر، وعمر، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، وإبراهيم النخعيّ، وعن ابن عباس، أنه قال: ثوب، أو ثلاثة، أو خمسة، وعن حذيفة أنه قال: كفنوني في ثوبيّ هذين، وعن ابن عمر أنه كفّن ابنه واقدًا في خمسة أثواب: قميص، وعمامة، وثلاث لفائف، وعن سُوَيد بن غَفَلَةَ: قال: الرجل والمرأة يكفنان في ثوبين، وكُفن أبو بكر في ثوبين، وعن غنيم بن قيس: كنا نكفّن في الثوبين، والثلاثة، والأربعة، وعن هشام بن عوف: أن غير واحد من أصحاب رسول -ﷺ- كُفّن في ثوب واحد، وعن الحسن البصريّ: أن عثمان بن أبي العاص كُفّن في خمسة أثواب (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد قدّمت أن الأرجح ما قاله ابن المنذر ﵀، وحاصله أن الأفضل ما اختار الله تعالى لنبيّه -ﷺ-، وهو التكفين في ثلاثة أثواب، بِيضٍ، هذا إذا تيسّر، وإلا فما وُجد فهو الكفن، كما تقدّم
_________________
(١) "جامع الترمذي" ٤/ ٧٦ بشرح المباركفوريّ.
(٢) "طرح التثريب" ٣/ ٢٧٢.
[ ١٨ / ٣٤٦ ]
في قصة مُصعب بن عُمير -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السابعة): في اختلاف أهل العلم في عدد كفن المرأة:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: اختلفوا في عدد كفن المرأة، فقال كثيرون: تكفّن المرأة في خمسة أثواب، كذلك قال النخعيّ، والشعبيّ، ومحمد بن سيرين، وبه قال الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، قال: وكذلك نقول، يكون درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف، يُشَدّ على وسطها، يَجمع ثيابها.
وكان عطاء يقول: تكفّن في ثلاثة أثواب: درع، وثوب تحت الدرع تُلَفّ به، وثوب تلفّ فيه، وقال سليمان بن موسى: درع، وخمار، ولفافة تُدرَج فيها. انتهى.
وقال الحافظ ولي الدين ﵀: قال الفقهاء من الشافعية، والحنفية، والحنابلة، وغيرهم: يُستحبّ تكفين المرأة في خمسة أثواب، ففرّقوا بينها وبين الرجال؛ لأنها تزيد في حياتها على الرجال في الستر؛ لزيادة عورتها، فكذلك بعد الموت.
وفي "سنن أبي داود" ما يدلّ على ذلك في تكفين أم كلثوم بنت النبيّ -ﷺ-، لكن قال الشافعيّة: ليست الخمسة في حقّ المرأة كالثلاثة في حقّ الرجل حتى نقول يخيّر الورثة، كما يخيّرون على الثلاثة، وقال المالكية: الزيادة على الثلاثة إلى الخمسة مستحبّة للرجال والنساء، وهي في حقّهنّ آكد.
وقال أحمد بن حنبل في الجارية إذا لم تبلغ: تكفّن في لفافتين، وقميص، لا خمار فيه، وظاهر هذا أنها لا تصير كالمرأة في الكفن إلا بعد البلوغ، ورَوَى عنه أكثر أصحابه أنها إذا كانت بنت تسع سنين يُصنع بها ما يصنع بالمرأة.
واختلف العلماء في الأثواب الخمسة التي تكفّن بها المرأة، فحُكي عن الشافعي في الجديد أنها إزار، وخمار، وثلاث لفائف، وعن القديم: إزار، وخمار، وقميص، ولفافتان، وذكر الرافعيّ أن هذه المسألة مما يُفتى فيه على القديم، وأنه الأظهر عند الأكثرين، وحكى النوويّ عن الشيخ أبي حامد،
[ ١٨ / ٣٤٧ ]
والمحامليّ أن المعروف للشافعي في عامة كتبه أن يكون قميص، وأن القول الآخر لا يُعرف إلا عن المزنيّ، قال: فعلى هذا لا يكون إثبات القميص مختصًّا بالقديم، وهذا مذهب مالك، وحكاه ابن قُدامة الحنبليّ عن أكثر أصحابه، وغيرهم، وصححه، ورواه ابن أبي شيبة عن الحسن البصريّ، وقال الخِرَقيّ منهم: قميص، وإزار، ومقنعة، ولفافة، وخامسة يُشدّ بها فخذاها، فجعل بدل اللفافة الأخرى خرقة تشد بها فخذاها، وأشار إليه أحمد، وكذا قال الحنفية: إن الأثواب الخمسة قميص، وإزار، وخمار، ولفافة، لكنهم قالوا في الخامسة خرقة تُربط فوق ثدييها، وهو غير هذه الرواية التي عند الحنابلة أن الخامسة خرقة تشدّ بها فخذاها، إلا أنه قريب منه.
ورَوَى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ: تكفّن المرأة في درع، وخمار، ولفافة، ومِنطقة، وخرقة، تكون على بطنها.
وعن إبراهيم النخعيّ مثله، إلا أنه قال: والخرقة التي تشد عليها، وفي رواية عنه بدل المنطقة الإزار، وهو بمعناه. وعن ابن سيرين قال: تكفن المرأة في خمسة أثواب، في الدرع، والخمار، والرداء، والأزار، والخرقة.
وعن ابن سيرين أيضًا: توضع الخرقة على بطنها، ويُعصب بها فخذاها، وعنه أيضًا: يُلفّ بها الفخذان تحت الدرع، وعن إبراهيم النخعيّ: تشد الخرقة فوق الثياب.
وذكر ابن المنذر في تفسير الأثواب الخمسة أنها درع، وخمار، ولفافتان، وثوب لطيف يُشدّ على وسطها، يجمع ثيابها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الجمهور، من استحباب كون كفن المرأة خمسة أثواب، هو الراجح عندي، تؤيّده الزيادة التي في حديث أم عطية -﵂-، فيما رواه الجوزقيّ من طريق إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطيّة، أنها قالت: (وكفنّاها في خمسة أثواب، وخمرناها كما نخمّر الحيّ".
قال الحافظ في "الفتح": وهذه الزيادة صحيحة الإسناد. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، دماليه المرجع والمآب.
(المسألة الثامنة): في اختلاف أهل العلم في كفن الصبيّ:
[ ١٨ / ٣٤٨ ]
قال الإمام ابن المنذر ﵀: واختلفوا في عدد كفن الصبيّ، فكان سعيد بن المسيب يقول: يكفن في ثوب، وقال أحمد: في خرقة، وإن كفنوه في ثلاثة، فلا بأس، وكذلك قال إسحاق، وقال أصحاب الرأي: يكفن في خرقتين، ويجزي إزار واحد، وقال الثوريّ: يجزيه ثوب وأحد، وروي عن الحسن أنه قال: يكفّن في ثوبين، قال ابن المنذر ﵀: يكفّن في ثلاثة أثواب، أو خرق على قدر الكفاية، ويجزي ثوب. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الأرجح ما قاله ابن المنذر ﵀، فالصبيّ في الكفن كالكبير؛ إذ ليس لنا دليل يخص الصبيّ بعدد من الكفن، مخالي للكبير، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٠] (…) - (وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ الشَعْدِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أدْرجَ رَسُولُ اللهِ فِي حُلّةٍ يَمَنِيَّةٍ (^١)، كَانَتْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ نُزِعَتْ عَنْهُ، وَكُفِّنَ فِي ثَلَاَثةِ أَثْوَابٍ، سُحُولٍ، يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيصٌ، فَرَفَعَ عَبْدُ اللهِ الْحُلَّةَ، فَقَالَ: كُفَّنُ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُكَفَّنْ فِيهَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَكُفَّنُ فِيهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، تقدّم قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (أدْرجَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي حُلّة … إلخ) بالبناء للمفعول؛ أي: لُفّ فيها، وسبب إدراجه فيها لتجفيف أثر الماء بعد الغسل، كما بُيّن ذلك عند عبد الرزاق في "مصنّفه" (٣/ ٤٢٢) عن معمر، عن هشام بن عروة، قال: لُفّ النبيّ -ﷺ- في ثوبِ حِبَرَةٍ، جُفِّفَ فيه، ثم نُزِع، وجُعِلَ مكانه السُّحُول، وكان
_________________
(١) وفي نسخة: "يمانية".
[ ١٨ / ٣٤٩ ]
الثوب الْحِبَرَةُ لعبد الله بن أبي بكر، فقال: لا ألبس ثوبًا نزعه الله عن رسول الله -ﷺ- أبدًا. انتهى.
وقولها: (يَمَنِيَّةٍ) قال النوويّ ﵀: ضُبِطت هذه اللفظة في مسلم على ثلاثة أوجه، حكاها القاضي، وهى موجودة في النسخ:
[أحدهما]: يَمَنِيَّة -بفتح أوله- منسوبة إلى اليمن.
[والثاني]: يمانية منسوبة إلى اليمن أيضًا.
[والثالث]: يُمْنة -بضم الياء، وإسكان الميم- وهو أشهر، قال القاضي: وهو صحيحٌ، ويُتكلّم به على الإضافة (^١)، فيقال: حُلّةُ يُمْنَةٍ، قال الخليل: هي ضرب من بُرُود اليمن، وكذا قال أبو عبيد، والحلّة إزارٌ ورداءٌ، ولا تُسمّى حُلّة حتى يكونا ثوبين (^٢)، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في الحديث الماضي.
وقولها: (سُحُولٍ) قال القاضي عياض ﵀: هكذا مهمل اللفظ، فيَحْتَمل أن يكون بضمّ السين، ويكون بدلًا من أثواب إذا قلنا إنها ثياب قطن بيض تُسمّى بذلك، و"سُحُول" على هذا جمع سَحْل، ويُجمع أيضًا على لسُحُل -بضمتين- ويكون أيضًا وصفًا إذا قلنا: إن معناها بِيض، لكن قد اعترض على تفسيرها ببيض؛ لقوله قبلُ "بيض"، فلا وجه لتكرار وصفها بالبياض، كما أنه يُعترض على تفسيرها بأنها ثياب قطن؛ لعملها من"كُرْسُف"، وهو القطن، ولكن الاعتراض على هذين قد يُجاب عنه بأنه لا يُنكر تكرار المعنى الواحد بلفظين مختلفين في كلام العرب للتأكيد، كما قال الله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر: ٢٧]، وقد قال ابن وهب: السحول: قطن ليس بالجيّد. انتهى (^٣).
وقولها: (يَمَانِيَةٍ) قال النوويّ ﵀: هو: بتخفيف الياء، على اللغة الفصيحة المشهورة، وحَكَى سيبويه، والجوهريّ، وغيرهما لغةً في تشديدها،
_________________
(١) وقال القرطبيّ: حُلّة يُمْنة بتنوين "حلّةٌ"، ورفع "يُمْنة" وإسكان الميم، وفتح النون، ويقال: بحذف التنوين من"حلّة" واضافتها. انتهى.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٣٩٥، و"شرح النوويّ" ٧/ ٩.
(٣) "إكمال المعلم" ٣/ ٣٩٣.
[ ١٨ / ٣٥٠ ]
ووجه الأول أن الألف بدل ياء النسب، فلا يجتمعان، بل يقال: يَمَنِيَّةٌ، أو يَمَانِيَةٌ بالتخفيف. انتهى (^١).
وقال الفيّوميّ ﵀: "يمانية" في يائه مذهبان:
[أحدهما]: وهو الأشهر تخفيفها، واقتَصَر عليه كثيرون، وبعضهم ئنكر التثقيل، ووجهه أن الألف دخلت قبل الياء؛ لتكون عِوَضًا عن التثقيل، فلا يثقّل لئلا يُجمع بين العِوَض والمعوَّض عنه.
[والثاني]: التثقيل؛ لأن الألف زيدت بعد النسبة، فيبقى التثقيل الدالّ على النسبة؛ تنبيهًا على جواز حذفها. انتهى (^٢).
وقولها: (فَتَصَدَّقَ بِهَا) أي: بثمنها، ففي الرواية السابقة: "فباعها، وتصدّق بثمنها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه (^٣) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَابْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدَةُ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثنَاه يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ هِشَام، بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ قِصَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ) بن طَلْق بن معاوية النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ، ثقةٌ فقيه، تغيّر في الآخر قليلًا [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) وله بضع وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩ - ١٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٨٢.
(٣) وفي نسخة:، وحدّثنا".
[ ١٨ / ٣٥١ ]
٣ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
٤ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح بن مَلِيح الرؤاسيّ، أبو سفيان الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عابدٌ، من كبار [٩] (ت ٦ أو ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
٥ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) الدراورديّ، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ … إلخ) يعني: أن هؤلاء الستّة: حفص، وابن عيينة، وابن إدريس، وعبدة، ووكيع، وعبد العزيز، رووه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -﵂-.
[تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن هشام، ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه" (١/ ٤٧٢) فقال:
(١٤٦٩) حدّثنا أبو بَكْرِ بن أبي شَيْبَةَ، ثنا حَفْصُ بن غِيَاثٍ، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبيه، عن عَائِشَةَ، أَنَّ النبيّ -ﷺ- كُفِّنَ في ثَلَاثَةِ أَثْوَاب، بِيضٍ، يَمَانِيَةٍ ليس فيها قَمِيصٌ، ولا عِمَامَةٌ، فَقِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ قد كان كُفِّنَ في حِبَرَةٍ، فقالت عَائِشَةُ: قد جاؤوا بِبُرْدِ حِبَرَةٍ، فلم يُكَفِّنُوهُ. انتهى.
وأما رواية ابن إدريس، فساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٤٧٩٥) حدّثنا عبد الله بن إدريس، قال: حدّثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كُفِّن رسول الله -ﷺ- في ثلاثة أثواب سُحُولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة. انتهى.
وأما رواية وكيع، عن هشام، فساقها الإمام أحمد أيضًا فقال:
(٢٥٢٦٧) حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله -ﷺ- لَمّا قُبِض كُفِّن في ثلاثة أثواب، يمانية، بيض، كُرْسُف، ليس فيها قميصٌ، ولا عمامةٌ. انتهى.
وأما رواية عبد العزيز الدراورديّ، عن هشام، فقد ساقها البيهقيّ، في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٩٩) فقال:
[ ١٨ / ٣٥٢ ]
(٦٤٦٤) حدّثنا أبو جعفر كامل بن أحمد المستملي، أنبأ أبو سهل بشر بن أحمد الإسفرايينيّ، ثنا داود بن الحسين البيهقيّ، ثنا يحيى بن يحيى، أنبأ عبد العزيز بن محمد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عائشة -﵂- أخبرته أن رسول الله -ﷺ- كُفِّن في ثلاثة أثواب، سُحُوليّة، بيض، ليس فيها قميص، ولا عمامة. انتهى.
وأما رواية ابن عيينة، وعبدة، فلم أر من ساقهما بتمامهما، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنهُ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِي -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهَا: فِي كَمْ كُفِّنَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-؟ فَقَالَتْ: فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، سَحُولِيَّةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَزِيدُ) بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدني، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن الحارث بن خالد التيميّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ، له أفراد [٤] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٣ - (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقون ذُكروا في الباب، و"ابن أبي عمر" هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، و"عبد العزيز" هو: ابن محمد الدّرَاورديّ.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
[ ١٨ / ٣٥٣ ]