وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٣] (٩٤٢) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَحَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ عَبْدٌ أَخْبَرَنِي، وَقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَائِشَةَ أمِّ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: سُجِّيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ) هو: الحسن بن عليّ بن محمد الخلال، نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قريبًا.
٤ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزهريّ، أبو يوسف المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ فاضلٌ، من صغار [٩] (ت ٢٠٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٥ - (أَبُوهُ) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ، أبو إسحاق المدنيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ حجة [٨] (ت ١٨٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٦ - (صَالِحُ) بن كيسان الغِفاريّ مولاهم، أبو محمد، أوأبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٤] مات بعد (١٣٠ أو ١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤١.
٧ - (ابْنُ شِهَابٍ) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدنيّ الثقة الحافظ الإمام المجمع على جلالته، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٤٨.
٨ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) تقدّم في الباب الماضي.
٩ - (عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ) -﵂-، تقدّمت في الباب الماضي أيضًا.
[ ١٨ / ٣٥٤ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله عنهم، ثم فصّل؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له الترمذيّ، والثاني ما أخرج له النسائيّ، والثالث تفرّد به هو والترمذيّ، وعلّق عنه البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيوخه.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَاب) الزهريّ (أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف (أَخْبَرَهُ، أَن عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ) -﵂- (قَالَتْ: سُجِّيَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) بضمّ أوله، وكسر الجيم المشدّدة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: غُطّي وزنًا ومعنى، يقال: سجّيت الميت: إذا مددت عليه الثوب (^١)، والمعنى أن جميع بدنه -ﷺ- غُطّي (حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ) -بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحّدة- هي ضرب من برود اليمن، وقال الهرويّ: هي بُرُدٌ موشية مخطّطة، وقال الداوديّ: لونها أخضر؛ لأنها لباس أهل الجنّة، كذا قال، وقال ابن بطّال: هي من بُرُود اليمن تُصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم، وقال القرطبيّ: سُمّيت حِبَرَةً؛ لأنها تُحَبَّر؛ أي: تُزَيّن، والتحبير: التزيين والتحسين. انتهى.
وقال في "المصباح": "الْحِبَرَة" وِزَانُ عِنَبَة: ثوب يمانيّ، من قُطن، أو كتّان، مخَطّطٌ، يقال: بُرْدٌ حِبَرَةٌ، على الوصف، وبُرْدُ حَبَرَة، على الإضافة، والجمعُ حِبَرٌ، وحِبَرَاتٌ، مثلُ عِنَبٍ، وعِنَبَات. قال الأزهريّ: ليس حِبَرَةٌ موضعًا، أو شيئًا معلومًا، إنما هو وَشْيءٌ معلوم، أُضيف الثوبُ إليه، كما قيل: ثوبُ قِرْمِزٍ، بالإضافة، والْقِرْمِزُ صِبْغُهُ، فأُضيف الثوبُ إلى الوَشْيِ، والصِّبْغِ للتوضيح. انتهى (^٢).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٣/ ٢٨٨ "كتاب اللباس" رقم (٥٨١٤).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١١٨.
[ ١٨ / ٣٥٥ ]
والحِبَرة كانت أحب الثياب إلى النبيّ -ﷺ-، فقد أخرج الشيخان عن قتادة، قال: قلنا لأنس بن مالك: أَيُّ اللباس كان أحبَّ إلى رسول الله -ﷺ-، أو أعجب إلى رسول الله -ﷺ-؟ قال: الْحِبَرة، وفي رواية للبخاريّ: قال: كان أحب الثياب إلى النبيّ -ﷺ- أن يلبسها الْحِبَرة.
وقال النوويّ ﵀: وفيه استحباب تسجية الميت، وهو مجمع عليه، وحِكمته صيانته من الانكشاف، وستر عورته المتغيرة عن الأعين، قال أصحابنا: ويُلَفّ طَرَف الثوب المسجَّى به تحت رأسه، وطرفه الآخر تحت رجليه؛ لئلا ينكشف عنه، قالوا: تكون التسجية بعد نزع ثيابه التي تُوُفّي فيها؛ لئلا يتغير بدنه بسببها. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢١٨٣ و١٢١٨٤] (٩٤٢)، و(البخاريّ) في "اللباس" (٥٨١٤)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٢٠)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٦١٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٨٩ و١٥٣ و٢٦٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٧١١٣ و٧١١٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٠٨ و٢١٠٩ و٢١١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٨٥) و"المعرفة" (٣/ ١٢٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه تقدّم في الباب الماضي.
[ ١٨ / ٣٥٦ ]
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) السَّمَرْقنديّ، أبو محمد الحافظ الثقة الثبت الحجة الإمام، صاحب "المسند" [١١] (ت ٢٥٥) عن (٧٤) سنة (م دت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٥ - (أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الْبَهْرانيّ الْحِمْصيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٢٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
٦ - (شُعَيْبُ) بن أبي حمزة دينار الأمويّ مولاهم، أبو بشر الحمصيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٦.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: أما رواية شعيب، عن الزهريّ، فقد ساقها البخاريّ ﵀، فقال: (٥٤٧٧) حدّثنا أبو الْيَمَانِ، أخبرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قال: أخبرني أبو سَلَمَةَ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ، أَنَّ عَائِشَةَ -﵂- زَوْجَ النبيّ -ﷺ- أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- حين تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. انتهى.
وأما رواية معمر عن الزهريّ، فقد ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" (٦/ ١٥٣) فقال:
(٢٥٢٤٠) حدّثنا عبد الله (^١)، حدّثني أبي، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، وعبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، أن النبيّ -ﷺ- سُجِّي في ثوب حبرة. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) هو: عبد الله ابن الإمام أحمد بن حنبل.
[ ١٨ / ٣٥٧ ]