وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٥] (٩٩٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكثَرَ أنصَارِيّ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى، وَكَانَتْ مُسْتَقبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا، وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِن اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالي إِلَي بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَة للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا في الْأَقرَبِينَ"، فَقَسَمَهَا أَبُو طلحَةَ فِي أقَارِبِهِ، وَبَنى عَمِّهِ).
رجال الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٩/ ٣.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس الأصبحيّ، أبو عبد الله المدنيّ الإمام الحجة الثبت الشهير، إمام دار الهجرة [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريّ، أبو يحيى المدنيّ، ثقةٌ حجّة [٤] (ت ١٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ٣٠/ ٦٦٧.
٤ - (أنَسُ بْنُ مَالِكِ) بن النضر الأنصاريّ الخزرجي، الخادم الشهير، مات -﵁- سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ١٩ / ٢٦٥ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيّات المصنف ﵀، وهو (١٤٧) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن عمّه، فإن أنسًا عمّ لإسحاق.
٥ - (ومئها): أن أنسًا -﵁- ذو مناقب جمّة، فهو خادم رسول الله -ﷺ-، خدمه عشر سنين، ثم نال دعوته المباركة، فطال عمره، وكثر ماله، وأولاده بسببها، وأنه آخر من مات من الصحابة -﵃- بالبصرة، وعمره جاوز المائة، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أنَّهُ سَمِعَ أنسَ بْنَ مَالِكٍ) -﵁- (يَقُولُ: كَمانَ أَبُو طَلْحَةَ) زيد بن سهل بن الأسود بن حَرَام الأنصاريّ النجّاريّ الصحابيّ المشهور، من كبار الصحابة، شَهِدَ بدرًا وما بعدها، مات -﵁- سنة (٣٤)، وقيل غير ذلك، تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٧/ ٧٢٠. (أَكثَرَ أَنْصَارِيٍّ) أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار، والإضافة إلى المفرد النكرة عند إرادة التفضيل سائغ، قاله في "الفتح" (^١)، وفي رواية البخاريّ: "أكثر الأنصار" (بِالْمَدِينَةِ مَالًا) نُصب على التمييز؛ أي: من حيث المال (وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى) اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه، قال القاضي عياض ﵀: رَوَينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها، مع كسر الباء، وبفتح الباء والراء، قال الباجيّ ﵀: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ: "الْبَيْرَحَى" بفتح الراء على كل حال، قال: وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ٣٧٩.
[ ١٩ / ٢٦٦ ]
الصُّوريّ: هي بالفتح، واتفقا على أن من رفع الراء، وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ، قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة قبليّ المسجد، وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف "بَرِيحَاء" بفتح الباء وكسر الراء، وكذا سمعناه من أبي بحر، عن العذريّ، والسمرقنديّ، وكان عند ابن سعيد، عن البحريّ، من رواية حماد "بِيرَحاء" بكسر الباء وفتح الراء، وضبطه الْحُمَيديّ من رواية حماد "بَيْرَحَاء" بفتح الباء والراء، ووقع في كتاب أبي داود: "جَعَلتُ أرضي بَارِيحَا لله"، وأكثر رواياتهم في هذا الحرف بالقصر، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين، وبالمد، وجدته بخط الأصيليّ، وهو حائط يُسَمَّى بهذا الاسم، وليس اسم بئر، والحديث يدل عليه. انتهى آخر كلام القاضي ﵀.
وقال في "الفتح": اختَلَفُوا في ضبطه على أوجه، جمعها ابن الأثير في "النهاية"، فقال: يُرْوَى بفتح الباء الموحدة وبكسرها، وبفتح الراء وضمها، وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات، وفي رواية حماد بن سلمة "بَرِيحا" بفتح أوله وكسر الراء، وتقديمها على الياء آخر الحروف، وفي "سنن أبي داود": "باريحا" مثله، لكن بزيادة ألف.
وقال الباجيّ: أفصحها بفتح الباء وسكون الياء، وفتح الراء مقصورًا، وكذا جزم به الصغانيّ، وقال إنه فَيْعَلَى من البراح، قال: ومن ذكره بكسر الباء الموحدة، وظن أنها بئر من آبار المدينة، فقد صَحَّف. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: رُويت هذه اللفظة بكسر الباء الموحّدة، وبفتح الراء وضمّها، وبمدّها وقصرها، فالنصب على أنه خبر "كان"، وحينئذ يُرفع "أحبُّ " على أنه اسمها، ورفعُ "بيرحى" على أنه اسم "كان"، وحينئذ يُنصب "أحبَّ" على أنه خبرها، فأما مدّ "حاء" وقصرها فلغتان، وهو حائط نخلٍ سُمّي بهذا الاسم، بموضع يُعرف بقصر بني جديلة، وليس ببئر، ولذلك قال الباجيّ: قرأت هذه اللفظة على أبي ذرّ الهرويّ بنصب الراء على كلّ حال، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق، وقال لي الصوري: بيرحاء بنصب الراء،
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢.
[ ١٩ / ٢٦٧ ]
قال: وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين، وقد رَوَى هذا الحرف في مسلم حمّاد بن سلمة بَرِيحا بكسر الراء وفتح الباء. انتهى (^١).
(وَكَانَتْ) أي: بيرحى (مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ) أي: في مقابلته، وقال النوويّ: وهذا الموضع يُعْرَف بقصر بني جَدِيلة بفتح الجيم وكسر الدال المهملة، قبليّ المسجد، وفي "التلويح": هو موضع بقرب المسجد يُعْرَف بقصر بني حُدَيلة وضبطها بالكتابة بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، قال في "العمدة": الصواب بالجيم. انتهى (^٢).
(وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا) أي: بيرحى (وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا) أي: في بيرحى (طَيِّب) بالجرّ صفة و"ماءٍ" (قَالَ أنسٌ) -﵁- (فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قال ابن عباس -﵂- في رواية أبي صالح: لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة، حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة؛ أي: بعفما تحبون من الأموال، وقال الضحاك: يعني: لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون؛ يعني: تخرجون زكاة أموالكم طَيِّبةً بها أنفسكم، وفي رواية عن ابن عباس -﵄-: هذه الآية منسوخة نسختها آية الزكاة، وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الصدقة وصلة الرحم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢] أي: ما يخفى عليه، فَيُثيبكم عليه (^٣).
(قَامَ أَبُو طَلْحَةَ) -﵁- (إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-) متعلّق بحال محذوف؛ أي: قام حال كونه منتهيًا إليه -ﷺ- (فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ) قال النوويّ ﵀: فيه دلالة للمذهب الصحيح، وقولِ الجمهور: إنه يجوز أن يقال: إن الله تعالى يقول، كما يقال: إن الله قال، وقال مُطَرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير التابعيّ، لا يقال: الله يقول، وإنما يقال: قال الله، أو الله قال، ولا يُسْتَعْمَل مضارعًا، وهذا غلطٌ، والصواب جوازه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال ذلك، وقد أشرت إلى طرف منها في "كتاب الأذكار"، وكأن مَن كَرِهه ظَنَّ أنه
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٤١.
(٢) "عمدة القاري" ٩/ ٤٢.
(٣) راجع: "عمدة القاري" ٩/ ٤٢.
[ ١٩ / ٢٦٨ ]
يقتضي استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وهذا ظَنّ عجيبٌ، فإن المعنى مفهومٌ، ولا لبس فيه، وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق مما يُحَبّ، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات، ووجوه الطاعات وغيرها. انتهى (^١).
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَى، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ، أَرْجُو بِرَّهَا) أي: خيرها، والْبِرّ -بالكسر-: اسم جامعٌ لأنواع الخيرات والطاعات، ويقال: أرجو ثواب برّها (وَذُخْرَهَا) أي: أُقدّمها، فأدّخرها (عِنْدَ اللهِ) ﷿؛ لأجدها عنده (فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "بَخْ) قال في "القاموس": "بَخْ" كقَدْ: أي: عَظُمَ الأمرُ، وفَخُمَ، تقال وحدها، وتُكرّر بَخٍ بَخْ الأول منوّنٌ، والثاني مُسكّنٌ، وقل في الإفراد: بَخْ ساكنةً، وبَخِ مكسورةً، وبني منوّنةً، وبخٌ منوّنة مضمومة، ويقال: بَخْ بَخْ مُسكّنين، وبَني بَخٍ منوّنين، وبخِّ بخِّ مشدّدين: كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. انتهى (^٢).
وقال في "العمدة": قوله: "بخ" هذه كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء، وممَرَّر للمبالغة، فإن وُصِلَتْ خُفِّفَتْ، ونُوِّنتْ، وربما شُدِّدت كالاسم، ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورةً، وقال القاضي: حُكِي بالكسر بلا تنوين، ورُوي بالرفع، فإذا كُرّرت فالاختيار تحريك الأول منونًا، وإسكان الثاني، وقال ابن دُريد: معناه تعظيم الأمر، وتفخيمه، وسُكّنت الخاء فيه كسكون اللام في "هل"، و"بل"، ومن نوّنه شبّهه بالأصوات، كـ "صَهْ"، و"مَهْ"، وفي "الواعي": قال الأحمر: في "بخ" أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف، وقال ابن بطال: هي كلمةُ إعجاب، وقال ابن التين: هي كلمة تقولها العرب عند المدح والْمَحْمَدَة، وقال القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وكلها متقاربة في المعنى. انتهى (^٣).
(ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالباء الموحدة؛ أي: يربح فيه صاحبه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٤ - ٨٥.
(٢) "القاموس المحيط" ١/ ٢٥٦.
(٣) "عمدة القاري" ٩/ ٤٢ - ٤٣.
[ ١٩ / ٢٦٩ ]
في الآخرة، ومعناه ذو ربح كلابِني، وتامِرٍ؛ أي: ذو لبن وذو تمر، كما قال النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ … وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكَواكِبِ (^١)
وقال ابن قرقول؛ وروي بالياءً المثناة من تحتُ من الرواح؛ يعني: يروح عليه أجره.
وقال ابن بطال: والمعنى أن مسافته قريبة، وذلك أنفس الأموال، وقيل: معناه يروح بالأجر ويغدو به، واكتفى بالرواح عن الغدوّ؛ لعلم السامع، ويقال: معناه أنه مال رائح؛ يعني: من شأنه الرواح؛ أي: الذهاب والفوات، فإذا ذهب في الخير فهو أولى.
وقال القاضي: وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، ورواية أبي مصعب وغيره بالباء الموحدة.
وقال ابن قرقول: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم.
وفي "التلويح": يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثيّ المغربيّ، ويحيى الذي في البخاريّ هو النيسابوريّ.
وقال أبو العباس الواني في كتابه "أطراف الموطأ": في رواية يحيى الأندلسيّ بالباء الموحدة، قال: وتابعه روح بن عبادة وغيره، وقال يحيى بن يحيى النيسابوريّ، وإسماعيل، وابن وهب، وغيرهم: "رائح" بالهمزة، من الروح، وشكّ القعنبيّ فيه، وقال الإسماعيليّ: من قال: "رابح" بالباء فقد صَحَّف. انتهى (^٢).
(قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا) قال في "العمدة": بَوَّب عليه البخاريّ في "الوكالة": "بابٌ إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت"، وقال المهلَّب: دل على قبوله -ﷺ- ما جَعَل إليه أبو طلحة، ثم رَدَّ الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها. انتهى.
(وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأقرَبِينَ"، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ) -﵁- (فِي أقَارِبِهِ)
_________________
(١) راجع: "المفهم" ٣/ ٤٢.
(٢) "عمدة القاري" ٩/ ٤٣.
[ ١٩ / ٢٧٠ ]
"الأقارب" جمع الأقرب، وقالت الفقهاء: أَبُو قال: وقفت على قرابتي يتناول الواحد، ويقال: هم قرابتي، وهو قرابتي، وفي "الفصيح": ذو قرابتي للواحد، وذو قرابتي للاثنين، وذو قرابتي للجمع، والقرابة والْقُرْبَى في الرحم، وفي "الصحاح": والقرابةُ: القربى في الرحم، وهو في الأصل مصدرٌ، تقول: بيني وبينه قرابةٌ، وقُرْبٌ، وقُرْبَى، ومَقْربة، ومقربة، وقُرْبة، وقُرُبة، بضم الراء، وهو قربى، وذو قرابتي، وهم أقربائي، وأقاربي، والعامة تقول: هو قرابتي، وهم قراباتي. انتهى.
وقوله: (وَبَنِي عَمِّهِ) من عطف الخاصّ على العامّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣١٥ و٢٣١٦، (٩٩٨)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦١)، و"الوكالة" (٢٣١٨)، و"الوصايا" (٢٧٥٢ و٢٧٦٩)، و"التفسير" (٤٥٥٤)، و"الأشربة" (٥٦١١)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٢٩٩٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١١٠٦٦)، و(مالك) في "الموطّا" (٢/ ٩٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤١ و٢٥٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٩٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٥٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٤٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨١)، و(الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٦٩٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ١٦٤ - ١٦٥)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٨٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب؛ إذا كانوا محتاجين.
٢ - (ومنها): بيان أن القرابة يُرْعَى حقّها في صلة الأرحام، وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأن النبيّ -ﷺ- بأمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في
[ ١٩ / ٢٧١ ]
الأقربين، فجعلها في أُبَيّ بن كعب، وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجدّ السابع.
٣ - (ومنها): أن منقطع الآخر في الوقف يُصْرَف لأقرب الناس إلى الواقف.
٤ - (ومنها): بيان أن الوقف لا يَحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه.
٥ - (ومنها): أن بعض المالكيّة استَدَلَّ به على صحة الصدقة المطلقة، وهي التي لم يُعَيّن مصرفها، ثم يُعَيِّنها المتصدق لمن يريد.
٦ - (ومنها): أنه استُدِلّ به للجمهور في أن من أوصى أن يُفَرَّق ثلث ماله حيث أرى الله الوصيَّ صحّت وصيته، ويُفَرِّقه الوصيّ في سبل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور، وفاقًا للحنفية في الأول دون الثاني.
٧ - (ومنها): جواز التصدق من الحيّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنه -ﷺ- لم يَستفصِل أبا طلحة عن قدر ما تَصَدَّق به، وقال لسعد بن أبي وقاص -﵁-: "الثلثُ كثير".
٨ - (ومنها): تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم.
٩ - (ومنها): جواز إضافة حب المال إلى الرجل الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك، وقد أخبر تعالى عن الإنسان ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]، والخير هنا المال اتفاقًا.
١٠ - (ومنها): جواز اتخاذ الحوائط والبساتين، ودخول أهل الفضل والعلم فيها، والاستظلال بظلها، والأكل من ثمرها، والراحة والتنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبّأ يَترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة، وتنشيطها للطاعة.
١١ - (ومنها): جواز كسب العقار، وإباحة الشرب من دار الصَّدِيق، ولو لم يكن حاضرًا إذا علم طيب نفسه.
١٢ - (ومنها): إباحة استعذاب الماء، وتفضيل بعضه على بعض.
١٣ - (ومنها): التمسك بالعموم؛ لأن أبا طلحة فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿لَنْ
[ ١٩ / ٢٧٢ ]
تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] تناوُلَ ذلك جميع أفراده، فلم يَقِف حتى يَرِدَ عليه البيان عن شيء بعينه، بل بادر إلى إنقاق ما يحبه، وأقره النبيّ -ﷺ- على ذلك.
١٤ - (ومنها): أنه استُدِلّ به لما ذَهَب إليه مالك من أن الصدقة تصحّ بالقول من قَبْل القبض، فإن كانت لمعيّن استَحَقَّ المطالبة بقبضها، وإن كانت لجهة عامّة خرجت عن ملك القائل، وكان للإمام صرفه في سبيل الصدقة، وكل هذا ما إذا لم يظهر مراد المتصدِّق، فإن ظهر اتُّبع.
١٥ - (ومنها): جواز تولي المتصدِّق قَسْمَ صدقته.
١٦ - (ومنها): جواز أخذ الغني من صدقة التطوع؛ إذا حصل له بغير مسألة.
١٧ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مشروعية الحبس والوقف خلافًا لمن منع ذلك، وأبطله، قيل: ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن تكون صدقة أبي طلحة تمليكًا، كما هو ظاهر سياق بعض الروايات، فقد روي أن حسّان باع نصيبه من معاوية -﵄- بمائة ألف درهم، فقيل له: أتبيع صدقة أبي طلحة؟ فقال: ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم؟.
١٨ - (ومنها): جواز زيادة الصدقة في التطوع على قدر نصاب الزكاة، خلافًا لمن قيّدها به.
١٩ - (ومنها): بيان فضيلة لأبي طلحة -﵁-؛ لأن الآية تضمنت الحثّ على الإنفاق من المحبوب، فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب، فصوَّب النبيّ -ﷺ- رأيه، وشكر فعله، ثم أمره أن يَخُصّ بها أهله، وكَنَى عن رضاه بذلك بقوله: "بخ".
٢٠ - (ومنها): بيان أن الوقف يَتِمّ بقول الواقف: جعلتُ هذا وقفًا.
٢١ - (ومنها): صحّة الوكالة؛ لقوله: "ضعه حيث شئت".
٢٢ - (ومنها): إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الوقف.
٢٣ - (ومنها): أن الصدقة على الجهة العامة لا تحتاج إلى قبولِ مُعَيَّن، بل للإمام قبولها منه، ووضعها فيما يراه، كما في قصة أبي طلحة -﵁-.
٢٤ - (ومنها): أنه لا يعتبر في القرابة مَن يجمعه والواقفَ أبٌ معينٌ، لا
[ ١٩ / ٢٧٣ ]
رابع ولا غيره؛ لأن أُبَيًّا إنما يجتمع مع أبي طلحة في الأب السابع.
٢٥ - (ومنها): أنه لا يجب تقديم القريب على القريب الأبعد؛ لأن حسانًا وأخاه أقرب إلى أبي طلحة من أُبَيّ ونُبَيط، ومع ذلك فقد أشرك معهما أُبيًّا ونبيط بن جابر.
٢٦ - (ومنها): أنه لا يجب الاستيعاب؛ لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرًا فضلًا عن عمرو بن مالك الذي يَجمع أبا طلحة وأُبَيًّا (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٦] (…) - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ثَابِثٌ، عَنْ أنسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَرَى رَبَّنَا يَسْأَلنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَأُشْهِدُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَا للهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ -: (اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ"، قَالَ: فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين البغداديّ، صدوقٌ فاضلٌ، ربما وَهِمَ [١٠] (ت ٢٣٥) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد العمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) بن دينار، أبو سلمة البصريّ، ثقةٌ عابد، أثبت الناس في ثابتٌ، وتغيّر بآخرة، من كبار [٨] (ت ١٦٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
٤ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع و(١٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٧/ ١١ - ١٢ "كتاب الوصايا" رقم (٢٧٦٩).
[ ١٩ / ٢٧٤ ]
و"أنسٌ" -﵁- ذُكر قبله.
وقوله: (﴿تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾) قال الحسن: لن تكونوا أبرارًا حتى تبذُلوا كبير أموالكم، وقال أبو بكر الورّاق: لن تنالوا بِرّي بكم حتى تبَرُّوا إخوانكم، وقال ابن عبّاس -﵄-: هو الجنّة، وقال مجاهد: ثواب البرّ (^١).
وقوله: (قَدْ جَعَلْتُ أَرْضِي بَرِيحَا للهِ) أي: جعلتها وقفًا لله تعالى، "وبَرِيحَا" في هذه الرواية بفتح الموحّدة، وكسر الراء، وتقديمها على الياء التحتانيّة الساكنة، ثم حاء مهملة، وظاهر النسخ التي بين يديّ أنها مقصورة، وظاهر ما في "الفتح" أنها ممدودة، حيث قال بعد نحو ما مرّ من ضبطها: ورَخح هذا صاحب "الفائق"، وقال: هي وزن فعلاء، من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. انتهى (^٢).
وقوله: (فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ) وتقدّم في الرواية السابقة: "فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمّه"، وفي رواية للبخاريّ: قال أبو طلحة: أفعل ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة … إلخ.
فقوله: "أَفْعَلُ " بضم اللام على أنه قول أبي طلحة، وقوله: "فقسمها أبو طلحة" فيه تعيين أحد الاحتمالين في رواية غيره حيث وقع فيها "أفعل فقسمها"، فإنه احتمل الأول، واحتمل أن يكون "افْعَلْ" صيغة أمر، وفاعلُ قسمها النبي -ﷺ-، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية، وذكر ابن عبد البرّ أن إسماعيل القاضي رواه عن القعنبيّ، عن مالك، فقال في روايته: "فقسمها رسول الله -ﷺ- في أقاربه وبني عمه"؛ أي: أقارب أبي طلحة، قال ابن عبد البرّ: إضافة القَسْم إلى رسول الله -ﷺ- وإن كان سائغًا شائعًا في لسان العرب على معنى أنه الآمَر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: "فقسمها أبو طلحة". انتهى (^٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المفهم " ٣/ ٤١.
(٢) "الفتح" ٧/ ٩ "كتاب الوصايا" رقم (٢٧٦٩).
(٣) راجع: "الفتح" ٧/ ١٠.
[ ١٩ / ٢٧٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٧] (٩٩٩) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، أنَهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيَليُّ) تقدّم قريبًا.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، تقدّم أيضًا قريبًا.
٣ - (عَمْرُو) بن الحارث بن يعقوب الأنصاريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (كُرَيْبُ) بن أبي مسلم الهاشميّ مولاهم، أبو رِشْدِين المدنيّ، مولى ابن عبّاس، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٢/ ٦٨٨.
٦ - (مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ) الهلاليّة، أم المؤمنين -﵄- قيل: اسمها بَرّة، فسمّاها النبيّ -ﷺ- ميمونة، تزوّجها بسَرِفَ سنة سبع من الهجرة، وماتت بها سنة (٥١) على الصحيح (ع) تقدمت في "الحيض" ١/ ٦٨٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاريّ والترمذيّ.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ونصفه الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
شرح الحديث:
(عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ) -﵂- (أنهَا أَعْتَقَتْ وَبيدَةً) أي: جاريةً، في
[ ١٩ / ٢٧٦ ]
رواية النسائيّ من طريق عطاء بن يسار، عن ميمونة، أنها كانت لها جاريةٌ سوداءٌ، قال الحافظ ﵀: ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبَيَّن النسائيّ من طريق أخرى، عن الهلالية زوج النبيّ -ﷺ-، وهي ميمونة، في أصل هذه الحادثة أنها كانت سألت النبيّ -ﷺ- خادمًا، فأعطاها خادمًا، فأعتقتها (فِي زَمَانِ رَسُول الله -ﷺ-، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُول الله -ﷺ، فَقَالَ) - ﷺ- ("لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ) وفي رواية البخاريّ: أَمَا أنك (^١)، وأخوالها كانوا من بني هلال أيضًا، واسم أمها هند بنت عوف بن زُهير بن الحارث، ذكرها ابن سعد (كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ") قال النوويّ ﵀: وهكذا وقعت هذه اللفظة في "صحيح مسلم": "أخوالك" باللام، ووقعت في رواية غير الأصيليّ في البخاريّ، وفي رواية الأصيليّ: "أخواتك" بالتاء، قال القاضي: ولعله أصحّ بدليل رواية مالك في "الموطأ": "أعطيتها أُخْتَك".
وتعقّبه النوويّ، فقال: الجميع صحيحٌ، ولا تعارض، وقد قال -ﷺ- ذلك كله. انتهى. وهو تعقّب جيّدٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ميمونة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣١٧] (٩٩٩)، و(البخاريّ) في "الهبة" (٢٥٩٢ و٢٥٩٤)، و(أبو داود) في "سننه" (١٦٩٠)، و(النسائيّ) في "العتق" من "الكبرى" (٤٩٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٣٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٣٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٤٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ١٠٦٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) قوله: "أَمَا" بتخفيف الميم، و"أَنّك" بفتح الهمزة.
[ ١٩ / ٢٧٧ ]
١ - (منها): الاعتناء بأقارب الأم؛ إكرامًا بحقها، وهو زيادة في برّها.
٢ - (ومنها): جواز تبرعّ المرأة بما لها بغير إذن زوجها.
٣ - (ومنها): بيان أن المرأة ليس عليها استئمار زوجها في التبرّع بمالها؛ إذا كانت رشيدة؛ لأن ميمونة - ﵂ - أعتقت قبل أن تستأمر النبيّ -ﷺ-، فلم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفُذُ لها تصرّف في مالها لأبطله.
٤ - (ومنها): بيان فضيلة صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق، قال في "الفتح": قال ابن بطال ﵀: فيه أن هبة ذي الرحم أفضل من العتق، ويؤئده ما رواه الترمذيّ، والنسائيّ، وأحمد، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، من حديث سلمان بن عامر الضبيّ -﵁- مرفوعًا: "الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم صدقة وصلةٌ"، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون المسكين محتاجًا، ونفعه بذلك متعذيًا، والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائيّ: "فقال: أفلا فَدَيتِ بها بنت أخيك من رِعاية الغنم"، فبَيَّن الوجه في الأولوية المذكورة، وهو احتياج قرابتها إلى مَن يخدُمها، وليس في الحديث أيضًا حجة على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين، والحقّ أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٨] (١٠٠٠) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن"، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُل خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ، فَاسْأَلهُ (^١)، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنَي، وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى
_________________
(١) وفي نسخة: "فسله".
[ ١٩ / ٢٧٨ ]
غَيْرِكُمْ، قَالَتْ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأنصَارِ بِبَابِ رَسُول اللهِ -ﷺ- حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَدْ ألْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأتيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلانِكَ أَتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَام في حُجُورِهِمَا؟، وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بلَالٌ عَلَى رَسُول الله -ﷺ -، فَسَأَلهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله -ﷺ-: "مَنْ هُمَا؟ "، فَقَالَ: امْرَأَةٌ مِنَ الْأنصَارِ، وَزينَبُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ "، قَالَ: امْرَأَةٌ عَبْدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ الله -ﷺ-: "لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجَليّ، أبو عليّ الكوفيّ الْبُورَانيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الْحَنَفيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ [٧] ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٣ - (الْأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ ورعٌ، لكنّه يُدلس [٥] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٧.
٤ - (أَبُو وَائِلٍ) شقيق بن سَلَمة الأسديّ الكوفيّ، مخضرمٌ ثقةٌ [٢] (ت ٨٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٥ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار -بكسر الضاد المعجمة- ابن حبيب بن عائذ بن مالك بن جُذَيمة -وهو المصطلق- ابن سعد بن كعب بن عمرو- وهو خزاعة- الخزايئ المصطلقيّ، أخو جويرية، أم المؤمنين -﵂-، صحابيّ قليل الحديث.
روى عن النبيّ -ﷺ-، وعن أبيه الحارث، وله صحبة، وعن ابن مسعود، وزينب امرأة ابن مسعود، وقيل: عن ابن أخيها، عنها.
ورَوَى عنه مولاه دينار، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وأبو إسحاق السبيعيّ، وأبو وائل، وزياد بن الجعد. قال ابن أبي داود: كان الحارث بن أبي ضِرَار، صهر عبد الله بن مسعود.
[ ١٩ / ٢٧٩ ]
ورجّح ابن القظان أن عمرو بن الحارث الراوي عن زينب غير صاحب
الترجمة؛ لأن في كثير من الروايات: عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب،
وزينب ثقفيّة، فيكون ثقفيًّا، قال: اللَّهمّ إلا أن يكون ابن أخيها لأمّ، أو
للرضاعة، فالله أعلم.
روى له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٦ - (زينَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ) هي: زينب بنت معاوية. وديل: بنت أبي معاوية. وقيل: بنت عبد الله بن معاوية بن عتّاب بن الأسعد بن غاضرة بن خُطَيط بن قسيّ - وهو ثقيف- وقيل: اسمها رائطة، تقدّمت في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيّين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية صحابي عن صحابية، وتابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ) بن أبي ضِرَار -﵁-، قال في "الفتح": ووقع عند الترمذيّ عن هَنّاد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث بن المصْطَلِق، عن ابن أخي زينب، امرأة عبد الله، عن امرأة عبد الله، فزاد في الإسناد رجلًا، والموصوف بكونه ابن أخي زينب هو عمرو بن الحارث نفسه، وكأنّ أباه كان أخا زينب لأمها؛ لأنها ثقفيّة، وهو خزاعيّ.
ووقع عند الترمذىّ أيضًا، من طريق شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن عمرو بْن الحارث ابن أخي زينب امرأة عبد الله، عن زينب، فجعله عبد الله بن عمرو، هكذا جزم به المزّيّ، وعقد لعبد الله بن عمرو في "الأطراف" ترجمة لم يزد فيها على ما في هذا الحديث، قال الحافظ: ولم أقف على ذلك في الترمذيّ، بل وقفت على عدّة نسخ منه ليس فيها إلا عمرو بن الحارث.
[ ١٩ / ٢٨٠ ]
وقد حَكَى ابن القطّان الخلافَ فيه على أبي معاوية، وشعبة، وخالف الترمذيَّ في ترجيح رواية شعبة في قوله: "عن عمرو بن الحارث، عن ابن أخي زينب"؛ لانفراد أبي معاوية بذلك، قال أبن القطّان: لا يضرّه الانفراد؛ لأنه حافظٌ، وقد وافقه حفص بن غياث في رواية عنه، وقد زاد في الإسناد رجلًا، لكن يلزم من ذلك أن يتوقّف في صحّة الإسناد؛ لأن ابن أخي زينب حينئذ لا يُعرف حاله.
وقد حَكَى الترمذيّ في "العلل" المفرد أنه سأل البخاريّ عنه، فحكم على رواية أبي معاوية بالْوَهَم، وأنّ الصواب رواية الجماعة، عن الأعمش، عن شقيق، عن عمرو بن الحارث ابن أخي زينب، قال الحافظ: ووافقه منصور، عن شقيق؛ أخرجه أحمد، فإن كان محفوظًا، فلعلّ أبا وائل حمله عن الأب، والابن، وإلا فالمحفوظ عن عمرو بن الحارث، وقد أخرجه النسائيّ، من طريق شعبة على الصواب، فقال: "عن عمرو بن الحارث". انتهى (^١).
(عَنْ زينَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ) هي زينب بنت معاوية، ويقال لها: رائطة -كما تقدّم- لكن قال في "تهذيب التهذيب" (٤/ ٦٧٥): فرّق أبو سعيد، وابن حبّان، والعسكريّ، وأبن منده، وأبو نُعيم، وغير واحد بين زينب، ورائطة امرأتي ابن مسعود. انتهى.
وقال في "الفتح": ويقال لها أيضًا: رائطة، وقع ذلك في "صحيح ابن حبّان" في نحو هذه القصّة، ويقال: هما اثنان عند الأكثرين، وممن جزم به ابن سعد، وقال الكلاباذيّ: رائطة هي المعروفة بزينب، وبهذا جزم الطحاويّ، فقال: رائطة هي زينب، لا يُعْلَم أن لعبد الله امرأة في زمن رسول الله -ﷺ- غيرها.
(قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ) وفي رواية حفص بن غياث، عن الأعمش التالية: "قالت: كنت في المسجد، فرآني النبيّ -ﷺ-، فقال: تصدّقنَ، ولو من حليّكنّ"، وللنسائيّ في "عِشْرة النساء" من طريق أبي معاوية، عن الأعمش: "قالت: خطبنا رسول الله -ﷺ-، فقال: يا
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٣٠٥ - ٣٠٦.
[ ١٩ / ٢٨١ ]
معشر النساء، تصدّقن، ولو من حُليّكنّ، فإن أكثركنّ أهلُ جهنّم يوم القيامة".
(وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن") بضمّ الحاء المهملة، وكسر اللام، وتشديد الياء جمعًا، ويجوز فتح الحاء، وسكون اللام مفردًا.
(قَالَتْ) زينب (فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ) أي: ابن مسعود زوجِهَا -﵄- (فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ) كناية عن الفقر، وقلّة المال (وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-: قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأَتِهِ، فَاسْأَلهُ) وفي نسخة: "فَسَلْهُ" (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ) قال الطيبيّ ﵀: الفاء تفصيل للمقدّر المسئول عنه؛ أي: اسأله هل يجزي عني أن أتصدّق عليك، وعلى أولادك أم لا؟، فإن كان يجزي عني صرفتها إليكم، وإن لم يجز صرفتها إلى غيركم. انتهى (^١).
وقوله: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَجْزِي عَنِّي) جواب الشرط محذوف دلّ عليه ما بعده: أي: صرفتها إليكم.
وقوله: "يَجْزي" بفتح حرف المضارعة: أي: يكفي، وكذا قولها بعدُ: "أتَجْزي الصدقةُ عنهما؟ " بفتح التاء، أفاده النوويّ ﵀ (^٢).
وقال الفيّوميّ ﵀: جَزَى الأمرُ يَجْزي جزاءً، مثلُ قَضَى يَقْضي قَضَاءً وزنًا ومعنًى، وفي التنزيل: ﴿يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية [البقرة: ٤٨]، وفي الدعاء: "جزاه الله خيرًا"؛ أي: قضاه له، وأثابه عليه، وقد يُستَعْمل أجزأ بالألف والهمز بمعنى جَزَى، ونقلهما الأخفش بمعنى واحدٍ، فقال: الثلاثيّ من غير همز لغة الحجاز، والرباعيّ المهموز لغة تميم. انتهى (^٣).
وقوله: (وَإِلَّا) مركبّ من "إِن" الشرطيّة، و"لا" النافية؛ أي: وإن لم يَجْزِ عنّي (صَرَفْتُهَا) أي: الصدقة (إِلَى غَيْرِكُمْ) أي: إلى من يجوز لي صرفه له، والضمير لعبد الله بن مسعود، ولأيتام لها، كما يتبيّن مما سيأتي.
وفي رواية البخاريّ: "وكانت زينب تنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سَلْ رسولَ الله -ﷺ- أيجزئ عنّي أن أنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله -ﷺ- … ".
_________________
(١) "الكاشف"٤/ ١٥٦٣.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٧.
(٣) "المصباح المنير"١/ ١٠٠.
[ ١٩ / ٢٨٢ ]
وفي رواية النسائيّ: "أَيَسَعُنِي أَنْ أَضَعَ صَدَقَتِي فِيكَ، وَفِي بَنِي أَخٍ لِي، يَتَامَى؟ "، قال الحافظ ﵀: لم أقف على تسمية الأيتام الذين كانوا في حَجْرها.
(قَالَتْ) زينب (فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ) بن مسعود -﵁- (بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ) قيل: سبب امتناع ابن مسعود -﵁- عن السؤال ما بُيِّنَ بعد هذا في قولها: "وكان رسول الله -ﷺ-، قد أُلقيت عليه المهابة"، فكما أن زينب هابت أن تسأله فكذلك عبد الله هاب أن يسأله، وقيل: لعلّ امتناعه لأن سؤاله يُنبئ عن الطمع، والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ) أي: ذهبت إلى النبيّ -ﷺ- لأسأله عنه ذلك (فَإِذَا امْرَأةٌ) "إذا" هي الْفُجَائيّة؛ أي: ففاجاني وجود امرأة (مِنَ الأنصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- حَاجَتي حَاجَتُهَا) قال الأبيّ ﵀: هو مثلُ قولهم: زَيدٌ زُهيرٌ شعرًا؛ أي: مثله. انتهى (^١).
وفي رواية النسائيّ: "فإذا امرأة من الأنصار، يُقَالُ لَهَا: زيْنَبُ، تسأل عما أسأل عنه"، وزينب هذه هي امرأة أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاريّ البدريّ -﵁-، ففي رواية النسائيّ في "عشرة النساء" من طريق علقمة، عن عبد الله، قال: انطلقت امرأة عبد الله، وامرأة أبي مسعود إلى رسول الله -ﷺ-، كلّ واحدة تكتم صاحبتها أمرها … قال الحافظ: لم يذكر ابن سعد لأبي مسعود امرأة أنصاريّةً سوى هُزَيلة بنت ثابت بن ثعلبة الخزرجيّة، فلعلّ لها اسمين، أو وَهِمَ من سمّاها زينب، انتقالًا من اسم امرأة عبد الله إلى اسمها. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الثاني بعيد، لا ينبغي اعتماده؛ لأن عدم ذكر ابن سعد لها لا يدُلّ على عدمها، مع ثبوته في رواية النسائيّ المذكورة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- قَدْ ألْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ) بفتح الميم: أي: المخافة، قال في "القاموس"، و"شرحه": الهَيْبَةُ: الإِجلالُ، والمَخَافَة، وعن
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٣/ ١٤٠.
(٢) "الفتح" ٤/ ٣٠٧.
[ ١٩ / ٢٨٣ ]
ابنِ سِيدهْ: الهَيْبَةُ: التَّقِيَّةُ من كُلِّ شَيءٍ، كالمَهابَةِ، وقد هابَهُ يهابُهُ، كخَافَهُ يَخَافُهُ هَيْبًا، وهَيْبَةً، ومَهَابَةً: خافَهُ، وراعَهُ، كاهْتَابَهُ، قال [من البسيط]:
ومَرْقَبٍ تَسْكُنُ العِقْبَانُ قُلَّتَهُ … أَشْرَفْتُهُ مُسْفِرًا والشَّمْسُ مُهْتَابَهْ
وفي "كتاب الأَفعال": هابَه، من باب تَعِبَ: حَذِرَه، ويُقال: هَابَه يَهِيبُه، من باب ضرب، نقله الفَيُّوميُّ في "المصباح".
وقال الطيبيّ ﵀: قوله: "وكان -ﷺ- قد أُلقيت عليه المهابة": "كان" هذه هي التي تفيد الاستمرار، ومن ثَمَّ كان أصحابه -ﷺ- في مجلسه كأن على رؤوسهم الطير، وذلك عزّةٌ منه -ﷺ-، لا كبر، وسوء خُلُق، وإن تلك العزّة ألبسها الله تعالى إياه -ﷺ-، لا من تلقاء نفسه. انتهى (^١).
[فائدة]: ذكر ابن قَيِّم الجَوْزِيَّةِ ﵀ فِي الفرْق بين المَهَابَة والكِبْر ما نَصُّه: إِنّ المَهابةَ أَثرُ امتلاءِ القلْبِ بمهابةِ الرَّبّ ومحبَّته، وَإِذا امتلأَ بذلك حلَّ فيه النُّورُ، ولَبِس رِداءَ الهَيْبة، فاكتسَى وَجهُهُ الحَلاوةَ والمَهَابَةَ، فحَنَّت إِليهِ الأَفئدةُ، وقَرَّتْ بها العُيُونُ، وأَمّا الكِبْرُ فهو أَثَرُ العُجْبِ في قلْب مملوءٍ جهلًا وظُلُماتٍ، رانَ عليه المَقْتُ، فنَظَرُهُ شَزْرٌ، ومِشْيَتُهُ تَبخْتُرٌ، لا يبْدأُ بسَلام، ولا يَرى لأَحَدٍ حَقًّا عليه، وَيرى حَقَّهُ على جميع الأَنامِ، فلا يزدادُ من اللهِ تعالى إِلّا بُعْدًا، ولا من النّاس إِلا حَقارًا وبُغْضًا. انتهى. تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا (^٢).
وقال الطيبيّ ﵀:
(قَالَتْ) زينب -﵂- (فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَال) بن رَبَاح، مؤذّن رسول الله -ﷺ- المتوفّى سنة (٧ أو ٨ أو ٢٠ هـ) وله بضع وستّون سنة، تقدّمت ترجمته في "الطهارة" ٢٣/ ٦٤٣. (فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأتيْنِ بِالْبَابِ، تَسْأَلَانِكَ أَتجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا) ووقع في بعض النسخ بلفظ: "على زوجيهما" بالتثنية، قال النوويّ ﵀: يقال: على زوجيهما، وعلى زوجهما، وعلى أزواجهما، وهي أفصحهنّ، وبها جاء القرآن العزيز في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وكذا قولها: "في حُجُورهما"، وشبه
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٥٦٣.
(٢) راجع: "تاج العروس من جواهر القاموس" ٤/ ٤٠٩.
[ ١٩ / ٢٨٤ ]
ذلك مما يكون لكلّ واحد من الاثنين منه واحد. انتهى (^١).
(وَعَلَى أَيْتَام فِي حُجُورِهِمَا؟) وفي رواية للنسائي، من طريق علقمة: "فقالتا لبلال: ايتً رسول الله -ﷺ-، فقل: امرأتان لإحداهما فضلُ مال، وفي حجرها بنوأخ لها أيتام، وقالت الأخرى: إن لي فضل مال، ولي زوجٌ خفيف ذات اليد … ".
(وَلَا تُخْبِرْهُ) "لا" ناهيةٌ، ولذا جُزم بها الفعل بعدها (مَنْ نَحْنُ؟) أي: لا تعيّق اسمنا، بل قل: تسأل امرأتان، إرادةَ الإخفاء؛ مبالغةً في نفي الرياء، أو رعاية للأفضل، وهذا أيضًا يصلح أن يكون وجهًا لعدم دخولهما، وقيل: المعنى: لا تخبره؛ أي: بلا سؤال، وإلا فعند السؤال يجب الإخبار، فلا يمكن المنع عنه، ولذلك أخبر بلال بعد السؤال (قَالَتْ) زينبُ (فَدَخَلَ بِلَالٌ) -﵁- (عَلَى رَسُول الله -ﷺ-، فَسَأَلهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ هُمَا؟ ") أي: من السائلتان؟ (فَقَالَ) بلالٌ -﵁- مخبرًا عنهما، ومعيّنًا لهما لوجوبه عليه بطلب الرسول -ﷺ-، واستخباره، وقوله: (امْرَأةُ مِنَ الأنصَارِ، وَزَيْنَبُ) خبر لمحذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: هما: امرأة من الأنصار، وزينب، ووقع في رواية النسائيّ بأن أجاب بقوله: "زينب"، وعليه فالمعنى أن اسم كلّ منهما زينب.
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ ") وإنما لم يقل: "أيّةُ" بالتأنيث؛ لأنه يجوز التذكير والتأنيث، كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] (قَالَ) بلالٌ (امْرَأةُ عَبْدِ اللهِ) وفي رواية النسائيّ المذكورة: "زينَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، وَزَيْنَبُ الْأَنْصَارِيَّةُ"؛ يعني: امرأة أبي مسعود، كما تقدّم.
قال النوويّ ﵀: قد يقال: إنه إخلاف للوعد، وإفشاء للسرّ، وجوابه أنه عارض ذلك جواب رسول الله -ﷺ-، وجوابه واجب محتمٌ، لا يجوز تأخيره، ولا يُقَدَّم عليه غيره، وقد تقرر أنه إذا تعارضت المصالح بُدئ بأهمها. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: ليس إخبار بلال -﵁- بالسائلتين اللتين استكتمتاه مَنْ هما بكشف أمانة سرّ؛ لوجهين:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٧.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٧.
[ ١٩ / ٢٨٥ ]
[أحدهما]: أن بلالًا فَهِمَ أن ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على أنهما رأتا أنه لا ضرورة تُحْوِج إلى ذلك.
[الثاني]: أنه إنما أخبر بهما جوابًا لسؤال النبي -ﷺ-، فرأى أنّ إجابة رسول الله -ﷺ- أهمّ، وأوجب من كتمان ما أمرتاه به.
وهذا كلّه بناء على أنهما أمرتاه به، وَيحْتَمِل أن يكون سؤالًا للإسراع، ولا يجب إسعاف كلّ سؤال. انتهى.
(فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "لَهُمَا) أي: لكلّ واحدة منهما (أَجْرَانِ: أجْرُ الْقَرَابَةِ) أي: أجر صلة الرحم (وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ") أي: أجر منفعة الصدقة، وهذا ظاهره أنها لم تشافهه بالسؤال، ولا شافهها بالجواب، وحديث أبي سعيد الخدريّ الذي أخرجه الشيخان، وغيرهما، يدلّ أنها شافهته، وشافهها (^١)؛ لقولها فيه: "يا نبيّ الله إنك أمرت"، وقوله فيه: "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ"، فيَحْتَمِل أن يكونا قصّتين، وَيحْتَمِل أن يقال: تُحمَل هذه المراجعة على المجاز، وإنما كانت على لسان بلال، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الاحتمال الأول هو الأرجح،
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه": (١٤٦٢) حدّثنا ابن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد، هو ابن أسلم عن عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدريّ -﵁-: خرج رسول الله -ﷺ- في أضحى، أو فطر إلى المصلى، ثم انصرف، فوعظ الناس، وأمرهم بالصدقة، فقال: "أيها الناس تصدقوا"، فمرّ على النساء، فقال: "يا معشر النساء تصدقن، فإني رأيتكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم ذلك يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن يا معشر النساء"، ثم انصرف، فلما صار إلى منزلة جاءت زينب امرأة ابن مسعود، تستأذن عليه، فقيل: يا رسول الله هذه زينب، فقال: "أي الزيانب؟ " فقيل: امرأة ابن مسعود، قال: "نعم ائذنوا لها"، فإذن لها، قالت: يا نبي الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندي حلي لي، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده أحقّ من تصدقت به عليهم، فقال النبيّ -ﷺ-: "صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحقّ من تصدقتِ به عليهم". انتهى.
[ ١٩ / ٢٨٦ ]
ومما يرجّحه، اختلاف سياق القصّتين، ففي حديث الباب أن السؤال عن أيتام هم بنوأخيها، لا عن ولدها، وفي حديث أبي سعيد أن الولد لها من ابن مسعود -﵄-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب امرأة ابن مسعود -﵄- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٤/ ٢٣١٨ و٢٣١٩] (١٠٠٠)، و(البخاري) في "الزكاة" (١٤٦٦)، و(الترمذيّ) في "الزكاة" (٦٣٥)، و(ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٣٤)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٨٣)، و"الكبرى" (٩٢٠٠ و٩٢٠١ و٩٢٠٢ و٩٢٠٣)، و(أحمد) في "مسند" (٣/ ٥٠٢ و٦/ ٣٦٣)، و(الدارمي) في "سننه " (١٦٥٤)، (وابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٦٣ و٢٤٦٤)، (وأبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٤٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤/ ٧٢٦ و٧٢٧ و٧٢٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٦٥٣)، و(الطحاويّ) في "معاني الآثار" (٢/ ٢٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صرف الصدقة على الأقارب، وفيه اختلاف بين العلماء سنحفقه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٢ - (ومنها): الحثّ على الصدقة على الأقارب.
٣ - (ومنها): الحثّ على صلة الرحم.
٤ - (ومنها): جواز تبرعّ المرأة بمالها بغير إذن زوجها.
٥ - (ومنها): مشروعيّة عِظَةِ الإمام النساء.
٦ - (ومنها): ترغيب وليّ الأمر في أفعال الخير للرجال والنساء.
٧ - (ومنها): جواز تحدّث الرجل مع النساء الأجانب في الأمور المهمّة عند الحاجة.
[ ١٩ / ٢٨٧ ]
٨ - (ومنها): التخويف من المؤاخذة بالذنوب، وما يُتوقّع بسببها من العذاب، فإن النبيّ -ﷺ- قال: "يا معشر النساء تصدّقن، فإني رأيتكنّ أكثر أهل النار".
٩ - (ومنها): جواز فُتيا العالم مع وجود من هو أعلم منه، حيث أفتى ابن مسعود -﵁- بجواز صرف صدقة امرأته له، وقال النبيّ -ﷺ-: "صدق ابن مسعود"، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ -﵁-.
١٠ - (ومنها): طلب الترقّي في تحمّل العلم، حيث ذهبت زينب -﵄- إلى رسول الله -ﷺ- بعد أن أفتاها زوجها ابن مسعود -﵁-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع الزكاة إلى الأقارب:
قال الإمام ابن قدامة نقلًا عن ابن المنذر -رحمهما الله تعالى-: أجمع أهل العلم على أن الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يُجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم؛ لأن دفع زكاته إليهم تُغنيهم عن نفقته، وتُسقطها عنه، ويعود نفعها إليه، فكانه دفعها إلى نفسه، فلم تجز، كما أَبُو قضى بها دينه.
قال: ونصّ أحمد، فقال: لا يعطي الوالدين من الزكاة، ولا الولد، ولا ولد الولد، ولا الجدّ، ولا الجدّة، ولا ولد البنت.
قال: وأما سائر الأقارب، فمن لا يُوَرَّثُ منهم يجوز دفع الزكاة إليه، سواء كان انتفاء الإرث لانتفاء سببه، لكونه بعيد القرابة، أو لمانع، مثل الأخ المحجوب بالابن، فيجوز دفع الزكاة إليه؛ لأنه لا قرابة جزئيّة بينهما، ولا ميراث، فأشبها الأجانب، وإن كان بينهما ميراث، كالأخوين الذين يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان عن أحمد:
[إحداهما]: يجوز دفع زكاته إلى الآخر، وهي الظاهرة عنه، رواها عنه جماعة، فقد سئل: أيُعطِي الأخَ، والأختَ، والخالة من الزكاة؟ قال: يعطي كلَّ القرابة إلا الأبوين والولد، وهذا قول أكثر أهل العلم، قال أبو عبيد: هو القول عندي؛ لقول النبيّ -ﷺ-: "الصدقة على المسكين صدقةٌ، وهي لذي الرحم
[ ١٩ / ٢٨٨ ]
اثنان، صدقة وصلة"، فلم يشرَط نافلة، ولا فريضة، ولم يفرّق بين الوارث وغيره.
[الرواية الثانية]: لا يجوز دفعها إلى الْمُوَرَّثِ؛ لأنه يلزمه مؤنته، فيغنيه بزكاته عن مؤنته، ويعود نفع زكاته إليهم، فلم يجز، كدفعها إلى والده، أو قضاء دينه بها، والحديث يحتمل صدقة التطوّع، فيُحمل عليها. انتهى مختصر كلام ابن قدامة ﵀ بتصرف.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي القول الراجح هو الأول، كما اختاره أبو عبيد، واحتجّ لى بإطلاق حديث: "الصدقةُ على المسكين إلخ"، وكذلك إطلاق حديث زينب المذكور في الباب، فإن ترك الاستفصال ينزّل منزلة العموم، كما هو مبيّن في محلّه.
والحاصل أن الحقّ جواز دفع الزكاة لعموم الأقارب، فإن صحّ الإجماع على أنه لا يجوز دفعها للوالدين -كما ادعاه ابن المنذر- قلنا به، وإلا فهما داخلان في عموم النصوص أيضًا.
قال العلامة الشوكانيّ ﵀: ويؤيّد الجواز، والإجزاء الحديث الذي تقدّم عند البخاريّ، بلفظ: "زوجك، وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم"، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال، ينزّل منزلة العموم في المقال، ثم الأصل عدم المانع، فمن زعم أن القرابة، أو وجوب النفقة مانعان، فعليه الدليل، ولا دليل. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الشوكانيّ ﵀ تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في جواز دفع زكاة أحد الزوجين إلى الآخر:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: أجمعوا على أنّ الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئًا؛ لأن نفقتها واجبةٌ عليه.
قال الصنعانيّ: وعندي فيه توقّف؛ لأن غنى المرأة بوجوب النفقة على زوجها، لا يصئرها غنيّة، الغِنَى الذي يمنع من حهلّ الزكاة لها. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله الصنعانيّ متّجهٌ؛ إذ التعليل
[ ١٩ / ٢٨٩ ]
بوجوب نفقتها على الزوج، لا يوجب امتناع الصرف إليها؛ لأن نفقتها واجبة عليه، غنيّة كانت، أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا، فتأمّل حقّ التامّل، والله تعالى أعلم.
وأما دفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، فذهب الشافعيّ، والثوريّ، وابن المنذر، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحمد إلى جوازه.
وحجّتهم حديثُ زينب المذكور في الباب، ووجه الاحتجاج به أنها سالته عن الصدقة على زوجها، وعلى الأيتام في حجرها، فأجابها بأن لها أجرَ الصلة، وأجر الصدقة، ولم يستفسر، هل هي صدقة واجبة، أم تطوّعٌ؟، وترك الاستفصال في حكاية الحال ينزّل منزلة العموم في المقال.
وذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية إلى منعه، واحتجّوا بانها تنتفع بدفعها إليه؛ لأنه إن كان عاجزًا عن الإنفاق عليها تمكّن باخذ الزكاة من الإنفاق فيلزمه، وإن لم يكن عاجزًا، ولكنه أيسر بها، لزمه نفقة الموسرين، فتنتفع بها في الحالين.
ورُدَّ هذا بأنه يلزم منه منع دفعها له صدقة التطوّع أيضًا؛ للعلّة المذكورة؛ مع أنه يجوز دفعها إليه اتفاقًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنّ المذهب الأول هو الأرجح؛ لأمرين:
(الأول): أن الزوج داخل في الأصناف المنصوص عليها في مصارف الزكاة؛ لأنه فقير.
(الثاني): أنه ليس في المنع نصّ، ولا إجماعٌ، ولا قياس صحيح.
قال العلّامة الشوكانيّ ﵀: الظاهر أنه يجوز صرف زكاتها إليه:
(أما أوّلًا): فلعدم المانع من ذلك، ومن قال: إنه لا يجوز فعليه الدليل.
(وأما ثانيًا): فلأن ترك استفصاله -ﷺ- لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة، هل هي تطوّع، أم واجبٌ؟ فكانه قال: يجزي عنك فرضًا كان، أو تطوّعًا. انتهى. وهو بحث نفيس جدًّا.
[ ١٩ / ٢٩٠ ]
والحاصل أن الأرجح جواز دفع الزكاة لزوجها، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، صماليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣١٩] (…) - (حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الْأزدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَينَبَ امْرَأةِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله، بِمِثْلِهِ سَوَاءً؛ قَالَ: قَالَتْ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَاَنِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُن"، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأزدِيُّ) أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله (٨٥) سنةً (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٠.
٢ - (عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) أبو حفص الكوفيّ، ثقةٌ ربّما وَهِمَ [١٠] (٢٢٢) (ع) (خ م دت س) تقدم في "الطهارة" ٣٢/ ٦٧٥.
٣ - (أَبُوهُ) حفص بن غياث بن طلق النخعيّ، أبو عمر الكوفيّ القاضي، ثقةٌ ثبت فقيهٌ تغيّر حفظه قليلًا في الآخر [٨] (ت ٤ أو ١٩٥) وقد قارب (٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (قَالَ: فَذَكَرْتُ لِإِبْرَاهِيمَ) أي: ذكرت حديث شقيق المذكور، والقائل: "فذكرت إلخ " هو الأعمش، وإبراهيم هو ابن يزيد النخعيّ، وأبو عُبيدة هو ابن عبد الله بن مسعود، ففي الطريق ثلاثة من التابعين، ورجال الطرُق الثلاثة كلهم كوفيّون.
وقوله: (بِمِثْلِهِ سَوَاءً) أي: حدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة عن عمرو بن الحارث بمثل حديث شقيق، عن عمرو بن الحارث المتقدّم.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْأَحْوَصِ) فاعل "ساق" ضمير
[ ١٩ / ٢٩١ ]
حفص بن غياث؛ أي: ساق حفص، عن الأعمش بمعنى حديث أبي الأحوص عنه.
[تنبيه]: رواية حفص بن غياث، عن الأعمش هذه ساقها البخاريّ في "صحيحه"، فقال:
(١٤٦٦) - حدّثنا عُمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، قال: حدّثني شقيق، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله -﵄-. قال: فذكرته لإبراهيم، فحدّثني إبراهيم، عن أبي عُبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله بمثله سواءً، قالت: كنت في المسجد، فرأيت النبيّ -ﷺ-، فقال: "تصدقن، ولو من حليكن"، وكانت زينب تُنفق على عبد الله، وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سَلْ رسول الله -ﷺ-؛ أيَجْزِي عني أن أُنفق عليك، وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سَلِي أنت رسول الله -ﷺ-، فانطلقت إلى النبيّ -ﷺ-، فوَجَدتُ امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي، فمَرّ علينا بلال، فقلنا: سل النبيّ -ﷺ- أيَجْزِي عني أن أنفق على زوجي، وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا، فدخل، فسأله، فقال: "من هما؟ "، قال: زينب، قال: "أيُّ الزيانب؟ "، قال: امرأة عبد الله، قال: "نعم، لها أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٠] (١٠٠١) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ، أنفِقُ عَلَيْهِمْ؟، وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا، إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ، فَقَالَ: "نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل باب.
[ ١٩ / ٢٩٢ ]
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم قريبًا.
٣ - (هِشَامُ) بن عروة بن الزبير الأسديّ، أبو المنذر المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ يرسل [٥] (ت هـ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن الْعَوّام الأسديّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٠٧.
٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الأسد المخزوميّة، ربيبة النبيّ -ﷺ-، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في "الحيض" ٢/ ٦٨٩.
٦ - (أمّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة بن المغيرة بن عبد الله المخزوميّة، أم المؤمنين، تزوّجها النبيّ -ﷺ- بعد أبي سلمة سنة أربع، وقيل: ثلاث من الهجرة، وماتت سنة (٦٢) على الأصحّ (ع) تقدمت في "المقدمة" جـ ٢ ص ٤٧٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته كلّهم رواة الجماعة.
٣ - (ومنها): أن شيخه أحد الشيوخ التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة.
٤ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، والبنت عن أمها، وتابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّة عن صحابيّة.
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) هند بنت أبي أُميّة -﵂- أنها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِي أَجْرٌ فِي بَنِي أَبِي سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الأسد، الذي كان زوجها قبل رسول الله -ﷺ-، وهم: عُمَر، ومحمد، وزينب، ودُرَّة، وقولها: (أنفِقُ عَلَيْهِمْ؟) جملة في محلّ نصب على الحال من "بني أبي سلمة" (وَلَسْتُ بِتَارِكَتِهِمْ هَكَذَا وَهَكَذا) معمول "تاركتهم"؛ أي: لست بتاركتهم ذاهبين هكذا وهكذا، يسألون
[ ١٩ / ٢٩٣ ]
الناس، قاله السنوسيّ ﵀ (^١). (إِنَّمَا هُمْ بَنيَّ) أصله بنون، فلما أضيف إلى ياء المتكلمة سقطت نون الجمع، فصار بَنُويَ، فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فأُدغمت الواو في الياء، فصار بَنُيّ، بضم النون وتشديد الياء، ثم أُبدلت ضمةُ النون كسرةً؛ لمناسبة الياء، فصار بَنِيَّ، وإلى هذا أشار في "الخلاصة" بقوله:
إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِنْ عُرُوضٍ عَرِيَا
فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمَا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ قَدْ رُسِمَا
(فَقَالَ) -ﷺ- ("نَعَمْ، لَكِ فِيهِمْ أَجْرُ مَا أنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ") قال في "الفتح": رواه الأكثر بالإضافة على أن تكون "ما" موصولة، وجوّز أبو جعفر الْغَرْناطيّ نزيل حَلَب تنوين "أجرٌ" على أن تكون "ما" ظرفيّة. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسالتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أم سلمة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣٢٠ و٢٣٢١] (١٠٠١)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٦٧)، و"النفقات" (٥٣٦٩)، و(ابن ماجه) في "الزكاة" (١٨٣٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩٢ و٢٩٣ و٣١٠ و٣١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٤٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧٠٠٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٥٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٧٩٦ و٩١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٧٨)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٧٩)، وفوائد الحديث تقدّمت قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح السنوسيّ" ٣/ ١٤١ - ١٤٢.
(٢) "الفتح" ٤/ ٣٠٩.
[ ١٩ / ٢٩٤ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢١] (…) - (وَحَدَّثَنِي سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ (ح) وَحَدَّثَنَاه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، جَمِيعًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سُويدُ بْنُ سَعِيدٍ) الْحَدَثانيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الموصل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٣ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الْكسّيّ، أبو محمد، قيل: اسمه عبد الحميد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٥ - (عَبْدُ الرَّزاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل بابين.
٦ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قبل بابين.
و"هشام" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية معمر، عن هشام بن عروة هذه ساقها عبد الرزّاق في "مصنّفه" (١٠/ ٤٣٧) فقال:
(١٩٦٢٨) أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة -﵂-، أنها قالت: يا رسول الله، إن بني أبي سلمة في حِجْري، وليس لهم إلا ما أنفقت عليهم، ولست بتاركتهم كذا ولا كذا، أفلي أجر ما أنفقت عليهم؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "أثفقي عليهم، فإن لك أجر ما أنفقت عليهم". انتهى.
وأما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٩ / ٢٩٥ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٢] (١٠٠٢) - (حَدَّثَنَا (^١) عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أنفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً، وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَة").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ) أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ) الأنصاريّ الكوفيّ، ثقةٌ رُمي بالتشيّع [٤] (ت ١١٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٤.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) بن زيد بن حُصين الأنصاريّ الْخَطْميّ، صحابيّ صغير، ولي الكوفة لابن الزبير -﵄- (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٦.
٦ - (أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاريّ الصحابيّ الشهير، مات -﵁- قبل الأربعين، وقيل: بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٥٨.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالبصريين، ونصفه الثاني بالكوفيين.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٩ / ٢٩٦ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعيّ عن تابعيّ، عند من يقول: إن عبد الله بن يزيد تابعيّ، ورواية صحابيّ عن صحابيّ عند من يقول بصحبته، وهو الأصح، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَدِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ ثَابِتٍ) لم يقل: "ابن ثابت"، بل زاد لفظة "وهو"؛ لكون شيخه لم ينسبه إلى أبيه، وإنما نسبه من عنده، فميّز بين ما رواه، وبين ما زاده من عنده، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في "شرح المقدّمة"، فراجعه تزدد علمًا (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ) وفي رواية البخاريّ في "الإيمان" من طريق حجاج بن منهال، قال: حدّثنا شعبة، قال: أخبرني عديّ بن ثابت، قال سمعت عبد الله بن يزيد، وقد صرّح عبد الله بن يزيد بسماعه من أبي مسعود عند البخاريّ في "المغازي" (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ) اختُلف في سبب نسبته إلى بدر، فقيل: لسكناه بها، لا لشهوده وقعتها، وقيل: لكونه شهد وقعتها، وهذا هو الذي قاله البخاريّ، ومسلم، وهو الصحيح، وقد تقدّم بيان ذلك في "شرحِ المقدّمة" (^١). (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ) قال صاحب "المغرب": أهل الرجل امرأته، وولده، والذي في عياله ونفقته، وكذا كلُّ أخ، أو أخت، أو عمّ، أو ابن عمّ، أو صبيّ أجنبي يقوته في منزلة.
وعن الأزهريّ: أهلُ الرجل أخصّ الناس به، ويُجْمَع على أَهْلِينَ، والأهالي على غير قياس، قاله في "العمدة" (^٢).
وقال في "الفتح": "الأهل" يَحْتَمِل أن يَشْمَل الزوجة، والأقارب، وَيحْتَمِل أن يخُصّ الزوجة، ويُلْحَق بها من عداها بطريق الأولى؛ لأنّ الثواب إذا ثبتٌ فيما هو واجب، فثبوته فيما ليس بواجبٍ أولى.
وقال الطبريّ ﵀ ما مُلخصه: الإنفاق على الأهل واجبٌ، والذي يُعطيه
_________________
(١) راجع: "قرّة عين المحتاج" ٢/ ٤٥٨ - ٤٥٩.
(٢) "عمدة القاري" ٢١/ ١٣ "كتاب النفقات" رقم الحديث (٥٣٥١).
[ ١٩ / ٢٩٧ ]
يؤجر على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة، بل هي أفضل من صدقة التطوّع.
وقال المهلّب ﵀: النفقة على الأهل واجبة بالإجماع، وإنما سمّاها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أنّ قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه، وقد عَرَفُوا ما في الصدقة من الأجر، فعزفهم أنها لهم صدقةٌ، حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يَكْفُوهم؛ ترغيبأ لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوّع.
وقال ابن الْمُنَيِّر ﵀: تسمية النفقة صدقةً، من جنس تسمية الصداق نِحْلَة، فلما كان احتياج المرأة إلى الرجل كاحتياجه إليها -في اللذّة والتأنيس، والتحصين، وطلب الولد- كان الأصل أن لا يجب لها عليه شيء، إلا أنّ الله خصّ الرجل بالفضل على المرأة بالقيام عليها، ورَفَعَه عليها بذلك درجة، فمن ثَمَّ جاز إطلاق النحلة على الصداق، والصدقة على النفقة. انتهى (^١).
(وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا) أي: يريد أجرها من الله تعالى بحسن نيّته، وهو أن ينوي أداء ما أوجب الله تعالى عليه من الإنفاق عليهم، والجملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل.
قال بعضهم: أفاد الحديث بمنطوقه أن الأجر في الإنفاق إنما يَحصُل بقصد القربة، سواءٌ كانت واجبة، أو مباحة، وأفاد بمفهومه أن من لم يقصد القربة لم يُؤجر، لكن تبرأ ذمّته من النفقة الواجبة؛ لأنها معقولة المعنى. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: فيه بيان أن المراد بالصدقة، والنفقة المطلقة في باقي الأحاديث إذا احتسبها، ومعناه أراد بها وجه الله ﷿، فلا يدخل فيه من أنفق عليها ذاهلًا، ولكن يدخل المحتسب، وطريقه في الاحتساب أن يتذكّر أنه يجب عليه الإنفاق على الزوجة، وأطفال أولاده، والمملوك، وغيرهم، ممن تجب نفقته على حسب أحوالهم، واختلاف العلماء فيهم، وأنّ غيرهم ممن يُنفَقُ عليه مندوبٌ إلى الإنفاق عليهم، فينفق بنيّة أداء ما أُمر به، وقد أُمر
_________________
(١) راجع: الفتح ١٠/ ٦٢٤ - ٦٢٥.
[ ١٩ / ٢٩٨ ]
بالإحسان إليهم، والله أعلم. انتهى (^١).
وقوله: (كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً") جواب "إذا"، ثم إن "كان" هنا يَحْتَمِل أن تكون ناقصةً، واسمها ضمير يعود إلى "نفقةً"، و"صدقةً" خبرها: أي: كانت النفقة صدقةً له، ويَحْتَمِل أن تكون تامّةً، و"صدقةٌ" بالرفع فاعلها؛ أي: حصلت له صدقةٌ.
قال في "الفتح": المراد بالصدقة الثواب، وإطلاقها عليه مجازٌ، وقرينته الإجماع على جواز الإنفاق على الزوجة الهاشميّة مثلًا، وهو من مجاز التشبيه، والمراد به أصل الثواب، لا في كمّيّته، ولا في كيفيّته، ويستفاد منه أن الأجر لا يحصل بالعمل إلا مقرونًا بالنيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود البدريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣٢٢ و٢٣٢٣] (١٠٠٢)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٥٣)، وفي "المغازي" (٤٠٠٦)، وفي "النفقات" (٥٣٥١)، وفي "الأدب المفرد" (٧٤٩)، و(الترمذيّ) في "البرّ والصلة" (١٩٦٥)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٤٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢٠ و١٢٢ و٥/ ٢٧٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٢٣٨ و٤٢٣٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٧/ ٥٢٢ - ٥٢٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل النفقة على الأهل محتسبًا.
٢ - (ومنها): أن النفقة على الأهل، وإن كانت واجبةً تسمّى صدقةً، وقد
_________________
(١) "شرح النوويّ " ٧/ ٨٨ - ٨٩.
[ ١٩ / ٢٩٩ ]
أخرج النسائي بإسناد صحيح، عن سلمان بن عامر الضبيّ -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، أنه قال: "إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة، وصلة".
٣ - (ومنها): أن الأعمال لا يوجد ثوابها إلا بإخلاص النيّة لله تعالى.
٤ - (ومنها): أن ثواب الصدقة يحصل بالنفقة الواجبة، فمن أنفق على أهله من غير احتساب، لم يحصل له ثواب الصدقة، وإن سقط عنه الوجوب، قال في "العمدة":
[فإن قلت]: كيف يكون إطعام الرجل أهله صدقةً، وهو فرض عليه؟.
[قلت]: جعل الله الصدقة فرضًا وتطوعًا، ويُجْزَى العبدُ على ذلك بحسب قصده، ولا منافاة بين كونها واجبة، وبين تسميتها صدقة.
وقيل: إنما أطلق الشارع صدقة على نفقة الفرض؛ لئلا يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم.
وقال المهلّب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بالإجماع.
وقال الطبريّ: النفقة على الأولاد ما داموا صغارًا فَرْضٌ عليه؛ لقوله -ﷺ-: "وأبدأ بمن تعُول"؛ لأن الولد ما دام صغيرًا فهو عيال.
وقال ابن المنذر: واختلفوا فيمن بلغ من الأبناء، ولا مال له، ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن يُنفق على ولد صلبه الذكور حتى يحتلموا، والبنات حتى يُزَوَّجْنَ، فإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها، هان طلقها بعد البناء، أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، ولا نفقة لولد الولد على الجدّ، هذا قول مالك، ونفقة الإخوة والأخوات، والأعمام والعمات، والأخوال والخالات واجية بشرط العجز، مع قيام الحاجة، وأما نفقة بني الأعمام، وأولاد العمات، فلا تجب عند عامة العلماء، خلافًا لابن أبي ليلى. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢١/ ١٣ "كتاب النفقات".
[ ١٩ / ٣٠٠ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ، كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثنَاه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا وَكِيعٌ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ) محمد بن أحمد بن نافع الْعَبْديّ البصريّ، صدوقٌ، من صغار [١٠] مات بعد (٢٤٠) (م ت س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٨.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ) غُندر، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (وَكيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل باب.
والباقيان ذُكرا في الباب.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة هذه ساقها النسائيّ في "المجتبى"، فقال:
(٢٥٤٥) - أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدّثنا محمد، قال: حدّثنا شعبة، عن عديّ بن ثابت، قال: سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاريّ، يحدّث عن أبي مسعود، عن النبيّ -ﷺ- قال: "إذا أنفق الرجل على أهله، وهو يحتسبها، كانت له صدقةً". انتهى.
وأما رواية وكيع، عن شعبة، فلم أر من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٤] (١٠٠٣) - (حَدَّثَنَا (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أُمَي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهِيَ رَاغِبَة، أَوْ رَاهِبَةٌ، أفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نَعَمْ").
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
[ ١٩ / ٣٠١ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الله بْنُ إِدْرِيسَ) بن يزيد بن عبد الرحمن الأوديّ، اْبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقية عابذ [٨] (ت ١٩٢) عن بضع و(٧٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (أَسْمَاءٌ) بنت أبي بكر الصّدّيق -﵂-، ماتت سنة (٣ أو ٧٤) عن مائة سنة (ع) تقدمت في "الطهارة" ٣٣/ ٦٨١.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رواته من رواة الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، من هشام، والباقيان كوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، عن أمه، وتابعيّ عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن عروة أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة.
٦ - (ومنها): أن صحابيّته ذات مناقب جمّة، فهي من السابقات إلى الإسلام، وكانت تسمّى ذات النطاقين؛ لما شقّت نطاقها نصفين، فربطت بأحدهما زاد النبيّ -ﷺ-، وأبيها حين هاجرا، والقصّة مشهورة.
شرح الحديث:
(عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ) وفي رواية البخاريّ من طريق ابن عيينة، قال: أخبرني أبَي " (عَنْ أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصدّيق -﵄-، وفي رواية ابن عيينة المذكورة: "أخبرتني أسماء"، قال في "الفتح": كذا قال أكثر أصحاب هشام، وقال بعض أصحاب ابن عيينة: عنه، عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قال الدارقطنيّ: وهو خطأ.
قال الحافظ: قلت: حَكَى أبو نعيم أن عُمَر بن عليّ المقدميّ، ويعقوب القارئ روياه عن هشام كذلك، فَيَحْتَمِل أن يكونا محفوظين، ورواه أبو معاوية، وعبد الحميد بن جعفر، عن هشام، فقالا: عن عروة، عن عائشة، وكذا
[ ١٩ / ٣٠٢ ]
أخرجه ابن حبان من طريق الثوريّ، عن هشام، والأول أشهر، قال الْبَرْقانيّ: وهو أثبت. انتهى.
قال الحافظ: ولا يبعد أن يكون عند عروة عن أمه وخالته، فقد أخرجه ابن سعد، وأبو داود الطيالسيّ، والحاكم من حديث عبد الله بن الزبير، قال: قدمت قُتَيْلَةُ -بالقاف والمثناة، مصغرةً- بنت عبد العزى بن سعد من بني مالك بن حِسْل- بكسر الحاء وسكون السين المهملتين- على ابنتها أسماء بنت أبي بكر في الْهُدْنة، وكان أبو بكر طلقها في الجاهلية، بهدايا زبيب، وسَمْن، وقَرَظ، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، أو تدخلها بيتها، وأرسلت إلى عائشة: سلي رسوله الله -ﷺ-، فقال: "لتدخلها … " الحديث، وعُرِف منه تسمية أم أسماء، وأنها أمها حقيقة، وأن من قال: إنها أمها من الرضاعة فقد وَهِمَ.
ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قَيْلَة، قال الحافظ: ورأيته في نسخة مجردة منه بسكون التحتانية، وضبطه ابن ماكولا بسكون المثناة، فعلى هذا فمن قال قُتَيلة صَغّرها، قال الزبير: أم أسماء وعبد الله ابني أبي بكر قَيْلة بنت عبد العزى، وساق نسبها إلى حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ، وأما قول الداوديّ: إن اسمها أم بكر، فقد قال ابن التين: لعله كنيتها. انتهى (^١).
(قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيِّ) زاد في رواية البخاريّ من طريق الليث، عن هشام: "مع ابنها"، وكذا في رواية حاتم بن إسماعيل، عن هشام، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مُدرك بن عبيد بن عُمَر بن مخزوم، قال الحافظ: ولم أر له ذكرأ في الصحابة، فكأنه مات مشركًا، وذكر بعض شيوخنا أنه وقع في بعض النسخ مع أبيها بموحدة ثم تحتانية، وهو تصحيف. انتهى.
وفي الرواية التالية: "عن أسماء بنت أبي بكر -﵁-، قالت: قَدِمت عليّ أمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدهم، فاستفتيت رسول الله -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله قَدِمَت عليّ أمّي، وهي راغبةٌ، أفأصل أمي؟ قال: "نعم، صلي أمك".
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٧١ - ٤٧٢ "كتاب الهبة" رقم (٢٦٢٠).
[ ١٩ / ٣٠٣ ]
ووقع في رواية حاتم بن إسماعيل عند البخاريّ بلفظ: "في عهد قريش؛ إذ عاهدوا رسول الله -ﷺ-"، وأرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح.
(وَهِيَ رَاغِبَة) جملة حاليّة (أَوْ رَاهِبَةٌ) هكذا بالشك في رواية عبد الله بن إدريس، عن هشام، وللطبرانيّ من طريق عبد الله بن إدريس المذكور: "راغبةٌ، وراهبةٌ" بالواو، وفي حديث عائشة -﵂- عند ابن حبان: "جاءتني راغبةً وراهبةً" بالواوأيضًا، وهو يؤيد رواية الطبرانيّ.
والمعنى أنها قَدِمَت طالبة في بِرّ ابنتها لها، خائفةً من رَدّها إياها خائبةً، هكذا فسره الجمهور، ونقل المستغفريّ أن بعضهم أوّله فقال: وهي راغبة في الإسلام، فذكرها لذلك في الصحابة، وردّه أبو موسى بانه لم يقع في شيء من الروايات ما يدلّ على إسلامها، وقولها: أراغبةٌ" أي: في شيء تأخذه، وهي على شركها، ولهذا استأذنت أسماء النبيّ -ﷺ- في أن تصلها، ولو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذن. انتهى.
وقيل: معناه راغبةٌ عن ديني، أو راغبة في القرب مني، ومجاورتي، والتودُّد إليّ؛ لأنها ابتدأت أسماء بالهدية التي أحضرتها، ورَغِبت منها في المكافأة، ولو حُمِل قوله: "راغبة" أي: في الإسلام لم يستلزم إسلامها.
ووقع في رواية عيسى بن يونس، عن هشام، عند أبي داود، والإسماعيليّ: "راغمة" بالميم؛ أي: كارهة للإسلام، ولم تَقْدُم مهاجرةً.
وقال ابن بطال: قيل: معناه هاربة من قومها، وردّه بأنه أَبُو كان كذلك لكان مراغمةً، قال: وكان أبو عمرو بن العلاء يفسِّر قوله: "مُرَاغَمًا" بالخروج عن العدوّ على رغم أنفه، فَيَحْتَمِل أن يكون هذا كذلك، قال: وراغبة بالموحدة أظهر في معنى الحديث. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" في موضع آخر: قولها: "راغبةٌ" هل هو بالميم، أو الموحدة؛ قال الطيبيّ: الذي تحرر أن قولها: "راغبة" إن كان بلا قيد، فالمراد راغبة في الإسلام لا غير، هاذا قرنت بقولها: "مشركة"، أو "في عهد قريش"، فالمراد راغبة في صلتي، وإن كانت الرواية "راغمة" بالميم فمعناه: كارهةٌ للإسلام.
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ٤٧٢ "كتاب الهبة" رقم (٢٦٢٠).
[ ١٩ / ٣٠٤ ]
قال الحافظ: أما التي بالموحدة فيتعين حمل المطلق فيه على المقيد، فإنه حديث واحد في قصة واحدة، ويتعين القيد من جهة أخرى، وهي أنها أَبُو جاءت راغبة في الإسلام لم تحتج أسماء أن تستأذن في صلتها؛ لشيوع التألف على الإسلام من فعل النبيّ -ﷺ-، وأمره فلا يحتاج إلى استئذانه في ذلك. انتهى (^١).
(أفَأَصِلُهَا؟) أي: أحسن إليها بإعطاء ما طلبت من المال (قَالَ) -ﷺ- ("نَعَمْ") وفي الرواية التالية: "نعم صلي أمك"، زاد في رواية البخاريّ في "كتاب الأدب " عقب حديثه عن الحميديّ، عن ابن عيينة: "قال ابن عيينة: فأنزل الله فيها، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] "، وكذا وقع في آخر حديث عبد الله بن الزبير، ولعل ابن عيينة تلقاه منه.
ورَوَى ابن أبي حاتم، عن السُّدّيّ أنها نزلت في ناس من المشركين، كانوا ألين شيء جانبًا للمسلمين، وأحسنه أخلاقًا، ولا منافاة بينهما، فإن السبب خاصّ، واللفظ عامّ، فيتناول كلَّ من كان في معنى والدة أسماء.
وقيل: نَسَخَ ذلك آيةُ الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا، قاله في "الفتح".
قال الجامع عفا الله عنه: القول بالنسخ مما لا يخفى بعده؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [النساء: ٨٩] خاصّ بالمحاربين، لا يتناول المسالمين، بدليل قوله ﷿: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية [النساء: ٩٠]، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ﴾ الآية [التوبة: ٤]، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أسماء بنت أبي بكر -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٤/ ٢٣٢٤ و٢٣٢٥] (١٠٠٣)، و(البخاريّ) في
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٤١٣ "كتاب الأدب".
[ ١٩ / ٣٠٥ ]
"الهبة" (٢٦٢٠)، و"الجزية" (٣١٨٣)، و"الأدب" (٥٩٧٩)، و(أبو داود) في (١٦٦٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٦/ ٣٨ و١٠/ ٣٥٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٢٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٤٤ و٣٤٧ و٣٥٥)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٧٨ - ٧٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٩١ و١٢٩/ ٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز صلة القريب المشرك، قال الخطابيّ ﵀: فيه أن الزَحِمَ الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة.
٢ - (ومنها): أن فيه مستدلًّا لمن رأى وجوب النفقة للأب الكافر، والأم الكافرة على الولد المسلم، ويؤيّده قوله ﷿: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ الآية [لقمان: ١٥].
٣ - (ومنها): بيان جواز موادعة أهل الحرب، ومعاملتهم في زمن الهدنة والسفر في زيارة القريب.
٤ - (ومنها): بيان فضل أسماء -﵂- حيث تحرّت في أمر دينها، وكيف لا وهي بنت الصديق، وزوج الزبير -﵃-، والله تعالى أعلم بالصواب، واليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج: ﵀ المذكور أولَ الكلتاب قال:
[٢٣٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أو"مي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ قُرَيْش، إِذْ عَاهَدَهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ الله -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَة، أفَاَصِلُ أُمِّي؛ قَالَ: "نَعَمْ صلِي أمِّكِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (وَهِيَ رَاِغِبَة … إلخ) وقع في هذه الرواية "راغبة" بلا شكّ، قال القاضي عياض ﵀: الصحيح "راغبة" بلا شكّ، قال: قيل: معناه راغبة عن
[ ١٩ / ٣٠٦ ]
الإسلام، وكارهة له، وقيل: معناه طامعةٌ فيما أعطيتها، حريصةٌ عليه، وفي رواية أبي داود: "قَدِمت عليّ أمي، راغبةَ في عهد قريش، وهي راغمةٌ مشركةٌ"، فالأول "راغبة" بالباء: أي: طامعة طالبة صلتي، والثانية بالميم، معناه: كارهة للإسلام، ساخطته، وفيه جواز صلة القريب المشرك، وأم أسماء اسمها قَيْلة، وقيل: قُتَيلة بالقاف وتاء مثناة من فوقُ، وهي قَيلة بنت عبد العُزَّى القرشية العامرية، واختَلَف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها؟ والأكثرون على موتها مشركة، قاله النوويّ ﵀، للهُ (^١)، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفى في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.