وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٥] (٩٤٣) - (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ، فَكُفِّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ، وَقُبِرَ لَيْلًا، فَزَجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ كَفَنَهُ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الْحَمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٢ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) هو: حجاج بن يعقوب يوسف بن الحجاج الثقفيّ البغداديّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٩) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٠.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيّ الأعور، ترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم المصّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦] (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه يدلِّس وُيرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسديّ مولاهم المكيّ، صدوقٌ يدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٦ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حَرَام الأنصاريّ السَّلَميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، مات بعد السبعين، وهو ابن (٩٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
[ ١٨ / ٣٥٨ ]
لطائف هذا الاسناد:
١ - (ومنها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن بينهما؛ لاتحاد كيفيّة التحمّل، والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث، والإخبار، والسماع.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه ابن صحابيّ -﵄-، ومن المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا.
شرح الحديث:
عن أبي الزُّبَيْرِ (أنهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) -﵄- (يُحَدِّثُ أَن النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ يَوْمًا، فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ) بالبناء للمفعول؛ أي: مات (فَكُفِّنَ) بالبناء للمفعول أيضًا (فِي كَفَنٍ كَيْرِ طَائِلٍ) أي: غير حسن، أو غير كامل الستر (وَقُبِرَ لَيْلًا) بالبناء للمفعول؛ أي: دُفن في الليل، يقال: قَبَرتُ الميتَ، من بابي قتلَ، وضربَ: دفنته، وأقبرتُهُ: أمرتُ أن يُقبَر، أو جعلتُ له قُبْرًا، قاله في "المصباح" (^١). (فَزَجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ-) بزاي، فجيم، آخره راء، من باب نصر؛ أي: منع.
وقد جاء بصريح النهي في رواية ابن ماجه، من طريق وكيع، عن إبراهيم بن يزيد المكيّ، عن أبي الزبير، عن جابر -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: "لا تَدْفِنُوا موتاكم بالليل، إلا أن تضطرّوا".
وقوله: (أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ) فعل ونائب فاعله في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ مقدّر؛ أي: عن قَبْر الرجل؛ أي: دفنه (بِاللَّيْلِ) أي: في الليل، فالباء بمعنى "في"، وفي رواية النسائيّ: "أن يُقبَرَ إنسانٌ ليلًا" (حَتَّى يُصَفَى عَلَيْهِ) بالبناء للمفعول أيضًا (إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِنْسَانٌ إِلَى ذَلِكَ) ببناء الفعل للمفعول، وفي رواية النسائيّ: "إلا أن يُضطرّ إلى ذلك"، وعليها فالنائب عن الفاعل هو الجارّ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٨٧.
[ ١٨ / ٣٥٩ ]
والمجرور، قال في "المصباح": وضَرَّه إلى كذا، واضطَرَّه: ألجأه إليه، وليس له منه بُدٌّ. انتهى (^١).
قال النوويّ ﵀: وأما النهي عن القبر ليلًا حتى يُصَلَّى عليه، فقيل: سببه أن الدفن نهارًا يحضره كثيرون من الناس، ويصلّون عليه، ولا يحضره في الليل إلا أفراد، وقيل: لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن، فلا يَبِين في الليل، ويؤيّده أول الحديث وآخره، قال القاضي: العلتان صحيحتان، قال: والظاهر أن النبيّ -ﷺ- قصدهما معًا، قال: وقد قيل هذا. انتهى (^٢).
(وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِذَا كَفَّنَ) بتشديد الفاء، وفي رواية النسائيّ: "إذا ولي أحدكم أخاه"؛ أي: تولّى تجهيز أخيه الميت (أَحَدُكُمْ أَخَاهُ، فَلْيُحَسِّنْ) بضم الياء، من التحسين، وَيحْتَمِل أن يكون من الإحسان (كَفَنَهُ) قال القرطبيّ ﵀: ضبطه أبو بحر: كَفْنه بسكون الفاء، وغيره بفتحها؛ يعني: الكفن نفسه، وهو الأولى. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: ضبطوه بوجهين: فتح الفاء، وإسكانها، وكلاهما صحيح، قال القاضي: والفتح أصوب، وأظهر، وأقرب إلى لفظ الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: فعلى تسكين الفاء يكون مصدر كَفَنَ، قال في "المصباح": كَفّنتُه في بُرْد، ونحوه، تكفينًا، وكَفَنتُهُ، كَفْنًا، من باب ضرب، لغةٌ. انتهى؛ أي: يحسن فعلَ التكفين، فيشمل الثوب، وهيئته، وعمله، وعلى فتح الفاء يكون اسمًا للثوب الذي يكفّن فيه الميت، ويُجمَع على أكفان، مثل سَبَب، وأسباب؛ أي: يَجْعَل كفنه حسنًا.
قال النوويّ ﵀: قال العلماء: وليس المراد بإحسان الكفن السَّرَف فيه، والمغالاة، ونَفَاسته، وإنما المراد نظافته، ونقاؤه، وكثافته، وستره، وتوسّطه، وكونه من جنس لباسه في الحياة غالبًا، لا أفخر منه، ولا أحقر. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٣٦٠.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١١.
[ ١٨ / ٣٦٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢١٨٥] (٩٤٣)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٤٨)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٨٩٥ و٢٠١٤) و"الكبرى" (٢٠٢٢ و٢١٤١)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٩٥ و٣٢٩ و٣٤٩ و٣٧١ و٣٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١١١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ٥٢٣ و٥٢٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦/ ٣٠٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٢ و٤٠٣)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٤٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان الأمر بتحسين الكفن، فلا يكفّن الميت بكفن حقير، إلا إذا لم يوجد الكفن الحسن.
٢ - (ومنها): بيان النهي عن الدفن ليلًا، تكثيرًا للصلاة عليه.
٣ - (ومنها): أن في قوله: "إلا أن يُضطرّ إليه" دليلًا على أنه لا بأس به في وقت الضرورة.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من مراعاة أحوال أصحابه -﵃-، أحياءً وأمواتًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في الدفن ليلًا:
قال النوويّ ﵀: قد اختَلَف العلماءُ في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصريّ، إلا لضرورة، وهذا الحديث مما يُستدلّ له به.
وقال جماهير العلماء، من السلف والخلف: لا يكره، واستدلّوا بأن أبا بكر الصدّيق -﵁-، وجماعة من السلف دُفنوا ليلًا، من غير إنكار، وبحديث المرأة السوداء، والرجل الذي كان يقمّ المسجد، فتوفّي بالليل، فدفنوه ليلًا، وسألهم النبيّ -ﷺ- عنه؟ فقالوا: توفي ليلًا، فدفنّاه في الليل، فقال: "ألا آذنتموني؟ "، قالوا: كانت ظلمة، ولم يُنْكَر عليهم، وأجابوا عن هذا الحديث
[ ١٨ / ٣٦١ ]
أن النهي كان لترك الصلاة، ولم يَنْهَ عن مجرّد الدفن بالليل، وإنما نَهَى لترك الصلاة، أو لقلة المصلين، أو عن إساءة الكفن، أو عن المجموع، كما سبق. انتهى كلام النوويّ ﵀ (^١).
وقال القرطبيّ ﵀: أخذ به الحسن، فكره أن يُقبر الرجل بالليل، إلا لضرورة، وذهب الجمهور إلى جواز ذلك، وكانهم رأوا أن ذلك النهي خاصّ بذلك الرجل؛ لئلا تفوته صلاة النبيّ -ﷺ-، وقيل: يمكن أن يقصدوا بدفنه بالليل ستر إساءة ذلك الكفن الغير الطائل.
قال: وهذه التأويلات فيها بُعْدٌ، ولا تصلح لدفع ذلك الظاهر؛ لأن النبيّ -ﷺ- إنما صدر عنه النهي المطلق بعد دفن الرجل بالليل، فقد تناول النهي غيره قطعًا، فتامله.
ويمكن أن يُعضد مذهب الحسن بانه إن قبر ليلًا قلّ المصلون عليه؛ لأن عادة الناس في الليل ملازمة بيوتهم، ولا يتصرفون فيه، ولأنه إذا قبر ليلًا تسومح في الكفن؛ لأن الليل يستره، ودل على صحته قوله -ﷺ-: "إذا كفّن أحدكم أخاه، فليُحسن كفنه". انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما ذهب إليه الحسن البصريّ ﵀، هو الأرجح عندي، كما مال إليه القرطبيّ؛ لظاهر حديث الباب.
وقد جاء النهي أيضًا عن الدفن في الأوقات الثلاثة: طلوع الشمس، والاستواء، وغروب الشمس، فقد تقدّم للمصنّف حديث عقبة بن عامر الجهنيّ -﵁- قال: ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهنّ، أو أن نقبر فيهنّ موتانا: حين تطلع الشمس بازغةً، حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة، حتى تميل الشمس، وحين تَضَيَّف الشمس للغروب حتى تغرب.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: ولا يجوز أن يُدفَن أحدٌ ليلًا إلا عن ضرورة، ولا عند طلوع الشمس حتى ترتفع، ولا حين استواء الشمس حتى تأخذ في الزوال، ولا حين ابتداء أخذها في الغروب، ويتصل ذلك بالليل إلى طلوع الفجر الثاني، قال: وكل من دُفِن ليلًا منه -ﷺ-، ومن أزواجه، ومن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١١.
(٢) "المفهم" ٢/ ٦٠١ - ٦٠٢.
[ ١٨ / ٣٦٢ ]
أصحابه -﵃- فإنما ذلك لضرورة أوجبت ذلك، من خوف زحام، أو خوف الحرّ، على من حضر، وحرُّ المدينة شديد، أو خوف تغير، أو غير ذلك مما يبيح الدفن ليلًا، لا يحلّ لأحد أن يَظُنّ بهم -﵃- خلاف ذلك، قال: رَوَينا من طريق يحيى بن سعيد القطان، ثنا هشام الدستوائيّ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيِّب أنه كَرِه الدفن ليلًا. انتهى كلام ابن حزم ﵀، وهو تحقيق نفيسٌ.
والحاصل أن الأرجح المنع عن الدفن في هذه الأوقات؛ لقوّة دليله، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في أقوال أهل العلم في تحسين الكفن:
قال الإمام ابن المنذر ﵀: وبحديث جابر قال الحسن البصريّ، وابن سيرين.
قال: وقد رَوَينا عن حذيفة -﵁- أنه قال: لا تغالوا بكفني، فإن يك لصاحبكم عند الله خير بُذلَ كسوةً خيرًا من كسوتكم، وإلا سُلبه سريعًا.
قال: وكان إسحاق يقول: لا تغالوا بالكفن؛ إذا كان في حياته صاحب إعواز، فإن ذلك مما يُجحف بالورثة، وإن كان صاحب يسار، فَغَالَى فهو جائز.
وقد أوصى ابن مسعود أن يكفّن في حلّة بمئتي درهم.
وقد روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإنهم يبعثون فيها يوم القيامة.
وروينا عن معاذ بن جبل أنه قال: أحسنوا أكفان موتاكم، فإن الموتى يحشرون في أكفانهم.
وقال محمد ابن الحنفية: ليس للميت في الكفن شيء، ولكنه تكرمة للحيّ. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بتحسين الكفن هو الحقّ، كما دلّ عليه حديث جابر -﵁- المذكور في الباب، ولكن ليس معناه أن يُغالَى فيه، بل أن يكون نظيفًا، نَقيًّا، كثيفًا، ساترًا إلى آخر ما تقدم في كلام النوويّ ﵀، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: حديث: "لا تغالوا في الكفن، فإنه يُسلَب سريعًا"، رواه أبو
[ ١٨ / ٣٦٣ ]
داود، وهو ضعيف، وإن سكت عنه أبو داود، وحسنه النوويّ، والمنذريّ؛ لأن في سنده عمرو بن هاشم، ضعّفه مسلم، وغيره، وفيه انقطاع بين الشعبيّ، وبين عليّ -﵁-، فإن الشعبيّ لم يسمع منه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.