وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٦] (١٠٠٤) - (وَحَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلًا أتَى النّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا، وَلَمْ تُوصِ، وَأَظنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، أفَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: (نَعَمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) الْعَبْدي، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٣ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂- تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٨٩.
[ ١٩ / ٣٠٧ ]
والباقيان تقدّما في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، وشيخ شيخه، فكوفيّان.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعي عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وفيه عائشة -﵂- من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) -﵂- (أَنَّ رَجُلًا) هو سعد بن عبادة - ﵁ -؛ لما أخرجه النسائيّ من طريق مالك، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج سعد بن عبادة، مع النبيّ -ﷺ- في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاةُ بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد، فتُوفيت قبل أن يَقْدَم سعد، فلما قَدِمَ سعد ذُكِر ذلك له، فقال: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "نعم"، فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه.
(أتى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّيَ) هي: عمرة بنت سعد بن عمرو بن زيد مناة، وقيل: بنت سعد بن قيس، وقيل: بنت مسعود بن قيس بن عمرو بن زيد مناة بن عديّ بن عمرو بن مالك بن النجّار، ماتت -﵂- في حياة النبي -ﷺ- سنة خمس، وقال ابن سعد: ماتت والنبيّ -ﷺ- في غزوة دُومة الجندل، في شهر ربيع الأول، فلما جاء النبيّ -ﷺ- المدينة أتى قبرها، فصلّى عليها.
(افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا) -بضمّ المثناة، وكسر اللام-: أي: سُلِبَت، على ما لم يُسمّ فاعله، و"نفسها" بالرفع نائب الفاعل، يقال: افْتُلِتَ فلانٌ: أي: مات فجأةً، وافتُلتت نفسه كذلك، وضبطه بعضهم بفتح السين، إما على التمييز، وإما على أنه مفعول ثان، والفَلْتَةُ، والإفلات: ما وقع بغتة، من غير رويّة، وذكر ابن قُتيبة بالقاف، وتقديم المثنّاة، وقال: هي كلمة تقال لمن قتله الحبّ، ولمن مات فَجْاةً، والمشهور في الرواية بالفاء.
[ ١٩ / ٣٠٨ ]
وقال في "النهاية": "افتُلتت نفسها": أي: ماتت فَجأةً، وأُخذت نفسُها فَلْتَةً، يقال: افتلته: إذا استلبه، وافتُلت فلان بكذا: إذا فُوجئ قبل أن يستعدّ له، ويُروى بنصب "النفس"، ورفعها، فمعنى النصب: افتلتها الله نفسها، مُعدّى إلى مفعولين، كما تقول: اختلسه الشيءَ، واستلبه إياه، ثم بُني الفعل لما لم يُسمّ فاعلُهُ، فتحوّل المفعول الأول مُضمرًا، وبقي الثاني منصوبًا، وتكون التاء الأخيرة ضمير الأمّ: أي: افتُلِتت هي نفسَهَا. انتهى.
وقال النوويّ ﵀: قوله: "افتُلِتَتْ نفسُها" ضبطناه "نفسَها"، و"نفسُها" بنصب السين ورفعها، فالرفع على أنه مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والنصب على أنه مفعولٌ ثالغ، قال القاضي عياضٌ: أكثر روايتنا فيه بالنصب، وقوله: "افتُلِتت" بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم، ورواه ابن قتيبة: "اقتُتِلت نفسها" بالقاف، قال: وهي كلمة تقال لمن مات فَجْأَةً، ويقال أيضًا لمن قتلته الجنّ والعشق، والصواب الفاء، قالوا: ومعناه: ماتت فَجْأَةً، وكلُّ شيء فُعِل بلا تَمَكّث، فقد افْتَلَتَ، ويقال: افْتَلَتَ الكلامَ، واقترحه، واقتضبه: إذا ارتجله. انتهى (^١).
(وَلَمْ تُوصِ) قد سبق في رواية النسائيّ المذكورة سبب عدم وصيّتها، وهو أنه لا مال لها، وإنما المال لولدها سعد (وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ) أي: أَبُو اتسّع وقت مرضها، ولم يَفْجأها الموت (تَصَدَّقَتْ) أي: أوصت بالصدقة، وهذا لا ينافي ما سبق آَنفًا؛ لأنه يمكن أن يكون المعنى لأمرَته أن يتصدّق عنها، والله تعالى أعلم.
وفي رواية البخاريّ في "الوصايا" عن عبد الله بن يوسف، عن مالك: "وأُراها أَبُو تكلّمت تصدّقت"، وهو بضمّ همزة "أُراها".
قال في "الفتح": وهو يُشعر بأن رواية ابن القاسم عن مالك، عند النسائيّ، بلفظ: "وإنها أَبُو تكلّمت" تصحيفٌ، وظاهره أنها لم تتكلّم، فلم تتصدّق، لكن في "الموطّأ" عن سعيد بن عمرو بن شُرَحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جذه، قال: "خرج سعد بن عبادة مع النبيّ -ﷺ- في بعض
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٨٩ - ٩٠.
[ ١٩ / ٣٠٩ ]
مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، قيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ المال مال سعد، فتُوفّيت قبل أن يقدم سعد"، فذكر الحديث، فإن أمكن تأويل رواية الباب بان المراد أنها لم تتكلّم؛ أي: بالصدقة، "ولو تكلّمت لتصدّقت"؛ أي: فكيف أُمْضِي ذلك؟، أو يُحْمَل على أن سعدًا ما عَرَف بما وقع منها، فإن الذي روى هذا الكلام في "الموطّأ" هو سعيد بن سعد بن عبادة، أو ولده شُرَحبيل مرسلًا، فعلى التقديرين لم يتّحد راوي الإثبات، وراوي النفي، فيمكن الجمع بينهما بذلك، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: رواية "الموطّأ" التي ذكرها هي رواية النسائيّ أيضًا.
وحاصل الجواب أن المراد أنها لم تتكلّم بصدقة شيء معيّن، وإنها لما قيل لها: أوصي، قالت: الوصيّة تعتمد على المال الموصى به، وليس لي ذلك، وإنما هو لسعد، فلما جاء سعد -ﷺ- بعد موتها، وأُخبر بما قالت: أراد أن يتصدّق عنها، فسأل رسول الله -ﷺ- عن ذلك، فأمره به.
والحاصل أن دعوى التصحيف في رواية النسائيّ المذكورة غير صحيحة؛ للجمع بين الروايتين بما ذكر، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(أفَلَهَا أَجْز اِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟) قال القرطبيّ ﵀: الرواية الصحيحة بكسر الهمزة من "إِنْ " على الشرطيّة، ولا يصحّ قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عمّا لم يفعله. انتهى (^١).
وفي الرواية الآتية في "الوصايا" من طريق يحيى القطّان، عن هشام: "فَلِي أَجْر أَنْ أَتَصَدقَ عنها؟ "، وفي رواية النسائيّ: "هل ينفعها أن أتصدّق عنها؟ "، ووقع في بعض الروايات بلفظ: "أتصدّق عليها، أو أصرفه على مصلحتها؟ " (قَالَ) -ﷺ- "نَعَمْ") زاد في رواية النسائيّ: "فَتَصَدَّقَ عَنْهَا"، وفي رواية له: "فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سمّاه"، وفي رواية ابن عبّاس -﵄- عنده: "قال: فإن لي مَخْرَفًا، فأُشهدك أني قد تصدّقت به عنها"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٤٩.
[ ١٩ / ٣١٠ ]
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٥/ ٢٣٢٦ و٢٣٢٧] (١٠٠٤)، وفي "الوصايا" (٣٦٥٠)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٨٨)، و"الوصايا" (٢٧٦٠)، و(أبو دا ود) في "الوصايا" (٢٨٨١)، و(النسائيّ) في "الوصايا" (٣٦٧٦)، وفي "الكبرى" (٦٤٧٦)، و(ابن ماجه) في "الوصايا" (٢٧١٧)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه " (٧/ ٧١ و٩/ ٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٥٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٥١)، و(مالك) في "الموطأ" في "الأقضية" (٢/ ٧٦٠)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١/ ١١٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٧/ ٤١٠)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٢٤٩٩)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٤)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢١٧)، و(الحاكم) في "مستدركه" (١/ ٤٢٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٧٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان استحباب الصدقة لمن مات فَجْأة.
٢ - (ومنها): جواز الصدقة عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولا سيّما إن كان من الولد، وهو مخصّص لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، ويلتحق بالصدقة العتق عنه.
وقال في "العمدة": دل الحديث على أن تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، على الخصوص.
قال ابن المنذر: أما العتق عن الميت فلا أعلم فيه خبرًا ثبتٌ عن رسول الله -ﷺ-، وقد ثبتٌ عن عائشة -﵂- أنها أعتقت عبدًا عن أخيها عبد الرحمن، وكان مات ولم يوص، وأجاز ذلك الشافعي، قال بعض أصحابه: لمّا جاز أن يتطوع بالنفقة، وهي مال، فكذا العتق، وفَرَّق غيره بينهما، فقال: إنما أجزناها للأخبار الثابتة، والعتق لا خير فيه، بل في
[ ١٩ / ٣١١ ]
قوله -ﷺ-: "الولاء لمن أعتق" دلالة على منعه؛ لأن الحيّ هو المعتق بغير أمر الميت، فله الولاء؛ إذا ثبتٌ له الولاء فليس للميت منه شيء.
وتعُقّب قوله: "والعتق لا خير فيه" بأنه ليس بصحيح؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبيّ -ﷺ-: إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أُعتق عنها؛ قال: "نعم لما، فدل على أن العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة -﵂- الذي سبق. انتهى (^١)، وهو بحث جيّد، وسيأتي تمام البحث في هذه المسألة مستوفى في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
٣ - (ومنها): أن ترك الوصيّة جائزٌ؛ لأنه -ﷺ- لم يذُمّ أم سعد على ترك الوصيّة، قاله ابن المنذر.
وتُعُقّب بأن الإنكار عليها قد تعذّر لموتها، وسقط عنها التكليف.
وأجيب بأن فائدة إنكار ذلك أَبُو كان منكرًا ليتّعظ غيرها ممن سمعه، فلما أقز على ذلك دلّ على الجواز.
٤ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة -﵃- من استشارة النبيّ -ﷺ- في أمور الدين.
٥ - (ومنها): العمل بالظنّ الغالب؛ لقوله: "وأظنّها أَبُو تكلّمت تصدّقت".
٦ - (ومنها): مشروعيّة الجهاد في حياة الأمّ، وهو محمول على أنه استأذنها؛ لأن أم سعد ماتت وهو مع النبيّ -ﷺ- في غزوة دومة الجندل، كما سبق قريبًا.
٧ - (ومنها): السؤال عن التحمّل، والمسارعة إلى عمل البرّ، والمبادرة إلى برّ الوالدين.
٨ - (ومنها): أن إظهار الصدقة قد يكون خيرًا من إخفائها، وهو عند اغتنام صدق النيّة فيه.
٩ - (ومنها): أن للحاكم تحمّل الشهادة في غير مجلس الحكم، نبّه على ذلك أبو محمد بن أبي جمرة ﵀، ونقله الحافظ في "الفتح"، وقال: وفي بعضه نظرٌ لا يخفى، وكلامه على أصل الحديث، وهو في حديث ابن
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٥٥ - ٥٦.
[ ١٩ / ٣١٢ ]
عباس (^١) أبسط من حديث عائشة -﵂-، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وصول ثواب الصدقة وغيرها إلى الميت:
قال الإمام ابن عبد البرّ ﵀: وهذا الحديث مُجْمَع على القول بمعناه، ولا خلاف بين العلماء أن صدقة الحي عن الميت جائزة، مَرْجُوٌّ نفعُها وقبولها؛ إذا كانت من طَيِّب، فإن الله لا يقبل إلا الطيب، وليس الصدقة عندهم من باب عمل البدن في شيء، فلا يجوز لأحد أن يصلي عن أحد، وجائز له أن يتصدق عن وليّه، وعن غيره، وهذا مما ثبتت به السنة، ولم تختلف فيه الأمة. انتهى (^٢).
وقال النوويّ ﵀: في هذا الحديث أن الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء، وقضاء الدَّين بالنصوص الواردة في الجميع، ويصحّ الحج عن الميت إذا كان حج الإسلام، وكذا إذا وصّى بحجّ التطوع على الأصح عندنا، واختَلَف العلماء في الصوم إذا مات وعليه صوم، فالراجح جوازه عنه؛ للأحاديث الصحيحة فيه، والمشهور في مذهبنا أن قراءة القرآن لا يصله ثوابها، وقال جماعة من أصحابنا: يصله ثوابها، وبه قال أحمد بن حنبل. وأما الصلاة، وسائر الطاعات، فلا تصله عندنا، ولا عند الجمهور، وقال أحمد: يصله ثواب الجميع، كالحج. انتهى (^٣).
_________________
(١) حديث ابن عباس -﵄- هو ما أخرجه النسائيّ بسند صحيح من طريق مالك، عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج سعد بن عبادة مع النبيّ -ﷺ- في بعض مغازيه، وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصى، فقالت: فيم أُوصِي؟، المال مال سعد، فتُوُفِّيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد ذُكِر ذلك له، فقال: يا رسول الله هل ينفعها أن أتصدق عنها؛ فقال النبيّ -ﷺ-: "نعم"، فقال سعد: حائط كذا وكذا صدقة عنها، لحائط سماه. انتهى.
(٢) "التمهيد" لابن عبد البر ﵀ ٢٢/ ١٥٣ - ١٥٤.
(٣) "شرح النووي" ٧/ ٩٠.
[ ١٩ / ٣١٣ ]
وقال الشوكانيّ ﵀: وأحاديث الباب تدلّ على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما، ويصل إليهما ثوابها، فيُخَصَّص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد، وقد ثبتٌ أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص، وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت، فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها.
وقد اختُلِف في غير الصدقة من أعمال البرّ، هل يصل إلى الميت؟ فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شيء، واستدلوا بعموم الآية، وقال في "شرح الكنز": إن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان، أو صومًا، أو حجًّا، أو صدقة، أو قراءةَ قرآن، أو غير ذلك من جميع أنواع البرّ، وَيصِلُ ذلك إلى الميت، وينفعه عند أهل السنة. انتهى.
والمشهور من مذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن، وذهب أحمد بن حنبل، وجماعة من العلماء، وجماعة من أصحاب الشافعيّ إلى أنه يصل، كذا ذكره النوويّ في "الأذكار".
وفي "شرح المنهاج " لابن النحويّ: لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور، والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته، وينبغي الجزم به؛ لأنه دعاء، فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي، فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه موقوفًا على استجابة الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال، والظاهر أن الدعاء مُتَفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد، بوصية وغيرها، وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. انتهى.
وقد حَكَى النوويّ في "شرح مسلم" الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت، وكذا حَكَى أيضًا الإجماع على أن الصدقة تقع عن الميت، ويصل ثوابها، ولم يقيد ذلك بالولد، وحَكَى أيضًا الإجماع على لحوق قضاء الدين.
قال الشوكانيّ ﵀: والحق أنه يُخَصَّص عموم الآية بالصدقة من الولد، كما في أحاديث الباب، وبالحج من الولد، كما في خبر الخثعمية، ومن غير
[ ١٩ / ٣١٤ ]
الولد أيضًا، كما في حديث المحرم عن أخيه شُبْرُمة، ولم يستفصله -ﷺ-، هل أوصى شُبْرُمةُ أم لا؟، وبالعتق من الولد، كما وقع في البخاريّ في حديث سعد، خلافًا للمالكية على المشهور عندهم، وبالصلاة من الولد أيضًا؛ لما رَوَى الدارقطنيّ أن رجلًا قال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان أبرّهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال -ﷺ-: "إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك".
قال الجامع عفا الله عنه: حديث: "إن من البرّ … إلخ " ضعيف؛ لانقطاع سنده، كما تقدّم تحقيقه في "شرح المقدّمة"، فتنبّه.
قال: وبالصيام من الولد؛ لهذا الحديث (^١)، ولحديث عبد الله بن عمرو -﵄- (^٢).
ولحديث ابن عباس -﵄- عند البخاريّ ومسلم: أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، وعليها صوم نذر؟، فقال: "أرأيت أَبُو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك".
وأخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ من حديث بُريدة -﵁- أن امرأة قالت: إنه كان على أمي صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها".
ومن غير الولد أيضا؛ لحديث: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه"، متفق عليه من حديث عائشة -﵂-.
وبقراءة ﴿يس (١)﴾ من الولد وغيره؛ لحديث: "اقرؤوا على موتاكم يس".
قال الجامع عفا الله عنه: حديث "اقرؤوا على موتاكم يس" أخرجه
_________________
(١) أي: حديث: "إن من البرّ بعد البرّ إلخ".
(٢) هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" (٦٦٦٥)، وأبو داود في "سننه" (٢٨٨٣) بإسناد صحيح، من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يَنْحَر مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نحر حصته خمسين بدنةَ، وأن عمرًا سأل النبيّ -ﷺ- عن ذلك، فقال: "أما أبوك فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك".
[ ١٩ / ٣١٥ ]
أحمد، وأبو داود، وهو ضعيفٌ؛ لأن في سنده أبا عثمان رجل مجهول، كما قال ابن المدينيّ وغيره، فتنبّه.
قال: وبالدعاء من الولد؛ لحديث: "أو ولد صالح يدعو له"، ومن غيره؛ لحديث: "استغفروا لأخيكم، وسَلُوا له التثبيت، فإنه الَان يسأل"، أخرجه أبو داود بإسناد حسن، ولحديث فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، ولما ثبتٌ من الدعاء للميت عند الزيارة، كحديث بُريدة عند مسلم، وأحمد، وابن ماجه، قال: كان رسول الله -ﷺ- يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: "السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، هانا إن شاء الله بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية".
وبجميع ما يفعله الولد لوالديه، من أعمال البر؛ لحديث: "ولدُ الإنسان من كسبه"، أخرجه أحمد، وأصحاب "السنن" بإسناد صحيح.
وكما تُخَصِّص هذه الأحاديث الآية المتقدمة، كذلك يُخَصَّصُ حديثُ أبي هريرة -﵁- عند مسلم، وأهل "السنن" قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فإنه ظاهره أنه ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائنًا ما كان.
وقد قيل: إنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الأدلة غيرُها، فَيَلْحَق الميت كلُّ شيء فعله غيره.
وقال في "شرح الكنز": إن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الآية [الطور: ٢١].
وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه.
وقيل: ليس له من طريق العدل، وهو له من طريق الفضل، وقيل: اللام بمعنى "على" كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الآية [غافر: ٥٢]؛ أي: وعليهم. انتهى كلام الشوكانيّ ﵀ بزيادة (^١).
_________________
(١) راجع: "نيل الواطار" ٤/ ١٤٢ - ١٤٣.
[ ١٩ / ٣١٦ ]
وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيميّة ﵀ في تحقيق هذه المسألة، ودونك نصّ البحث في "مجموع الفتاوى":
وسئل ﵀ عن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]؛ وقوله -ﷺ-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له"، فهل يقتضي ذلك إذا مات لا يصلُ إليه شيء من أفعال البر؟.
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، ليس في الآية، ولا في الحديث أن الميت لا ينتفع بدعاء الخلق له، وبما يُعمَل عنه من البرّ، بل أئمة الإسلام متفقون على انتفاع الميت بذلك، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام، وقد دَلَّ عليه الكتاب، والسنة، والإجماع، فمَن خالف ذلك كان من أهل البدع.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ الآية [غافر: ٧].
فقد أخبر سبحانه أن الملائكة يدعون للمؤمنين بالمغفرة، ووقاية العذاب، ودخول الجنة، ودعاء الملائكة ليس عملًا للعبد.
وقال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]، وقال الخليل ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ [إبراهيم: ٤١]، وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [نوح: ٢٨]، فقد ذكر استغفار الرسل للمؤمنين أمرًا بذلك، وإخبارًا عنهم بذلك.
ومن السنن المتواترة التي من جحدها كَفَرَ صلاة المسلمين على الميت، ودعاؤهم له في الصلاة، وكذلك شفاعة النبي -ﷺ- يوم القيامة، فإن السنن فيها متواترةٌ، بل لم ينكر شفاعته -ﷺ- لأهل الكبائر إلا أهل البدع، بل قد ثبتٌ أنه يشفع لأهل الكبائر، وشفاعته دعاؤه، وسؤاله الله ﵎، فهذا وأمثاله من القرآن، والسنن المتواترة، وجاحد مثل ذلك كافرٌ بعد قيام الحجة عليه.
والأحاديث الصحيحة في هذا الباب كثيرةٌ، مثل ما في الصحاح عن ابن
[ ١٩ / ٣١٧ ]
عباس -﵄- أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ-: إن أمي توفيت، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: "نعم"، قال: إن لي مَخْرَفًا -أي: بستانًا- أشهدكم أني تصدقت به عنها.
وفي "الصحيحين" عن عائشة -﵂- أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ-: إن أمي افتُلِتت نفسُها، ولم توص، وأظنها أَبُو تكلمت تصدقت، فهل لها أجرٌ إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم".
وفي "صحيح مسلم" عن أبى هريرة -﵁- أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ-: إن أبي مات، ولم يوص أينفعه إن تصدقت عنه؟ قال: "نعم".
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- أن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن يذبح مائة بدنة، وأن هشام بن العاص نَحَر حصته خمسين، وأن عمرًا سال النبيّ -ﷺ- عن ذلك، فقال: "أما أبوك فلو أقرّ بالتوحيد، فصمت عنه، أو تصدقت عنه، نفعه ذلك" (^١).
وفي "سنن الدارقطنيّ" أن رجلًا سأل النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول الله إنه كان لي أبوان، وكنت أبرّهما حال حياتهما، فكيف لي ببرّهما بعد موتهما؟ فقال النبيّ -ﷺ-: "إن من البرّ بعد البرّ أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك، وأن تصدّق لهما مع صدقتك".
وقد ذكر مسلم في أول كتابه، عن أبي إسحاق الطالقانيّ، قال: قلت لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: ة إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صيامك "؟ (^٢) قال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قلت له: هذا من حديث شهاب بن خِرَاش، قال: ثقةٌ، قال: عمن؟ قالت: عن الحجاج بن دينار، فقال: ثقةٌ، قال: عمن؟ قلت: عن رسول الله -ﷺ-، قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج وبين رسول الله -ﷺ- مفاوز تقطع فيها أعناق المطيّ، ولكن ليس في الصدقة اختلاف، والأمر كما ذكره عبد الله بن المبارك، فمان هذا الحديث مرسل.
والأئمة اتفقوا على أن الصدقة تَصِلُ إلى الميت، وكذلك العبادات المالية، كالعتق، صوانما تنازعوا في العبادات البدنية، كالصلاة، والصيام،
_________________
(١) تقدّم أنه حديث صحيح.
(٢) تقدّم أنه ضعيف؛ للانقطاع.
[ ١٩ / ٣١٨ ]
والقراءة، ومع هذا ففي "الصحيحين" عن عائشة -﵂-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "من مات وعليه صيام، صام عنه وليّه".
وفي "الصحيحين"، عن ابن عباس -﵄- أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، وعليها صيام نذر؟، قال: "أرأيتِ إن كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟ " قالت: نعم، قال: "فصومي عن أمك".
وفي "الصحيح" عنه أن امرأة جاءت إلى رسول الله -ﷺ-، فقالت: إن أختي ماتت، وعليها صوم شهرين متتابعين؟، قال: "أرأيتِ أَبُو كان على أختك دين، أكنت تقضيه؟ " قالت: نعم، قال: "فحقُّ الله أحقّ".
وفي "صحيح مسلم" عن عبد الله بن بُريدة بن حصيب، عن أبيه أن امرأة أتت رسول الله -ﷺ-، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها صوم شهر، أفيجزي عنها أن أصوم عنها؟ قال: "نعم".
فهذه الأحاديث الصحيحة صريحة في أنه يصام عن الميت ما نَذَر، وأنه شَبَّهَ ذلك بقضاء الدين، والأئمة تنازعوا في ذلك، ولم يخالف هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة مَن بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وقد تقدَّم حديث عمرو -﵁- بأنهم إذا صاموا عن المسلم نفعه، وأما الحج فيجزي عند عامتهم، ليس فيه إلا اختلاف شاذّ.
وفي "الصحيحين" عنِ ابن عباس -﵄- أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبيّ -ﷺ-، فقالت: إن أمي نَذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ فقال: "حجي عنها، أرأيت أَبُو كان على أمك دين، أكنت قاضيته عنها؟، اقضوا الله، فالله أحقّ بالوفاء".
وفى رواية البخاريّ: "إن أختي نذرت أن تحج"، وفى "صحيح مسلم" عن بُرَيدة -﵁- أن امرأة قالت: يا رسول الله إن أمي ماتت، ولم تحج، أفيجزي أو يقضي أن أحج عنها" قال: "نعم".
ففي هذه الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- أمر بحج الفرض عن الميت، وبحج النذر، كما أمر بالصيام، وأن المأمور تارة يكون ولدًا، وتارة يكون أخًا، وشَئه النبيّ -ﷺ- ذلك بالذين يكون على الميت، والدَّين يصح قضاؤه من
[ ١٩ / ٣١٩ ]
كل أحد، فدلّ على أنه يجوز أن يُفعل ذلك من كل أحد، لا يختص ذلك بالولد، كما جاء مصرحًا به في الأخ.
فهذا الذي ثبتٌ بالكتاب، والسنة، والإجماع عِلْمٌ مُفَصَّل مُبَيَّن، فعُلم أن ذلك لا ينافي قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وقوله -ﷺ-: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث … "، بل هذا حقّ، وهذا حق.
أما الحديث فإنه قال: "انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقةٍ جاريةٍ، أو علم يُنتفَع به، أو ولدٍ صالح يدعو له"، فذكر الولد ودعاؤه له خاصين؛ لأن الولد من كسبه، كما قال: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾ [المسد: ٢]، قالوا: إنه ولده، وكما قال النبيّ -ﷺ-: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه" (^١)، فلما كان هو الساعي في وجود الولد، كان عمله من كسبه، بخلاف الأخ، والعم، والأب، ونحوهم، فإنه ينتفع أيضًا بدعائهم، بل بدعاء الأجانب، لكن ليس ذلك من عمله، والنبيّ -ﷺ- قال: "انقطع عمله إلا من ثلاث"، لم يقل: إنه لم ينتفع بعمل غيره، فإذا دعا له ولده كان هذا من عمله الذي لم ينقطع، وإذا دعا له غيره لم يكن من عمله، لكنه ينتفع به.
وأما الآية فللناس عنها أجوبة متعددةٌ، كما قيل: إنها تختص بشرع من قبلنا، وقيل: إنها مخصوصة، وقيل: إنها منسوخةٌ، وقيل: إنها تنال السعي مباشرة وسببًا، والإيمان من سعيه الذي تسبب فيه، ولا يحتاج إلى شيء من ذلك، بل ظاهر الآية حقّ، لا يخالف بقية النصوص، فإنه قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وهذا حق، فإنه إنما يستحق سعيه، فهو الذي يملكه وششحقه، كما أنه إنما يملك من المكاسب ما اكتسبه هو، وأما سعي غيره فهو حقّ وملك لذلك الغير لا له، لكن هذا لا يمنع أن ينتفع بسعي غيره، كما ينتفع الرجل بكسب غيره.
فـ"من صلى على جنازة فله قيراط"، فيثاب المصلي على سعيه الذي هو صلاته، والميتُ أيضًا يُرْحَم بصلاة الحيّ عليه، كما قال: "ما من مسلم يموت، فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة"، وُيرْوَى
_________________
(١) تقدّم أنه صحيح.
[ ١٩ / ٣٢٠ ]
"أربعين"، ويُروى "ثلاثة صفوف، ويشفعون فيه إلا شفّعوا فيه"، أو قال: "إلا غُفِر له"، فالله تعالى يثيب هذا الساعي على سعيه الذي هو له، ويرحم ذلك الميت بسعي هذا الحيّ لدعائه له، وصدقته عنه، وصيامه عنه، وحجه عنه.
وقد ثبتٌ في "الصحيح" عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "ما من جل يدعو لأخيه دعوةً إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه دعوةً قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثله"، فهذا من السعي الذي ينفع به المؤمن أخاه، يثيب الله هذا، ويرحم هذا، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، وليس كل ما ينتفع به الميت أو الحيّ أو يرحم به يكون من سعيه، بل أطفال المؤمنين يدخلون الجنة مع آبائهم بلا سعي، فالذي لم يجز إلا به أخصّ من كل انتفاع؛ لئلا يطلب الإنسان الثواب على غير عمله، وهو كالدَّين يوفيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، لكن ليس له ما وفى به الدَّين، وينبغي له أن يكون هو الموفي له، والله أعلم. انتهى كلام شيخ الإسلام ﵀ (^١)، وهو تحقيق نفيش جدًّا.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي ظهر لي بعد النظر فيما سبق من أقوال أهل العلم وأدلّتهم أن ما جاء النصّ بمشروعيّته، كالصدقة، والعتق، والحجّ، والصوم، والدعاء فالحقّ أنه يصل إلى الميت؛ عملًا بالنصوص الكثيرة الواردة بذلك، وأما ما لم يرد النصّ بمشروعيّته، كقراءة القرآن، ونحو ذلك، فلا ينبغي قياسه على المشروع؛ لعدم ثبوته عن النبيّ -ﷺ-، ولا عن السلف، فإنهم كانوا أحرص الناس على الخير، ومع ذلك فلم يُنقل عنهم، فتبصّر بالإنصاف، وقد تقدّم هذا التحقيق في "شرح المقدّمة" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع، والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثنَا أَبو أسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَني عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٢٤/ ٣٠٦ - ٣١٣.
(٢) راجع: "قرّة عين المحتاج" ٢/ ٨٨ - ٨٩.
[ ١٩ / ٣٢١ ]
مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثنا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، كلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي أسَامَةَ: "وَلَمْ تُوصِ"، كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرٍ، وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ الْبَاقُونَ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْب) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيًدٍ) القطّان، تقدّم قريبًا.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) السعديّ المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٢.
٤ - (الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى) بن أبي زُهير البغداديّ، أبو صالح الْقَنْطريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٢) خت م مد س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٤.
٥ - (شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الرحمن الأمويّ مولاهم البصريّ، ثم الدمشقيّ، ثقةٌ، رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٨٩) (خ م د س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣٤/ ١٤١٨.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإسنادِ) الضمير ليحيى القطّان، وأبي أسامة، وعليّ بن مُسهر، وشُعيب بن إسحاق، كلّ هؤلاء الأربعة رووا عن هشام بن عروة بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد القطّان، عن هشام، ساقها الإمام أحمد ﵀ في "مسنده"، فقال:
(٢٣٧٣٠) - حدّثنا يحيى، قال: أخبرنا هشام، قال: أخبرني أبي، قال: أخبرتني عائشة، أن رجلًا قال للنبيّ -ﷺ- إن أمي افتُلِتَتْ نفسُها، وأظنها أَبُو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن أتصدق عنها؟ قال: "نعم". انتهى.
وأما رواية أبي أسامة، عن هشام، فساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال:
(٢٧١٧) - حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رجلًا أتى النبي -ﷺ-، فقال: إن أمي افتُلِتَتْ
[ ١٩ / ٣٢٢ ]
نفسُها، ولم توص، وإني أظنها أَبُو تكلمت لتصدقت، فلها أجر إن تصدقت عنها؟ ولي أجر؟ قال: "نعم". انتهى.
وأما رواية عليّ بن مسهر، عن هشام، فلم أر من ساقها، فليُنظر.
وأما رواية شعيب بن إسحاق، عن هشام، فساقها أبو نعيم في "مستخرجه" متابعةً، فقال (٣/ ٨٤):
(٢٢٥٤) - حدّثنا جعفر بن محمد، ثنا أبو حصين الوادعيّ، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عبد العزيز، عن هشام بن عروة، عن أبيه (ح) وثنا أبو بكر بن مالك، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا يحيى بن سعيد، ثنا هشام، أخبرني أبي، أخبرتني عائشة، أن رجلًا قال (ح) وثنا محمد بن إبراهيم، ثنا سعيد بن هشام، ثنا عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم، ثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبيّ -ﷺ-، فقال: يا رسول الله إن أمي افتُلِتَت، وأظنها أَبُو تكلمت لتصدقت، فهل من أجر أن أتصدق عنها؛ فقال النبيّ -ﷺ-: "نعم"، قال: لفظ عبد العزيز (^١). انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.