وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٨٦] (٩٤٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ -لَعَلَّهُ قَالَ-: تُقَدِّمُونَهَا عَلَيْهِ (^١)، وَإِنْ تَكُنْ (^٢) غَيْرَ ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيِ شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين.
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قبل باب.
٥ - (سَعِيدُ) بن المسيّب، تقدّم قريبًا.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁-، تقدّم أيضًا قريبًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه شيخان قرن
_________________
(١) وفي نسخة: "إليه".
(٢) وفي نسخة: "وإن تك".
[ ١٨ / ٣٦٤ ]
بينهما؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهما، ثم فرّق؛ لاختلافهما في صيغة الأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه، فما أخرج لهما الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول كوفيّ، والثاني نساليّ، ثم بغداديّ، وابن عيينة كوفيّ، ثم مكيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن هذا الإسناد مما قيل فيه: إنه أصحّ أسانيد أبي هريرة -﵁-.
٦ - (ومنها): أن سعيدًا أحد الفقهاء السبعة، وأبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) وفي رواية النسائيّ: "يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- "؛ أي: يرفع هذا الحديث، فيوصله إلى النبيّ -ﷺ-، والجملة في محل نصب على الحال، وهذه العبارة من صِيَغ الرفع حكمًا.
قال الحافظ وليّ الدين ﵀ ما حاصله: أخرج هذا الحديث الأئمة الستة من هذا الوجه، من رواية سفيان بن عُيينة، عن الزهريّ، عن سعيد، عن أبي هريرة، وفي روايتهم التصريح برفعه إلى النبيّ -ﷺ-، إلا أن في رواية أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ: "يبلغ به النبيّ -ﷺ- "، كما هو اللفظ الأخير هنا (^١)، وقوله في اللفظ الأول هنا: "روايةً" كناية عن الرفع إلى النبيّ -ﷺ- بلا خلاف أعلمه. انتهى (^٢).
(قَالَ) -ﷺ-: ("أَسْرِعُوا) بهمزة القطع، أمر من الإسراع، والمرد به الإسراع المتوسط بين شدة السعي، وبين المشي المعتاد، بدليل حديث أبي بكرة -﵁-:
_________________
(١) يعني: اللفظ الواقع في متن "تقريب الأسانيد" لوالده الحافظ العراقيّ الذي شرح هو بعضه، وبعضه لوالده في شرح مفيد جدًّا، أعتمد عليه كثيرًا في هذا الشرح، وفي "شرح النسائيّ"، وقد سمّاه "طرح التثريب في شرح التقريب".
(٢) "طرح التثريب" ٣/ ٢٨٨.
[ ١٨ / ٣٦٥ ]
"لقد رأيتنا مع رسول الله -ﷺ-، وإنا لنكاد نَرْمُلُ بالجنازة رملًا" (^١)؛ إذ مقاربة الرمل ليس بالسعي الشديد، كما قاله الحافظ العراقيّ ﵀، وسيأتي أقوال أهل العلم في الإسراع بالمشي في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى-.
(بِالْجَنَازَةِ) أي: بحملها، متعلق بـ "أسرعوا"، قال العلامة ابن الملقّن ﵀: من قال: الجنازة بالفتح للميت، وبالكسر للنعش، كما قدّمنا أول الباب يتعيّن عنده هنا قراءة قوله: "أسرعوا بالجنازة" بالفتح؛ لأن المقصود الإسراع بالميت، لا النعش، ويدلّ على ذلك آخر الحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن المناسب هنا الكسر؛ لأن الجِنَازة بالكسر اسم للنعش، وعليه الميت، كما هو القول الراجح من أقوال أهل اللغة، والمقصود هنا الإسراع بالنعش، وعليه الميت؛ إذ لا معنى للإسراع بحمل الميت إلا مع النعش، فليتنبّه، والله تعالى أعلم.
قال: المراد بالإسراع هنا الإسراع بالميت، كما قلناه، فيتضمّن الأمر بحمله إلى قبره، وهو فرض كفاية. وقيل: المراد به الإسراع بتجهيزه بعد موته، لئلا يتغيّر، والأول أظهر، وعليه الجمهور.
قال النوويّ ﵀: والثاني باطل، مردود بقوله -ﷺ-: "فشرّ تضعونه عن رقابكم".
وقال القرطبيّ ﵀: لا يبعد أن يكون كلّ واحد منهما مطلوبًا؛ إذ مقتضاه مطلق الإسراع، فإنه -ﷺ- لم يقيّده بقيد.
وقال الفاكهيّ: ما ردّه النوويّ جمود على ظاهر لفظ الحديث، وإلا فيَحْتَمِل حمله على المعنى، فإنه قد يُعبّر بالحمل على الظهر، أو العنق عن المعاني، دون الذوات، فيقال: حمل فلان على ظهره، أو على عنقه ذنبًا، أو نحو ذلك، ليكون المعنى في قوله -ﷺ-: "فشرّ تضعونه عن رقابكم": إنكم تستريحون من نظر من لا خير فيه، أو من مجالسته، ونحو ذلك، فلا يكون في الحديث دليل على ردّ قول هذا القائل، ويقوّي هذا الاحتمال أن كلّ حاضري
_________________
(١) هذا قاله لما رأى قومًا حاملين الجنازة يمشون متباطئين، فأنكر عليهم ذلك، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، (١٩١٢)، راجع: شرحي على النسائيّ ١٩/ ٨٣ - ٨٦.
[ ١٨ / ٣٦٦ ]
الميت لا يحملونه، إنما يحمله القليل منهم، لا سيّما اليوم، فإنما يحمله في الغالب مَن لا تعلّق له به. انتهى (^١).
قال الحافظ ﵀: ويؤيّده -يعني كلام الفاكهيّ- حديث ابن عمر -﵄-، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إذا مات أحدكم، فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى قبره"، أخرجه الطبرانيّ بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وَحْوَح، مرفوعًا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله … " الحديث. انتهى (^٢).
وقال ابن قدامة ﵀: هذا الأمر بالإسراع للاستحباب، بلا خلاف بين العلماء، وشذّ ابن حزم، فقال بوجوبه. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أنه لا وجه للردّ على ابن حزم ﵀؛ لأن ظاهر النصّ معه؛ إذ هوأمر، والأمر للوجوب، إلا لدليل يصرفه إلى غيره، ولا دليل ذكروه هنا، إلا دعوى الإجماع الذي أشار إليه، فإن صحّ فذاك، وإلا فما قاله ابن حزم هو الحقّ، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(فَإِنْ تَكُ) بحذف النون، والأصل "تكون"، فدخل الجازم، فأسكن النون، فاجتمع ساكنان، الواو والنون، فحذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ثم حُذفت النون تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، وإلى هذا أشار ابن مالك في "الخلاصة" بقوله:
وَمِنْ مُضَارعٍ لِكَانَ مُنْجَزِمْ … تُحْذَفُ نُونٌ وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
واسم "تك" المستتر يعود إلى الجنازة بمعنى الجثّة المحمولة، قال الطيبيّ: جُعلت الجنازة عين الميت، وجُعلت الجنازة التي هي مكان الميت مقدّمة إلى الخير الذي كُني به عن عمله الصالح، مبالغةً، كما قوله:
مَا دَرَى نَعْشُهُ وَلَا حَامِلُوهُ … مَا عَلَى النَّعْشِ مِنْ عَفَافٍ وَجُودِ
قال: ولما لاحظ في جانب العمل الصالح هذا قابل قرينها بوضع الشرّ عن الرقاب، وكان أثر عمل الرجل الصالح راحةً له، فأمر بإسراعه إلى ما
_________________
(١) "الإعلام بفوائدة عمدة الأحكام" ٤/ ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٢) "الفتح" ٣/ ٥٣٩.
[ ١٨ / ٣٦٧ ]
يستريح إليه، وأثر عمل الرجل الطالح مشقّة عليهم، فأمر بوضع جيفته عن رقابهم، فالضمير في "إليه" راجع إلى الخير باعتبار الثواب، أو الإكرام. انتهى (^١).
(صَالِحَةً) بالنصب على أنه خبر "تك" (فَخَيْرٌ) الظاهر أن التنوين فيه، وفي "شرّ" للتعظيم؛ أي: خيرٌ عظيمٌ، وشرٌّ عظيمٌ.
قال العلامة ابن الملقّن ﵀: "خير"، و"شرّ" فيه إعرابان:
الأول: أن يكونا مبتدأين، والخبر محذوف؛ أي: فلها خير، ولها شرّ، وساغ الابتداء بالنكرة؛ لكون فاء الجزاء وليتهما، فهما من باب قولهم: إن مضى عَيْرٌ، فعَيْرٌ في الرباط.
الثاني: أن يكونا خبرين محذوفي المبتدأ، والتقدير: فهي، وهي؛ أي: ذات خير، وذات شرّ.
وأما الجملتان اللتان بعدهما، وهما "تقدّمونها"، و"تضعونها"، فصفة لهما. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "فخير" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهو خير، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: فلها خير، أو فهناك خير، ويؤيده رواية مسلم بلفظ: "قرّبتموها إلى الخير"، ويأتي في قوله بعدُ "فشرّ" نظير ذلك. انتهى.
وقال السنديّ: الظاهر أن التقدير: فهي خير؛ أي: الجنازة بمعنى الميت؛ لمقابلته بقوله: "فشرّ"، فحينئذ لا بدّ من اعتبار الاستخدام في ضمير "إليه" الراجع إلى الخير، ويمكن أن يقدّر: فلها خير، أو فهناك خير، لكن لا يُساعده المقابلة، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقوله: (لَعَلَّهُ قَالَ) هكذا رواية المصنّف هنا، بلفظ "لعله قال"، ورواية البخاريّ وغيره خالية عنه، ولفظ رواية يونس الآتية: "فإن كانت صالحة، قرّبتموها إلى الخير" (تُقَدِّمُونَهَا) بضمّ أوله، وتشديد الدال، من التقديم (عَلَيْهِ) وفي بعض النسخ: "إليه"؛ أي: إلى الخير الذي أعدّه الله لها من النعيم المقيم، وقال في "الفتح": الضمير راجع إلى الخير، باعتبار الثواب، قال ابن
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣٩٠ - ١٣٩١.
[ ١٨ / ٣٦٨ ]
مالك: رُوي: "تقدّمونه إليها" فانث الضمير على تأويل الخير بالرحمة، أو الحسنى. انتهى.
وقال القاري ﵀؛ أي: فإن كان حال ذلك الميت حسنًا طيّبًا، فأسرعوا به حتى يصل إلى تلك الحالة الطيّبة عن قريب. انتهى.
(وَإِنْ تَكُنْ) وفي بعض النسخ: "وإن تك" بحذف النون كالأول، وكلاهما جائز، كما أسلفته آنفًا في قول ابن مالك ﵀:
وَهْوَ حَذْفٌ مَا الْتُزِمْ
(غَيْرَ ذَلِكَ) أي: غير صالحة؛ يعني: أنه إن كانت الجنازة غير صالحة (فَشَرٌّ) إعرابه كإعراب نظيره، وهو قوله: "فخير" الما ضي (تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ") أي: فلا مصلحة لكم في مصاحبتها، وملابستها؛ لأنها بعيدة عن رحمة الله تعالى.
[تنبيه]: في هذا الحديث تعليل الأمر بالإسراع بتقديم الصالحة إلى الخير، والتعجيل بوضع غير الصالحة عن الرقاب، وقد أشير في حديث آخر إلى تعليل بعلة أخرى، وهي مخالفة أهل الكتاب، أو اليهود خاصّة.
فقد أخرج الإمام أحمد ﵀ في "مسنده" عن أبي هريرة -﵁-، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا تبع جنازة، قال: "ابسطوا بها، ولا تَدِبُّوا دَبيب اليهود بجنائزها".
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة"، عن عمران بن حُصين -﵄-، أنه أوصى: "إذا أنا متّ، فأسرعوا، ولا تُهوّدوا، كما تُهوّد اليهود والنصارى".
وعن ابن عمر -﵄-، أنه سمع رجلًا يقول: ارفقوا بها رحمكم الله، فقال: هوّدوا، لتسرعوا بها، أو لأرجعنّ.
وعن إبراهيم النخعيّ: كان يقال: ابسطوا بجنائزكم، ولا تدبّوا بها دبّ اليهود، وعن علقمة: لا تدبّوا بالجنازة دبيب النصارى.
فهذه الآثار تبيّن سبب الأمر بالإسراع، ولا مانع من التعليل بالأمرين.
والحاصل أن السنّة الإسراع في المشي بالجنازة؛ لأجل ما دلّت عليه الأحاديث المذكورة، وسيأتي تمام البحث في أقوال العلماء في ذلك في المسألة الرابعة -إن شاء الله تعالى- والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
[ ١٨ / ٣٦٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتَّفَقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢١٨٦ و٢١٨٧ و٢١٨٨) (٩٤٤)، و(البخارفي) في "الجنائز" (١٣١٥)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٨١)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠١٥)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩١٠ و١٩١١) و"الكبرى" (٢٠٣٧ و٢٠٣٨)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٧٧)، و(مالك) في "الموطأ" (٥٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٠ و٢٨٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١١٢ و٢١١٣ و٢١١٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الأمر الإسراع بالجنازة، والمراد به الإسراع المتوسط الذي لا يُخشى معه سقوط الميت، ونحوه، لكن إن خُشي على الميت من التأخير تغيّر، أو انفجار، أو انتفاخ زيد في الإسراع، وعكسه، إن خُشِي من الإسراع أن يحدث انفجار مثلًا فلا يُسرع، قال الشافعيّ ﵀: فإن كان بالميت علّة، يُخاف أن يتنجّس منه شيء، أحببت أن يُرفق بالمشي. انتهى.
قال ابن الملقّن ﵀: وكَرِه بعضهم الإسراع، وهو محمول على الإسراع المحذور، قال: ولا تُؤخّر لزيادة مصلّين، ولا لانتظار أحد غير الوليّ، فيُنتظر لأجله، إن لم يُخَف تغيّرها. انتهى.
٢ - (ومنها): أنه يستدلّ به على أن حمل الجنازة يختصّ بالرجال؛ للإتيان فيه بضمير المذكّر، ولا يخفى ما فيه، قاله في "الفتح"، وقال ابن الملقّن ﵀: الخطاب بالإسراع للرجال، فإن النساء يضعفن عن الحمل، ورئما انكشف بعض أبدانهنّ. انتهى.
٣ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى دفن الميت، لكن بعد أن يُتَحَقّق أنه مات، أما مثل المطعون، والمفلوج، والمسبوت، فينبغي أن لا يُسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة؛ ليُتَحقّق موتهم، نبّه على ذلك ابن بزيزة.
٤ - (ومنها): أن فيه إكرام أهل الخير والصلاح؛ إذا ماتوا بالمبادرة إلى
[ ١٨ / ٣٧٠ ]
الوصول إلى جزاء ما قدّموه، من الأعمال الصالحة، وجزاؤها من فضل الله تعالى ورحمته.
٥ - (ومنها): أن فيه تقليل مصاحبة أهل الشرّ، إلا فيما شُرع عند موتهم، كتجهيزهم، ودفنهم، وذلك لبعدهم عن رحمة الله تعالى، فلا مصلحة في مصاحبتهم، وكذا ينبغي اجتناب مصاحبة أهل البَطَالة، وغير الصالحين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في مشروعية الإسراع بالجنازة، وفي حدّه:
قال الحافظ وفي الدين ﵀: حَكَى البيهقيّ في "المعرفة" عن الشافعيّ: أن الإسراع بالجنازة هو فوق سجيّة المشي، وحَكَى عنه ابن المنذر، وابن بطّال أنه سجيّة المشي، والأول أثبت، ويوافقه قول أصحابنا، وهذه عبارة الرافعيّ والنوويّ: المراد بالإسراع فوق المشي المعتاد، دون الخَبَب، وكذا قال الحنفيّة، وهذه عبارة صاحب "الهداية": ويمشون به مسرعين، دون الخبب، وحكى ابن قُدامة، عن القاضي، من الحنابلة أن المستحبّ إسراع، لا يخرج عن المشي المعتاد، قال: وهو قول الشافعيّ، قال: وقال أصحاب الرأي: يَخُبّ، ويرمُلُ.
وقال ابن المنذر بعد ذكره هذا الحديث: ورُوي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، قال: وقال الشافعيّ: يسرع بالجنازة إسراع السجيّة، مشي الماشي، قال: وقال أصحاب الرأي: العجلة أحبّ إلينا من الإبطاء بها.
وروى ابن أبي شيبة الوصيّةَ به عن عمر، وعمران بن حُصين، وأبي هريرة، وعلقمة، وأبي وائل، وعلي بن الحسين.
وعن أبي الصدّيق الناجيّ: إن كان الرجل ليتقطّع شِسْعُهُ في الجنازة، فما يدركها، وما يكاد أن يدركها. وعن ابن عمر: لَتُسرعنّ بها، أو لأرجعنّ. وعن الحسن، ومحمد أنهما كانا يعجبهما أن يسرع بالجنازة. وكان الحسن إذا رأى منهم إبطاء قال: امْضُوا، لا تحبسوا ميتكم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أباه أوصاه، فقال: إذا أنت حملتني على السرير، فامش بي مشيًا بين الماشيين.
[ ١٨ / ٣٧١ ]
وحَكَى الطحاوي في المسألة خلافًا، فحكى عن قوم أن السرعة بالجنازة أفضل، قال: وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وجمهور العلماء، قال: وخالفهم آخرون، وقالوا: المشي بها مشيًا ليّنًا أفضل.
وقال القاضي عياض: معنى هذا الإسراع عند بعضهم ترك التراخي في المشي بها، والتباطؤ، والزَّهْوِ في المشي، ويكره الإسراع الذي يشقّ على من تبعها، ويحرك الميت، وربما كان سبب خروج شيء منه، وعلى هذا حملوا نهي مَن نهى من السلف عن الدَّبيب بها دبيب اليهود، وأمر بالإسراع، وجمعوا بينه وبين من رُوي عنه النهي عن الإسراع، واستدلّوا بما جاء في الحديث مفسّرًا عنه -ﷺ-: "هو ما دون الْخَبَب" (^١)، وفي حديث آخر: "عليكم بالقصد في جنائزكم".
وهو قول جمهور العلماء، وأبي حنيفة، وأصحابه، والشافعيّ، وابن حبيب من أصحابنا، وحمل بعضهم ما جاء في ذلك من الآثار عن السلف على الخلاف في المسألة، والجمع بينهما على ما تقدّم. انتهى.
ورجّح القاضي عياض نفي الخلاف في المسألة، وأن من أمر بالإسراع أراد به المتوسّط، ومن نهى عنه أراد المفرط، ويوافق هذا كلام النوويّ، فإنه بعد أن نقل عن الشافعية وغيرهم استحباب الإسراع، قال: وجاء عن بعض السلف كراهة الإسراع، وهو محمول على الإسراع المفرط الذي يُخاف معه انفجارها، أو خروج شيء منها. انتهى.
قال الحافظ ولي الدين ﵀: ولنذكر الأحاديث في ذلك، فنقول:
رَوَى أبو داود بسند صحيح من رواية عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أنه كان في جنازة عثمان بن أبي العاص، وكنا نمشي مشيًا خفيفًا، فلَحِقَنا أبو بكرة، فرفع سوطه، وقال: "لقد رأيتنا، ونحن مع رسول الله -ﷺ- نرمُلُ رَمَلًا"، وفي رواية له: "في جنازة عبد الرحمن بن سمُرة"، بدل "عثمان بن أبي العاص"، ورواه النسائيّ، وقال في روايته: "عبد الرحمن بن سمُرة"، وقال: "وإنا لنكاد نَرْمُلُ بها رَمَلًا"، ورواه الحاكم في "مستدركه" مختصرًا بدون القصّة التي في أوله، بلفظ: "وإنا لنكاد"، وصحّح إسناده.
_________________
(١) سيأتي قريبًا أنه ضعيف.
[ ١٨ / ٣٧٢ ]
وروى أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه، من رواية أبي ماجدة، عن ابن مسعود، قال: سألنا رسول الله -ﷺ- عن المشي مع الجنازة؟، فقال: "ما دون الخبب" الحديث، قال الترمذيّ: حديث غريب، لا نعرفه من حديث ابن مسعود، إلا من هذا الوجه، وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّفه، وقال: قال الحميديّ: قال ابن عُيينة: قيل ليحيى: مَن أبو ماجدة هذا؟ قال: طائر طار، فحدّثنا.
وقال النوويّ: اتفقوا على ضعفه، وأن أبا ماجدة مجهول، منكر الحديث.
وفي "الصحيحين" عن عطاء، قال: حضرنا مع ابن عبّاس جنازة ميمونة -﵁- بسَرِفَ، فقال ابن عبّاس: "هذه ميمونة؛ إذا رفعتم نعشها، فلا تزعزعوه، ولا تزلزلوه، وارفُقُوا".
وفي "مصنّف ابن أبي شيبة" عن أبي موسى، قال: مُرّ على النبيّ -ﷺ- بجنازة، وهي تَمْخَضُ كما يمخض الزِّقُّ، فقال: "عليكم بالقصد في جنائزكم"، ورواه البيهقيّ في "سننه" بلفظ: "عليكم بالقصد في المشي بجنائزكم".
قال الجامع عفا الله عنه: وفي سنده ليث بن أبي سُليم، وهو متروك، والله تعالى أعلم.
قال ولي الدين: واستدلّ والدي ﵀ في "شرح الترمذيّ" على أن المراد التوسط بين شدّة السعي، وبين المشي المعتاد بقوله في حديث أبي بكرة: "وإنا لنكاد أن نرمل"، قال: ومقاربة الرمَل ليس بالسعي الشديد، قال ولي الدين: وقد عرفتَ أن لفظ أبي داود "نرمُلُ".
وأجاب والدي عن قول ابن عباس أنه -والله أعلم- أراد الرفق في كيفية الحمل، لا في كيفية المشي بها، فإنه خَشِي أن تسقط، أو تنكشف، أو نحو ذلك، قال: وإن أراد الرفق في السير، فيَحْتَمِل أنه كان حصل لها ما يُخشى معه انفجارها، إن أزعجوها في السير، أو أن هذا رأي لابن عباس، والحديث المرفوع أولى بالاتباع. انتهى.
وجزم النووي في "الخلاصة" بذلك الاحتمال، فبوّب على هذه القضية
[ ١٨ / ٣٧٣ ]
"كراهة شدة الإسراع، مخافة انفجارها"، وكذا بؤب عليه قبله البيهقيّ. انتهى كلام ولي الدين ﵀.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تلخّص من هذه الأقوال، وأدلتِها أن الصواب مشروعية الإسراع بالجنازة؛ لصحة النصوص الواردة في ذلك، كما في حديث الباب، لكن يكون إسراعًا لا يؤدي إلى أمر محظور، من سقوط الميت، أو انفجاره، أو حصول الضرر لمن يتبع الجنازة، وبهذا ئجْمَع بين مذهب القائلين بالإسراع، وبين من حُكِي عنهم النهي عنه، فلا اختلاف بينهم في الحقيقة، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْن حُمَيْدٍ، جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْن حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَيْرَ أَن فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب أيضًا.
٤ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قبل باب أيضًا.
٥ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ) بن عربيّ البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) (م) تقدم في لا الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٦ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت هـ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٧ - (مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَفْصَةَ) ميسرة أبو سلمة البصريّ، صدوقٌ يُخطئ [٧].
[ ١٨ / ٣٧٤ ]
رَوَى عن قتادة، وأبي جمرة الضُّبَعيّ، وعمرو بن دينار، والزهريّ، ومحمد بن زياد الْجُمَحيّ، وعليّ بن زيد بن جُدْعان.
ورَوَى عنه الثوريّ، وابن المبارك، وإبراهيم بن طهمان، وحماد بن زيد، ورَوْح بن عُبادة، وأبو إسحاق الفزاريّ، وأبو معاوية الضرير، وغيرهم.
قال الدُّوريّ، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: صالحٌ، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ غير أن يحيى بن سعيد لم يكن له فيه رأي، وقال النسائيّ: ضعيفٌ، وقال عليّ ابن المدينيّ: ليس به بأس، قال: وقلت ليحيى بن سعيد: هل كتبتَ عنه؟ فقال: كتبت حديثه كله، ثم رميت به بَعْدُ، وهو نحو صالح بن أبي الأخضر، قال: وسمعت معاذ بن معاذ يقول: كتبت عنه، ثم رَغِبت عنه؛ لأني رأيته يأتي أشعث بن عبد الملك، فإذا قام أتى إلى صبيان، فأملوها عليه، وقال ابن عديّ: هو من الضعفاء الذين يُكْتَب حديثهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "المراسيل"، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٤٤)، وحديث (١٣٠٦): "ارم ولا حرج … "، و(١٣٥١): "وهل ترك لنا عَقِيل من منزل؟ ".
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ) الضمير لمعمر، ومحمد بن أبي حفصة.
[تنبيه]: رواية معمر، ومحمد بن أبي حفصة عن الزهريّ لم أجد من ساقهما بالتمام، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٨٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِي، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنى أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَة، فَإِنْ كَانَتْ
[ ١٨ / ٣٧٥ ]
صَالِحَةً قرَّبْتُمُوهَا إِلَى الْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَانَ شَرًّا تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله المصريّ، تقدّم قريبًا.
٥ - (يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ) الأيليّ الأمويّ مولاهم، أبو يزيد، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) على الصحيح (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) اسمه أسعد الأنصاريّ، له رؤية، ولم يسمع، ثقةٌ [٢] (ت ١٠٠) وله (٩٢) سنة (ع) تقدم في "الحيض" ١٨/ ٧٧٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.