وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٨] (١٠٠٥) - (حَدَّثنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي مَالِك الْأَشْجَعِيِّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ -ﷺ-، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "كُل مَعْرُوفٍ صَدَقَة").
_________________
(١) أي: هذا السياق سياق عبد العزيز، عن هشام، وأما الباقون فرووه بالمعنى.
[ ١٩ / ٣٢٣ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٤ - (عَبَّاد بْنُ الْعَوَّامِ) بن عمر الكلابيّ مولاهم، أبو سهل الواسطيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٣٩.
٥ - (أَبُو مَالِكٍ الْأَشجَعِيُّ) سعد بن طارق الكوفيّ، ثقةٌ [٤] مات في حدود (١٤٠) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٦ - (رِبْعِيُّ بْنُ حِرَاشٍ) -بكسر الحاء المهملة- العبسيّ، أبو مريم الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ مخضرم [٢] (ت ١٠٠) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٧ - (حُذَيْفَةُ) بن اليمان، واسم اليمان حُسيل، أو حِسْل العبسيّ، حليف الأنصار الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵁-، مات سنة (٣٦) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"جـ ٢ ص ٤٥٧.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف ﵀، وله فيه إسنادان، فرّق بينهما بالتحويل.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه أبي بكر، فما أخرج له الترمذيّ، وأبو مالك علّق له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أن السند الثاني مسلسلٌ بالكوفيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم.
٥ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من مشاهير الصحابة -﵃-، وأعلمه النبي -ﷺ- بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، كما صحّ ذلك في "صحيح مسلم".
شرح الحديث:
(عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان -﵄- (فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ) بن سعيد شيخه الأول
[ ١٩ / ٣٢٤ ]
(قَالَ) أي: حذيفة -﵁- (قَالَ نَبِيُّكُمْ -ﷺ- وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْيَةَ) شيخه الثاني (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) غرض المصنّف ﵀ بهذا بيان اختلاف شيخيه في صيغتي الأداء، فقتيبة قال في روايته: "عن حذيفة قال: قال نبيّكم -ﷺ-" وأما أبو بكر بن أبي شيبة فقال في روايته: "عن حُذيفة، عن النبيّ -ﷺ-" أنه (قَالَ: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ") مبتدأ وخبره؛ أي: كلّ شيء عُرِف شرعًا بأنه من أعمال البرّ، فله حكم الصدقة بالمال في الثواب، فلا ينبغي أن يحتقر الإنسان شيئًا من المعروف، ولا أن يبخل به.
وقال ابن بطال ﵀: دل هذا الحديث على أن كل شيء يفعله المرء، أو يقوله من الخير، يكتب له به صدقة، وقد فُسِّر ذلك في حديث أبي موسى المذكور في الباب بعد أربعة أحاديث، وزاد عليه أن الإمساك عن الشر صدقة.
وقال الراغب الأصفهانيّ ﵀: المعروف اسم كُلِّ فعل يُعْرَف حسنهُ بالشرع والعقل معًا، ويُطْلَق على الاقتصاد؛ لثبوت النهي عن السَّرَف.
وقال ابن أبي جمرة: يُطْلَق اسم المعروف على ما عُرِف بأدلة الشرع أنه من أعمال البرّ، سوا: جرت به العادة أم لا؟، قال: والمراد بالصدقة الثواب، فإن قارنته النية أُجِر صاحبه جزمًا، وإلا ففيه احتمالٌ، قال: وفي هذا الكلام إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر المحسوس منه، فلا تختص بأهل اليسار مثلًا، بل كل واحد قادرٌ على أن يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀، وقد أخرجه البخاريّ من حديث جابر -﵁-، فقال في "كتاب الأدب" من "صحيحه":
(٥٦٧٥) - حدّثنا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ، حدّثنا أبو غَسَّانَ، قال: حدّثني
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٠/ ٤٤٧.
[ ١٩ / ٣٢٥ ]
محمد بن الْمُنْكَدِرِ، عن جَابِرِ بن عبد اللهِ -﵄-، عن النبيّ -ﷺ- قال: "كُلُّ مَعْرُوفِ صَدَقَةٌ". انتهى.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٢٨] (١٠٠٥)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (٢٣٣)، و(أبو داود) في "الأدب" (٤٩٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٨/ ٥٤٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٨٣ و٣٩٧ و٣٩٨ و٤٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٧٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٥)، وفي "الحلية" (٧/ ١٩٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٢٩] (١٠٠٦) - (حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي ذَّرٍّ، أَن نَاسًا (^١) مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالُوا لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلَي، ويَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِن بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُل تَكْبِيرةٍ صَدَقَةً، وَكُل تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَة، وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَة"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ، كَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا: في الْحَلَالِ، كانَ لَهُ أَجْرًا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ) أبو عبد الرحمن البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣١) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
_________________
(١) وفي نسخة: "أناسًا".
[ ١٩ / ٣٢٦ ]
٢ - (مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ) الأزديّ الْمِعْوَليّ، أبو يحيى البصريّ، ثقةٌ، من صغار [٦] (ت ١٧٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٧/ ٢٩٧.
٣ - (وَاصِلٌ، مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ) البصريّ، صدوقٌ عابدٌ [٦] (بخ م د س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٣/ ١٢٣٧.
٤ - (يَحْيى بْنُ عُقَيْلٍ) -بالتصغير- البصريّ، نزيل مَرْوَ، صدوقٌ [٣] (بخ م في س ق) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٣/ ١٢٣٧.
٥ - (يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ) البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ فصيحٌ، يرسل [٣] مات قبل المائة، أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٦ - (أَبُو الْأَسْوَدِ الدِّيلِيُّ) ويقال: الدُّؤَليّ البصريّ، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان، ويقال: عمرو بن ظالم، ويقال: بالتصغير فيهما، وقيل: غير ذلك، ثقةٌ مخضرم فاضلٌ [٢] (ت ٦٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
٧ - (أَبُو ذَرٍّ) الغفاريّ جُنْدُب بن جُنادة على الأصحّ الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات -﵁- سنة (٣٢) في خلافة عثمان -﵁- (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين.
٣ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم، عن بعض: يحيى بن عُقيل، عن يحعى بن يعمر، عن أبي الأسود، ورواية الأوَّلَين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الثالثة.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَزّ) جُندُب بن جُنادة الغفاريّ -﵁- (أَنَّ نَاسًا) وفي نسخة: "أناسًا" (مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالُوا لِلنَّبِي -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ) "الدُّثُور" بضمّ الدال: جمع دَثْر بفتحها، وهو المال الكثير (يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَبَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالهِمْ، قَالَ: "أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟) قال النوويّ -﵀-: الرواية فيه بتشديد الصاد
[ ١٩ / ٣٢٧ ]
والدال جميعًا، ويجوز في اللغة تخفيف الصاد. انتهى (^١).
وقال القاضي عياضٌ -﵀-: يَحْتَمِل تسمية هذه الأشياء صدقةً أن لها أجرًا كما للصدقة أجرٌ، وأن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور، وسماها صدقةً على طريق المقابلة، وتجنيس الكلام، أو يكون سمّاها من معناها؛ إذ في اسم الصدقة ما يدلُّ على صدق إيمان العبد وصحّته، وقيل: معناه أنها صدقة على نفسه؛ أي: بهذه الحسنات. انتهى (^٢). وقال القرطبيّ -﵀-: مقصود هذا الحديث أن أعمال الخير إذا حسُنت النيّات فيها تنزلت منزلة الصدقات في الأجور، ولا سيّما في حقّ من لا يقدر على الصدقة، ويُفهَم منه أن الصدقة في حقّ القادر عليها أفضل له من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها. انتهى (^٣).
(إِن بِكُل تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً) قال النوويّ -﵀-: رويناه بوجهين: رفع "صدقة"، ونصبه، فالرفع على الاستئناف، والنصب عطف على "إنَّ بكل تسبيحة صدقةً". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما يوجّه به النصب أن يكون قوله: "وكلِّ تكبيرةٍ" مجرورًا عطفًا على "بكلّ تسبيحة"، و"صدقةً" منصوب عطفًا على "صدقةً" الأولى، فيكون من باب العطف على معمولي عاملين مختلفين؛ لأن الواو نائب مَنَابَ "إِنَّ"، والباءِ، وفيه الخلاف بين النحاة، كما هو معلوم في محلّه، وقد لخّص اختلافهم شيخنا المناسيّ -﵀- في "نظم المغني"، حيث قال:
وَإِنْ عَلَى مَعْمُولَي الْعَامِلِ جَا … عَطْفٌ فَجَائِزٌ لَدَى ذَوِي الْحَجَا
وَإِنْ لِعَامِلَيْنِ فَالنَّاسُ اخْتَلَفْ … قَالَ ابْنُ مَالِكٍ نَهَى كُلُّ السَّلَفْ
إِنْ لَمْ يَكُ الْمَجْرُورُ فِي الْمَعْطُوفِ جَا … وَالْفَارِسِيْ جَوَازَهُ قَدْ أَخْرَجَا
أَيْ مُطْلَقًا عَنْ أُمَّةٍ مِنْهُمْ يُعَدْ … أَخْفَشُهُمْ بِقِيلَ مَرْوِيًّا وَرَدْ
وَإِنْ يَكُ الْمَجْرُورُ مَعْ تَأَخُّرِ … فَمَنْعُهُ أَشْهَرُ عِنْدَ الأَكْثَرِ
وَإِنْ يَكُنْ مُقَدَّمًا … فَالأَشْهَرُ لِسِيبَوَيْهِ مَنْعُهُ مُقَرَّرُ
كَذَا الْمُبَرِّدُ مَعَ السَّرَّاجِ … هِشَامُهُمْ أَيْضًا بِذَا الْمِنْهَاجِ
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩١.
(٢) راجع: "إكمال المعلم" ٣/ ٥٢٦.
(٣) "المفهم" ٣/ ٥١.
[ ١٩ / ٣٢٨ ]
وَالأَخْفَشُ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ … كَذَا الْكِسَائِي بِالْجَوَازِ حَاجُوا (^١)
وَاشْتَرَطَ الأَعْلَمُ مَعْ جَمَاعَةِ … أَنْ يَلِيَ الْمَجْرُورُ لِلْعَاطِفَةِ
وَالْعَطْفُ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ مَيْنِ … مَعْ عَامِل أَكْثَرَ مِنْ اِثْنَيْنِ (^٢)
وإن أردت تفصيل معاني الأبيات، وتحقيق المسألة، فارجع إلى شرحي المسمّى "فتح القريب المجيب في شرح مُدْني الحبيب" (^٣)، تزدد علمًا، وبالله تعالى التوفيق.
وإعراب قوله: (وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً) كإعراب ما قبله.
(وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَة، وَنَهْيٌّ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَة) قال الطيبيّ -﵀-: أسقط المضاف هنا إما اعتمادًا على السابق، ويدلّ عليه رواية الجرّ، أو قطعًا له عن ذلك الحكم، وأن قليلًا من هذا النوع يقوم مقام تلك الأمور السابقة، فكيف بالكثير؟. انتهى (^٤).
وقال النوويّ -﵀-: فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولهذا نَكَّره، والثواب في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، وقد يتعين، ولا يُتَصَوَّرُ وقوعه نفلًا، والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل، ومعلوم أن أجر الفرض أكثر من أجر النفل؛ لقوله -﷿- في الحديث القدسيّ: "وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ من أداء ما افترضت عليه"، رواه البخاريّ من رواية أبي هريرة -﵁-، ونقل إمام الحرمين عن بعضهم أن ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة. انتهى (^٥).
(وَفي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ") "البُضْعُ" بضمّ الموحّدة: الجماع، وأصله الفرج، قال الأصمعيّ: يقال: ملك فلان بُضع فلانة: إذا ملك عَقْدَ نكاحها،
_________________
(١) بتخفيف الجيم للوزن.
(٢) بقطع الهمزة للوزن.
(٣) راجع: ٢/ ١٧٧ - ١٨١.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٤٦.
(٥) راجع: "شرح النوويّ" ٧/ ٩٢.
[ ١٩ / ٣٢٩ ]
وهو كناية عن موضع الْغَشَيان، والمباضعة: المباشرة، والاسم الْبُضع، وفيه دليلٌ على أن النيّات الصادقات تَصْرِف المباحات إلى الطاعات، قاله القرطبيّ -﵀- (^١).
وقال النوويّ -﵀-: "الْبُضْعُ" بضم الباء، يطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسِهِ، وكلاهما تصحّ إرادته هنا، وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادةً إذا نوى به قضاء حقّ الزوجة، ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسِهِ، أو إعفاف الزوجة، ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهمّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة. انتهى (^٢).
وقال في "المرعاة": في إدخال "في" في قوله: "وفي بُضع أحدكم" إشارة إلى أن ذاته ليست صدقةً، بل ما تضمّنه من التحصين، وأداء حقّ الزوجة، وطلب الولد الصالح، وأما الأمور المذكورة قبله فذواتها صدقة؛ لأنها أذكار وقربات. انتهى بتصرّف (^٣).
وقال الطيبيّ -﵀-: الباء في قوله: "إن بكلّ تسبيحة صدقةً" بمعنى "في"، وإنما أعيدت في قوله: "وفي بضع أحدكم"؛ لأن هذا النوع من الصدقة أغرب من الكلّ، حيث جُعل قضاء الشهوة بهذا الطريق مكانًا للصدقة، ومقرّها. انتهى بتصرّف (^٤).
(قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أيأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ، وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟) قال القرطبيّ -﵀-: هذا استفهام من استَبْعَدَ حصولَ أجرٍ بفعل مُستلذّ يحُثّ الطبع عليه، وكأن هذا الاستبعاد إنما وقع من تصفّح الأكثر من الشريعة، وهو أن الأجور إنما تحصُل في العبادات الشاقّة على النفوس المخالفة لها، ثم إنه -ﷺ- أجابهم على هذا بقياس العكس، فقال: "أرأيتم لو وضعها في حرام … إلخ"، ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام يؤجر في فعل الحلال، وحاصله راجع إلى إعطاء كل واحد من المتقابلين ما يُقابَل به الآخرُ من الذوات والأحكام،
_________________
(١) "المفهم ٣/ ٥٢.
(٢) "شرح النووي" ٧/ ٩٢.
(٣) راجع: "المرعاة" ٦/ ٣٣٣.
(٤) راجع: "الكاشف" ٥/ ١٥٤٧.
[ ١٩ / ٣٣٠ ]
وقد اختَلَف الأصوليّون في هذا النوع من القياس، هل يُعمل به أم لا؟ على قولين، وهذا الحديث حجة لصحّة العمل بهذا النوع. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
(قَالَ) -ﷺ- (أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني (لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَام، أكانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟) قال الطيبيّ -﵀-: أقحم همزة الاستفهام على سبيل التقرير بين "لو" وجوابها تأكيدًا للاستخبار في قوله: "أرأيتم". انتهى (^٢). (فَكَذَلِكَ اِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْرًا") قال النوويّ -﵀-: ضبطنا "أجرًا" بالنصب والرفع، وهما ظاهران. انتهى.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٢٩] (١٠٠٦) وقد تقدّم بسياق آخر مختصرًا في "كتاب صلاة المسافرين وقصرها" برقم [١٦٧١]، (٧٢٠)، و(أبو داود) في "الأدب" (٥٢٤٣ و٥٢٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦٧ و١٦٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٨٣٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢١٢١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٦٢٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن كلّ نوع من المعروف صدقةٌ.
٢ - (ومنها): بيان فضيلة التسبيح، وسائر الأذكار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإحضار النية في المباحات.
٣ - (ومنها): ذكر العالم دليلًا لبعض المسائل التي تَخْفَى.
٤ - (ومنها): تنبيه المفتي على مختصر الأدلة.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥٢.
(٢) "المفهم" ٣/ ١٥٤٧.
[ ١٩ / ٣٣١ ]
٥ - (ومنها): جواز سؤال المستفتي عن بعض ما يَخْفَى من الدليل؛ إذا عَلِم من حال المسئول أنه لا يَكْرَه ذلك، ولم يكن فيه سوء أدب.
٦ - (ومنها): جواز القياس، وهو مذهب العلماء كافّةً، ولم يخالف فيه إلا أهل الظاهر، وذكر ابن تيميّة -﵀- أن هذا من بِدَعهم، قال النوويّ -﵀-: وأما المنقول عن التابعين ونحوهم من ذمّ القياس فليس المراد به القياس الذي يعتمده الفقهاء المجتهدون، وهذا القياس المذكور في الحديث هو من قياس العكس، واختَلَف الأصوليون في العمل به وهذا الحديث دليل لمن عمل به، وهو الأصح. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكناب قال:
[٢٣٣٠] (١٠٠٧) - (حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِي، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ، عَنْ زَيْدٍ، أنَهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ يَقُولُ: حَدّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أنَهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: (إِنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ، وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ، وَسَبَّحَ اللهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكةً، أَوْ عَظْمًا، عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِائَةِ السُّلَامَى، فَإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ"، قَالَ أَبو تَوْبَةَ: وَرُبَّمَا قَالَ (^١): "يُمْسِي").
رجال الإسناد: سبعة:
١ - (حَسَنُ بْنُ عَلِي الْحُلْوَانِيُّ) نزيل مكة، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف [١١] (ت ٢٤٢) (خ م د ت ق) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ) الحلبيّ، نزيل طَرَسُوس، ثقةٌ حجةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م د س ق) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "وربما قالت".
[ ١٩ / ٣٣٢ ]
٣ - (مُعَاوِيةُ بْنُ سَلَّامٍ) بتشديد اللام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةَ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٤ - (زَيْدُ) بن سلّام بن أبي سلّام الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
٥ - (أَبُو سَلَّام) ممطور الأسود الْحَبَشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة ١/ ٥٤٠.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ) القُرشيّ التيميّ مولى عائشة -﵄- المدنيّ، نزيل الشام، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عائشة، وأبي هريرة، وروى عنه شداد بن عمار، وأبو سلام الحبشيّ، ومبارك بن أبي حمزة الزبيريّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: مجهول، وقال العجليّ: شاميّ تابعيّ، ثقةٌ. روى له مسلم حديثين وأخرج أبو داود أحدهما وهو أنا سيد ولد آدم والآخر في الذكر بعدد المفاصل أخرج له المصنّف، وأبو داود، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠٠٧)، وحديث (٢٢٧٨): "أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة … ".
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين -﵂-، تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالدمشقيين، سوى شيخه، فحلوانيّ، ثم مكيّ، وأبي توبة، فحلبيّ، ثم طَرَسُوسيّ، وعائشة -﵂-، فمدنيّة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالتحديث، والسماع، إلا في موضع.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن أخيه، عن أبيهما.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: أبو سلّام، عن ابن فرّوخ، وهو من رواية الأقران.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ اللهِ بْنِ فَرُّوخَ (أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ) -﵂- (تَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن؛ أي: إن الأمر والشأن (خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ) ببناء الفعل
[ ١٩ / ٣٣٣ ]
للمفعول (مِنْ بَنِي آدَمَ) بيان لإفادة التعميم (عَلَى سِتَينَ وَثَلَاثِ مِائَةِ مَفْصِلٍ) بالإضافة، وهو بفتح الميم، وكسر الصاد: مُلتقى العظمين في البدن، وقال الفيّوميّ﵀-: الْمَفْصِلُ وزانُ مسجد أحد مفاصل الأعضاء. انتهى. وقال القرطبيّ -﵀-: المفاصل هي العظام التي ينفصل بعضها من بعض. انتهى (^١). (فَمَنْ كَبَّرَ اللهَ) أي: عظّمه، أو قال: الله أكبر، قاله القاري (وَحَمِدَ اللهَ، وَهَلَّلَ اللهَ) أي: وحّده، أو قال: لا إله إلا الله (وَسَبّحَ اللهَ) أي: نزّهه عما لا يليق به من الصفات، أو قال: سبحان الله (وَاستَغْفَرَ اللهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا) من باب ضرب: أي: نحّاه، وأزاله (عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا) "أو" للتنويع (عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، وَأَمَرَ) بصيغة الماضي، وكذا ما بعده (بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ، عَددَ تِلْكَ السِّتِّينَ) أي: بعددها، فهو منصوب بنزع الخافض كتعلّق بالأذكار وما بعدها، أو بفعل مقدّر؛ يعني: من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد تلك الستين (وَالثَّلَاثِ مِائَةِ) بإضافة "ثلاث" إلى "مائة" مع تعريف الأول، وتنكير الثاني، والمعروف لأهل العربيّة عكسه، وهو تنكير الأول، وتعريف الثاني.
وأجيب بأن الألف واللام زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما، قال الطيبيّ -﵀-: ولو ذُهب إلى أن التعريف بعد الإضافة كما في الخمسة عشر بعد التركيب لكان وجهًا حسنًا، وقيل: "مائةً" منصوب على التمييز على قول بعض أهل العربيّة (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "والثلاثمائةٍ السُّلامَى" كذا وقعت الرواية، وصوابه في العربيّة "ثلاثمائةٍ السُّلامَى"؛ لأنه لا يُجمع بين الألف واللام والإضافة إلا في الإضافة غير المحضة بشرط دخول الألف واللام على المضاف والمضاف إليه. انتهى (^٣).
وقوله: (السُّلَامَى) بدل من "الثلاثمائة والستّين"، وهو بضمّ السين
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥٣.
(٢) "الكاشف" ٥/ ١٥٤٥ - ١٥٤٦.
(٣) "المفهم" ٣/ ٥٣.
[ ١٩ / ٣٣٤ ]
المهملة، وتخفيف اللام، وهو المفصل، وجمعه سُلامَيات بفتح الميم، وتخفيف الياء، قال النوويّ -﵀- (^١).
وقال الفيّوميّ -﵀-: السُّلامَى أُنثى، قال الخليل: هي عظام الأصابع، وزاد الزجّاج على ذلك، فقال: وتُسمَّى الْقَصَبَ أيضًا، وقال قُطْرُبٌ: السُّلامَيَاتُ: عروقُ ظاهر الكفّ والقدم. انتهى (^٢).
وقال ابن الأثير -﵀-: السُّلامَى: جمع سُلاميةٍ، وهي الأنملة من أنامل الأصابع، وقيل: واحدة وجمعه سواءٌ، ويُجمع على سُلامَيَاتٍ، وهي التي بين كل مَفْصِلين من أصابع الإنسان، وقيل: السلامَى كلُّ عظم مُجَوَّفٍ من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقٌ، وقيل: إن آخر ما يبقى فيه المخّ من البعير إذا عَجفَ السُّلامَى والعينُ، قال أبو عُبيد: هو عظمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ -﵀-: ومقصود هذا الحديث أن العظام التي في الإنسان هي أصل وجوده، وبها حصول منافعه؛ إذ لا تتأتّى الحركاتُ والسكناتُ إلا بها، والأعصابُ رباطات، واللحوم والجلود حافظاتٌ وممكِّناتٌ، فهي إذًا أعظم نِعَمِ الله تعالى على الإنسان، وحقُّ الْمُنْعَم عليه أن يقابل كلَّ نعمة منها بشكر يخصّها، وهو أن يُعطي صدقةً كما أعطي منفعةً، لكن الله تعالى لَطَفَ وخَفَّفَ بأن جعل التسبيحة الواحدة كالعطيّة، وكذلك التحميدةُ، وغيرها من أعمال البرّ وأقواله، وإن قلّ مقدارها، وأَتَمَّ تَمَامَ الفضل أن اكتَفَى من ذلك كلّه بركعتين في الضحى، على ما مرّ، وقد نبّهنا على سرّ ذلك في "باب صلاة الضحى". انتهى (^٤).
قمال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: "بركعتين في الضحى" إلى ما تقدّم للمصنّف في "باب صلاة الضحى" (^٥)، عن أبي ذرّ، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٣.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٢٨٧.
(٣) "النهاية" ٢/ ٣٩٦.
(٤) "المفهم" ٣/ ٥٣.
(٥) تقدّم برقم [١٥/ ١٦٧١] (٧٢٠).
[ ١٩ / ٣٣٥ ]
"يُصْبِح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ، وكل تحميدة صدقةٌ، وكل تهليلة صدقةٌ، وكل تكبيرة صدقةٌ، وأمر بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى".
(فإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) أي: وقتَ إذ فَعَلَ ذلك (وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ) أي: باعدها، ونَحّاها (عَنِ النَّارِ"، قَالَ أَبُو تَوْبَةَ) الربيع بن نافع شيخه الثاني في روايته: (وَرُبَّمَا قَالَ) وفي نسخة: "قالت" والضمير لعائشة -﵂- (يُمْسِي) غرض المصنّف -﵀- بهذا بيان اختلاف شيخيه في كلمة "يمشي"، فقال الحسن الحلوانيّ: "يمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، من المشي، وهو الذهاب، وقال أبو توبة: "يُمسي" بضمّ أوله، وبالسين المهملة، من الإمساء، وهو الدخول في وقت المساء.
وقال النوويّ -﵀-: ووقع لأكثر رواة "كتاب مسلم" الأول "يَمْشِي" بفتح الياء، وبالشين المعجمة، والثاني بضمها، وبالسين المهملة، ولبعضهم عكسه، وكلاهما صحيح، وأما قوله بعده في رواية الدارميّ، وقال: "إنه يُمْسِي" فبالمهملة لا غير. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة -﵂- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٠ و٢٣٣١ و٢٣٣٢] (١٠٠٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨)، وأما فوائده فقد تقدّمت في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٣ - ٩٤.
[ ١٩ / ٣٣٦ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣١] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَني مُعَاوِيَةُ، أَخْبَرَنِي أَخِي زيدٌ، بِهَذَا الإسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ"، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يُمْسِي يَوْمَئِذٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
أ- (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السَّمَرْقَنْديّ الحافظ الثقةٌ الفاضل المتقن [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية يحيى بن حسّان، عن معاوية بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّئَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، حَدَّثنَا عَلِيُّ، يَعْنِي ابْنَ الْمُبَارَكِ، حَدَّثنا يَحْيَى، عَنْ زيدِ بْنِ سَلَّام، عَنْ جَدِّهِ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ فَرُّوخَ، أنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تَقولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "خُلِقَ كُل إِنْسَانٍ … "، بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ زَيْدٍ، وَقَالَ: "فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أبو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِيُّ) هو: محمد بن أحمد بن نافع العبديّ البصريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (يَحْيَى بْنُ كَثِيرِ) بن دِرْهَم الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو غسّان البصريّ، خراسانيّ الأصل، ثقةٌ [٩].
[ ١٩ / ٣٣٧ ]
رَوَى عن عثمان بن سعد الكاتب، ومعاذ وعمر ابني العلاء، وسَلْم بن جعفر البكري، وإسماعيل بن سليمان الكحال، وشعبة وعبد الله بن أبي كثير، وعلي بن المبارك الْهُنَائيّ، وجماعة.
وروى عنه ابنه الحسن، وعمرو بن عليّ، وأبو موسى، وبُنْدارٌ، ومحمد بن مَعْمَر الْبَحْرانيّ، وعبد الله بن الهيثم العبديّ، وعباس العنبريّ، وأبو بكر بن نافع العبديّ، وغيرهم.
قال عباس العنبريّ: كان ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال النسائيّ: ليس به باس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال البخاريّ: مات بعد المائتين، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ست ومائتين.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠٠٧)، وحديث (١٢٤٠): "من شاء أن يجعلها عمرةً، فليجعلها … "، و(١٩٧٧): "إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يضحي … ".
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ، كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسالٌ، فحديث الكوفيين عنه فيه شيءٌ، من كبار [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
٤ - (يَحْيَى) بن أبي كثير الطائيّ مولاهم، أبو نصر اليمامي، بصريّ الأصل، ثقة ثبت، يدلّس ويرسل [٥] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (فَإنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ) هنا "يَمشي" بفتح أوله، وبالشين المعجمة، لا غير، كما أسلفنا تحقيقه.
[تنبيه]: رواية يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلّام هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٩ / ٣٣٨ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٣] (١٠٠٨) - (حَدثنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِم صَدَقَةٌ"، قِيلَ: أَرَأيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: "يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَصَدّقُ"، قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: "يَأمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوِ الْخَيْرِ"، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ (^١) ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر في أول الباب.
٢ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجّاج، تقدّم قبل باب.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وأبي وائل، وأبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد، ورِبْعيّ بن حِرَاش.
وروى عنه قتادة، وأبو إسحاق الشيبانيّ، وشعبة، وزيد بن أبي أُنيسة، وزكرياء بن أبي زائدة، ومسعر، وأبو عوانة، وغيرهم.
قال الميمونيّ، عن أحمد بن حنبل: بَخٍ ثبتٌ في الحديث، وقال ابن معين، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن أبي حاتم في "المراسيل": لم يسمع ابنُ أبي بردة من ابن عمر شيئًا، إنما يروي عن أبيه، عنه، وروايته عن جدِّه منقطعةٌ، لم يسمع منه شيئًا.
وقال الصَّرِيفِينيّ: مات سنة (١٦٨)، قال الحافظ: كذا بخط مُغْلطاي، ولعلّه وثلاثين بدل وستين. انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "فإنها له صدقةٌ".
[ ١٩ / ٣٣٩ ]
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ستة أحاديث فقط، برقم (١٠٠٨) و(١٧٣٣) وكرّره أربع مرات، و(٢٣٠٩) و(٢٥٣١) و(٢٧٣٤) و(٢٧٦٧).
٥ - (أَبُوهُ) أبو بُردة بن أبي موسى الأشعريّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (جَدُّهُ) أبو موسى الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات -﵁- سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين، سوى شعبة، فبصريّ.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وتابعي، عن تابعي، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) أبي بردة (عَنْ جَدِّهِ) أبي موسى الأشعريّ -﵀- (عَنِ النَّبِيّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ") جملة من مبتدأ مؤخّر، وخبر مقدّم، والمعنى أن الصدقة كائنة على كلّ مسلم، ومثله المسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجل، والمراد على سبيل الاستحباب المتأكّد، أو على ما هو أعمّ من ذلك، والعبارة صالحة للإيجاب، والاستحباب، كقوله: "على المسلم ستّ خصال … "، فذكر منها ما هو مستحبّ اتفاقًا، وزاد أبو هريرة في حديثه تقييد ذلك بكلّ يوم.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "على كلّ مسلم صدقةٌ" هو هنا مطلقٌ، وقد قيّده في حديث أبي هريرة -﵁- بقوله: "في كلّ يوم"، وظاهر هذا اللفظ الوجوب، لكن خفّفه الله تعالى، حيث جَعَل ما خفّ من المندوبات مُسقطًا له؛
[ ١٩ / ٣٤٠ ]
لُطْفًا منه وتفضّلًا. انتهى (^١).
(قِيلَ: أَرَأَيتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟) أي: ما يتصدّق به، وفي رواية البخاريّ: "قالوا: يا نبيّ الله، فمن لم يجد"، قال في "الفتح": كأنهم فَهِمُوا من لفظ الصدقة العطيّة، فسألوا عمن ليس عنده شيء من المال، فبيّن لهم أن المراد بالصدقة ما هوأعمّ من ذلك، ولو بإغاثة الملهوف، والأمر بالمعروف، وهل تلتحق هذه الصدقة بصدقة التطوّع التي تُحْسَب يوم القيامة من الفرض الذي أخلّ به؟ فيه نظر، الذي يظهر أنها غيرها؛ لما تبيّن من حديث عائشة -﵂- الماضي أنها شُرعت بسبب عتق المفاصل، حيث قال في آخر هذا الحديث: "فإنه يُمسي يومئذ، وقد زَحْزَح نفسه عن النار". انتهى (^٢).
(قَالَ) -ﷺ- ("يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ) افتعال من العمل، للمبالغة، وفي رواية البخاريّ: "فيعمل" (فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ) أي: بما يكتسبه من صناعة، وتجارة، ونحوهما بإنفاقه عليها، ومن تلزمه نفقته، ويستغني بذلك عن ذلّ السؤال لغيره (وَيَتَصَدَّقُ") أي: ينفع غيره بإعطاء الصدقة، ويكتسب الأجر.
قال القسطلّانيّ: وقوله: "فيعتملُ، فينفعُ، ويتصدّقُ" برفع الثلاثة خبر بمعنى الأمر، قاله ابن مالك.
(قَالَ) أبو موسى -﵁- (قِيلَ) أي: قال قائل للنبيّ -ﷺ-، ولا يُعرف من هو؟ (أَرَأَيْتَ) أي: أخبرني (إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) أي: الاعتمال بيديه (قَالَ) -ﷺ- ("يُعِينُ) أي: بالفعل، أو بالقول، أو بهما (ذَا الْحَاجَه) أي: صاحب الاحتياج إلى المعونة (الْمَلْهُوفَ") بالنصب نعت و"ذا الملهوف". أي: المستغيثَ، وهو أعمّ من أن يكون مظلومًا، أو عاجزًا، قاله في "الفتح".
وقال النوويّ -﵀-: الملهوف عند أهل اللغة يُطلق على المتحسّر، وعلى المضطرّ، وعلى المظلوم، وقولهم: يا لَهْفَ نفسي على كذا كلمة يُتحسّر بها على ما فات، ويقال: لَهِفَ -بكسر الهاء- يَلْهَفُ -بفتحها- لَهْفًا -بإسكانها-: أي: حَزِن، وتحسّر، وكذلك التلهّف. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥٤.
(٢) راجع: الفتح ٤/ ٦٣.
(٣) شرح مسلم ٧/ ٩٥ - ٩٦.
[ ١٩ / ٣٤١ ]
وقال القرطبيّ -﵀-: "ذو الحاجة الملهوف" أي: صاحب الحاجة المضطز إليها الذي قد شغله همّه بحاجته عن كلّ ما سواها، ولا شكّ في أن قضاء حاجة من كانت هذه حاله يتعدّد فيها الأجر، ويكفُر بحسب ما كَشَفَ من كربة صاحبها.
قال: ومقصود هذه الأحاديث الترغيبُ في أعمال البرّ والخير بطريق إظهار وجه الاستحقاق واللطف، والحمد لله. انتهى (^١).
(قَالَ) أبو موسى -﵁- (قِيلَ لَهُ) أي: للنبيّ -ﷺ- (أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟) ما ذُكر من إعانة ذي الحاجة (قَالَ) -ﷺ- ("يَأمُرُ بِالْمَعْرُوفِ) (أَوِ) للشكّ (الْخَيْرِ") يَشْمَلُ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإفادة العلميّة، والإفادة العمليّة، والنصيحة العمليّة، وللبخاريّ: "فليعمل بالمعروف" (قَالَ) الراوي (أَرَأَيْتَ اِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟) أي: لم يتيسّر له ذلك (قَالَ) -ﷺ- ("يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإنَّهَا صَدَقَةٌ") وفي نسخة: ("فإنها له صدقةٌ"، قال في "الفتح": كذا وقع بضمير المؤنّث، وهو باعتبار الخصلة من الخير، وهو الإمساك، ووقع في رواية "الأدب": "فإنه" أي: الإمساك "له" أي: للممسك.
وقال النوويّ -﵀-: قوله: "تمسك عن الشرّ، فإنها صدقةٌ" معناه: صدقةٌ على نفسه، كما في غير هذه الرواية، والمراد أنه إذا أمسك عن الشرّ لله تعالى كان له أجرٌ على ذلك كما أن للمتصدّق بالمال أجرًا. انتهى (^٢).
وقال الزين ابن المنيّر؛ إنما يَحْصُل ذلك للممسك عن الشرّ؛ إذا نوى بالإمساك القربة، بخلاف محض الترك، والإمساك أعمّ من أن يكون عن غيره، فكأنه تصدّق عليه بالسلامة منه، فإن كان شرّه لا يتعدَّى نفسه، فقد تصدّق على نفسه بأن منعها من الإثم، قال: وليس ما تضمّنه الخبر من قوله: "فإن لم يجد" ترتيبًا، وإنما هو للإيضاح لما يفعله مَنْ عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فإنه يمكنه خصلة أخرى، فمن أمكنه أن يعمل بيده، فيتصدّق، وأن يُغيث الملهوف، وأن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويمسك عن الشرّ، فليفعل الجميع.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥٤.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٤.
[ ١٩ / ٣٤٢ ]
ومحصّل ما ذُكر في حديث الباب أنه لا بدّ من الشفقة على خلق الله تعالى، وهي إما بالمال، أو غيره، والمال إما حاصل، أو مكتسبٌ، وغير المال إما فعلٌ، وهو الإغاثة، وإما تركٌ، وهو الإمساك.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة -﵀-: ترتيب هذا الحديث أنه نَدَبَ إلى الصدقة، وعند العجز عنها ندب إلى ما يقرُب منها، أو يقوم مقامها، وهو العمل، والانتفاع، وعند العجز عن ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه، وهو الإغاثة، وعند عدم ذلك ندب إلى فعل المعروف؛ أي: مِن سوى ما تقدّم كإماطة الأذى، وعند عدم ذلك ندب إلى الصلاة، فإن لم يُطِق، فترك الشرّ، وذلك آخر المراتب، قال: ومعنى الشرّ هنا ما منعه الشرع، ففيه تسلية للعاجز عن فعل المندوبات؛ إذا كان عجزه عن ذلك من غير اختيار. انتهى.
قال الحافظ: وأشار بالصلاة إلى ما وقع في آخر حديث أبي ذرّ عند مسلم: "ويُجزئ عن ذلك كفه ركعتا الضّحى"، وهو يؤيّد ما قدّمناه أن هذه الصدقة لا يكمّل منها ما يختل من الفرض؛ لأن الزكاة لا تكمّل بالصلاة، ولا العكس، فدل على افتراق الصدقتين.
واستُشْكِل الحديث مع تقدّم ذكر الأمر بالمعروف، وهو من فروض الكفاية، فكيف تجزئ عنه صلاة الضّحى، وهي من التطوّعات؟.
وأجيب بحمل الأمر هنا على ما إذا حصل من غيره، فسقط به الفرض، وكان في كلامه هو زيادة في تأكيد ذلك، فلو تركه أجزأت عنه صلاة الضّحى.
قال الحافظ: كذا قيل. وفيه نظرٌ، والذي يظهر أن المراد أن صلاة الضحى تقوم مقام الثلاثمائة وستّين حسنة التي يُستحبّ للمرء أن يسعى في تحصيلها كلّ يوم؟ لِيُعتق مفاصله التي هي بعددها، لا أنّ المراد أن صلاة الضحى تغني عن الأمر بالمعروف، وما ذُكر معه، وإنما كان كذلك؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع الجسد، فتتحرّك المفاصل كلّها فيها بالعبادة.
وَيحْتَمِل أن يكون ذلك لكون الركعتين تشتملان على ثلاثمائة وستين ما بين قول وفعل؛ إذا جعلت كلّ حرف من القراءة مثلًا صدقة، وكانّ صلاة الضحى خُصّت بالذكر؛ لكونها أوّل تطوّعات النهار بعد الفرض، وراتبته، وقد أشار في حديث أبي ذرّ إلى أن صدقة السُّلامَى نهاريّة؛ لقوله: "يصبح على كلّ
[ ١٩ / ٣٤٣ ]
سُلامَى من أحدكم"، وفي حديث أبي هريرة: "كلّ يوم تطلع فيه الشمس"، وفي حديث عائشة -﵂-: "فيمسي، وقد زحزح نفسه عن النار". انتهى كلام الحافظ -﵀- (^١)، وهو بحثٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٣] (١٠٠٨)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٤٥)، و"الأدب" (٦٠٢٢)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٣٨)، وفي "الكبرى" (٢٣١٨)، و(أبو داود الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٦٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٣٣٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٩٥ و٤١١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٧٤٧)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٠٢)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١٩٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٨ و١٠/ ٩٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أنواع الصدقة لا يُقتصر فيها على الأموال فقط، بل كل ما كان فيه نفعٌ يُعَدّ صدقة.
٢ - (ومنها): أن الأحكام تجري على الغالب؛ لأن في المسلمين من يأخذ الصدقة المأمور بصرفها، وقد قال: "على كلّ مسلم صدقة".
٣ - (ومنها): أن فيه مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العامّ.
٤ - (ومئها): أن فيه فضل التكسب؛ لما فيه من الإعانة.
٥ - (ومنها): أن فيه التنبيهَ على العمل، والتكسّب؛ ليجد المرء ما ينفق على نفسه، ويتصدّق به، ويُغنيه عن ذلّ السؤال.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٦٤.
[ ١٩ / ٣٤٤ ]
٦ - (ومنها): أنّ فيه الحثَّ على فعل الخير، مهما أمكن، وأنّ من قصد شيئًا منها، فتعسّر عليه، انتقل إلى غيره، مما يسهل عليه.
٧ - (ومنها): أن فيه تقديم النفس على الغير في الإحسان، والمراد بالنفس ذات الشخص، وما يلزمه.
٨ - (ومنها): بيان جواز صدقة العبد؛ لقوله: "على كلّ مسلم صدقة"، ووجه ذلك أن العبد داخل في عموم "كل مسلم"، فهو مأمور بأن يتصدّق، كما أُمر غيره من عموم المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٤] (…) - (وَحَدَّثَنَاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الإسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) أبو موسى العنزيّ البصريّ الزَّمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (عأ تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير [٩] (ت ١٩٨) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٨.
و"شعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٩٠٣٧) - حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جدّه، أن رسول الله -ﷺ- قال: "على كل مسلم صدقةٌ"، قال: أفرأيت إن لم يجد؟ قال: "يعمل بيده، فينفع نفسه، ويتصدق"، قال: أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: "يُعِين ذا الحاجة الملهوفَ"، قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: لا يأمر بالخير، أو بالعدل"، قال: أفرأيت إن لم يستطع أن يفعل؟ قال: "يُمسك عن الشرّ، فإنه له صدقة". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[ ١٩ / ٣٤٥ ]
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٥] (١٠٠٩) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، حَدَّثنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَة، كُل يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، قَالَ: تَعْدِلُ (^١) بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَة، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، قَالَ: وَالْكَلِمَةُ الطَيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُل خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ) الصنعانيّ، تقدّم قريبًا أيضًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم قريبًا أيضًا.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنبِّهٍ) تقدّم قريبًا أيضًا.
٥ - (أَبُو هُرَيْرة) -﵁-، تقدّم قريبًا أيضًا.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ باليمنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل اليمن.
٤ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
_________________
(١) وفي نسخة: "يعدل" بالياء، وكذا الأفعال الباقية.
[ ١٩ / ٣٤٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ مُحَمّدٍ رَسُول اللهِ -ﷺ-، فَذكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (كُلُّ سُلَامَى) مبتدأ أول خبره جملة "عليه صدقة"، وهو -بضم السين المهملة، وتخفيف اللام، وفتح الميم، مقصورًا-: جمع سُلامية، وقيل: واحدة وجمعه سواءٌ، ويُجْمَع على سُلامَيَات، واختُلِف في معناها، فقيل السُّلامية الأَنْمَلة من أنامل الأصابع، وقيل: السُّلامَى كلُّ عظم مُجَوَّف من صغار العظام، وقال أبو عبيد: هو عظم يكون في فِرْسِن البعير.
قال في "الطرح": والصواب أن السُّلامَى هي المفاصل، وأنها ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا، كما ثبت ذلك مبينًا في "صحيح مسلم" من حديث عائشة -﵂- أن النبيّ -ﷺ- قال: "إنه خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل … " الحديث المذكور قبل حديث. انتهى (^١)، وقد مرّ البحث فيه قريبًا.
وقوله: (مِنَ النَّاسِ) أي: من كلّ واحد منهم، وهو متعلّق بصفة و"سُلامى" (عَلَيْهِ صَدَقَةٌ) جملة من مبتدأ وخبر خبرٌ للمبتدأ الأول، والراجع إلى المبتدأ الضمير المجرور في الخبر.
وقال في "الفتح": قوله: "عليه" مُشكِلٌ، قال ابن مالك -﵀-: المعهود في "كُلّ" إذا أضيفت إلى نكرة، من خبر، وتمييز، وغيرهما، أن تجيء على وفق المضاف، نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية [الأنبياء: ٣٥]، وقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، وهنا جاء على وفق "كلّ" في قوله: "كل سلامى عليه صدقة"، وكان القياس أن يقول: عليها صدقة؛ لأن السُّلامَى مؤنثة، لكن دلّ مجيئها في هذا الحديث على الجواز، ويَحْتَمِل أن يكون ضَمَّنَ "السُّلامَى" معنى العظم، أو الْمَفْصِل، فأعاد الضمير عليه كذلك.
والمعنى: على كل مسلم مكلّف بعدد كل مفصل من عظامه صدقة لله تعالى على سبيل الشكر له، بأن جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٧.
[ ١٩ / ٣٤٧ ]
والبسط، وخُصَّت بالذكر؛ لما في التصرف بها من دقائق الصنائع التي اختص بها الآدمي.
وقال في "الطرح": معنى هذا الحديث أن كل عظم، أو مَفْصِل من ابن آدم عليه صدقةٌ، وإذا كان كذلك، فظاهر التعبير بقوله: "عليه" أن ذلك من الواجبات؛ لأن السنن لا توصف بأنها على المكلف.
والجواب أن هذا قد يُطْلَق في الفعل المتأكد، وإن لم يكن واجبًا، كقوله -ﷺ-: "للمسلم على المسلم ستُّ خصال، يسلم عليه إذا لقيه … " الحديث، ومعلوم أن البداءة بالسلام سنةٌ، وإنما لم يُجعَل مجموع هذه الخصال واجبة، وإن كان بعضها من فروض الكفايات؛ لما ورد في "صحيح مسلم" من حديث أبي ذرّ -﵁- مرفوعًا: "يصبح على كل سُلامَى من أحدكم صدقةٌ، فكل تسبيحة صدقةٌ … "، فذكر الحديث، وقال في آخره: "وُيجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى"، ومعلوم أن النوافل لا تُجزي عن الواجبات، مع الاتفاق على عدم وجوب صلاة الضحى على عموم الناس، والله أعلم.
على أنه يمكن أن تؤول هذه الأفعال المذكورة في الباب على الوجوب، كما سيأتي. انتهى (^١).
(كُلُّ يَوْمٍ) منصوب على الظرفيّة، متعلّق بـ "صدقةٌ"، وقوله: (تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "يوم"، وهي صفة تخصّص اليوم عن مطلق الوقت بمعنى النهار، وقال السنديّ وصف اليوم بذلك؛ لإفادة التنصيص، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ٣٨].
والحاصل أن الشيء إذا وُصف بوصف يعمّ جميع أفراده يصير نصًّا في التعميم. انتهى (^٢).
(قَالَ) -ﷺ- (تَعْدِلُ) وفي بعض النسخ "يعدل" بالياء التحتانيّة، وكذا باقي الأفعال؛ أي: تصلح (بَيْنَ الِاثْنَيْنِ) متحاكمين، أو متخاصمين، أو متهاجرين (صَدَقَةٌ) أي: أجره كأجر الصدقة، وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "تعدل إلخ" أي:
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٨.
(٢) راجع: "المرعاة" ٦/ ٣٣١.
[ ١٩ / ٣٤٨ ]
تُصلح بين المتخاصمين، وتدفع ظلم الظالم، وهو مبتدأ خبره "صدقةٌ" على تأويل "أن تعدل"، فحُذف "أن" فارتفع الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، ونحو: "تَسْمَعُ بالمعيديّ خيرٌ من أن تراه"، ويؤيّده عطف قوله: "والكلمة الطيّبة صدقةٌ" عليه، وكذا: "وكلُّ خطوة إلخ" (^١).
وقال في "الطرح": قوله: "تَعْدِل بين اثنين" يَحْتَمِل أن يراد به العدل في الأحكام من القضاة والأمراء، ويَحْتَمِل أن يراد به الإصلاح بين الناس، وإن كان من غير من له ولاية على ذلك، ولا تسليط، وهو الظاهر؛ لأن عدل القضاة والأمراء واجب لا تطوُّع، وقد أدخله البخاريّ في "صحيحه" في "باب الإصلاح بين الناس"، وإن أريد حمله على الواجب حقيقةً، فيُحْمَل على عدل الحكام. انتهى.
(وَتُعِينُ الرَّجُلَ) أي: تساعده (فِي دَابَّتِهِ) أي: دابّة الرجل، أو دابّة المعين (فَتَحْمِلُهُ) بفتح حرف المضارعة، وسكون السين المهملة، وكسر الميم؛ أي: تحمل الرجل (عَلَيْهَا) أي: على الدابّة بأن تعينه في الركوب، أو تَحْمِله كما هو، وقوله: (أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ) "أو" هنا للتنويع، وذكر في "الفتح" احتمال كونها للشكّ، والأول هو الظاهر، والله تعالى أعلم (صَدَقَةٌ) أي: له أجر الصدقة بالمال.
وقال في "الطرح": قوله: "وتعين الرجل في دابته، تحمله عليها" هو أن تُرْكِب العاجز عن الركوب على دابته، وهكذا أن تَحْمِل معه على دابته متاعه، وبَوَّب عليه البخاريّ في "صحيحه": "باب فضل من حَمَلَ متاع صاحبه في السفر"، ويمكن أن يُجعل على الوجوب في المكاري، فإنه يجب عليه إركاب الشيخ؛ لعجزه عن الركوب وحده، ويجب عليه إبراك الجمل للمرأة؛ لعجزها أو المشقة عليها في ركوب البعير قائمًا، والله أعلم. انتهى.
(قَالَ) -ﷺ- (وَالْكَلِمَةُ الطَّيَّبَةُ صَدَقَةٌ) يَحْتَمِل أن يراد بها المخاطبة للناس، كأن يجيب السائل بكلمة طيبة من غير إفحاش، ونحو ذلك، وهو الظاهر، كما
_________________
(١) راجع: "الكاشف" ٥/ ١٥٤٥.
[ ١٩ / ٣٤٩ ]
قال في حديث آخر: "تَبَسُّمُك في وجه أخيك صدقة"، وفي حديث آخر: "ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه"، وَيحْتَمِل أن يراد بها الكلمة من الأذكار، كالتهليل، والتسبيح، والتحميد، كما هو مصرح به في حديث عائشة -﵂- المتقدم في ذكر السُّلامَى: "فمن كبّر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله … " الحديث، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ الآية [إبراهيم: ٢٤] أن المراد "لا إله إلا الله"، وكذا قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الآية [فاطر: ١٠]. انتهى (^١).
(وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا) "الخَطْوَة" بفتح الخاء المعجمة: المرّة الواحدة من الْخَطْو، وهو المشيُ، مثل ضَرْب وضرَبة، والْخُطوة بالضمّ: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَاتٌ على لفظه، مثلُ شَهْوة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثلُ غُرَفٍ وغُرُفات في وجوهها (^٢).
وقال في "الطرح": في قوله: "كلُّ خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ، ما يقتضي أن ثواب الْخُطَا إنما هو الذهاب إلى المسجد دون الرجوع، وهو مُحْتَمِل، لكن قد ورد التصريح في مسند أحمد بقوله: "ذاهبًا وراجعًا"، قال: وإن حملناه على الوجوب فيُمْكِن أن يُحْمَل على السعي الواجب، كالسعي للجمعة، إلا أنه يَرُدُّه قوله: "كل يوم تطلع الشمس"، فإنما يجب السعي مرة في الجمعة، نعم يُحْمَل على قول من أوجب الجماعة في كل صلاة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم في أبواب الجماعة أن الصحيح قول من أوجب صلاة الجماعة على الرجال البالغين دون عذر، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(إِلَى الصّلَاةِ) يَحْتَمِل أن تكون الألف واللام للعهد، وهو الظاهر، فيكون المراد منه الصلوات المكتوبة، وَيحْتَمِل أن تكون للجنس، وعليه يدخل فيه كل صلاة يُشْرَع المشي إليها، كالعيد، والجنازة، واستبعد هذا الاحتمال في "الطرح" (^٣). (صَدَقَةٌ) أي: أجر صدقة المال.
_________________
(١) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٨.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٧٤.
(٣) راجع: "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٨.
[ ١٩ / ٣٥٠ ]
(وَتُمِيطُ) بضمّ أوله، من الإماطة، والإزالة، والتنحية، قال الفيّوميّ -﵀-: ماط مَيْطًا، من باب باع: تباعد، ويتعدّى بالهمزة، والحرف، فيقال: أماطه غيرُهُ إماطةً، ومنه إماطة الأذى عن الطريق، وهي التنحية؛ لأنها إبعاد، وماط به مثلُ ذَهَبَ به، وأذهبته، وذهبتُ به، ومنهم من يقول: الثلاثيّ والرباعيّ يُستعمَلان لازمين، ومتعدّيين، وأنكره الأصمعيّ، وقال: الكلام ما تقدّم. انتهى (^١).
(الْأذَى) بفتحتين مقصورًا؛ أي: كل ما يؤذي المارّة (عَنِ الطَّرِيقِ) متعلّق بـ "تُميط" (صَدَقَةٌ") أي: له أجر صدقة.
والمعنى: أن إزالة كلّ ما يؤذي المارّة، من نحو شوك، أو عظم، أو حجر، وكذا قطع الأحجار من الأماكن الْوَعْرَة، كما يُفْعَل في طريق، وكذا كنس الطريق من التراب الذي يتأذى به المارُّ، ورَدْمُ ما فيه من حُفْرة، أو وهَدَّة، وقطع شجرة تكون في الطريق له أجر صدقة المال.
وفي معنى ما ذُكر توسيعُ الطرق التي تضيق على المارة، وإقامة مَن يبيع، أو يشتري في وسط الطرق العامّة، كمحل السعي بين الصفا والمروة، ونحو ذلك، فكله من باب إماطة الأذى عن الطريق.
ومن ذلك ما يرتفع إلى درجة الوجوب، كالبئر التي في وسط الطريق التي يُخْشَى أن يسقط فيها الأعمى، والصغير، والدابة، فإنه يجب طَمُّها، أو التحويط عليها، إن لم يضر ذلك بالمارّة، قاله في "الطرح" (^٢).
[تنبيه]: وحَكَى ابن بطال عن بعض من تقدمه أن قوله: "وتميط الأذى عن الطريق" من قول أبي هريرة -﵁- موقوف، وتعقّبه بأن الفضائل لا تُدرك بالقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا من النبيّ -ﷺ-، قاله في "الفتح" (^٣).
[تنبيه آخر]: وزاد البخاريّ -﵀- في هذا الحديث: "ودَلُّ الطريقِ صدقةٌ"، وهو أن يدل مَن لا يَعْرِف الطريق عليها، قاله في "الطرح" (^٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٨٧.
(٢) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٨.
(٣) " الفتح" ٦/ ١٣٣.
(٤) "طرح التثريب" ٢/ ٢٦٨.
[ ١٩ / ٣٥١ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا متفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٦/ ٢٣٣٥] (١٠٠٩)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٧٠٧ و٢٨٩١ و٢٩٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣١٢ و٣١٦)، و(ابن خُزيمة) في "صحيحه" (١٤٩٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٣٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ١٨٧ و١٨٨)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (١٦٤٥)، وأما فوائده فقد سبقت في المسائل المذكورة في الأحاديث الماضية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾