وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٨٩] (٩٤٥) - (وَحَدَّثَني (^١) أَبُو الطَّاهِرِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيلِي، وَاللَّفْظُ لِهَارُونَ وَحَرْمَلَةَ، قَالَ هَارُونُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَني (^٢) عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثني".
(٢) وفي نسخة: "أخبرني".
[ ١٨ / ٣٧٦ ]
هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ شَهِدَ الْجَنَان حَتَى يُصَلَّى عَلَيْهَا، فَلَهُ قِيرَاط، وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: "مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ". انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ، وَزَادَ الْآخَرَانِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي عَلَيْهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ (^١) كَثِيرَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٣ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِي) أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ الفقيه، ثقةٌ ثبتٌ حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) وله (٧٢) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النِّجَاد الأمويّ مولاهم، أبو يزيد الأيليّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (ابْنُ شِهَاب) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، أبو بكر المدً نيّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ حجة إمام، من رؤوس [٤] (ت ١٢٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة"ج ١ ص ٣٤٨.
٧ - (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ) أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقية [٣] (ت ١١٧) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
_________________
(١) وفي نسخة: "في قراريط".
[ ١٨ / ٣٧٧ ]
٨ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ، قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة أخذه عنهم، حيث روى عن كلّ منهم سماعًا وحده، ثم فصّل بينهم؛ للاختلاف فيها، فهارون أخذ عن ابن وهب سماعًا، والآخران أخذا عنه قراءةً، فتفطّن، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، كما مرّ آنفًا.
٣ - (ومنها): أن نصفه الأول مسلسلٌ بالمصريين، ويونس ممن نزل مصر، والنصف الثاني بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أنه مسلسل بالتحديث والإخبار والقول، سوى موضع واحد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ.
٦ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ شِهَاب) الزهريّ أنه (قَالَ: حَدَّثَنِي) وفي نسخة: "أخبرني" (عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ هُزمُزَ الْأَعْرَجُ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁-.
[تنبيه]: حديث الباب ورد من رواية اثني عشر من الصحابة -﵁-، وهم: أبو هريرة، وعائشة عند الشيخين، وثوبان، عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن مغفّل عند النسائيّ، وأبو سعيد الخدريّ، عند أحمد، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء صحاح، ومن حديث أُبيّ بن كعب، عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقيّ في "الشُّعَب"، وأنس عند الطبرانيّ في "الأوسط"، وواثلة بن الأسقع عند ابن عديّ، وحفصة، عند حميد بن زنجويه في "فضائل الأعمال"، وفي كلّ من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف، أفاده في "الفتح" (^١).
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٩٩.
[ ١٨ / ٣٧٨ ]
(قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَنْ) موصولة، أو شرطيّة (شَهِدَ الْجَنَان)؛ أي: حضرها وفي الرواية الآتية من طريق جرير بن حازم، عن نافع: "من تَبعَ جنازة" (حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا) بفتح اللام مبنيًّا للمفعول؛ أي: إلى أن يفرغ من الصلاة عليها، وَيحْتَمِل أن يكون بكسر اللام، بالبناء للفاعل.
قال في "الفتح": واللام للأكثر مفتوحة، وفي بعض الروايات بكسرها، ورواية الفتح محمولة عليها؛ فإنّ حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له. انتهى.
وقال في موضع آخر: قوله: "حتى يصلي" بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به، إلا لمن توجد منه الصلاة، وعلى الثاني قد يقال: يحصل له ذلك، ولو لم يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة، وحال في ونه مانع، فالظاهر حصول الثواب له مطلقًا، والله أعلم. انتهى (^١).
(فَلَهُ قِيرَاطٌ) -بكسر القاف- قال الجوهريّ: أصله قِرّاط بالتشديد؛ لأن جمعه قراريط، فأُبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء، قال: والقيراط نصف دانِق، وقال قبل ذلك: الدانِق سدس الدرهم، فعلى هذا يكون القيراط جزءًا من اثني عشر جزءًا من الدراهم، وأما صاحب "النهاية"، فقال: القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشرة في أكثر البلاد، وفي الشام جزء من أربعة وعشرين جزءًا.
ونقل ابن الجوزيّ عن ابن عَقِيل أنه كان يقول: القيراط نصف سدس درهم، أو نصف عشر دينار، والإشارة بهذا المقدار إلى الأجر المتعلّق بالميت في تجهيزه، وغسله، وجميع ما يتعلّق به، فللمصلي عليه قيراط من ذلك، ولمن شهد الدفن قيراط، وذكر القيراط تقريبًا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط، ويعمل العمل في مقابلته، وعدّ من جنس ما يعرف، وضرب له المثل بما يعلم. انتهى.
قال الحافظ: وليس الذي قاله ببعيد، وقد روى البزّار من طريق عجلان، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "من أتى جنازة في أهلها، فله قيراط، فإن تبعها، فله
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٩٩ "كتاب الإيمان" رقم (٤٧).
[ ١٨ / ٣٧٩ ]
قيراط، فإن صلى عليها، فله قيراط، فإن انتظرها حتى تدفن، فله قيراط"، فهذا يدلّ على أن لكلّ عمل من أعمال الجنازة قيراطًا، وإن اختلفت مقادير القراريط، ولا سيّما بالنسبة إلى مشقّة ذلك العمل، وسهولته، وعلى هذا فيقال: إنما خصّ قيراطي الصلاة والدفن بالذكر لكونهما المقصودين، بخلاف باقي أحوال الميت، فإنها وسائل.
ولكن هذا يخالف ظاهر سياق الحديث الذي عند البخاريّ في "كتاب الإيمان"، فإن فيه إن لمن تَبِعَها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها قيراطين فقط.
ويجاب عن هذا بأن القيراطين المذكورين لمن شَهِد، والذي ذكره ابن عقيل لمن باشر الأعمال التي يَحتَاج إليها الميتُ، فافترقا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحديث الذي ذكره الحافظ عن البزّار ضعيف، كما اعترف به هو في "الفتح" (٣/ ٥٥٩) فكيف يؤيِّد به ما نقله عن ابن عَقيل؟، وكيف يستشكله مع حديث البخاريّ؟ فهذا شيء عجيب غريب، فتأمل.
قال: وقد ورد لفظ القيراط في عدّة أحاديث، فمنها ما يُحْمَل على القيراط المتعارَف، ومنها ما يُحْمَل على الجزء في الجملة، وإن لم تُعرف النسبة: فمن الأول حديث كعب بن مالك - ﵁ -، مرفوعًا: "إنكم ستفتحون بلدًا يُذكر فيها القيراط".
وحديث أبي هريرة - ﵁ -، مرفوعًا: "كنتُ أرعى غنمًا لأهل مكة بالقراريط"، قال ابن ماجه عن بعض شيوخه: يعني كل شاة بقيراط، وقال غيره: قراريط جبل بمكة.
ومن المحتمل حديث ابن عمر - ﵄ - في الذين أُوتوا التوراة: "أعطوا قيراطًا قيراطًا"، وحديث الباب، وحديث أبي هريرة: "من اقتنى كلبًا نقص من عمله كلّ يوم قيراط".
وقد جاء تعيين مقدار القيراط في حديث الباب بأنه مثل أُحُد، وفي رواية عند أحمد، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر: قالوا: يا رسول الله، مثل قراريطنا هذه؟ قال: "بل مثلُ أحد".
[ ١٨ / ٣٨٠ ]
وقال ابن العربي القاضي: الذّرّة جزء من ألف وأربعة وعشرين جزءًا من حبّة، والحبّة ثُلُث القيراط، فإذا كانت الذرّة تُخرِج من النار، فكيف بالقيراط؟ قال: وهذا قدر قيراط الحسنات، فأما قيراط السيئات فلا. وقال غيره: القيراط في اقتناء الكلب جزء من أجزاء عمل المقتني له في ذلك اليوم.
وذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله، وقد قرّبها النبيّ - ﷺ - للفهم بتمثيله القيراط بأُحُد.
وقال الزين ابن المنيّر: أراد تعظيم الثواب، فمَثَّلَه للعيان بأعظم الجبال خَلْقًا، وأكثرها إلى النفوس المؤمنة حبًّا؛ لأنه الذي قال في حقّه: إنه جبل يحبنا، ونحبّه. انتهى. ولأنه أيضًا قريب من المخاطبين، يشترك أكثرهم في معرفته.
وخصّ القيراط بالذكر لأنه كان أقلّ ما تقع به الإجارة في ذلك الوقت، أو جرى ذلك مجرى العادة من تقليل الأجر بتقليل العمل.
وقال الطيبيّ: قوله: "مثل أُحُد" تفسير للمقصود من الكلام، لا للفظ القيراط، والمراد منه أنه يرجع بنصيب كبير من الأجر، وذلك لأن لفظ القيراط مبهم من وجهين، فبيّن الموزون بقوله: "من الأجر"، وبيّن المقدار منه بقوله: "مثل أحد".
وقال النوويّ وغيره: لا يلزم من ذكر القيراط في الحديثين تساويهما؛ لأن عادة الشارع تعظيم الحسنات، وتخفيف مقابلها، والله أعلم.
(وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفنَ)؛ أي: يُفرغ من دفنها؛ أي: بعد صلاته عليها، كما بيّنه في القسم الأول بقوله: "حتى يُصَلَّى عليها". وقد جاء التصريح بالصلاة في القسمين في رواية البخاريّ، ولفظه: "من اتبع جنازة مسلم إيمانًا، واحتسابًا، وكان معها حتى يصلَّى عليها، ويُفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كلّ قيراط مثلُ أحد، ومن صلّى عليها، ثم رجع قبل أن تُدفن، فإنه يرجع بقيراط".
قال في "الفتح": قوله: "ويُفرغ" بضم أوله، وفتح الراء، ويروى بالعكس، وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد،
[ ١٨ / ٣٨١ ]
خلافًا لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصل بالمجموع ثلاثة قراريط. انتهى.
وقال في موضع آخر: قوله: "حتى تُدفَن": ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن، وهو أصحّ الأوجه عند الشافعية وغيرهم، وقيل: يحصل بمجرد الوضع في اللحد، وقيل: عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب، وقد وردت الأخبار بكلّ ذلك، ويترجّح الأول للزيادة، ففي هذه الرواية: "حتى يُفرَغ منها"، وفي رواية عند مسلم: "حتى توضع في اللحد"، وفي رواية له: "حتى توضع في القبر"، وفي رواية لأحمد: "حتى يُقضَى قضاؤها"، وللترمذي: "حتى يُقضَى دفنُها"، ولأبي عوانة: "حتى يُسوّى عليها"؛ أي: التراب، وهي أصرح الروايات في ذلك.
وَيحْتَمِل حصول القيراط بكلّ من ذلك، لكن يتفاوت القيراط، كما تقدّم. انتهى ما قاله في "الفتح" بتصرّف (^١).
(فَلَهُ قِيرَاطَانِ") قال النووي - ﵀ -: معناه بالأول، فيَحْصُل بالصلاة قيراط، وبالاتّباع مع حضور الدفن قيراط آخر، فيكون الجميع قيراطين، تُبَيَّنه رواية البخاريّ في أول "صحيحه" في "كتاب الإيمان": "من شَهِد جنازة، وكان معها حتى يُصَلَّى عليها، ويُفْرَغ من دفنها، رَجَعَ من الأجر بقيراطين"، فهذا صريح في أن المجموع بالصلاة والاتباع، وحضور الدفن قيراطان، قال: وفي رواية البخاريّ هذه مع رواية مسلم التي ذكرها بعد هذا، من حديث عبد الأعلى: "حتى يُفْرَغ منها" دليلٌ على أن القيراط الثاني لا يحصل إلا لمن دام معها من حين صُلَّي إلى أن فَرَغ دفنها، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: يَحْصُل القيراط الثاني إذا سُتِر الميت في القبر باللَّبِن، وإن لم يُلْقَ عليه التراب، والصواب الأول.
وقد يَسْتَدِلُّ بلفظ الاتّباع في هذا الحديث وغيره مَن يقول: المشيُ وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو قول عليّ بن أبي طالب، ومذهب الأوزاعيّ، وأبي حنيفة، وقال جمهور الصحابة، والتابعين، ومالكٌ، والشافعيّ، وجماهير
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٣/ ٥٥٦.
[ ١٨ / ٣٨٢ ]
العلماء: المشي قُدّامها أفضل، وقال الثوريّ وطائفة: هما سواء، قال القاضي عياض: وفي إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يَحتاج المنصرف عن اتباع الجنازة بعد دفنها إلى الاستئذان، وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وهو المشهور عن مالك، وحَكَى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلا بإذن، وهو قول جماعة من الصحابة. انتهى (^١).
(قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟) لم يُبَيَّن القائل، ولا المقول له في هذه الرواية، ولا في الرواية الآتية بعد حديثين، وقد بُيِّن المقول له في حديث ثوبان الآتي، ولفظه: "سئل النبيّ - ﷺ - عن القيراط، فقال: مثل أحد"، وبُيِّن القائل في رواية أبي عوانة من طريق أبي مزاحم، عن أبي هريرة، ولفظه: "قلت: وما القيراط يا رسول الله؟ "، وسيأتي في الحديث الخامس أن أبا حازم أيضًا سأل أبا هريرة - ﵁ - عن ذلك.
فتبيّن بهذا أن القائل في قوله هنا: "قيل: وما القيراطان؟ " هو أبو هريرة، والمجيب هو النبيّ - ﷺ -، وقد وقع أيضًا سؤال أبي حازم لأبي هريرة - ﵁ -، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: وقع في "الفتح" بأنه وقع عند مسلم في رواية الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: "قيل: وما القيراطان يا رسول الله؟ " ببيان المقول له، لكني لم أجد هذا في النسخ التي بين يديّ، ولعل الحافظ - ﵀ - وجد نسخة صرّحت بذلك، فليُنظَر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) - ﷺ - ("مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ") خبر لمحذوف؛ أي: هما مثل الجبلين العظيمين، والجبل العظيم فُسّر في الرواية الآتية، ولفظه: "كلّ قيراط مثلُ أُحد"، وفي لفظ: "وما القيراطان"؟ قال: "أصغرهما مثل أُحد"، وللنسائيّ: "فله قيراطان من الأجر، كل واحد منهما أعظم من أُحد"، ولابن ماجه من حديث أبيّ بن كعب: "القيراط أعظم من أُحد هذا"، ولابن عديّ من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٣ - ١٤.
[ ١٨ / ٣٨٣ ]
حديث واثلة: "كُتب له قيراطان من أجر، أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أُحد"، فأفادت هذه الروايات بيان وجه التمثيل بجبل أحد، وأن المراد به زنة الثواب المرتّب على ذلك العمل، أفاده الحافظ - ﵀ -.
وقال السنديّ في "شرح النسائيّ" عند قوله: "كان له من الأجر قيراط": وهو عبارة عن ثواب معلوم عند الله تعالى، عُبّر عنه ببعض أسماء المقادير، وفُسّر بجبل عظيم، تعظيمًا له، وهو أحد - بضمتين - وَيحْتَمِل أن ذلك العمل يتجسّم على قدر جِرْم الجبل المذكور، تثقيلًا للميزان. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الثاني يردّه قوله: "من الأجر"، فإنه صريح في أن الذي يكون مثل أحد هو الأجر نفسه، فالأولى أن الأجر يُجسّد، فيوضع في الميزان، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقال النوويّ - ﵀ -: القيراط مقدار من الثواب معلوم عند الله تعالى، وهذا الحديث يدلّ على عِظَم مقداره في هذا الموضع، ولا يلزم من هذا أن يكون هذا هو القيراط المذكور في حديث: "من اقتَنَى كلبًا إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية، نَقَصَ من أجره كل يوم قيراط"، وفي روايات: "قيراطان"، بل ذلك قدر معلوم، ويجوز أن يكون مثل هذا، وأقلّ، وأكثر. انتهى (^١).
وقوله: (انْتَهَى حَدِيثُ أَبِي الطَّاهِرِ) يعني أن حديث شيخه أبي الطاهر هذا تمامه ونهايته.
وقوله: (وَزَادَ الْآخَرَانِ) يعني شيخه حرملة بن يحيى، وهارون بن سعيد، فـ "الآخران" مرفوع على الفاعليّة، وقوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) مفعول به لـ"زاد" محكيّ؛ لقصد لفظه (قَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵃ - (يُصَلِّي عَلَيْهَا)؛ أي: على الجنازة (ثُمَّ يَنْصَرِفُ)؛ أي: يرجع إلى أهله، ولا يتبعها، ويكون معها حتى تدفن؛ لعدم علمه بالسنّة (فَلَمَّا بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - هذا، وهو قوله: "ومن شَهِدها حتى تُدفن، فله قيراطان" (قَالَ) متأسّفًا على ما فوّته من الأجر الكثير، وذلك بعد إرساله إلى عائشة - ﵄ -،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ١٤ - ١٥.
[ ١٨ / ٣٨٤ ]
وسؤالها عما رواه أبو هريرة - ﵁ -، وتصديقها إياه، كما يأتي في الرواية الآتية (لَقَدْ ضَيَّعْنَا قَرَارِيطَ كَثِيرَةً) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه، وفي كثير من الأصول، أو أكثرها: "ضَيَّعنا في قراريط" بزيادة "في"، والأول هو الظاهر، والثاني صحيح على أن "ضَيَّعنا" بمعنى فَرَّطنا، كما في الرواية الأخرى، وفيه ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسف على ما يفوتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢١٨٩ و٢١٩٠ و٢١٩١ و٢١٩٢ و٢١٩٣ و٢١٩٤ و٢١٩٥] (٩٤٥)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٢٣ و١٣٢٥) و"العلم" (٤٧)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣/ ٢٠٢)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (٣/ ٣٥٩ و٣٦٠)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (٤/ ٧٦) و"الكبرى" (١/ ٦٤٥)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٥٣٩)، و(عبد الرزاق) في "مصنّفه" (٣/ ٤٤٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ١٢)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٧٧ و٤١٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٣٣ و٢٨٠ و٤٠١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٢٨)، و(الحا كم) في "مستدركه" (٣/ ٥٨٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٤١٢)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٢/ ١٨٥) و"الكبير" (٩/ ٣١٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل شهود جنازة المسلم.
٢ - (ومنها): الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحضّ على الاجتماع له.
٣ - (ومنها): التنبيه على عظيم فضل الله تعالى، وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يَتَوَلّى أمره بعد موته.
[ ١٨ / ٣٨٥ ]
٤ - (ومنها): تقدير الأعمال بنسبة الأوزان، إما تقريبًا للأفهام، وإما على حقيقته.
٥ - (ومنها): أن في قصة أبي هريرة - ﵁ - المذكورة في هذا الحديث دلالةً على تَمَيُّزه - ﵁ - في الحفظ، وقد حصل له ذلك بدعوة النبيّ - ﷺ -، فقد أخرج الشيخان من حديث - ﵁ - قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه، قال: "ابسط رداءك"، فبسطته، قال فغرف بيديه، ثم قال: "ضُمَّهُ" فضممته، فما نسيت شيئًا بعده.
وأخرجا أيضًا عنه قال: يقولون: إن أبا هريرة يُكثر الحديث، واللهُ الْمَوْعِدُ، ويقولون: ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل أحاديثه؟ وإن إخوتي من المهاجرين كان يَشْغَلهم الصفق بالأسواق، وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكنت امرءًا مسكينًا، ألزم رسول الله - ﷺ - على مِلْء بطني، فأحضر حين يغيبون، وأعي حين ينسون، وقال النبيّ - ﷺ - يومًا: "لن يبسط أحد منكم ثوبه، حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئًا أبدًا"، فبسطت نَمِرَةً ليس علي ثوب غيرها، حتى قضى النبيّ - ﷺ - مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا، والله لولا آيتان في كتاب الله، ما حدثتكم شيئًا أبدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ إلى قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
٦ - (ومنها): أن فيها دلالة على فضيلة ابن عمر - ﵄ - من حرصه على العلم، والعمل الصالح.
٧ - (ومنها): أن إنكار العلماء بعضهم على بعض قديم.
٨ - (ومنها): أن فيها استغراب العالم ما لم يصل إلى علمه.
٩ - (ومنها): عدم مبالاة الحافظ بإنكار من لم يحفظ.
١٠ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من التثبّت في الحديث النبويّ، والتحرّز فيه، والتنقيب عليه.
١١ - (ومنها): ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسّف على ما فاتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه.
[ ١٨ / ٣٨٦ ]
١٢ - (ومنها): واستُدِلَّ بقوله: "من تَبعَ" على أن المشي خلف الجنازة أفضل من المشي أمامها؛ لأن ذلك هو حقيقة الاتباع حسًّا.
قال ابن دقيق العيد - ﵀ -: الذين رجحوا المشي أمامها حملوا الاتّباع هنا على الاتباع المعنويّ؛ أي: المصاحبة، وهو أعمّ من أن يكون أمامها، أو خلفها، أو غير ذلك، وهذا مجاز يَحتاج إلى أن يكون الدليل الدالّ على استحباب التقدّم راجحًا. انتهى. وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وبيان اختلاف العلماء فيه، وترجيح الراجح بدليله في المسألة التألية - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في المشي أمام الجنازة وخلفها:
قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: قد اختلفوا في ذلك، فممن كان يرى المشي أمام الجنازة: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وأبو هريرة، والحسن بن عليّ، وابن الزبير، وأبوأُسَيد الساعديّ، وأبو قتادة، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقد كنّا مع أصحاب رسول الله - ﷺ - نمشي بين يدي الجنازة، ولا يرون بذلك بأسًا، وهو قول عُبيد بن عُمير، وشُريح، والقاسم بن محمد، وسالم، والزهريّ، ومالك، والشافعيّ، وأحمد، واحتَجَّ بتقديم عمر بن الخطاب الناس أمام جنازة زينب بنت جحش (^١).
وقال أصحاب الرأي: لا بأس بالمشي قدّامها، والمشيُ خلفها أحبّ إلينا، وقال إسحاق ابن راهويه: يتأخر أحبّ إلينا، وقد رَوَينا عن عليّ أنه مشى خلفها، وسئل الأوزاعيّ عن المشي أمام الجنازة؟ فقال: هو سعة، والأفضل عندنا خلفها.
وقالت طائفة: إنما أنتم مُتَّبِعُون، تكونون بين يديها، وخلفها، وعن
_________________
(١) قال ابن المنذر: حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن الثوريّ، عن محمد بن المنكدر، قال: أخبرني شيخ لنا يقال له: ربيعة بن عبد الله بن الحدير، قال: رأيت عمر بن الخطاب يضرب الناس يقدّمهم أمام جنازة زينب بنت جحش. انتهى. وإسناده صحيح، وربيعة بن عبد الله من رجال البخاريّ.
[ ١٨ / ٣٨٧ ]
يمينها، وعن شمالها، هذا قول مالك بن أنس، وبه قال معاوية بن قرّة، وسعيد بن جبير. وقال إسحاق في موضع آخر: لا بأس أن يمشي الرجل أمام الجنازة، وخلفها قريبًا.
قال ابن المنذر - ﵀ -: المشي أمام الجنازة، وخلفها، وعن شمالها (^١) جائز، والمشي أمامها أحبّ إليّ؛ لحديث ابن عمر - ﵄يعني حديثه الآتي عند المصنّف بعد هذا - ولأن عليه الأكثرَ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، والتابعين، ومن بعدهم.
فليُكثِر مَن تبع الجنازة، حيث مشى منها ذكرَ الموت، والفكر في صاحبهم، وأنهم صائرون إلى ما صار إليه، وليستعدّوا للموت، ولِمَا بعده، سَهَّل الله لنا حسن الاستعداد، واللقاء به. انتهى كلام ابن المنذر - ﵀ - (^٢).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ - بعد أن ذكر الاختلاف بين العلماء في هذه المسألة ما نصّه: قال أبو عمر: المشي أمام الجنازة أكثر عن العلماء، من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، وهو مذهب الحجازيين، وهو الأفضل - إن شاء الله - ولا بأس عندي بالمشي خلفها، وحيث شاء الماشي منها؛ لأن الله ﷿ لم يَحظُر ذلك، ولا رسوله - ﷺ -، ولا أعلمُ أحدًا من العلماء كره ذلك، ولا ذكر أن مشي الماشي خلف الجنازة يُحبِط أجره فيها، ويكون كمن لم يشهدها، وقد قال رسول الله - ﷺ -: "من شهد الجنازة، حتى يصلي، فله قيراط، ومن شهدها حتى تُدفن كان له قيراطان"، ولم يخصّ الماشي خلفها من الماشي أمامها. انتهى كلام ابن عبد البر - ﵀ - (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الإمامان الحافظان: أبو بكر بن المنذر، وأبو عمر بن عبد البرّ -رحمهما الله تعالى - هو الحقّ عندي.
_________________
(١) الظاهر أنه سقط من النسخة لفظة: "وعن يمينها". والله تعالى أعلم.
(٢) "الأوسط" باختصار ٥/ ٣٨٠ - ٣٨٤.
(٣) "الاستذكار" ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٣، بتغيير نصّ الحديث بنصّ حديث البخاريّ - ﵀ -.
[ ١٨ / ٣٨٨ ]
وحاصله أن المشي أمام الجنازة، أفضل؛ لما أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن ابن عمر - ﵄ - رأى رسول الله - ﷺ -، وأبا بكر وعمر - ﵄ - يمشون أمام الجنازة، وهو حديث اختُلف في وصله وإرساله، والصحيح أنه موصول، كما حققته في "شرح النسائيّ"، ولأنه عَمَلُ أكثر الصحابة، والتابعين، ومَن بعدهم، هذا من حيث الأفضليةُ، وإلا فالمشي حيث تيسر: أمامها، وخلفها، ويمينها، وشمالها جائز؛ لما أخرجه أحمد، وأصحاب السنن عن المغيرة بن شعبة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها"، وهو حديث صحيح، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاه (^١) أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَى قَوْلِهِ: "الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ"، وَلَمْ يَذْكُرَا مَا بَعْدَهُ، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الْأَعْلَى: "حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا"، وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَاقِ: "حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ) يعني أن كلًّا من عبد الأعلى، وعبد الرزّاق روى عن معمر بن راشد … إلخ.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا"، وفي أخرى: "وحدّثنا".
[ ١٨ / ٣٨٩ ]
وقوله: (حَتَّى يُفْرَغَ مِنْهَا) بضمّ أوله، وفتح الراء، ويُروى بالعكس، قال النوويّ - ﵀ -: ضبطناه بضمّ الياء، وفتح الراء، وعكسه، والأول أحسن وأعمّ، وفيه دليلٌ لمن يقول: القيراط الثاني لا يحصل إلا بفراغ الدفن. انتهى (^١).
قال في "الفتح": وقد أثبتت هذه الرواية أن القيراطين إنما يَحصُلان بمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يَحصُل بها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافًا لمن تمسّك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصُل بالمجموع ثلاثة قراريط. انتهى (^٢).
وقوله: (حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ) وفي الرواية الآتية: "حتى توضع في القبر"، وفيه دليل لمن يقول: يحصل القيراط الثاني بمجرد الوضع في اللحد، وإن لم يُلْقَ عليه التراب، وقد سبق أن الصحيح أنه لا يحصل إلا بالفراغ من إهالة التراب؛ لظاهر قوله في الروايات الأخرى: "حتى تُدفن"، وأصرح منها قوله: "حتى يُفْرَغ منها"، ويتعيّن تأويل هذه الرواية على أن المراد حتى يوضع في اللحد، ويُفْرغَ من دفنه، ويكون المراد الإشارة إلى أنه لا يَرْجِع قبل وصولها القبر، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الأعلى، عن معمر هذه ساقها الأمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧١٤٨) - حدّثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظر حتى يُفْرَغ منها فله قيراطان"، قالوا: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". انتهى.
وأما رواية عبد الرزّاق، عن معمر، فقد ساقها النسائيّ - ﵀ - في "سننه"، فقال:
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ١٥.
(٢) "الفتح" ١/ ١٩٩ رقم (٤٧).
[ ١٨ / ٣٩٠ ]
(١٩٩٤) - أخبرنا نوح بن حبيب، قال: أنبأنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن انتظرها حتى توضع في اللحد، فله قيراطان، والقيراطان مثل الجبلين العظيمين". انتهى.
والحديث متّفق عليه، وقد مضى تخريجه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩١] (…) - (وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي رِجَالٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ، وَقَالَ: "وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقة [١١] (ت ٢٤٨) (م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - " (أَبُوهُ) شعيب بن الليث بن سعد الفهميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ نبيلٌ، من كبار [١٠] (١٩٩) وله (٦٤) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (جَدُّهُ) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهميّ، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ إمام حجة مشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٢.
٤ - (عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ) الأمويّ مولاهم، أبو خالد الأيليّ، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
[ ١٨ / ٣٩١ ]
[تنبيه]: قوله: (حَدَّثَنِي رِجَالٌ) فيه أن شيوخ الزهريّ لم يُسَمَّوا، لكنه لا يضرّ؛ لأنه تقدّم في الإسنادين السابقين، تسمية اثنين منهم، فقد سمى في الأول عبد الرحمن الأعرج، وفي الثاني سعيد بن المسيِّب، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية عُقيل، عن ابن شهاب هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنِي سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ، وَلَمْ يَتْبَعْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ تَبِعَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ"، قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ: (أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المعروف بالسمين المروزيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَمّيّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
٣ - (وُهَيْبُ) بن خالد بن عَجْلان الباهليّ مولاهم، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت، تغيّر قليلًا في الآخر [٧] (ت ١٦٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤١٣.
٤ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ، تغيّر في الآخر [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
٥ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[ ١٨ / ٣٩٢ ]
و"أبو هريرة" - ﵁ - ذُكر قبله.
وقوله: (قِيلَ: وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟) تقدّم ما يدلّ أن القائل هو أبو هريرة - ﵁ -، والمقول له هو النبيّ - ﷺ -، راجع ما سبق في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم.
والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف - ﵀ -، وأخرجه أبو داود في "سننه" (٣١٦٨)، والحميديّ في "مسنده" (١٠٢١)، وأحمد في "مسنده" (٢/ ٢٤٦) وابن الجارود في "المنتقى" (٥٢٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٣] (…) - (حَدَّثَنِي (^١) مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ كيْسَانَ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، وَمَنِ اتَّبَعَهَا حَتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ فَقِيرَاطَانِ"، قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، وَمَا الْقِيرَاطُ؟ قَالَ: مِثْلُ أُحُدٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) بن فَرُّوخ القطّان، أبو سعيد البصريّ الإمام الحجة الناقد البصير، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ) اليشكريّ، أبو مُنَين الكوفيّ، صدوقٌ يُخطئ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
٣ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعي مولى عزّة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات على رأس (١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
والباقيان ذُكرا قبل حديث.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثني".
[ ١٨ / ٣٩٣ ]
وقوله: (حتَّى تُوضَعَ فِي الْقَبْرِ)؛ أي: وتُدفن بدليل ما سبق من قوله: "ومن شهدها حتى تُدفن"، وقوله: "حتى يُفرغ من دفنها".
وقوله: (قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبا هُرَيْرَةَ) هذا صريح في كون السائل أبا حازم، وأن التفسير من أبي هريرة - ﵁ -، وقد تقدّم ما يدلّ أن السؤال من أبي هريرة - ﵁ -، والتفسير من قول النبيّ - ﷺ -، فلا تغفل.
والحديث بهذا الإسناد من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّم تمام البحث فيه، فلا تغفل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكناب قال:
[٢١٩٤] (…) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ- يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إِن أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: (مَنْ تَبعَ جَنَازَة فَلَهُ قِيرَاط مِنَ الْأَجْرِ"، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَكْثَرَ عَلَيْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَبَعَثَ إِلَى عَائِشَةَ، فَسَأَلهَا، فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ فَرَّطْنُا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) بن أبي شيبة الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٦ أو ٢٣٥) وله بضع وتسعون سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (جَرِيرُ بْنَ حَازِمِ) بن زيد بن عبد الله الأزديّ، اْبو النضر البصريّ، ثقةٌ، وفي حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدّث من حفظه [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (نَافِعٌ) أبو عبد الله المدنيّ، مولى ابن عمر، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ مشهور [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
و"أبو هريرة" - ﵁ - ذُكر قبله.
[ ١٨ / ٣٩٤ ]
[تنبيه]: الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (١٣٨) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (قِيلَ لِابْنِ عُمَرَ) وفي رواية البخاريّ: "حُدّث ابن عمر"، قال في "الفتح": كذا في جميع الطرق "حُدِّثَ" بضم المهملة على البناء للمجهول، ولم أقف في شيء من الطرق عن نافع على تسمية مَن حَدَّث ابن عمر، عن أبي هريرة بذلك، وقد أورده أصحاب "الأطراف"، والحميدي في "جمعه " في ترجمة نافع، عن أبي هريرة، وليس في شيء من طرقه ما يدُلّ على أنه سمع منه، وإن كان ذلك محتملًا، ووقفت على تسمية مَن حَدَّث ابن عمر بذلك صريحًا في موضعين:
أحدهما: في "صحيح مسلم"، وهو خباب - بمعجمة، وموحدتين، الأولى مشددة - وهو أبو السائب المدنيّ، صاحب المقصورة، قيل: إن له صحبةً، ولفظه من طريق داود بن عامر بن سعد، عن أبيه، أنه كان قاعدًا عند عبد الله بن عمر إذ طَلَع خباب، صاحب المقصورة، فقال: يا عبد الله بن عمر ألا تسمع ما يقول أبو هريرة؟ فذكر الحديث.
والثاني: في "جامع الترمذيّ" من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، فذكر الحديث، قال أبو سلمة: فذكرت ذلك لابن عمر، فأرسل إلى عائشة. انتهى (^١).
وقوله: (إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - … إلخ) رواية المصنّف - ﵀ - صريحة في كون أبي هريرة - ﵁ - رفع الحديث، فهي مفسرة لما وقع في رواية البخاريّ بلفظ: "حُدِّث ابنُ عمر أن أبا هريرة - ﵄ - يقول: من تَبع جنازة فله قيراط" فإن ظاهره الوقف، لكن تبيّن برواية المصنّف كونه مرفوعًا، فتنبّه.
وقوله: (مَنْ تَبعَ) يقال: تَبعَ زيدٌ عمرًا، من باب تَعِبَ: مَشَى خلفه، أو مرّ به، فمضى معه، قاله في "المصباح"، وفي لفظ عند البخاريّ: "مَن اتّبع" بالتشديد، من الاتّباع.
قال في "الفتح": وقد تمسّك بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٩٥ - ٩٦.
[ ١٨ / ٣٩٥ ]
أفضل، ولا حجّة فيه؛ لأنه يقال: تبعه؛ إذا مشى خلفه، أو إذا مَرَّ به، فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد، وهو افتعل منه، فإذًا هو مقول بالاشتراك، وقد بيّن المرادَ الحديثُ الآخر المصحّح عند ابن حبّان وغيره، من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان، فهو بمعنى لَحِقه؛ إذا كان سبقه، ولم تأت به الرواية هنا. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي (^٢) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنِي (^٣) حَيْوَةُ، حَدَّثَنِي (^٤) أَبُو صَخْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا، وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ، كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ"، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ خَبَّابًا إِلَى عَائِشَةَ، يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ (^٥)، وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ (^٦) يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ، فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ).
_________________
(١) "الفتح" ١/ ١٩٩.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "أخبرني".
(٤) وفي نسخة: "أخبرني".
(٥) وفي نسخة: "بما قالت".
(٦) وفي نسخة: "من حصى المسجد".
[ ١٨ / ٣٩٦ ]
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المقرئ، أبو عبد الرحمن المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ فاضلٌ مقرئ [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٣ - (حَيْوَةُ) بن شُريح بن صَفْوان التُّجِيبيّ، أبو زُرْعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٤ - (أَبُو صَخْرٍ) ابن أبي الْمُخارق، حُميد بن زياد الخرّاط، صاحب الْعَبَاء، المدنيّ، نزيل مصر، صدوقٌ يَهِمُ [٦] (ت ١٨٩) (بخ م د عس ق) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٨.
٥ - (يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطِ) بن أُسامة الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ الأعرج، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٢) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدم في "المساجد" ٢٠/ ١٣٠١.
٦ - (دَاوُدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) القرشيّ الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعنه يزيد بن أبي حبيب، ويزيد بن قُسيط، وابن إسحاق، وعبد الحميد بن جعفر.
قال العجليّ: مدنيّ ثقةٌ، وقال مسلم: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، وله عند المصنّف، وأبي داود هذا الحديث فقط، وعند الترمذيّ آخر في صفة الجنة.
٧ - (أَبُوهُ) عامر بن سعد بن أبي وقّاص الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
٨ - (خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ) المدنيّ، جدُّ مسلم بن السائب بن خَبّاب، قيل: له صحبة، وقيل: مخضرمٌ [٢].
رَوَى عن أبي هريرة، وعائشة، في اتّباع الجنازة، وعنه عامر بن سعد بن أبي وقاص، قال ابن ماكولا: أدرك الجاهلية، وكذا قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": خباب مولى فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة، أدرك الجاهلية، واختُلِف
[ ١٨ / ٣٩٧ ]
في صحبته، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في "الصحابة"، وساق ابن منده من طريق عبد الله بن السائب بن خَبّاب، عن أبيه، عن جدّه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - متكئًا على سرير … الحديث.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، وليس عندهما إلا هذا الحديث فقط.
و"أبو هريرة" ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُسَيْطٍ) بضمّ القاف، وفتح السين المهملة، وإسكان الياء، بصيغة التصغير (أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ دَاوُدَ بْنَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ) عامر بن سعد (أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، إِذْ طَلَعَ خَبَّابٌ) "إذ" ظرف لـ "قاعدًا" (صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ) لم أجد سبب تلقيب خبّاب هذا بصاحب المقصورة، وفي "القاموس" و"شرحه": "المقصورةُ: الدار الواسعة المحصّنة بالحيطان، أو هي أصغر من الدار، كالقُصَارة بالضمّ، وهي المقصورة من الدار، لا يدخلها إلا صاحبها. انتهى (^١).
(فَقَالَ)؛ أي: خبّاب (يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟) هو استغراب من خبّاب لما سمعه من أبي هريرة - ﵁ -، واستغرابه، واستفسار ابن عمر من عائشة للتثبّت، لا لأنهما اتّهما أبا هريرة بالكذب؛ لأن مقام ابن عمر وخبّاب يجلّ عن أن يتّهما أبا هريرة بذلك، وإنما كان ذلك منهما مخافة أن يكون قد اشتَبَهَ الأمر على أبي هريرة في ذلك، واختَلَطَ عليه حديث بحديث، أو نحو ذلك؛ لكثرة مرويّاته، والله تعالى أعلم.
وقوله: (مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟) "ما" مصدريّة؛ أي إلى قول أبى هريرة، وَيحْتَمِل أن تكون موصولًا اسميًّا، والعائد محذوف؛ أي إلى الذي يقوله، وقوله: (أَنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعه مقول "يقول" على الأول، وعلى الاستئناف البيانيّ على الثاني، فكانه قال له: ماذا يقول؟، فقال: إنه سمع … إلخ.
وَيحْتَمِل أن يكون "أنه" بالفتح؛ عطفًا على "ما يقول".
_________________
(١) راجع: "القاموس"، وشرحه "تاج العروس: " ٣/ ٤٩٥.
[ ١٨ / ٣٩٨ ]
(سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ خَرَجَ مَعَ جَنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا) هذا بيان صريح يفسّر مبدأ اتّباع الجنازة، وهو أن يصاحبها من بيتها (وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا)؛ أي: بعد الصلاة (حَتَّى تُدْفَنَ)؛ أي: ولزمها حتى نهاية دفنها؛ لقوله في الرواية السابقة: "ويُفْرَغ من دفنها"، وفي رواية لأبي عوانة: "حتى يُسوّى عليها التراب"، وهي من أصرح الروايات في ذلك أيضًا (كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ) بضمّتين: هو الجبل المعروف بقرب المدينة النبويّة من جهة الشام، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بقويّ (^١)، وكانت فيه الوقعة المشهورة في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة (وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ رَجَعَ)؛ أي: قبل أن تُدفن (كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُحُدٍ"، فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (خَبَّابًا) صاحب المقصورة (إِلَى عَائِشَةَ) - ﵄ - (يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ) وفي نسخة: "بما قالت".
[تنبيه]: قال الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده": (٤٤٣٩) - حدّثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن الوليد بن عبد الرحمن الْجُرَشيّ، عن ابن عمر - ﵄ - أنه مَرّ بأبي هريرة - ﵁ -، وهو يُحَدِّث عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من تَبِع جنازة، فصلى عليها، فله قيراط، فإن شَهِد دفنها، فله قيراطان، القيراط أعظم من أحد"، فقال له ابن عمر - ﵄ -: أبا هريرة انظر ما تُحَدِّث عن رسول الله - ﷺ -، فقام إليه أبو هريرة، حتى انطَلَق به إلى عائشة، فقال لها: يا أم المؤمنين، أَنْشُدُك بالله، أسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَن تَبعَ جنازةً، فصلى عليها فله قيراط، فإن شَهِد دفنها، فله قيراطان"، فقالت: اللهم نعم، فقال أبو هريرة: إنه لم يكن يَشْغَلني عن رسول الله - ﷺ - غَرْسُ الْوَدِيّ، ولا صَفْقٌ بالأسواق، إني إنما كنت أطلب من رسول الله - ﷺ - كلمة يعلمنيها، وأُكْلة يُطعمنيها، فقال له ابن عمر: أنت يا أبا هريرة، كنت ألزمنا لرسول الله - ﷺ -، وأعلمنا بحديثه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: رجال إسناده رجال الصحيح، ولا تنافي بينه وبين رواية المصنّف أن ابن عمر - ﵄ - أرسل خبّابًا إلى عائشة - ﵄ -؛ لاحتمال أن
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٦.
[ ١٨ / ٣٩٩ ]
يكون بلغه أوّلًا أن أبا هريرة يُحدّث به، فأرسل إلى عائشة، فصدّقته، ثم سمع بنفسه أبا هريرة يُحدّث به، فسأله تأكيدًا، فذهب به إلى عائشة، فسمع منها أيضًا بنفسه، والله تعالى أعلم.
(وَأَخَذَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (قَبْضَةً) بفتح القاف، وتُضمّ، يقال: قَبَضتُ قَبْضةً من تمر بفتح القاف، والضمّ لغة؛ أي: أخذت، وبابه ضرب (مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ) "الحصباء بالمدّ: صغار الحصى"، وفي بعض النسخ: "من حَصَى المسجد" (يُقَلَّبُهَا) من التقلي، أو من القلب (فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ)؛ أي: خبّاب المذكور (فَقَالَ)؛ أي: الرسول (قَالَتْ عَائِشَةُ) - ﵄ - (صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (فَضَرَبَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (بِالْحَصَى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الْأَرْضَ)؛ أي: رمى الحصى في الأرض (ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا) بتشديد الراء، من التفريط، يقال: فَرّط في الأمر تفريطًا: إذا قَصَّر فيه، وضيّعه، وأفرط فيه إفراطًا: إذا أسرف، وجاوز الحدّ (^١). (فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ)؛ أي: حيث تركنا اتّباع الجنائز حتى تُدفن.
والحديث بهذا السياق من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّم بيان مسائله في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٦] (٩٤٦) - (وَحَدَّثَنَا محَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى- يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ - حَدَّثنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي قَتَادَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيَّ، عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَلَهُ قِيرَاطٌ، فَإِنْ شَهِدَ دَفْنَهَا فَلَهُ قِيرَاطَانِ، الْقِيرَاطُ مِثْلُ أُحُدٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندار، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٤٦٩.
[ ١٨ / ٤٠٠ ]
٢ - (يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ) القطّان المذكور قبل حديث.
٣ - (شُعْبَةُ) بن الحجاج بن الورد الْعَتَكيّ مولاهم، أبو بِسطام الواسطيّ، ثمّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجة إمام عابدٌ [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، من رؤوس [٤] (ت ١١٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٥ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الغَطَفَانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ يُرسل كثيرًا [٣] (ت ٧ أو ٩٨) (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
٦ - (مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ) ويقال: ابن طلحة الشاميّ، ثقةٌ [٢] (م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٤/ ١٠٩٨.
٧ - (ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) صحبه، ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحِمْصَ سنة (٥٤) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٢.
وشرح الحديث واضحٌ، يُعلم مما مضى، وفيه مسألتان:
(المسألة الأولى): حديث ثوبان - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢١٩٦ و٢١٩٧] (٩٤٦)، وأخرجه (ابن ماجه) (١٥٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١١٦١٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٢٧٦ و٢٨٢ و٢٨٣ و٢٨٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢١٢١ و٢١٢٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ الْقِيرَاطِ، فَقَالَ: "مِثْلُ أُحُدٍ).
[ ١٨ / ٤٠١ ]
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدستوائيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٢ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر الدستوائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى الْعَنَزيّ البصريّ المعروف بالزَّمِنِ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو: محمد بن إبراهيم بن أبي عديّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ١٩٤) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٨.
٥ - (سَعِيدُ) بن أبي عروبة مِهْران اليشكريّ مولاهم، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ، له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط [٦] (ت ٦ أو ١٥٧) (ع) تقدم في "الأيمان" ٦/ ١٢٧.
٦ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٧ - (عَفَّانُ) بن مسلم الصفّار، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٤٤.
٨ - (أَبَانُ) بن يزيد العطّار، أبو يزيد البصريّ، ثقةٌ، له أفراد [٧] مات في حدود (١٦٠) (خ م دت س) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ)؛ أي: كل هؤلاء الثلاثة: هشام الدستوائيّ، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان العطّار رووا هذه الحديث عن قتادة، بسنده الماضي، مثل المتن الماضي.
وقوله: (وَفِي حَدِيثِ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - … إلخ) ظاهر هذا أن رواية أبان ليس فيها "سُئل النبيّ - ﷺ - إلخ"، وإنما مذكور في رواية سعيد، وهشام، ولعلّ المصنّف - ﵀ -، وقع له هكذا، وإلا فرواية هشام الآتية عن "مسند الإمام أحمد" ليس فيها "سئل النبيّ - ﷺ - "، وإنما فيها: "قيل: وما القيراطان؟ … إلخ"، وأما رواية أبان، وسعيد ففيهما سؤال النبيّ - ﷺ -، فليُتأمل، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٤٠٢ ]
[تنبيه]: رواية هشام الدستوانيّ، عن قتادة ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٢١٨٧١) - حدّثنا أبو قَطَن، حدّثنا هشامٌ، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن نبيّ الله - ﷺ - قال: "من تَبع جنازة فله قيراط، ومن شَهِد دفنها فله قيراطان"، قيل: وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد". انتهى.
وأما رواية سعيد بن أبي عروبة، فساقها ابن ماجه - ﵀ -، فقال: (١٥٤٠) - حدّثنا حُميد بن مَسْعَدة، حدّثنا خالد بن الحارث، حدّثنا سعيد، عن قتادة، حدّثني سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَن صلى على جنازة فله قيراط، ومن شَهِد دفنها فله قيراطان"، قال: فسئل النبيّ - ﷺ - عن القيراط، فقال: "مثل أحد". انتهى.
وأما رواية أبان بن يزيد العطّار، عن قتادة، فساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٢١٩٤٨) - حدّثنا عفّان، حدّثنا أبانُ، حدّثنا قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن ثوبان، أن رسول الله - ﷺ - قال: "من صلى على جنازة فله قيراط، ومن شهد دفنها فله قيراطان"، قيل: يا رسول الله، وما القيراطان؟ قال: "أصغرهما مثل أحد،. انتهى. والله تعالى آعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.