وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٦] (١٠١٠) - (وَحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، حَدّثَني مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلا مَلَكانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيّا) بن دينار القرشيّ، أبو محمد الكوفيّ الطحّان، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٨.
٢ - (خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) الْقَطَوانيّ البجليّ مولاهم، أبو الْهَيْثم الكوفيّ، صدوقٌ يتشيع، وله أفراد، من كبار [١٠] (ت ٢١٣) أو بعدها (خ م كد ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٧.
[ ١٩ / ٣٥٢ ]
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو أيوب المدنيّ، ثقة [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (مُعَاوِيةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ) -بضمّ الميم، وفتح الزاي، وتشديد الراء المكسورة- واسمه عبد الرحمن بن يسار، مولى بني هاشم المدنيّ، ليس به بأسٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعمة سعيد بن يسار أبي الْحُباب، ويزيد بن رُومان، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة، وزياد بن أبي زياد المخزوميّ، وجماعة.
ورَوى عنه يزيد بن الهاد، وهو من أقرانه، وسليمان بن بلال، وابن المبارك، وحاتم بن إسماعيل، ووكيع، وجعفر بن عون، وغيرهم.
قال إسحاق بن منصور، عن يحيى بن معين: صالحٌ، قال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٠١٠)، وحديث (٢٥٥٤): "أما ترضين أن أصل من وصلك؟ … "، و(٢٥٥٥): "الرحم معلّقةٌ بالعرش … ".
٥ - (سَعِيدُ بْنُ يَسَارٍ) أبو الْحُبَاب المدنيّ، ثقةٌ مُتقن [٣] (ت ١١٧) أو قبلها (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٥/ ١٦١٤.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، وخالد، فكوفيّان.
٣ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى
(٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ) وهو عم معاوية بن مُزَرِّد الراوي عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "ما مِنْ يَوْمٍ) يعني: ليس من يوم،
[ ١٩ / ٣٥٣ ]
وكلمة "مِنْ" زائدة؛ لتأكيد الاستغراق، و"يوم اسم "ما" الحجازيّة، وقوله: (يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ) صفة و"يوم".
وفي حديث أبي الدرداء -﵁-: "ما من يوم طَلَعَتْ فيه الشمسُ إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعه خلق الله كلهم إلا الثقلين: يا أيها الناس هَلُمُّوا إلى ربكم، إن ما قَلَّ وكَفَى خيرٌ مما كَثُر وألهى، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان: اللهم أَعْطِ منفقًا خَلَفًا، وأعط ممسكًا مالًا تلفًا"، رواه أحمد.
(إِلا مَلَكَانِ) مبتدأ، خبره قوله: (يَنْزِلَانِ) أي: فيه، وهذه الجملة مع ما يتعلّق بها في محلّ الخبر لـ"ما".
وقال الطيبيّ -﵀-: قوله: "ملكان" مُسْتَثْنًى من متعلّق محذوف، هو خبر "ما"، والمعنى ليس يومٌ موصوف بهذا الوصف، ينزل فيه أحدٌ، إلَّا ملكان يقولان: كيت وكيت، فحُذِف المستثنى منه، ودُل عليه بوصف الملكين، وهو "ينزلان"، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بعد "إلَّا" في الاستثناء المفرَّغ قولك: ما اخترتُ إلا رفيقًا منكم، التقدير: ما اخترتُ منكم أحدًا إلَّا رفيقًا. انتهى (^١).
وفي حديث أبي الدرداء -﵁-: "إلا وبجنبتيها ملكان"، والجنبة بسكون النون: الناحيةُ (فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا) قال السنديّ -﵀-: لا يقال: لا فائدة في هذا القول على تقدير عدم سماع الناس له؛ إذ لا يحصل به ترغيب، ولا ترهيبٌ بدون السماع؛ لأنا نقول تبليغ الصادق يقوم مقام السماع، فينبغي للعاقل أن يلاحظ كلّ يوم هذا الدعاء كأنه يسمعه من الملكين، فيفعل بسبب ذلك ما لو سمع من الملكين لفعل، وهذه فائدة إخبار النبيّ -ﷺ- بذلك، على أن المقصود بالذات الدعاء لهذا، وعلى هذا، سواءٌ عَلِموا به أم لا؟. انتهى (^٢).
(اللَّهُمَّ أَعْطِ) بقطع الهمزة، من الإعطاء رباعيًّا (مُنْفِقًا) أي: منفق مال (خَلَفًا) -بفتح اللام- أي: عِوَضًا عظيمًا، وهو العوض الصالح، أو عِوَضًا في
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٥/ ١٥٢٣.
(٢) راجع: "المرعاة" ٦/ ٢٨٣.
[ ١٩ / ٣٥٤ ]
الدنيا، وبدلًا في العقبى، قيل: أبهم الخلف؛ ليتناول المال والثواب وغيرهما، فكم من منفق مات قبل أن يقع له الخلف الماليّ، فيكون خلفه الثواب المعدّ له في الآخرة، أو يُدفَع عنه من السوء ما يقابل ذلك (^١).
قال الطيبيّ -﵀-: يقال: خَلَف الله لك خَلَفًا بخير، وأخلف عليك خيرًا؛ أي: أبدلك بما ذهب منك، وعوّضك منه (^٢).
وقال الفيّوميّ -﵀-: وأخلف عليك بالألف: رَدّ عليك مثل ما ذَهَبَ منك، وأخلف الله عليك مالك، وأخلف لك مالك، وأخلف لك بخير، وقد يُحذف الحرف، فيقال: أخلف الله عليك، ولك خيرًا، قاله الأصمعيّ، والاسم الْخَلَفُ بفتحتين، قال أبو زيد: وتقول العرب أيضًا: خَلَف الله لك بخير، وخَلَفَ عليك بخير يَخْلُفُ بغير ألف. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما سبق أن خَلَف ثلاثيًّا، وأخلف رباعيًّا يُستعملان لمعنى عوّض، وأبدل، ولكن أخلف أكثرُ استعمالًا، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(ويقُولُ الآخَرُ: اللَهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا) أي: من يُمسك خيره عن غيره (تَلَفًا") بفتح اللام: أي: هلاكًا وضياعًا.
قال في "الفتح": التعبير بالعطية في هذا للمشاكلة؛ لأن التلف ليس بعطيّة، وأفاد حديث أبي هريرة -﵁- أن الكلام المذكور مُوَزَّع بينهما، فنسب إليهما في حديث أبي الدرداء -﵁- نسبة المجموع إلى المجموع، وتضمنت الآية -يعني: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)﴾ الآية [الليل: ٥]- الوعد بالتيسير لمن يُنفق في وجوه البرّ، والوعيد بالتعسير لعكسه، والتيسير المذكور أعمّ من أن يكون لأحوال الدنيا، أو لأحوال الآخرة، وكذا دعاء الملك بالخَلَف يَحْتَمِل الأمرين، وأما الدعاء بالتَّلَف فيَحْتَمِل تَلَف ذلك المال بعينه، أو تلف نفس صاحب المال، والمراد به فوات أعمال البرّ بالتشاغل بغيرها.
_________________
(١) "المرعاة" ٦/ ٢٨٣.
(٢) "الكاشف" ٥/ ١٥٢٣.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٧٩.
[ ١٩ / ٣٥٥ ]
قال النوويّ -﵀-: الإنفاق الممدوح ما كان في الطاعات، وعلى العيال، والضيفان، والتطوعات.
وقال القرطبيّ -﵀-: وهو يعمّ الواجبات والمندوبات، لكن الممسك عن المندوبات لا يستحقّ هذا الدعاء، إلا أن يَغْلِب عليه البخل المذموم، بحيث لا تطيب نفسه بإخراج الحقّ الذي عليه ولو أخرجه، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في قوله في حديث أبي موسى: "طَيِّبَةً بها نفسه". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا مُتّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٢٣٣٦] (١٠١٠)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٤٢)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٦٥٧)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٩١٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٠٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ الآية [سبأ: ٣٩]، ولقوله: "ابن آدم أَنْفِق أُنْفِق عليك"، وهذا يعم الواجب والمندوب.
٢ - (ومنها): بيان أن الممسك يستحقّ تَلَفَ ماله، ويراد به الإمساك عن الواجبات دون المندوبات، فإنه قد لا يستحقّ هذا الدعاء، اللهم إلَّا أن يغلب عليه البخل بها، وان قَلّت في نفسها، كالحبة واللقمة، ونحوهما، فهذا قد يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكون كذلك لغلبة صفة البخل المذمومة عليه، وقلّما يكون كذلك إلا ويبخل بكثير من الواجبات، أو لا يطيبُ نفسًا بها، قاله القرطبيّ -﵀- (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٦٩ - ٢٦٧، و"عمدة القاري" ٨/ ٣٠٧.
(٢) "المفهم" ٣/ ٥٥.
[ ١٩ / ٣٥٦ ]
٣ - (ومنها): أن فيه الحضَّ على الإنفاق في الواجبات، كالنفقة على الأهل، وصلة الرحم، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض.
٤ - (ومنها): أن فيه دعاء الملائكة، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله -ﷺ-: "من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه"، قاله في "العمدة" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.