وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٧] (١٠١١) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَاللَّفْظُ لَهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْب يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، فَيُوشِكُ الرّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا (^٢)، فَأمَّا الْآنَ (^٣) فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (مَعْبَدُ بْنُ خَالِدِ) بن مُزَين، ويقال: ابن مُرَي -مصغّرًا- ابن حارثة بن ناصرة بن عمرو بن سعيد بن علي بن رُهْم بن رَبَاح بن يَشْكُر بن عدوان بن عَمرو بن قيس عَيْلان بن مُضر بن نِزار الْجَدَليّ -بجيم، ومهملة مفتوحتين-
_________________
(١) "عمدة القاري" ٨/ ٣٠٧.
(٢) وفي نسخة: "قبلتها منك".
(٣) وفي نسخة: "وأما الآن".
[ ١٩ / ٣٥٧ ]
الْقَيْسيّ العابد، أبو القاسم الكوفيّ القاصّ، وجَدِيلة هي أم يَشْكُر، وهي بنت مُرّ بن أُدّ بن طابخة، ثقةٌ عابدٌ [٣].
رَوَى عن أبيه، ويقال: له صحبة، وحارثة بن وهب الخزاعيّ، والمستورد بن شَدّاد الفِهْريّ، وزيد بن عقبة الفزاري، ومسروق، والنعمان بن بشير، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وعاصم بن بَهْدلة، ومغيرة بن مقسم، ومسعر، وشعبة، والثوريّ، وأبو شيبة، وغيرهم.
ذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة، وقال: قالوا: كان ثقةً إن شاء الله تعالى، قليل الحديث، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال ابن عديّ، والعجليّ: كوفيّ تابعيّ ثقةٌ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره يعقوب بن سفيان مع جماعة، وقال: وكل هؤلاء كوفيون ثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا صابرًا على التهجد، يصلي الغداة والعشاء بوضوء واحد، وقال ابن معين: هو من أقدم شيخ لقيه سفيان، وقد ذكروا أن عبد الملك بن مروان لَمّا قَدِم الكوفة بعد قتل مصعب بن الزبير، جلس يَعْرِض أحياء العرب، فقام إليه معبد بن خالد الجَدَليّ، وكان قصيرًا دميمًا، فذكر قصة له مع عبد الملك دالّةً على معرفته وفهمه.
قال محمد بن سعد، وأحمد بن حنبل، عن طلق بن غَنّام: مات في ولاية خالد على العراق، زاد ابن سعد: سنة ثمان عشرة ومائة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، برقم (١٠١١) و(٢١٩٥) وأعاده بعده، و(٢٢٩٨) و(٢٨٥٣) وأعاده بعده.
٥ - (حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ) الْخُزَاعيّ الصحابيّ، نزل الكوفة، وكان عمر زوج أمه (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٣/ ١٥٩٨.
والباقون تقدّموا قبل باب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
[ ١٩ / ٣٥٨ ]
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه ابن أبي شيبة، فما أخرج له الترمذيّ.
٣ - (ومنها): أنهم كوفيّون سوى ابن المثنّى، وابن جعفر، وشعبة.
٤ - (ومنها): أن صحابيه من المقلِّين من الرواية، فليس له في الكتب الستة إلا خمسة أحاديث فقط، انظر: "تحفة الأشراف" (٣/ ١٠/ ١٢)، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ) الْجَدَليّ أنه (قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ) -﵁- (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقُولُ: "تَصَدّقُوا) أَمرٌ بالصدقة، ثم عَلّل الأمر بها بالفاء التعليليّة، فقال (فَيُوشِكُ) مضارع أوشك، قال الفيّوفي -﵀-: يُوشك أن يكون كذا من أفعال المقاربة، والمعنى الدنوّ من الشيء، قال الفارابيّ: الإيشاك: الإسراع، وفي "التهذيب" في "باب الحاء": وقال قتادة: كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يقولون: إن لنا يومًا أوشك أن نستريح فيه، ونَنْعَمَ، لكن قال النحاةُ: استعمال المضارع أكثر من الماضي، واستعمال اسم الفاعل منها قليلٌ، وقال بعضهم: وقد استعملوا ماضيًا ثلاثيًّا، فقالوا: وَشُكَ، مثلُ قَرُبَ وُشْكًا. انتهى (^١).
وقال في "القاموس": وَشُكَ الأمر، ككَرُمَ: سَرُعَ، كوَشَّكَ، وأوشك: أسرع السير، كواشك، ويوشِكُ الأمر أن يكون، وأن يكون الأمر، ولا تُفْتَحُ شِينه، أو لغة رديّة. انتهى (^٢).
(يُوشكُ الرّجُلُ) أي: يَقْرُب (يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ) أي: طالبًا للمحتاج حتى يدفعها إليه، وفي رواية النسائيّ: "فَإِنَّهُ سَيَأتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ، يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ" (فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيَهَا) أي: عُرضت عليه، وهو بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير الموصول، والمنصوب يعود إلى الصدقة، والمعنى: يقول الذي يُراد أن يُعطَى الصدقة؛ أي: يريد المتصدّق إعطاءه إيّاها (لَوْ جِئْتَنَا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦١.
(٢) "القاموس المحيط" ٣/ ٣٢٣.
[ ١٩ / ٣٥٩ ]
بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتُهَا) وفي نسخة: "قبلتها منك"؛ أي: لاحتياجي إليها فيه (فَأمّا) وفي نسخة: "وأما" (الآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا) قال القرطبيّ -﵀-: يعني: أنه قد استغنى عنها بما أخرجت الأرض، كما قال في الحديث الآتي: "تقيء الأرض أفلاذ كَبِدها أمثال الأسطوانة من الذهب"، وهذا كناية عما تُخرج الأرض من الكنوز والنَّدَرَات (^١)، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ٢] أي: كنوزها على أحد التفسيرين، وقيل: موتاها. انتهى (^٢).
(فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا") والظاهر أنّ ذلك يقع في آخر الزمان، حين يَفيض المال، كثرةً، عند قرب الساعة، ومن ثمّ أورده البخاريّ -﵀- في "كتاب الفتن"؛ لأن كثرة المال من الفتن، ويدلّ عليه حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال النبيّ -ﷺ-: "لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال، فَيَفِيضَ، حتى يُهِتم ربَّ المال، من يقبل صدقته، وحتى يَعرِضَه، فيقول الذي يَعرِضه عليه: لا أرب لي"، متّفق عليه.
وحديثُ أبي موسى -﵁-، عن النبيّ -ﷺ-، قال: "ليأتينّ على الناس زمان، يطوف الرجل فيه بالصدقة، من الذهب، ثم لا يجد أحدًا يأخذها منه، ويُرَى الرجلُ الواحد، يتبعه أربعون امرأة، يَلُذْنَ به، من قِلَّةِ الرجال، وكثرة النساء". متّفق عليه.
وقال ابن التين -﵀-: إنما يقع ذلك بعد نزول عيسى -﵇-، حين تُخرِجُ الأرض بركاتها، حتّى تُشبع الرُّمّانةُ أهلَ البيت، ولا يبقى في الأرض كافر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن التين -﵀- محتمل، وَيحْتَمِل أن يكون قبل ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حارثة بن وهب -﵁- هذا متّفق عليه.
_________________
(١) جمع نَدْرة بفتح فسكون، وهي القطعة من الذهب توجد في المعدن.
(٢) راجع: "المفهم" ٣/ ٥٦.
[ ١٩ / ٣٦٠ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [١٨/ ٢٣٣٧] (١٠١١)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١١ و١٤٢٤)، و(النسائيّ) في "الزكاة" (٢٥٥٥)، وفي "الكبرى" (٢٣٣٦)، و(أبو داود الطيالسي) في "مسنده" (١/ ١٧٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٠٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الصدقة، والمبادرة بأدائها إلى مستحقّها قبل أن لا يوجد من يقبلها، قال النوويّ -﵀-: وفي هذا الحديث، والأحاديث بعده مما ورد في كثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته الحثُّ على المبادرة بالصدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذُّرها، وقد صَرَّح بهذا المعنى بقوله -ﷺ- في أول الحديث: "تصدقوا، فيوشك الرجل … " إلى آخره، وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في "الصحيح" بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادّخارهم المال، وكثرة الصدقات، والله أعلم. انتهى (^١).
٢ - (ومنها): استحباب المبادرة إلى الخير قبل فوات وقته.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ -ﷺ- بما سيقع في آخر الزمان.
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على أن فتح الدنيا لا خير فيه؛ لأنه لو كان فيه خير لكان زمان النبيّ -ﷺ-، وزمان أصحابه، والتابعين تُفتح فيه الدنيا أكثر من آخر الزمان، فدلّ على أنه من جملة الفِتَن التي تقع عند قرب الساعة، نسأل الله تعالى أن يجنّبنا الفتن، ما ظهر منها، وما بطن، إنه سميع قريبٌ مجيب الدعوات، وغافر السيّئات آمين، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٦.
[ ١٩ / ٣٦١ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٨] (١٠١٢) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الْأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ عَلَى النَاس زَمَانٌ، يَطُوفُ الرّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ، ثُمَّ لَا يَجدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا مِنْهُ، ويُرَى الرّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأةً يَلُذْنَ بِهِ، مِنْ قِلّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ"، وَفي رِوَايَةِ ابْنِ بَرَّادٍ: "وَتَرَى الرَّجُلَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ برّادٍ الْأَشْعَرِيُّ) أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) تقدّم قبل بابين.
٣ - (بُرَيْدُ) بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
والباقون تقدّموا قبل باب، وأبو أسامة اسمه حمّاد بن اسامة.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه شيخان قَرَن بينهما؛ لاتحادهما في كيفيّة التحمل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه عبد الله بن بزاد، فانفرد به هو، وعلّق له البخاريّ، وأما شيخه أبو كريب، فمن التسعة الذين اتّفق الجماعة في الرواية عنهم بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالكوفيين من أوله إلى آخره.
٤ - (ومنها): أنه لا يوجد في "الصحيحين" من اسمه بُريد إلا المذكور في هذا السند، وكنيته أبو بُردة مثل جدّه.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية الراوي، عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد بن عبد الله، وأبو موسى أبوه.
[ ١٩ / ٣٦٢ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) -بضم الباء الموحدة، مصغّرًا- اسمه عامر، وقيل: الحارث (عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريّ -﵁- (عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-) أنه (قَالَ: "لَيَأتِيَنَّ) اللام هي الموطّئة للقسم، و"يأتيَنّ" مؤكّد بالنون الثقيلة، جواب للقسم المقدّر؛ أي: والله ليأتينّ (عَلَى النّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ) أي: يدور (الرَّجُلُ فِيهِ) أي: في ذلك الزمان (بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذهَبِ) خصّه بالذكر؛ مبالغةً في عدم مَن يَقْبَل الصدقة؛ لأن الذهب أعزّ المعدنيات، وأشرف الأموال، فإذا لم يوجد من يأخذ هذا، ففي غيره بالطريق الأولى.
وقال النوويّ -﵀-: قوله -ﷺ-: "يطوف الرجل بصدقته من الذهب" إنما هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنه إذا كان الذهب لا يقبله أحدٌ، فكيف الظن بغيره؟.
قال: وقوله: "يطوف" إشارة إلى أنه يتردد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها، فتحصل المبالغة والتنبيه على عدم قبول الصدقة بثلاثة أشياء: كونه يَعْرِضُها، ويطوف بها، وهي ذَهَبٌ. انتهى (^١).
(ثُمَّ لَا يَجِدُ أَحَدًا يَأخُذُهَا) أي: الصدقة (مِنْهُ، ويُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ) ببناء الفعل للمفعول، وقوله: (يَتْبَعُهُ) جملة في محل النصب على الحال (أَرْبَعُونَ امْرَأةً) قال الكرمانيّ -﵀-: التخصيص بعدد الأربعين لا يدلّ على نفي الزائد؛ أي: فلا ينافي رواية "خمسين امرأة" (يَلُذْنَ بِهِ) أي: يَلتجئن إليه، ويرغبن فيه، وهو بضم اللام، وسكون الذال المعجمة: من لاذ يلوذ لَوْذًا، كقال يقول قولًا (^٢): إذا التجأ به، وانضمّ إليه، واستغاث به، وذلك إما لكونهن نساءه وسراريّه، وقيل: من البنات والأخوات، وشِبْهِهِنّ من القرابات.
وقال القرطبيّ -﵀-: معنى "يَلُذْن" يستترن ويتحرّزن به، من الملاذِ الذي هو السترة، لا من اللذّة، وذلك إنما يكون لكثرة قتل الرجال في الملاحم، كما
_________________
(١) "شرح النووي" ٧/ ٩٦.
(٢) قال في "القاموس" (١/ ٣٥٨): اللَّوْذُ بالشيءِ: الاستتار، والاحتصانُ به، كاللواذ مثلّثةً، واللياذِ، والْمُلاوذة، والإحاطةُ، كالإلاذة. انتهى.
[ ١٩ / ٣٦٣ ]
سيأتي في "كتاب الفتن". انتهى (^١).
(مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ، وَكَثْرَةِ النِّسَاءِ") وتكون قلة الرجال من اشتداد الفتن، وترادف الْمِحَن، فيقلّ الرجال.
وقال النوويّ -﵀-: معنى "يَلُذْنَ به": أي: ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهن، وَيذُبّ عنهن، كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط، وبقيت نساؤها، فَيَلُذْن بذلك الرجل؛ لِيَذُبّ عنهنّ، ويقوم بحوائجهنّ، ولا يطمع فيهنّ أحد بسببه، وأما سبب قلة الرجال وكثرة النساء، فهو الحروب والقتال الذي يقع في آخر الزمان، وتراكم الملاحم، كما قال -ﷺ-: "ويكثُر الْهَرْج": أي: القتل. انتهى (^٢).
(وَفي رِوَايَةِ) عبد الله (ابْنِ بَرَّادٍ) شيخه الأول ("وَتَرَى الرَّجُلَ") بتاء الخطاب، والبناء للفاعل، ونصب "الرجل" على المفعوليّة، قال النوويّ -﵀-: قوله: "وُيرَى الرجل الواحدُ" ثم قال: وفي رواية ابن براد: "وتَرَى"، هكذا هو في جميع النسخ: الأول "يُرَى" بضم الياء المثناة تحتُ، والثاني بفتح المثناة فوقُ. انتهى.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٣٨] (١٠١٢)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤١٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٨٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): الحثّ على الاهتمام بالمبادرة في أداء الصدقة إلى مستحقّها، واغتنام إمكانها قبل تعذرها، وفي "الصحيحين" عن حارثة بن
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٥٦ - ٥٧.
(٢) "شرح النووي" ٧/ ٩٦ - ٩٧.
[ ١٩ / ٣٦٤ ]
وهب -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "تصدقوا، فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها: لو جئتنا بها بالأمس قبلتها، فأما الآن فلا حاجة لي بها، فلا يجد من يقبلها".
٢ - (ومنها): أن فيه الإخبارَ بكثرة المال في آخر الزمان، وأن الإنسان لا يجد من يقبل صدقته، حتى يحصل له من ذلك همّ، قال النوويّ: وسبب عدم قبولهم الصدقة في آخر الزمان كثرة الأموال، وظهور كنوز الأرض، ووضع البركات فيها، كما ثبت في "الصحيح" بعد هلاك يأجوج ومأجوج، وقلة الناس وقلة آمالهم، وقرب الساعة، وعدم ادّخارهم المال، وكثرة الصدقات.
٣ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، حيث أخبر النبيّ -ﷺ- بما يكون في آخر الزمان، وسيقع ذلك لا محالة، كما أخبر -ﷺ-؛ لأن خبره -ﷺ- صدق مطابق للواقع، لا يتخلّف بوجه من الوجوه.
٤ - (ومنها): الإعلام بما يكون بعده -ﷺ- من كثرة الأموال، حتى لا يجد صاحب الصدقة من يقبلها، والظاهر أن ذلك بعد قتل عيسى -﵇- الدجال وهلاك الكفّار، فإنه إذا نزل لا يجد أحد من الكفّار نفَسه إلا مات، ونفَسه ينتهي حيث ينتهي طَرْفه، كما سيأتي عند المصنّف في "كتاب الفتن" -إن شاء الله تعالى-، ففي ذلك الوقت لا يبقى بأرض الإسلام كافر، وتنزل إذ ذاك بركات السماء إلى الأرض، والناس إذ ذاك قليلون، لا يدّخرون شيئًا؛ لعلمهم بقرب الساعة، وتردّ الأرض إذ ذاك بركاتها، حتى تكفي الجماعة الرُّمانة الواحدة، وتلقي الأرض أفلاذ كبدها، وهو ما دفنته ملوك العجم، كسرى وغيره، أو ما خلقه الله تعالى في الأرض، ويكثر المال، حتى لا يتنافس فيه الناس.
٥ - (ومنها): أنه استنبط منه بعضهم أنه إذا لم يجد من يقبل صدقته فلا حرج عليه، وهو واضح الحكم والتعليلِ؛ إذ لم يقع منه تقصير، ولا منع، لكن في استنباط ذلك من الحديث نظر؛ لأن غاية ما فيه الإخبار بان هذا سيقع، أما كونه إذا وقع يكون صاحب المال مأثومًا أو غير مأثوم، فليس فيه تعرّض له، قاله في "الطرح" (^١).
_________________
(١) "طرح التثريب" ٤/ ٢٦.
[ ١٩ / ٣٦٥ ]
٦ - (ومنها): بيان أن الرجال سيقلّون، وتكثر النساء، حتى يكون لأربعين امرأة، أو لخمسين القيّم الواحد، وسبب ذلك كثرة الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنهم أهل الحرب دون النساء، قال في "الفتح": وقال أبو عبد الملك: هو إشارة إلى كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرجل الواحد عدّة موطوءات.
وتعقّبه الحافظ: فقال: وفيه نظر؛ لأنه صرّح بالقلة في حديث أبي موسى -﵁يعني: المذكور في الباب- فقال: "من قلة الرجال، وكثرة النساء"، والظاهر أنها علامة محضةٌ، لا لسبب آخر، بل يُقَدِّر الله في آخر الزمان أن يَقِلّ من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الإناث، وكون كثرة النساء من العلامات مناسبة لظهور الجهل، ورفع العلم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَن رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتى يَكْثُرَ الْمَالُ، ويفِيضَ، حَتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأنهَارًا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) -بتشديد التحتانيّة (^٢) - المدنيّ نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهْرة، ثقةٌ [٨] [ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٣ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح، أبو يزيد المدنيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) بتشديد الياء التحتانيّة: منسوب إلى القارَة القبيلة المعروفة بجودة الرمي.
[ ١٩ / ٣٦٦ ]
٤ - (أَبُوهُ) أبو صالح ذكوان السمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى يعقوب، فما أخرج له ابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فبَغْلانيّ، وقد دخل المدينة.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه أبو هريرة -﵁- أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) -﵁- (أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا) نافية، ولذا رفع الفعل بعدها (تَقُومُ السَّاعَةُ) أي: القيامة، قال ابن الأثير -﵀-: الساعة في الأصل تُطلَق على معنيين:
[أحدهما]: أن تكون عبارةً عن جزء من أربعة وعشرين جزءًا، هي مجموع اليوم والليلة.
[والثاني]: أن تكون عبارةً عن جزء قليل من النهار أو الليل، يقال: جلست عندك ساعةً من النهار؛ أي: وقتًا قليلًا منه، ثم استعير لاسم يوم القيامة، قال الزجاج: معنى الساعة في كل القرآن: الوقتُ الذي تقوم فيه القيامة، يريد أنها ساعةٌ خفيفةٌ يَحدُث فيها أمرٌ عظيمٌ، فلقلة الوقت الذي تقوم فيه سماها ساعةً، والله أعلم. انتهى كلام ابن الأثير -﵀- (^١).
(حَتى يَكْثُرَ الْمَالُ، ويفِيضَ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من فاض، من باب ضرب: أي: يكثر، يقال: فاض السيل يَفِيض فيضًا: كثُر وسال من شَفَة
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ٤٢٢.
[ ١٩ / ٣٦٧ ]
الوادي، وأفاض بالألف لغة، وفاض الإناء فَيْضًا: امتلأ، وأفاضه صاحبه، وفاض الماء والدم: قَطَرَا، وفاض كلُّ سائل: جَرَى، وفاض الخير كَثُر، وأفاضه الله كثَّره، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
وقال في "الطرح": قوله: "ويفيض" بفتح أوله، فسره أهل اللغة بأن معناه يكثر، وحينئذ فيشكل عطفه عليه في قوله: "حتى يكثر فيكم المال، فيفيض"، والذي يظهر لي أن في الفيض زيادةً على الكثرة، ولذلك قال في "المشارق" في قوله: "يفيض المال" أي: يكثر حتى يَفْضُل منه بأيدي مُلاكه ما لا حاجة لهم به. انتهى (^٢).
(حَتى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ) أي: ليدفعها لمستحقّها (فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ) لاستغنائهم عنها (وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ) قال القرطبيّ -﵀-: أي: تنصرف دواعي العرب عن مقتضَى عاداتهم من انتجاع الغيث، والارتحال في المواطن للحروب والغارات، ومن نخوة النفوس العربيّة الكريمة الأبيّة إلى أن يتقاعدوا عن ذلك، فينشغلوا بغراسة الأرض، وعمارتها، وإجراء مياهها، كما شُوهد في كثير من بلادهم وأحوالهم. انتهى (^٣).
وقال النوويّ -﵀-: معناه -والله أعلم- أنهم يتركونها، ويُعْرِضون عنها، فتبقى مُهْمَلة لا تُزْرَع ولا تُسْقَى من مياهها، وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب الساعة، وقلة الآمال، وعدم الفراغ لذلك، والاهتمام به. انتهى (^٤).
قال الجامع عفا الله عنه: ما فسّر به النوويّ هذا الحديث من أن المراد به تعطيل الأراضي، وعدم عمارتها مما لا يخفى بعده، بل الظاهر ما فسّر به القرطبيّ في كلامه المذكور آنفًا؛ لأنه الذي يقتضيه ظاهر سياق الحديث.
وحاصله أن المراد إقبال العرب على استثمار أراضيها، وإحيائها، بإجراء الأنهار، وغرس الأشجار، وزرع الحبوب، وتركها ارتحالها وتنقّلاتها من مكان إلى مكان؛ طلبًا للكلأ، على ما هو المعتاد لها، فإن هذا هو المطابق للواقع،
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٨٥.
(٢) "طرح التثريب" ٤/ ٢٦.
(٣) "المفهم" ٣/ ٥٧.
(٤) "شرح مسلم" ٧/ ٩٧.
[ ١٩ / ٣٦٨ ]
كما هو مشاهدٌ اليومَ في المملكة العربيّة السعوديّة، وغيرها من البلاد العربيّة، ففيه عَلَم من أعلام النبوّة حيث وقع ما أخبر به النبيّ -ﷺ-، كما أخبر، والله تعالى أعلم.
(مُرُوجًا) بضمّ الميم: جمع مَرْج بفتح فسكون، كفلس وفُلُوس: وهي أرض ذات نبات ومَرْعًى، قاله الفيّوميّ، وقال ابن الأثير: "الْمَرْج": الأرض الواسعة ذات نبات كثير، تَمْرُج فيه الدوابّ؛ أي: تُخلّى تَسْرَحُ مُختلطةً، كيف شاءت. انتهى (^١).
(وَأنهَارًا") بالفتح: جمعِ نَهَر بفتحتين، كسَبَب وأسباب، وهو الماء الجاري المتّسع، ويقال فيه: نهْرٌ بفتح، فسكون، فعلى هذا يُجمَع على نُهُر بضمّتين، وأنْهُر، قاله الفيّوميّ (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٣٩ و٢٣٤٠] (١٠١٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٧٠ و٤١٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٨١ و٦٧٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٩)، و"الحلية" (٧/ ١٤١)، وفوائده تعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي يُونُسَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ، فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنْهُ صَدَقَةً، وَيُدْعَى إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَيَقُولُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ").
_________________
(١) "النهاية" ٤/ ٣١٥.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٧.
[ ١٩ / ٣٦٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السَّرْح المصريّ، ثقة [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله، أبو محمد المصريّ، ثقة ثبت حافظ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بْنِ يعقوب الأنصاريّ مولاهم المصريّ، ثقة ثبتٌ فقيه [٧] (ت قبل ١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٤ - (أَبُو يُونُسَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، مولى أبي هريرة، ثقةٌ [٣] (ت ١٢٣) (بخ م د ت) تقدم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
"أبو هريرة" ذُكر قبله.
وقوله: (حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ إلخ) قال النوويّ -﵀-: ضبطوه بوجهين: أجودهما، وأشهرهما "يُهِمّ" بضم الياء، وكسر الهاء، ويكون "ربَّ المال" منصوبًا مفعولًا، والفاعلُ "مَنْ"، وتقديره: يُحْزنُه، وَيهْتَمّ له.
والثاني: "يَهُمّ" بفتح الياء، وضم الهاء، ويكون "ربَّ المال" مرفوعًا فاعلًا، وتقديره: يَهُمّ ربُّ المال من يقبل صدقته؛ أي: يقصده، قال أهل اللغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهَمَّهُ: إذا أذابه، ومنه قولهم: هَمَّكَ ما أَهمَّك؛ أي: أذابك الشيءُ الذي أحزنك، فأذهب شحمك، وعلى الوجه الثاني هو من هَمَّ به إذا قَصَدَهُ. انتهى كلام النوويّ -﵀- (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر كلام النوويّ أن همّ ثلاثيًّا لا يأتي بمعنى "أحزن"، وإنما هو بمعنى "قصد" فقط، وليس كذلك، فقد ذكر أهل اللغة أنه يأتي بمعنى أحزن، قال الفيّوميّ -﵀-: والْهَمّ الحزن، وأهمّني الأمر بالألف: أقلقني، وهَمّني هَمًّا، من باب قَتَل مثلُهُ. انتهى (^٢).
وقال المجدّ -﵀-: "الْهَمّ": الْحُزن، جمعه هُمُومٌ، وما هَمَّ به في نفسه، وهَمَّهُ الأمر هَمًّا: ومَهَمَّةً: حَزَنَهُ، كأهمّه، فاهتمّ. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤١.
(٣) "القاموس المحيط" ٤/ ١٩٢.
[ ١٩ / ٣٧٠ ]
وقوله: (وَيُدْعَى إِلَيْه الرَّجُلُ) ببناء الفعل للمفعول، والضمير المجرور للصدقة، بتأويل المال.
وقوله: (لَا أَرَبَ لِي فِيهِ) بفتحتين، ويقال فيه: الإِرْبةُ بالكسر، والْمَأرُبةُ بفتح الراء، وضمّها: الحاجة، والجمع المآرب، والأَرَبُ في الأصل مصدر، من باب تَعِبَ، يقال: أَرِبَ الرجلُ إلى الشيء: إذا احتاج إليه، فهو آربٌ، على فاعلٍ، والإِرْبُ بالكسر يُستعمل في الحاجة، وفي العضو، والجمعُ آرابٌ، مثلُ حِمْل وأحمال، وفي الحديث: "وكان أملككم لإِرْبِهِ"؛ أي: لنفسه عن الوقوع في الشهوة، قاله الفيّوميّ -﵀- (^١).
وذكر في "القاموس" من معنى الإِرْب بالكسر الحاجةَ، كالإرْبة بالكسر، والضمّ، والأَرَب محرّكةً، والْمَأرِبة مثلّثة الراء (^٢).
وقوله: (لا أَرَبَ لي فِيهِ) أي: لا حاجة لي في المال بمعنى الصدقة.
والحديث من أفراد المصنّف -﵀-، وقد سبق تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج -﵀- المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٣٤١] (١٥١٣) - (وَحَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَأَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، وَاللَّفْظُ لِوَاصِلٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: (تَقِيءُ الْأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا، أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيجِيءُ الْقَاطِعُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِق، فَيَقُولُ: في هَذَا قُطِعَتْ يَدِي، ثُمَّ يَدَعُونَهُ، فَلَا يَأخُدُونَ مِنْهُ شَيْئًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى) بن هلال الأسديّ، أبو القاسم، أو أبو محمد الكوفيّ، ثقة [١٠] (ت ٢٤٤) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ١٢/ ٥٨٧.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١١.
(٢) راجع: "القاموس" ١/ ٣٦.
[ ١٩ / ٣٧١ ]
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ) هو: محمد بن يزيد بن محمد بن كثير بن رِفَاعة بن سَمَاعة العِجْليّ، أبو هشام الرِّفاعيّ الكوفيّ، قاضي المدائن، ليس بالقويّ، من صغار [١٠].
روى عن عبد الله بن إدريس، وعبد الله بن نمير، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، ومحمد بن فضيل، وأبي بكر بن عياش، ومعاذ بن هشام، وسعيد بن عامر الضبعيّ، وغيرهم.
وروى عنه مسلم، والترمذيّ، وابن ماجه، وعثمان بن خُرّزاذ، وبَقِيّ بن مَخْلَد، وابن أبي خيثمة، وأحمد بن عليّ الأَبّار، وابن أبي الدنيا، وابن خزيمة، وغيرهم.
وذكر ابن عديّ أن البخاريّ روى عنه (^١)، قال ابن محرز: سألت ابن معين، فقال: ما أرى به بأسً، وقال العجليّ: كوفيّ لا بأس به، صاحب قرآن، قرأ على سُلَيم، وولي قضاء المدائن، وقال البخاريّ: رأيتهم مجتمعين على ضعفه، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال الحسين بن إدريس: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقول: أبو هشام الرفاعيّ رجل حسن الخلق، قارئ للقرآن، قال: ثم سألت عثمان وحدي عن أبي هشام الرفاعيّ، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يَسْرِق حديث غيره فيرويه، قلت: أعَلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟، فقال: كيف يكون تدليسًا، وهو يقول: حدَّثنا؟، وقال ابن عقدة، عن محمد بن عبد الله الحضرميّ: أَلْقَيتُ على ابن نُمير حديثًا، فقال: أَلْقِه على أهل الكوفة كلِّهم، ولا تُلْقِه على أبي هشام فيسرقه، وقال أبو حاتم الرازيّ: سألت ابن نمير عنه، فقال: كان أضعفنا طلبًا، وأكثرنا غرائب، وقال ابن عديّ: سمعت عبدان يقول: كنا مع أبي بكر بن أبي شيبة في جنازة، فأقبل أبو هشام، فقلت: يا أبا بكر ما تقول فيه؟ فقال: انظر إليه، ما أحسن خضابه؟
_________________
(١) قال في "تهذيب التهذيب" (٣/ ٧٣٥): وما نقله المزيّ عن ابن عديّ أنه ذكره في شيوخ البخاريّ، هو كما قال، لكن ابن عديّ قال: استشهد به البخاريّ، وقد بَيَّن المزيّ بعدُ أنه غلظٌ من ابن عديّ، وأن الذي روى عنه البخاريّ إنما هو محمد بن يزيد الحزاميّ الكوفيّ، وقد فرّق البخاري وغيره بينه وبين أبي هشام، فالله تعالى أعلم. انتهى.
[ ١٩ / ٣٧٢ ]
وقال أحمد بن عليّ الآبار: سألوا عبد الله بن عمر؛ يعني: ابن أبان، عن أبي هشام، فلم يعجبه، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف، يتكلمون فيه، هو مثل مسروق بن المرزبان، وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استُقضي أبو هشام الرفاعي في سنة اثنتين وأربعين، وهو رجل من أهل القرآن والعلم والفقه والحديث، قرأ علينا ابن صاعد أكثر كتابه في القراءات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وقال الْبَرْقانيّ: ثقة، أمرني الدارقطنيّ أن أخرج حديثه في الصحيح.
قلت: وقال أبو عمرو الدانيّ: أخذ القراءات عن جماعة، وله عنهم شذوذ كثير، فارق فيه أصحابه، قال ابن عديّ: أُنكِر على أبي هشام أحاديثُ عن ابن إدريس، وأبي بكر، وغيرهما مما يطول ذكره، وقال الدارقطنيّ: تكلم فيه أهل بلده، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالقويّ عندهم، وقال مسلمة: لا بأس به. قال ابن حبان: مات سنة ثمان وأربعين ومائتين في سلخ شعبان، وقال طلحة بن محمد: مات سنة تسع، وقال الخطيب: الأول أصحّ.
روى عنه المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٠١٣)، وحديث (١٥٧): "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … ".
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن الأكثرين على تضعيف أبي هاشم الرفاعي، فيُعتذر عن المصنّف في روايته عنه بأنه إنما روى عنه حديثين فقط متابعة، فقد روى عنه هنا مع واصل بن عبد الأعلى، وأبي كريب، وروى عنه (١٥٧) حديث: "لا تذهب الدنيا حتى يمرّ الرجل على القبر، فيتمرغّ عليه … " مع عبد الله بن عمر بن محمد بن أبان بن صالح مُشكدانة، فتنبّه.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غزوان الضبيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
٤ - (أَبُوهُ) فُضَيل بن غَزْوان بن جرير الضّبيّ مولاهم، أبو الفضل الكوفيّ، ثقةٌ، من كبار [٧] مات بعد سنة (١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧٨/ ٤٠٥.
٥ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩/ ١٤٢.
[ ١٩ / ٣٧٣ ]
والباقيان ذُكرا في الباب.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خُماسيّات المصنّف -﵀-، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتفاقهم في التحمّل والأداء.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخيه: واصل، والرفاعيّ، كما أسلفت آنفًا، وأما أبو كُريب فمن شيوخ الجماعة بلا واسطة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ) -﵁- أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "تَقِيءُ) مضارع قاء؛ أي: تلقي (الأَرْضُ أفلَاذَ كَبِدِهَا) -بفتح الهمز-: جمع الْفِلْذة، وهي القطعة المقطوعة طولًا، وسُمِّي ما في الأرض كَبِدًا تشبيهًا بالكبد التي في بطن البعير؛ لأنها أحبّ ما هو مُخَبَّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبه إلى العرب، وإنما قلنا في بطن البعير؛ لأن ابن الأعرابيّ قال: الْفِلْذ لا يكون إلا للبعير، فالمعنى تُظْهِر كنوزها وتخرجها من بطونها إلى ظهورها، قاله في "المرقاة" (^١).
وقال في "المشارق": قيل: معادنها، وقيل: كنوزها، وما خُبِئ فيها، وكَبِدها بطونها، وعَبَّر عمّا تُخرجه من ذلك بفِلْذَة الكَبِد، وهي القطعة منه. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ: الْفِلْذة: بالذال المعجمة: القِطعة من الشيء، والجمع فِلَذٌ، مثلُ سِدْرة وسِدَر، وفَلَذْتُ له من الشيء فَلْذًا، من باب ضرب: قطعتُ. انتهى (^٣).
وقال ابن السِّكِّيت: الْفِلْذ: القطعة من كَبِد البعير، وقال غيره: هي القطعة من اللحم، ومعنى الحديث التشبيه: أي: تُخْرِج ما في جوفها من الْقِطَع
_________________
(١) "مرقاة المفاتيح" ١٠/ ٨٠.
(٢) "مشارق الأنوار" ١/ ٣٣٣.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٤٨١.
[ ١٩ / ٣٧٤ ]
المدفونة فيها (^١).
وقال الطيبيّ: قوله: "أفلاذ كبدها" استعارة مكنيّة مستلزمة للتخييليّة، شَبَّهَ الأرضَ بالحيوان، ثم خيّل لها ما يُلازم الحيوان من الكبد، فأضاف إليها الكبد على التخييليّة؛ لتكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقية، ثم فرعّ على الاستعارة القيء ترشيحًا. انتهى (^٢).
(أَمْثَالَ الْأُسْطُوَانِ) بضم الهمزة والطاء، وهو جمع أُسْطوانة، وهي السارية، والعمود، وشَبّهَهُ بالأسطوان؛ لِعِظِمه وكثرته (^٣). وقال القاري: وفي نسخة صحيحة -يعني: نسخة "المشكاة"- "الأسطوانة"، فهي واحدة، والأوّل جنس، وهو الأنسب بجمع الأمثال. انتهى.
وقوله: (مِنَ الذَّهَب وَالْفِضَّةِ) بيان لـ "أفلاذ كبدها"، وقال القاضي البيضاويّ: معناه: أن الأَرضَ تُلقي من بطنها ما فيه من الكنوز، وقيل: ما رسخ فيها من العروق المعدنيّة، ويدلّ عليه قوله: "أمثال الأسطوان"، وشبّهها بأفلاذ الكبد؛ لأنها أحبّ ما هو مخبّأ فيها، كما أن الكبد أطيب ما في بطن الجزور، وأحبّه إلى العرب، وشبّهها بأفلاذ الكبد هيئةً وشكلًا، كأنها قطعة الكبد المقطوعة طولًا. انتهى (^٤).
قال القاريّ: ولعل الحديث فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١، ٢] (^٥).
(فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ) أي: قاتل النفس ظلمًا (فَيَقُولُ: فِي هَذَا) أي: في طلب هذا الغرض، ولأجل تحصيل هذا المقصود، قال الطيبيّ -﵀-: المشار إليه ليس عين ما قيل فيه، بل هو من جنسه، فيكون في الكلام تشبيهٌ، نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [البقرة: ٢٥] (^٦).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٩٨.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ١١/ ٣٤٣٩.
(٣) "شرح النووي" ٧/ ٩٨.
(٤) راجع: "الكاشف" ١١/ ٣٤٣٨ - ٣٤٣٩.
(٥) "المرقاة" ١٠/ ٨٠.
(٦) "الكاشف" ١١/ ٣٤٣٩.
[ ١٩ / ٣٧٥ ]
(قَتَلْتُ) أي: من قلت من النفس (وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ) أي: قاطع الرحم (فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ) بالبناء للفاعل (رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ، فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعَتْ يَدِي) بصيغة المجهول، قال القاري -﵀-: ولو رُوِيَ معلومًا لكان له وجهٌ؛ أي: تسببتُ لقطع يدي (ثُمَّ يَدَعُونَهُ) بفتح أوله وثانيه: أي: يتركون ما قاءت الأرض، من الكنز، أو المعدن (فَلَا يأخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا") أي: لعدم رغبتهم في جمع المال، حيث إن الساعة اقتربت، وانقطعت الآمال في البقاء في الدنيا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف -﵀-.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٣٤١] (١٠١٣)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٠٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٢)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٨٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٦٩٧)، وفوائد الحديث تُعلم مما سبق، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.