وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢٥] (٨٧٦) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ، حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ).
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ) القيسيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة [٧] (ت ١٦٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣/ ١١١.
٣ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقة فقيه [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
٤ - (أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدَويّ، قيل: اسمه تَمِيم بن أَسَد، وقيل: ابن أُسيد، وقيل: اسمه عبد الله بن الحارث بن عبد الحارث بن أسد بن عديّ جَرْوَل، وقيل: جَنْدَل بن عامر بن مالك بن تميم بن الدؤل بن حِسْل بن عديّ بن عبد مناة بن أُدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعنه حميد بن هلال، وصِلَة بن أَشْيم العدويان المجريان، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة يُعَدّ في أهل البصرة،
[ ١٧ / ٣٥٦ ]
قُتل بكابُل سنة أربع وأربعين، قال الدارقطنيّ: تميم بن أَسِيد بالفتح، وقال غيره بالضمّ، فالله أعلم، وقال خليفة بن خياط: سنة أربع وأربعين فَتَحَ ابنُ عامر كابلَ، وقُتل بها أبو قتادة العَدَويّ، ويقال: إن الذي قُتل أبو رفاعة العدوي.
روى له البخاري في "الأدب المفرد"، والمصنّف، والنسائيّ، له عندهم هذا الحديث فقط، والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رُباعيّات المصنّف، وهو (١٣٤) من رباعيّات الكتاب.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، والصحابيّ، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالبصريين، وشيخه، أُبُليّ، من قرية بالبصرة يقال لها: أُبُلّة.
٤ - (ومنها): أن صحابيّه -﵁- من المقلّين من الرواية، فليس له غير هذا الحديث، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَنْ (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ)، أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو رِفَاعَةَ) الْعَدويّ الصحابيّ -﵁- (انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-) أي: وصلت إلى مجلسه -ﷺ- (وَهُوَ يَخْطُبُ) جملة حاليّة، قال القرطبيّ ﵀: يَحْتَمِل أن تكون تلك الخطبة للجمعة، أو لغيرها؛ إذ قد كان النبيّ -ﷺ- يجمع الناس لغير الجمعة عند نزول النوازل، فيخطبهم، ويعظهم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ظاهر صنيع المصنّف ﵀ يدلّ على أنه يرى أنها خطبة الجمعة، فتأمّل، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥١٤.
[ ١٧ / ٣٥٧ ]
(قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، رَجُلٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا رجلٌ (غَرِيبٌ) فَعِيل بمعنى فاعل، قال في "المصباح": غزب الشخص بالضم، من باب شَرُف غَرابة: بَعُد عن وطنه، فهو غريبٌ، فَعِيل بمعنى فاعلٍ، وجمعه غُرباء (^١). (جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ) أي: أمور دينه، وتفاصيلها، وقوله: (لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ) جملة حاليّة من فاعل "يسأل".
قال القرطبيّ ﵀: قوله: "رجلٌ غريبٌ … إلخ" استلطافٌ في السؤال، واستخراجٌ حسَنٌ للتعليم؛ لأنه لَمّا أخبره بذلك تعيّن عليه أن يُعلّمه، وأيضًا، فإن هذا الرجل الغريب الذي جاء سائلًا عن دينه هو من النوع الذي قال فيه النبيّ -ﷺ-: "إن أُناسًا يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العلم، فاستوصوا بهم خيرًا" (^٢)، فإنه -ﷺ- كان لا يأمر بشيء إلا كان أوّل آخذ به، وإذا نَهَى عن شيء كان أوّل تارك له. انتهى (^٣).
(قَالَ) أبو رفاعة -﵁- (فَأَقْبَلَ عَلَي رَسُولُ اللهِ -ﷺ-، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ) إنما فعل ذلك؛ لتعيّنه عليه في الحال، ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقض ما كان فيه من الخطبة، ومشيه -ﷺ-، وقربه منه في تلك الحال مبادرة لاغتنام الفُرْصة، وإظهار التّهَمُّم بشأن السائل، قاله القرطبيّ ﵀ (^٤).
(حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ) أي: وصل إلى المكان الذي جلست فيه (فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ) بضمّ الكاف، أشهر من كسرها، والجمع الكراسيّ مثقّل أيضًا، وقد يُخفّف، قال ابن السّكّيت في "باب ما يُشدّد": وكلُّ ما كان واحدة مشدّدًا، شَدَّدتَ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٤.
(٢) حديث ضعيف، أخرجه الترمذيّ (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٧) عن أبي هارون العبديّ قال: كنا نأتي أبا سعيد، فيقول: مرحبًا بوصية رسول الله -ﷺ-، إن رسول الله -ﷺ- قال: "إن الناس لكم تَبَعٌ، وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرضين، يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا". قال أبو عيسى: قال علي بن عبد الله: قال يحيى بن سعيد: كان شعبة يضعف أبا هارون العبديّ، قال يحيى بن سعيد: ما زال ابن عون يروي عن أبي هارون العبديّ حتى مات، وأبو هارون اسمه عُمَارة بن جُوَين. انتهى.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥١٤.
(٤) "المفهم" ٢/ ٥١٥.
[ ١٧ / ٣٥٨ ]
جمعه، وإن شئتَ خفّفت. أفاده الفيّوميّ (^١).
(حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا) أي: ظننتُ أن قوائم ذلك الكرسيّ كانت حديدًا، ووقع عند النسائيّ بلفظ: "خِلْتُ" -بكسر الخاء المعجمة- من أخوات "ظَنّ"، يقال: خال الرجل الشيءَ يَخالُهُ خَيلًا، من باب نال: ظنّه، وخالة يَخِيله من باب باع لغةٌ، وفي المضارع للمتكلّم يقال: إِخاله بكسر الهمزة على غير قياس، وهو أكثر استعمالًا، وبنوأسد يفتحون على القياس. قاله الفيّوميّ.
وقال النوويّ ﵀ في "شرحه": هكذا هو في جميع النسخ "حسبت"، ورواه ابن أبي خيثمة في غير "صحيح مسلم": "خلت" بكسر الخاء، وسكون اللام، وهو بمعنى "حسبت".
وقال القاضي: ووقع في نسخة ابن الحذّاء "خشب" بالخاء، والشين المعجمتين، وفي كتاب ابن قُتيبة "خلب" بضم الخاء، وآخره باء موحّدة، وفسّروه باللِّيف، وكلاهما تصحيف، والصواب "حسبت" بمعنى ظننت، كما هو في نسخ مسلم، وغيره من الكتب المعتمدة. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ ﵀: قوله: "حسبت قوائمه حديدًا": هكذا صحيح الرواية، وذكره ابن قُتيبة، وقال: "بكرسيّ خُلْب" قال: والْخُلْب: اللِّيف، وهو تصحيف منه، وإنما هو "خِلْتُ" كما رواه ابن أبي شيبة، وهو بمعنى "حسبت" الذي رواه مسلم، ووقع في نسخة ابن الحذّاء: "بكرسيّ خشب"، وهو أيضًا تصحيف، وصوابه ما قدّمناه، وقد فسّره حميد في كتاب ابن أبي شيبة، فقال: أراه كان من عُود أسود، فحسبه من حديد.
قال القرطبيّ: وأظنّ أن هذا الكرسيّ هو المنبر، ويعني به: أنه نُقل عن موضعه المعتاد إلى موضع السائل؛ ليجلس عليه النبيّ -ﷺ-. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: كون الكرسيّ هذا هو المنبر النبويّ بعيدٌ بل الظاهر أنه كرسيّ آخر، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) رفاعة -﵁- (فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-) إنما قعد -ﷺ- على الكرسيّ
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٥٣٠.
(٢) "شرح النووي" ٦/ ١٦٥.
(٣) "المفهم" ٢/ ٥١٥.
[ ١٧ / ٣٥٩ ]
ليسمع الباقون كلامه، ويروا شَخْصَه الكريم -ﷺ- (وَجَعَلَ) أي: شَرَع -ﷺ- (يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ) أي: من الأحكام الشرعيّة التي يجهلها هو (ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ) أي: محلّ خطبته، وهو المنبر المعروف (فَأَتَمَّ آخِرَهَا).
أي: أتمّ الخطبة التي بدأ بها، قال القرطبيّ: أي: لَمّا فرغ من تعليم الرجل رجع إلى أسلوب خطبته المتقدّم، لا يقال: إن هذا الفعل منه -ﷺ- قطعٌ للخطبة؛ لِمَا قرّرناه من أن تعليم العلم، والأمر، والنهي في الخطبة لا يكون قاطعًا للخطبة، والجمهور على أن الكلام في الخطبة لأمر يحدُث لا يفسدها، وحَكَى الخطّابيّ عن بعض العلماء أن الخطيب إذا تكلّم في الخطبة أعادها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الذي عزاه الخطّابيّ لبعض العلماء من إعادة الخطبة بسبب الكلام قول ضعيف، منابذ للسنّة الصحيحة، كحديث الباب، وحديث قصّة سُليك الغطفانيّ -﵁- المذكور في الباب الماضي، حيث قال له -ﷺ- عن ركعتي تحية المسجد، وأمره بهما، إلى غير ذلك.
وكذا قول النوويّ في "شرحه" ٦/ ١٦٤: يَحْتَمِل أن تكون هذه الخطبة التي كان النبيّ -ﷺ- فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويَحْتَمِل أنها كانت الجمعة، واستأنفها، ويَحْتَمِل أنه لم يحصل فصل طويل، ويَحْتَمِل أن كلامه لهذا الغريب كان متعلّقًا بالخطبة، فيكون منها، ولا يضرّ المشي في أثنائها. انتهى.
فكلّ هذه الاحتمالات مما لا ينبني على دليل، فأين النصّ، أو الإجماع الذي يمنع الخطيب للجمعة من الكلام للحاجة، مثل التعليم، أو غيره؟ ومن أين اشتراط عدم الفصل أثناء الخطبة بكلام ونحوه؟ ومن الغريب قوله: "واستأنفها" مع أن نصّ "صحيح مسلم": "فأتمّ آخرها"، إن هذا لشيء عُجاب!، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) "المفهم" ٢/ ٥١٥.
[ ١٧ / ٣٦٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي رِفاعة العدويّ -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢٠٢٥] (٨٧٦)، و(النسائيّ) في "كتاب الزينة" (٥٣٧٩) و" الكبرى" (٩٨٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٠)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١١٦٤)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٥٧ و١٨٠٠)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة التعليم أثناء الخطبة.
٢ - (ومنها): بيان جواز الجلوس على الكراسيّ.
٣ - (ومنها): استحباب تلطّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم.
٤ - (ومنها): أن فيه تواضعَ النبيّ -ﷺ-، ورفقه بالمسلمين، وشفقته عليهم، وخفض جناحه لهم، كما وصفه الله ﷾ حيث قال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
٥ - (ومنها): المبادرة إلى جواب المستفتي، وتقديم أهمّ الأمور، فأهمّها، ولعله كان سائلًا عن الإيمان، وقواعده المهمّة، وقد اتّفق العلماء على أن من جاء يسأل عن الإيمان، وكيفيّة الدخول في الإسلام وجب إجابته، وتعليمه على الفور، قاله النوويّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "شرح النووي" ٦/ ١٦٥.
[ ١٧ / ٣٦١ ]