وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٨] (٩٤٧) - (حَدَّثنا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، عَنْ أَبُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيعِ
[ ١٨ / ٤٠٣ ]
عَائِشَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً، كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ"، قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَابِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي بِهِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (الحَسَنُ بْنُ عِيسَى) بن ماسَرْجِس، أبو عليّ النيسابوريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٠) (م دس) تقدم في "المقدمة" ٦/ ١٠١.
٢ - (ابْنُ الْمُبَارَكِ) هو: عبد الله الحنظليّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المروزيّ الإمام الحجة الثبت المشهور الجامع لخصال الخير [٨] (ت ١٨١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٢.
٣ - (سَلَّامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ) الخزاعيّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقة، صاحب سنّة [٧] (ت ١٦٤) أو بعدها (خ م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٣.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةُ ثبتٌ حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
٥ - (أَبُو قِلَابَةَ) عبد الله بن زيد بن عمرو الجرميّ البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ كثير الإرسال، فيه نصبٌ يسير [٣] (ت ١٠٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ رَضِيعُ عَائِشَةَ) البصريّ، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن عائشة، وعنه أبو قلابة الجرميّ، وأهل البصرة، قال العجليّ: تابعيّ، ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله عند المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ هذا الحديث فقط، وعند الأربعة حديث: "اللهم هذا قسمي فيما أملك … ".
٧ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵄ -، ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥.
٨ - (شُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ) الأزديّ الْمِعْوليّ مولاهم، أبو صالح البصريّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن أنس، وأبي العالية، وإبراهيم النخعيّ، وأبي قلابة، وغيرهم.
[ ١٨ / ٤٠٤ ]
ورَوَى عنه: ابناه: أبو بكر وعبد السلام، وسليمان التيميّ، ويونس بن عبيد، وعبد الوارث بن سعيد، والحمادان، وهارون بن موسى النحويّ، وغيرهم.
قال أحمد، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقةً، وله أحاديث، مات سنة (٣) ويقال: سنة (١٣١)، وغسله أيوب.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (٩٤٧)، و(١٣٦٥): "أعتق صفيّة، وجعل عتقها صداقها"، و(٢٧٠٦): "اللهم إني أعوذ بك من البخل … "، و(٢٩٣٣): "الدجال ممسوح العين … ".
٩ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) الصحابيّ المشهور - ﵁ -، مات سنة (٢ أو ٩٣) وقد جاوز المائة (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سباعيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله كلهم رجال الجماعة، غير سلام، وعبد الله بن يزيد، كما أسلفته آنفًا.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وابن المبارك فمروزيّ، وعائشة، فمدنيّة.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض، والله تعالى أعلم.
٥ - (ومنها): أن عائشة - ﵄ - من المكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "مَا مِنْ مَيِّتٍ) تقدّم أنه يجوز تخفيف يائه، وتشديدها (تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ)؛ أي: جماعة (مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَبْلُغُونَ مِائَةً) وفي حديث ابن عبّاس - ﵄ - التالي: "ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته، أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا، إلا شَفّعهم الله فيه".
[ ١٨ / ٤٠٥ ]
قال القرطبيّ - ﵀ -: قيل: سبب هذا الاختلاف اختلافُ السؤال، وذلك أنه سُئل مرّة عمن صلّى عليه مائة، واستشفعوا له؟ فقال: "شُفِّعوا"، وسئل مرّة أخرى عمن صلى عليه أربعون، فأجاب بذلك، ولو سئل عن أقلّ من ذلك لقال ذلك، والله أعلم؛ إذ قد يستجاب دعاء الواحد، ويُقبل استشفاعه، وقد روي عنه - ﷺ - أنه قال: "من صلّى عليه ثلاثة من الصفوف شفعوا له" (^١)، ولعلّهم يكونون أقلّ من أربعين. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ - بعدما نقل عن القاضي عياض نحو ما ذكره القرطبيّ ما نصّه: ويَحْتَمِل أن يكون النبيّ - ﷺ - أُخبِر بقبول شفاعة مائة، فأَخبَر به، ثم بقبول شفاعة أربعين، ثم بثلاثة صفوف، وإن قلّ عددهم، فأخبر به.
وَيحْتَمِل أيضًا أن يُقال: هذا مفهوم عدد، ولا يَحتجّ به جماهيُر الأصوليين، فلا يلزم من الإخبار عن قبول شفاعة مائة منع ما دون ذلك، وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف، وحينئذ كلّ الأحاديث معمول بها، وتحصل الشفاعة بأقلّ الأمرين، من ثلاثة صفوف، وأربعين. انتهى (^٣).
(كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ) من باب نَفَعَ يَنفَعُ، والشفاعةُ معناها الطلب؛ أي: يسألون له من الله تعالى التجاوز عن ذنوبه، وجرائمه، والجملة في محلّ نصب على الحال (إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ") بتشديد الفاء، مبنيًّا للمفعول؛ أي: إلا قُبلت شفاعتهم في ذلك الميت (قَالَ) القائل هو سلّام بن أبي مطيع، كما صرّح به في رواية النسائيّ (فَحَدَّثْتُ بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث الذي حدّثني به أيوب السختيانيّ (شُعَيْبَ بْنَ الْحَبْحَاب، فَقَالَ) شعيب (حَدَّثَنِى بِهِ)؛ أي: بهذا الحديث (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أي: فاتّفق على روايته عن النبيّ - ﷺ - عائشة، وأنس - ﵄ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
_________________
(١) أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وحسّنه، وابن ماجه، ولفظ أبي داود: "ما من مسلم، يموت، فيصلي عليه ثلاثة صفوف، إلا أوجب"، وهو وإان حسّنه الترمذيّ، إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(٢) "المفهم" ٢/ ٦٠٥ - ٦٠٦.
(٣) "شرح مسلم" ٧/ ٢٠ - ٢١.
[ ١٨ / ٤٠٦ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[تنبيه]: قال النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث، قال القاضي عياض: رواه سعيد بن منصور موقوفًا على عائشة - ﵄ -، فأشار إلى تعليله بذلك، وليس معلّلًا؛ لأن من رفعه ثقة، وزيادة الثقة مقبولة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ولو سلّمنا أنه موقوف، فلا يضرّه؛ لأنه في حكم المرفوع؛ إذ لا يقال من قبل الرأي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢١٩٨] (٩٤٧)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٢٩)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٩١ و١٩٩٢) وفي "الكبرى" (٢١١٨ و٢١١٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٣/ ٣٢١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٥٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٢ و٤٠ و٩٧ و٢٣١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٠٨١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٦٤ و٢٦٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠)، و(البغويّ) في "شرح السنة" (١٥٠٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من صلّى عليه مائة.
٢ - (ومنها): بيان رفعة قدر المسلمين عند الله تعالى، حيث تُقبل شفاعتهم.
٣ - (ومنها): مشروعيّة الصلاة على الميت.
٤ - (ومنها): استحباب تكثير عدد المصلين على الميت.
٥ - (ومنها): استحباب شفاعة المصلين للميت عند الله تعالى، وذلك بأن يتوخهوا بقلوب خالصة، طالبين منه ﷿ أن يتجاوز عن سيئات الميت، ويغفر زلّاته، فإن أصل مشروعية الصلاة على الميت، هو الدعاء له، ولذا قال النبيّ - ﷺ -: "إذا صلّيتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء"، رواه أبو داود، وابن
_________________
(١) "شرح مسلم" ٧/ ٢١.
[ ١٨ / ٤٠٧ ]
ماجه، وصححه ابن حبّان، وفي إسناده ابن إسحاق، وهو مدلّس، لكنه صرّح بالتحديث عند ابن حبّان، فزالت تهمة التدليس، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢١٩٩] (٩٤٨) - (حَدَّثَنَا (^١) هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيَلِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ، قَالَ الْوَلِيدُ: حَدَّثَنِي، وقَالَ الْآخَرَانِ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْرٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ بِقُدَيْدٍ، أَوْ بِعُسْفَانَ، فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَإذَا نَاسٌ (^٢) قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَخْرِجُوهُ، فَإِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ) الخزّاز الضرير، أبو عليّ المروزيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣١) وله (٧٤) سنةً (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٠.
٢ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ السَّكُونِيُّ) أبو همّام بن أبي بدر الكوفيّ، نزيل بغداد، صدوقٌ (^٣) [١٠] (ت ٢٤٣) عَلى الصحيح (م دت ق) تقدم في "الإيمان" ٧٧/ ٤٠٢.
٤ - (ابْنُ وَهْبٍ) هو: عبد الله تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (أَبُو صَخْرٍ) حميد بن زياد الخرّاط، تقدّم في الباب الماضي أيضًا.
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "أُناسٌ".
(٣) وقال في "التقريب": ثقةٌ، والذي يظهر لي أنه صدوق؛ راجع: ترجمته في "تهذيب التهذيب".
[ ١٨ / ٤٠٨ ]
٦ - (شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) المدنيّ، صدوقٌ يُخطئ [٥] مات في حدود (١٤٠) (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
٧ - (كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ) هو: ابن أبي مسلم المدنيّ، أبو رِشْدين، ثقةٌ [٣] (ت ٩٨) (ع) تقدم في "الحَيض" ٢/ ٦٨٨.
٨ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ) الحبر البحر - ﵄ -، مات سثة (٦٨) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم، ثم فرّق في التفصيل؛ لما تقدّم غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ.
٣ - (ومنها): أن فيه ابن عبّاس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ - (أَنَّهُ مَاتَ ابْنٌ لَهُ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف اسمه. انتهى (^١). (بِقُدَيْدٍ) بضمّ القاف، مصغّرًا: اسم موضع بين مكة والمدينة، قاله ابن الأثير، وقال ابن سِيدهْ: هو موضع، وبعضهم لا يصرفه يجعله اسمًا للبقعة. انتهى (^٢). (أَوْ) للشكّ من الراوي (بِعُسْفَانَ) بضمّ العين المهملة، بوزن عُثمان: موضع على مرحتلين من مكة (^٣). (فَقَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (يَا كُرَيْبُ انْظْرْ مَا اجْتَمَعَ) عبّر بـ "ما"، ولم يقل: "من"؛ لأن المراد العدد؛ أي: العدد الذي اجتمع (لَهُ)؛ أي: لابنه الميت؛ أي: للصلاة عليه، وقوله: (مِنَ النَّاسِ) بيان لـ"ما" (قالَ) كريب (فَخَرَجْتُ، فَإِذَا نَاسٌ) اسم وُضع للجمع، كالقوم والرهط، واحدة إنسان من غير لفظه، مشتقّ من ناس ينوس: إذا تحرّك،
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ١٧٩.
(٢) راجع: "تاج العروس شرح القاموس" ٢/ ٤٦١.
(٣) "القاموس المحيط" ٣/ ١٧٥.
[ ١٨ / ٤٠٩ ]
فيشمل الإنس والجنّ، ولذا قال الله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥)﴾ [الناس: ٥] ثم فسّر ﴿النَّاسِ﴾ فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ٦] (^١).
ووقع في بعض النسخ: "أُناس"، وهما لغتان بمعنى واحد، وليس أحدهما مشتقًّا من الآخر على الراجح؛ لاختلاف مادّتهما، أفاده الفيّومي - ﵀ - (^٢).
(قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ)؛ أي: لأجل الصلاة عليه (فَأَخْبَرْتُهُ)؛ أي: باجتماعهم، وكثرة عددهم (فَقَالَ) ابن عبّاس (تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ)؛ أي: تقدّر عددهم بأنهم أربعون رجلًا؟ (قَالَ) كريب (نَعَمْ، قَالَ (ابن عبّاس (أَخْرِجُوهُ)؛ أي: جنازته (فَإِنَّي) الفاء تعليليّة؛ أي: لأني (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا) نافية (مِنْ) زائدة لاستغراق الجنس، كما قال في "الخلاصة":
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ أَوْ شِبْهِهِ فَجَرْ … نَكِرَةً كَـ "مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ"
(رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا) جملة في محل نصب صفة "رجلًا" (إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ) بتشديد الفاء: أي: قَبِل شفاعتهم.
قال التوربشتيّ - ﵀ -: لا تضادّ بين حديث ابن عبّاس وحديث عائشة؛ لأن السبيل في أمثال هذا المقام أن يكون الأقلّ من العددين متأخّرًا؛ لأن الله تعالى إذا وعد المغفرة في المعنى الواحد مرّتين، وإحداهما أيسر من الأخرى لم يكن من سنّته أن ينقص من الفضل الموعود بعد ذلك، بل يزيد عليه فضلًا منه وتكرُّمًا على عباده. انتهى.
قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا كلام حسنٌ؛ حديث عائشة - ﵄ - فيه مبالغة وتشديد ليس في حديث ابن عبّاس - ﵄ -، وذلك أنه - ﷺ - جعل قوله: "يصلّي عليه أمة من المسلمين" توطئةً لقوله: "يبلغون مائةً"، ثمّ أكده بقوله: "كلّهم يشفعون له". انتهى (^٣).
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٦٣٠.
(٢) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٦.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٤/ ١٣٩٦.
[ ١٨ / ٤١٠ ]
وقوله: (وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَعْرُوفٍ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ) بيّن فيه - ﵀ - الاختلاف بين مشايخه الثلاثة، فهارون بن سعيد، والوليد بن شُجاع قالا في روايتهما: "عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن كريب مولى ابن عبّاس، عن عبد الله بن عبّاس"، وأما هارون بن معروف، فقال في روايته: "عن شريك بن أبي نمر"، فنسبه إلى جدّه، وقال أيضًا: "عن كريب" فقط، فلم يذكر: "مولى ابن عبّاس"، وقال: "عن ابن عبّاس"، ولم يقل: "عن عبد الله بن عبّاس"، وهذا كلّه من بيان ما وقع من اختلاف الشيوخ، وإن لم يكن فيه اختلاف معنًى، إلا أن المصنّف - ﵀ - شديد العناية ببيان اختلاف ألفاظ الشيوخ، وهذا هو ما امتاز به على غيره حتى فضّلوه به على شيخه البخاريّ، فهو وإن كان له عناية بذلك أيضًا، إلا أن مسلمًا أشدّ، وأكثر، فلله درّه، ما أغزر فوائد كتابه الحديثيّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عبّاس - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٢١٩٩] (٩٤٨)، و(أبو داود) في "الجنائز" (٣١٧٠)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٨٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٢٧٧)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣١)، و(الطحاويّ) في "مشكل الآثار" (٢٧١)، و"الطبرانيّ" في "المعجم الأوسط" (٨/ ٣٦٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٣٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (١٥٠٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.
[ ١٨ / ٤١١ ]