وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠٠] (٩٤٩) - (وَحَدَّثَنَا (^١) يَحْيَى بْنُ أَيُوبَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُلَيةَ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأْثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، قَالَ (^٢) عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ").
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ (١٠) ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٣ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٥ - (ابْنُ عُلَيَةَ) هو: إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسديّ مولاهم، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٦ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ) الْبُنَانيّ البصريّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "فقال".
[ ١٨ / ٤١٢ ]
٧ - (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) - ﵁ - تقدّم في الباب الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من رباعيات المصنّف - ﵀ - كلاحقه، وهو (١٣٩)، وله فيه أربعة من الشيوخ قرن بينهم؛ لما سبق غير مرّة.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول تفرّد به هو وأبو داود، والثاني والثالث ما أخرج لهما الترمذيّ، والرابع ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بثقات البصريين، غير شيوخه، فالأول والثالث بغداديّان، والثاني كوفيّ، والرابع مروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه أنسًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى (٢٢٨٦) حديثًا، وهو آخر من مات من الصحابة - ﵃ - بالبصرة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسٍ بنِ مَالِكٍ) - ﵁ - أنه (قَالَ: مُرَّ) بضمّ الميم، وتشديد الراء مبنيًّا للمفعول (بِجِنَازَةٍ) تقدّم ضبطه بالكسر والفتح، واختلاف العلماء في معناه (فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا) قال الفيّوميّ - ﵀ - (^١): الثناء بالفتح والمدّ، يقال: أثنيت عليه خيرًا، وبخير، وأثنيت عليه شرًّا، وبشرّ؛ لأنه بمعنى وَصَفْتُهُ، هكذا نصّ عليه جماعة، منهم صاحب "المحكم"، وكذلك صاحب "البارع"، وعزاه إلى الخليل، ومنهم محمد بن القُوطِيّة، وهو الحبر الذي ليس في منقوله غَمْزٌ، والبحر الذي ليس في منقوده لَمْز، وكأن الشاعر عَنَاه بقوله:
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا … فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
وقد قيل فيه: هو العالم النِّحْرير، ذو الإتقان والتحرير، والحجّةُ لمن بعده، والبُرْهان الذي يوقَف عنده.
وتبعه على ذلك مَن عُرف بالعدالة، واشتَهَرَ بالضبط، وصحّة المقالة،
_________________
(١) كلام الفيّومي هذا تقدّم نقله بطوله في هذا الشرح عند شرح حديث "أهل الثناء والمجد"، وإنما أعدته لطوله، ولأهميته، فتنبّه.
[ ١٨ / ٤١٣ ]
وهو السَّرَقُسْطِيُّ، وابن القَطّاع، واقتصر جماعة على قولهم: أثنيت عليه بخير، ولم يَنفُوا غيرَه، ومن هذا اجترأ بعضهم، فقال: لا يُستعمَل إلا في الحسن، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدلّ على نفيه عما عداه، والزيادة من الثقة مقبولة، ولو كان الثناء لا يُستعمل إلا في الخير كان قول القائل: أثنيت على زيد كافيًا في المدح، وكان قوله: "له الثناء الحسن"، لا يُفيد إلا التأكيد، والتأسيسُ أولى، فكان في قوله: "الحسن" احتراز عن غير الحسن، فإنه يُستعمل في النوعين، كما قال: "والخير في يديك، والشرّ ليس إليك". وفي "الصحيحين": "مَرُّوا بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا … "، فقال - ﷺ -: "وَجَبَت"، ثم مرّوا بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، فقال - ﷺ -: "وَجبت"، وسُئل عن قوله: "وجبت؟ "، فقال: "هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنّة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار … " الحديث. وقد نُقِل النوعان في واقعتين، تراخت إحداهما عن الأخرى، من العدل الضابط، عن العدل الضابط، عن العرب الفصحاء، عن أفصح العرب، فكان أوثق من نقل أهل اللغة، فإنهم قد يَكتفون بالنقل عن واحد، ولا يُعرَف حاله، فإنه قد يَعْرِض له ما يُخرجه عن حيِّزِ الاعتدال، من دَهَشٍ، وسُكْرٍ، وغير ذلك، فإذا عُرِف حاله لم يُحتجّ بقوله.
وَيرجِع قول من قال: لا يُستعمل إلا في الشرّ إلى النفي، وكأنه قال: لم يُسمع، فلا يقال، والإثبات أولى، ولله درّ من قال:
وإِنَّ الْحَقَّ سُلْطَانٌ مُطَاعُ … وَمَا لِخِلَافِهِ أَبَدًا سَبِيلُ
وقال بعض المتأخرين: إنما استُعمل في الشرّ في الحديث للازدواج. وهذا كلام من لا يَعرف اصطلاح أهل العلم بهذه اللفظة. انتهى كلام الفيّوميّ - ﵀ - (^١)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ.
وقوله: (خَيْرًا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في بعض الأصول "خيرًا" و"شرًّا " بالنصب، وهو منصوب بنزع الجارّ؛ أي: فأُثني عليها بخير وبشرّ، وفي بعضها مرفوعٌ. انتهى (^٢).
وفي رواية النضر بن أنس، عن أبيه، عند الحاكم: "كنتُ قاعدًا عند
_________________
(١) "المصباخ المنير" ١/ ٨٥ - ٨٦.
(٢) "شرح النوويّ" ٧/ ١٩.
[ ١٨ / ٤١٤ ]
النبيّ - ﷺ -، فمُرّ بجنازة، فقال: "ما هذه الجنازة؟ "، قالوا: جنازة فلان ابن فلان الفلانيّ، كان يحبّ الله ورسوله، وَيعمل بطاعة الله، ويَسعَى فيها، وقال ضدّ ذلك في التي أثنوا عليها شرًّا "، ففيه تفسير ما أبهم من الخير والشرّ في رواية عبد العزيز هذه، وللحاكم أيضًا من حديث جابر - ﵁ -: "فقال بعضهم: لَنِعْم المرءُ، لقد كان عفيفًا مسلمًا"، وفيه أيضًا: "فقال بعضهم: "بئس المرءُ كان، إن كان لَفَظًّا غَليظًا".
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ")؛ أي: ثبتت له الجنّة، هكذا في رواية المصنّف - ﵀ - مكرّرًا ثلاث مرّات، قال النوويّ - ﵀ -: والتكرار فيه لتأكيد الكلام المهتمّ بتكراره، ليُحفَظَ، ويكون أبلغ. انتهى.
(وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا) قال الطيبيّ: استعمال الثناء في الشرّ مشاكلة، أو تهكّم. انتهى. وقال القاري: ويمكن أن يكون أثنوا في الموضعين بمعنى وَصَفُوا، فيحتاج إلى القيد، ففي "القاموس": الثناء وصف بمدح، أو ذمّ، أو خاصّ بالمدح. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تقدم في كلام الفيّوميّ - ﵀ - أن الصواب عند أهل اللغة أنّ الثناء هو الوصف مطلقًا، وأما كونه خاصًّا بالمدح فغير ثابت عنهم، وقد اعترض الشارح على صاحب "القاموس" قولَه: "أو خاصّ بالمدح" بأنه لم يَقُل به أحد ممن يوثق به.
فما ادعاه الطيبيّ من المشاكلة، وكذا ما أجاب به القاري غير صحيح، وكذا ما قاله النوويّ في "شرحه" من أن استعمال الثناء في الشرّ شاذّ كلّ ذلك غير مقبول، وقد أشبع الكلام في الردّ على هذا الفيّوميّ - ﵀ - في بحثه السابق، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ") مكرّرًا أيضًا ثلاثًا؛ لما مرّ (قَالَ) وفي نسخة: "فقال" (عُمَرُ) بن الخطّاب - ﵁ - (فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمَّي) جملة اسميّة، من مبتدأ وخبره، وفي رواية النسائيّ: "فداك أبي وأمي" على الجملة الفعليّة، و"فدى" مقصورٌ، بفتح الفاء، وكسرها.
(مُرَّ بِجَنَازَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وكذا قوله: (فَأَثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ"، وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ،
[ ١٨ / ٤١٥ ]
وَجَبَتْ، وَجَبَتْ")؛ أي: ماذا تعني بقولك: "وجبت" في هاتين الجنازتين؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ) يعني أن المراد بقوله: "وجبت"؛ أي: الجنّة لذي الخير، والنار لذي الشرّ، والمراد بالوجوب الثبوت؛ إذ هي في صحّة الوقوع كالشيء الواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله، والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل.
ورواية المصنّف بلفظ: "من أثنيتم إلخ" أبين في العموم من رواية البخاريّ، بلفظ: "هذا أثنيتم عليه خيرًا، فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًّا، فوجبت له النار".
وفيها ردٌّ على من زعم أن ذلك خاصّ بالميتين المذكورين، لغيب أطلع الله نبيه - ﷺ - عليه، فالصواب أنه خبر عن حكم أعلمه الله تعالى به، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قوله - ﷺ -: "من أثنيتم شرًّا … إلخ دا يُشكل عليه النهي عن سبّ الأموات، فقد أخرج النسائيّ بإسناد صحيح عن عائشة - ﵄ - قالت: ذُكِر عند النبيّ - ﷺ - هالكٌ بسوء، فقال: "لا تذكروا هلكاكم إلا بخير"، وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه:
(أحدهما): أن الذي تُحُدّث عنه بالشرّ كان مستظهرًا له، ومشهورًا به.
(الثاني): أنّ محمل النهي إنما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز؛ ليتعظ به الفسّاق، وهذا كما يُكره لأهل الفضل الصلاة على الْمُعْلِن بالبدَع والكبائر.
(الثالث): أن الذي أثنى عليه الصحابة بالشرّ يَحْتَمِل أن يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم، ولذلك قال - ﷺ -: "وجبت له النار"، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض - ﵀ -.
(الرابع): أن النهي عن سبّ الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخًا، أفاده القرطبيّ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأوجه هو الأول، وأبعدها
[ ١٨ / ٤١٦ ]
آخرها؛ إذ النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولم يُعرف هنا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
وقوله: (أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ") هكذا في رواية المصنّف مكرّرًا ثلاث مرّات، والخطاب للصحابة، ومن كان على صفتهم من الإيمان، وحكى ابن التين أن ذلك مخصوص بالصحابة؛ لأنهم كانوا ينطقون بالحكمة، بخلاف من بعدهم، قال: والصواب أن ذلك يختصّ بالثقات والمتقين. انتهى.
قال الجامع عفا الثه تعالى عنه: الحقّ كونه عامًّا للصحابة، وغيرهم من المؤمنين؛ للنصوص الكثيرة الواضحة في ذلك:
(فمنها): ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" عن أبي الأسود الديليّ، قال: قَدِمت المدينة، وقد وقع بها مرضٌ، فجلست إلى عمر بن الخطاب - ﵁ -، فمرَّت بهم جنازة، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر - ﵁ -: وجبت، ثم مُرّ بأخرى، فأُثني على صاحبها خيرًا، فقال عمر - ﵁ -: وجبت، ثم مُرّ بالثالثة، فأُثني على صاحبها شرًّا، فقال: وجبت، فقال أبو الأسود: فقلت: وما وجبت يا أمير المؤمنين؟ قال: قلت: كما قال النبيّ - ﷺ -: "أيما مسلم شَهِدَ له أربعة بخير، أدخله الله الجنة"، فقلنا: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان"، ثم لم نسأله عن الواحد.
فهذا أصرح في كون الحكم عامًّا للمسلمين كلّهم.
(ومنها): ما في "صحيح البخاري" في "كتاب الشهادات" في حديث الباب بلفظ: "المؤمنون شهداء الله في الأرض".
(ومنها): ما أخرجه النسائيّ من حديث أبي هريرة - ﵁ - في حديث الباب بنحو هذه القصّة بلفظ: "الملائكة شهداء الله في السماء، وأنتم شهداء الله في الأرض".
(ومنها): ما أخرجه أبو داود، من حديث أبي هريرة - ﵁ - في حديث الباب أيضًا في نحو هذه القصّة: "إن بعضكم على بعض لشهيد".
فهذه النصوص كلها واضحة في كون الحكم للمسلمين جميعًا، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٤١٧ ]
وقال النوويّ - ﵀ -: والظاهر أن الذي أثنوا عليه شرًّا كان من المنافقين. انتهى.
قال الحافظ - ﵀ -: يرشد إلى ذلك ما رواه أحمد من حديث أبي قتادة - ﵁ - بإسناد صحيح، أنه - ﷺ - لم يصلّ على الذي أثنوا عليه شرًّا، وصلى على الآخر. انتهى.
وقال الداوديّ - ﵀ -: المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق، لا الفَسَقَة؛ لأنهم يُثنون على من يكون مثلهم، ولا من بينه وبين الميت عداوة؛ لأن شهادة العدوّ لا تقبل. انتهى.
ونقل الطيبيّ عن بعض شرّاح "المصابيح" قال: ليس معنى قوله: "أنتم شهداء الله في الأرض" أن الذي يقولونه في حقّ شخص يكون كذلك حتى يصير من يستحقّ الجنة من أهل النار بقولهم، ولا بالعكس، بل معناه أن الذي أثنوا عليه خيرًا رأوه منه كان ذلك علامةَ كونه من أهل الجنّة، وبالعكس.
وتعقّبه الطيبيّ بأن قوله: "وجبت" بعد الثناء حُكْمٌ عَقَبَ وصفًا مناسبًا، فأشعر بالعلّيّة، وكذا قوله: "أنتم شُهداء الله في الأرض"؛ لأن الإضافة فيه للتشريف؛ لأنهم بمنزلة عالية عند الله، فهو كالتزكية للأمّة بعد أداء شهادتهم، فينبغي أن يكون لها أثرٌ، قال: وإلى هذا يومئ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
قال الحافظ: وقد استشهد محمد بن كعب القُرَظيّ لمّا روى عن جابر نحو حديث أنس - ﵁ - بهذه الآية، أخرجه الحاكم، وقد وقع ذلك في حديث مرفوع غيرِه عند ابن أبي حاتم في "التفسير"، وفيه أن الذي قال للنبيّ - ﷺ -: "ما قولك: وجبت" هو أُبَيّ بن كعب.
وقال النوويّ: قال بعضهم: معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أَثْنَى عليه أهل الفضل، وكان ذلك مطابقًا للواقع، فهو من أهل الجنّة، فإن كان غير مطابق فلا، وكذا عكسه، قال: والصحيح المختار أنه على عمومه وإطلاقه، وأن من مات منهم، فالهم الله تعالى الناس، أو معظمهم الثناء عليه بخير، كان دليلًا على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أو لا، فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة، وهذا إلهام، يُستدلّ به على تعيينها، وبهذا تظهر
[ ١٨ / ٤١٨ ]
فائدة الثناء، ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت النبيّ - ﷺ - له فائدة. انتهى (^١).
قال الحافظ: وهذا في جانب الخير واضح، ويؤيده ما رواه أحمد، وابن حبّان، والحاكم من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس - ﵁ -، مرفوعًا: "ما من مسلم يموت، فيشهد له أربعة من جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيرًا، إلا قال الله تعالى: قد قبلتُ قولكم، وغفرت له ما لا تعلمون"، ولأحمد من حديث أبي هريرة - ﵁ - نحوه، وقال: "ثلاثة" بدل "أربعة"، وفي إسناده من لم يُسمّ، وله شاهد من مراسيل بُشير بن كعب، أخرجه أبو مسلم الكجيّ.
وأما جانب الشرّ فظاهر الأحاديث أنه كذلك، لكن إنما يقع ذلك في حقّ من غلب شرّه على خيره. وقد وقع في رواية النضر المشار إليها أوّلًا في آخر حديث أنس: "إن لله ملائكة، تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشرّ". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس - ﵁ - هذا مُتَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٢٠٠ و٢٢٠١] (٩٤٩)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٣٦٨ و٢٦٤٢)، و(الترمذيّ) في "الجنائز" (١٠٥٨)، و(النسائيّ) في "الجنائز" (١٩٣٠) و"الكبرى" (٢٠٥٩)، و(ابن ماجه) في "الجنائز" (١٤٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١٤٩١ و١٢٤٢٦ و١٢٥٢٢ و١٢٦٢٧ و١٢٧٩١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٦/ ٤٥٧)، و(الطبرانيّ) في "المعجم الأوسط" (٣/ ٧١)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٣/ ٣٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٧/ ٢٠.
[ ١٨ / ٤١٩ ]
١ - (منها): بيان مشروعيّة الثثاء على الميت بما فيه من خير وشرّ، للحاجة، ولا يكون ذلك من الغيبة المحرّمةّ.
٢ - (ومنها): جواز ثناء الناس على الميت، وقد ترجم الإمام البخاريّ - ﵀ - بذلك، حيث قال: "باب ثناء الناس على الميت"؛ أي: مشروعية الثناء على الميت، وجوازه مطلقًا، بخلاف الحيّ، فإنه منهيّ عنه؛ إذا أفضى إلى الإطراء، خشيةً عليه من الزَّهْوِ، أشار إلى ذلك الزين ابن الْمُنَيَّر - ﵀ -.
٣ - (ومنها): فضيلة هذه الأمة، حيث كانت شهداء الله تعالى في أرضه، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ١٤٣].
٤ - (ومنها): إعمال الحكم بالظاهر.
٥ - (ومنها): استحباب توكيد الكلام المهتمّ به بتكراره؛ ليُحفظ، وليكون أبلغ.
٦ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين، وقد استوفيت البحث فيه في غير هذا الموضع، فلا تغفل.
٧ - (ومنها): أنه أصل في قبول الشهادة بالاستفاضة، وأن أقلها اثنان؛ لقوله في حديث عمر - ﵁ - المذكور: فقلنا: واثنان؟ قال: "واثنان".
٨ - (ومنها): ما قاله ابن العربيّ - ﵀ -: فيه جواز الشهادة قبل الاستشهاد، وقبولها قبل الاستفصال.
٩ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: [فإن قيل]: كيف مُكِّنُوا بالثناء بالشرّ مع الحديث الصحيح في البخاريّ وغيره في النهي عن سبّ الأموات؟.
[فالجواب]: أن النهي عن سبّ الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق، أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرم ذكرهم بشرّ؛ للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، وهذا الحديث محمول على أن الذي أثنوا عليه شرًّا كان مشهورًا بنفاق، أو نحوه، مما ذكرنا، هذا هو الصواب في الجواب عنه، وفي الجمع بينه وبين النهي عن السبّ. انتهى كلام النوويّ - ﵀ -، وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
[ ١٨ / ٤٢٠ ]
١٠ - (ومنها): قيل: فيه استعمال الثناء في الشرّ للمؤاخاة والمشاكلة، وحقيقته إنما هو في الخير.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا قيل، لكن تقدّم أن الصواب استعمال الثناء في الخير والشرّ، ولم يثبت عمن يُعْتَبَر قوله من أهل اللغة عدم استعماله في الشرّ، فقوله: للمؤاخاة والمشاكلة إلخ غير صحيح، كما تقدّم، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٢٠١] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثنا حَمَّادٌ - يَعْنِي ابْنَ زيْدٍ - (ح) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِجَنَازَةٍ، فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَتَمُّ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م دس) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ، من كبار [٨] (ت ١٨٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بَكْر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكرياء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٤ - (جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) الضُّبَعيّ، أبو سليمان البصريّ، صدوقٌ زاهدٌ، لكنه يتشيّع [٨] (ت ١٧٨) (بخ م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٥/ ٣٢٢.
٥ - (ثَابِتُ) بن أسلم الْبُنانيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ عابدٌ [٤] مات سنة بضع (١٢٠) وله (٨٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨٠.
و"أنس" - ﵁ - ذُكر قبله.
[ ١٨ / ٤٢١ ]
[تنبيه]: هذا الإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ - كسابقه، وهو (١٤٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (فَذَكَرَ بِمَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ثابت.
[تنبيه]: رواية ثابت عن أنس - ﵁ - هذه ساقها البخاريّ - ﵀ -، فقال:
(٢٦٤٢) - حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس - ﵁ - قال: مُرّ على النبيّ - ﷺ - بجنازة، فأثنوا عليها خيرًا، فقال: "وجبت"، ثم مُرّ بأخرى، فأثنوا عليها شرًّا، أو قال: غير ذلك، فقال: "وجبت"، فقيل: يا رسول الله، قلت لهذا: "وجبت"، ولهذا: "وجبت"، قال: "شهادة القوم، المؤمنون شهداءُ الله في الأرض". انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾.