وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢٦] (٨٧٧) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ انْصَرَفَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ (^١) بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ (^٢)، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) الْقَعْنبيّ الحارثيّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مدنيّ الأصل، وسكنها مدّةً، ثقةٌ عابدٌ، كان ابن معين، وابن المدينيّ لا يقدِّمان عليه في "الموطأ" أحدًا، من صغار [٩] مات في أول سنة (٢٢١) بمكة (خ م د ت س) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٣ - (جَعْفَرُ) بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب الهاشميّ، أبو عبد الله المعروف بـ "الصادق"، صدوقٌ فقيهٌ إمامٌ [٦] (ت ١٤٨) (بخ م ٤) تقدم في "الحيض" ١٠/ ٧٤٩.
٤ - (أَبُوهُ) محمد بن عليّ بن الحسين بن على بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقةٌ فاضلٌ [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦١.
_________________
(١) وفي نسخة: "فقلت: إنك قرأت".
(٢) وفي نسخة: "في الكوفة".
[ ١٧ / ٣٦٢ ]
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ) المدنيّ، مولى النبيّ -ﷺ-، كان كاتب عليّ -﵁-، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "صلاة المسافرين" ٢٨/ ١٨١٢.
٦ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له ابن ماجه، وجعفر، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالمدنيين.
٤ - (ومنها): أن فيه رواية الابن، عن أبيه، وتابعيّ، عن تابعيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه أبا هريرة -﵁- رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَن) عبد الله (بْنِ أَبِي رَافِع) المدنيّ، مولى النبيّ -ﷺ- أنه (قَالَ: اسْتَخْلَفَ) بالبناء للفاعل (مَرْوَانُ) بالرفًع على الفاعليّة، وهو مروان بن الحكم بن أبي العا عبن أُمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصَيّ الأمويّ، أبو عبد الملك، ويقال: أبو القاسم، ويقال: أبو الحكم، أمه آمنة بنت عَلْقَمة بن صفوان الكنانيّ، وتكنى أم عثمان المدنيّ، وُلد بعد الهجرة بسنتين، وقيل: بأربع، وروى عن النبيّ -ﷺ-، ولا يصح له منه سماع.
كَتَب لعثمان -﵁-، ووَلي إِمْرة المدينة أيام معاوية -﵁-، وبويع له بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابِيَة، وكان الضحاك بن قيس غَلَب على دِمشق، ودعا لابن الزبير، ثم دعا لنفسه، فواقعه مَرْوان بِمَرْج راهط، فقُتل الضحاك، وغَلَب مروان على دمشق، ثم على مصر، ومات في رمضان سنة خمس وستين، وله ثلاث، أو إحدى وستون سنةً، وكانت ولايته تسعة أشهر، قال البخاريّ: لم ير النبيّ -ﷺ- (^١).
_________________
(١) راجع: "تهذيب التهذيب" ١٠/ ٨٢.
[ ١٧ / ٣٦٣ ]
أخرج البخاريّ، والأربعة، وليست له رواية في هذا الكتاب، وإنما له ذكر فقط.
(أَبَا هُرَيْرَةَ) منصوب على المفعولية (عَلَى الْمَدِينَةِ) أي: حين كان واليًا عليها أيام معاوية زيبنه، كما مرّ آنفًا (وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لنَا أَبُو هُرَيرَةَ) -﵁- (الْجُمُعَةَ) أي: صلاتها (فَقَرَأَ بَعْدَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾) أي: هذه السورة بكاملها، وفي رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر التالية: فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿الْمُنَافِقُونَ﴾. (قَالَ) عبيد الله بن أبي رافع (فَأَدْرَكْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) -﵁- (حِينَ انْصَرَفَ) أي: انتهى من صلاة الجمعة، ورجع إلى بيته، وفي رواية لأبي نعيم في "مستخرجه": "فلما انصرف مشيتُ إلى جنبه، فقلت: يا أبا هريرة لقد سمعتك قرأت … ". (فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّكَ قَرَأْتَ (^١) بِسُورَتَيْنِ، كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ) -﵁- (يَقْرَأُ بِهِمَا بِالْكُوفَةِ) وفي نسخة: "في الكوفة" (فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) -﵁- (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ) وفي رواية أبي نعيم: "قرأ بهما حِبِّي أبو القاسم -ﷺ-".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنّفه"، قال: كان رسول الله -ﷺ- يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة، والمنافقين، فأما سورة الجمعة، فيبشّر بها المؤمنين، ويُحَرِّضهم، وأما سورة المنافقين، فَيُوئس بها المنافقين، ويوبِّخُهم (^٢)، وهو حديث مرسلٌ.
قال القرطبيّ ﵀: قراءة النبيّ -ﷺ- في الجمعة بسورتها؛ ليذكّرهم بأمرها، ويُبيّن تأكيدها، وأحكامها، وأما قراءة "سورة المنافقين" فلتوبيخ مَن يحضرها من المنافقين؛ لأنه قلّ من كان يتأخّر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان -ﷺ- هدَّد على التخلّف عنها بتحريق البيوت على من فيها، ولعلّ هذا -والله أعلم- كان في أول الأمر، فلَمّا عقل الناس أحكام الجمعة، وحَصَلَ توبيخ المنافقين عَدَلَ عنها إلى قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، على ما في حديث النعمان بن بشير -﵁-؛ لِمَا تضمّنتاه من الوعظ، والتحذير،
_________________
(١) وفي نسخة: "فقلت: إنك قرأت".
(٢) "المصنَّف" ٧/ ٣١٩.
[ ١٧ / ٣٦٤ ]
والتذكير، وليُخفّف أيضًا عن الناس، كما قال لمعاذ -﵁-: "إذا أممتَ الناس، فاقرأ بالشمس وضحاها، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١)﴾ "، متّفقٌ عليه.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "كان في أول الأمر … إلخ" فيه نظرٌ؛ لأنه لا دليل عليه، بل الأولى أن يُحمل على أنه كان يقرأ تارة بهذا، وتارةً بهذا، كما يأتي تحقيقه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة -﵁- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٠٢٦ و٢٠٢٧] (٨٧٧)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٢٤)، و(الترمذيّ) فيها (٥١٩)، و(ابن ماجه) في إقامة "الصلاة" (١١١٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (١٦٦١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٩)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٨٤٣ و١٨٤٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧١ و١٩٧٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة قراءة سورة بعد الفاتحة.
٢ - (ومنها): بيان استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة.
٣ - (ومنها): بيان استحباب القراءة في الركعتين بهاتين السورتين، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ ﴿ق﴾ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، وكلاهما صحيحٌ، فكان النبيّ -ﷺ- في وقت يقرأ في الجمعة "سورة الجمعة"، و"سورة المنافقين"، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾، وفي وقت يقرأ في العيد ﴿اقْتَرَبَتِ﴾، و﴿سَبِّحِ﴾، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. قاله النوويّ ﵀ (^١).
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة -﵃- من اقتفاء آثار النبيّ -ﷺ- في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٦٧.
[ ١٧ / ٣٦٥ ]
صلاتهم، وقراءتهم، وسائر أحوالهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب (المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيم يُقرأ في صلاة الجمعة: قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ ﵀ في "التمهيد": اختَلَف الفقهاء فيما يُقرأ به في صلاة الجمعة، فقال مالك: أَحَبّ إليّ أن يقرأ الإمام في الجمعة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، مع "سورة الجمعة"، وقال مرةً أخرى: أما الذي جاء به الحديث فـ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، مع سورة الجمعة، والذي أدركت عليه الناس ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.
قال أبو عمر ﵀: تحصيل مذهب مالك أن كلتا السورتين قراءتهما حسنة مستحبة مع سورة الجمعة في الركعة الثانية، وأما الأولى فسورة الجمعة، ولا ينبغي للإمام عنده أن يترك "سورة الجمعة"، ولا "سورة ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ " في الثانية، فإن فَعَل، وقرأ بغيرهما فقد أساء، وبئسما صنع، ولا تفسد بذلك عليه صلاته؛ إذا قرأ بأمّ القرآن، وسورة معها في كل ركعة منها.
وقال الشافعيّ، وأبو ثور: يقرأ في الركعة الأولى من صلاة الجمعة بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وَيستحِبّ مالك، والشافعيّ، وأبو ثور، وداود بن عليّ ألا يترك "سورة الجمعة" على حال (^١).
وقال في "الاستذكار": قال الأوزاعيّ: ما نعلم أحدًا من أئمة المسلمين ترك "سورة الجمعة" يوم الجمعة.
وقال الشافعيّ: أختار أن يقرأ في الأولى بـ "سورة الجمعة"، وفي الثانية ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وهو قول عليّ، وأبي هريرة، وجماعة.
وقال مالك، والشافعيّ، وداود: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كلل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له.
انتهى (^٢).
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: ما قرأ به الإمام في صلاة الجمعة فحسنٌ،
_________________
(١) "التمهيد" ١٦/ ٣٢٢ - ٣٢٤.
(٢) "الاستذكار" ٢/ ٥١ - ٥٣.
[ ١٧ / ٣٦٦ ]
و"سورة الجمعة" وغيرها في ذلك سواءٌ، وَيكرَهون أن يؤقت في ذلك شيء من القرآن بعينه.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه خلاف السنّة الصحيحة، فلا يُلتَفت إليه، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد.
قال أبو محمد بن حزم ﵀: وقال أبو حنيفة: يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ يَلْتَزِمُ في الْجُمُعَةِ أو غَيْرِهَا سُورَةً بِعَيْنِهَا، أو سُوَرًا بِعَيْنِهَا، قال: كَرِهَ السُّنَّةَ، وَخَالَفَ فِعْلَ رسول اللهِ -ﷺ-، وَكَذَلِكَ من كَرِهَ شيئًا مِمَّا صَحَّ أَنَّهُ ﵇ فَعَلَهُ. انتهى (^١).
وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ﵀ قول أبي حنيفة هذا في "كتاب الردّ على أبي حنيفة" من "مصنّفه" فقال: هذا ما خالف فيه أبو حنيفة الأثر الذي جاء عن رسول الله -ﷺ- (^٢).
وقال الثوريّ: لا يَعْتَمِد أن يقرأ في الجمعة بالسور التي جاءت في الأحاديث، ولكنه يتعمدها أحيانًا، ويدعها أحيانًا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الثوريّ أيضًا من جنس ما قبله، كيف لا يُعْتَمَد ما صحّ عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يفعله؟، إن هذا لهو العجب العُجاب.
وبالجملة فهذا قولٌ مخالف للسنّة الصحيحة الصريحة، فلا ينبغي الالتفات إليه.
والحاصل أن الحقّ والصواب أنه يُستحبّ للإمام أن يقرأ في صلاة الجمعة بسورتي الجمعة، والمنافقون، وأحيانًا بسورتي الأعلى والغاشية؟ اقتداء بالنبيّ -ﷺ-، وقد سبق عن مالك، والشافعيّ، وداود -رحمهم الله تعالى- أنهم قالوا: لا يترك قراءة "سورة الجمعة" في الركعة الأولى على كل حالٍ، فإن لم يقرأها لم تفسد صلاته، وقد أساء، وترك ما يُستَحَبّ له، وهذا هو الحقّ الذي لا مرية فيه، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "المحلى" ٤/ ١٠٧.
(٢) راجع: "المصنّف" ٧/ ٣١٩.
[ ١٧ / ٣٦٧ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا (^١) قُتَيْبَهُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ (ح) وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، كِلَاهُمَا عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِهِ، غَيْرَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَاتِمٍ: فَقَرَأَ بِـ "سُورَةِ الْجُمُعَةِ" فِي السَّجْدَةِ الْأُولَى، وَفِي الْآخِرَةِ (^٢): ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، وَرِوَايَةُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِثْلُ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب أيضًا.
٣ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المدنيّ، أبو إسماعيل الحارثيّ مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوقٌ يَهِمُ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٤ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) هو: عبد العزيز بن محمد بن عُبيد، أبو محمد الْجُهَنيّ مولاهم المدنيّ، صدوقٌ [٨] (٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية حاتم بن إسماعيل، عن جعفر هذه ساقها ابن ماجه ﵀ في "سننه"، فقال: (١١١٨) حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا حاتم بن إسماعيل المدنيّ، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، قال: استَخْلَف مروان أبا هريرة على المدينة، فخرج إلى مكة، فصلى بنا أبو هريرة يوم الجمعة، فقرأ بـ "سورة الجمعة" في السجدة الأولى، وفي الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال عبيد الله: فأدركت أبا هريرة حين انصرف، فقلت له: إنك قرأت بسورتين، كان عليّ يقرأ بهما بالكوفة، فقال أبو هريرة: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقرأ بهما. انتهى.
_________________
(١) وفي نسخة: "حدّثنا".
(٢) وفي نسخة: "وفي الأخرى".
[ ١٧ / ٣٦٨ ]
وأما رواية عبد العزيز الدّرَاورْديّ، عن جعفر، ساقها الإمام الشافعيّ ﵀ في "المسند" (١/ ٦٩) فقال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة -﵁- أنه قرأ في الجمعة بـ "سورة الجمعة"، ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، قال عبيد الله: فقلت له: قد قرأت بسورتين كان عليّ بن أبي طالب -﵁- يقرأ بهما في الجمعة، فقال: إن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ بهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢٨] (٨٧٨) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ، جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ في يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا في الصَّلَاتَيْنِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرحمن التميميّ، أبو زكريا النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) المذكور في السند الماضي.
٣ - (إِسْحَاقُ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٤ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبّيّ الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) وله إحدى وسبعون سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٥ - (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ) بن الأجدع الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس بن مالك، وقيس بن مسلم، وغيرهم.
[ ١٧ / ٣٦٩ ]
وروى عنه شعبة، والثوريّ، ومِسْعَرٌ، وأبو عوانة، وجرير، وعدّة.
قال أحمد، وأبو حاتم: ثقةٌ، صدوقٌ، وقال النسائيّ: ثقةٌ، وقال يعقوب بن سفيان: شريفٌ، كوفيّ، ثقةٌ، وقال العجليّ، وابن سعد، ويحيى بن معين: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٧٨)، وحديث (١١٩٢): "أنا طيّبت رسول الله -ﷺ- عند إحرامه … " الحديث، كرّره ثلاث مرّات.
٦ - (أَبُوهُ) محمد بن المنتشر بن الأجدع الْهَمْدانيّ ثم الوادعي الكوفيّ، ثقةٌ [٤].
روى عن عمة مسروق، على خلاف، وأبيه المنتشر، وابن عمر، وعائشة، وغيرهم.
وعنه ابنه إبراهيم، ومجالد، وسماك بن حرب.
وثقه أحمد وقال فيه خيرًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث قليلة.
أخرج له الجماعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث برقم (٨٧٨) و(١١٦٣) و(١١٩٢) وكرره ثلاث مرات.
٧ - (حَبِيبُ بْنُ سَالِمٍ، مَوْلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) وكاتبه، ثقةٌ (^١) [٣] (م ٤).
رَوَى عن مولاه، وعن حبيب بن يساف عنه، على اختلاف في ذلك، وقيل: عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ورَوَى عن أبي هريرة.
ورَوَى عنه بشير بن ثابت، وأبو بِشْر جعفر بن أبي وَحْشيّة، وخالد بن عُرْفُطة، وقتادة فيما كتب إليه، ومحمد بن المنتشر، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال البخاريّ: فيه نظرٌ، وقال أبوأحمد بن عديّ: ليس في متون أحاديثه حديث منكر، بل قد اضطُرِب في أسانيد ما يُرْوَى عنه، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
_________________
(١) فقوله في "التقريب": "لا بأس به" فيه نظر، فقد روى عنه جماعة، ووثّقه أبو حاتم، وأبو داود، وابن حبّان، وكلام البخاري يَحتَمل أن يكون لاختلاف الأسانيد الواقعة في أحاديثه، فتأمّل.
[ ١٧ / ٣٧٠ ]
أخرج له المصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرِ) بن سعد بن ثعلبة الأنصاريّ الخزرجيّ الصحابيّ ابن الصحابيّ -﵄-، سكن الشام، ثم وَلي إِمْرة الكوفة، ثم قُتِل بِحِمْص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٧/ ٥٢٢.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيّات المصنّف ﵀، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّله عنهم، ثم فرّق بينهم؛ لاختلافهم فيها.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيوخه، فالأول ما أخرج له أبو داود، وابن ماجه، والثاني ما أخرج له الترمذيّ، والثالث ما أخرج له ابن ماجه، وحبيب بن سالم ما أخرج له البخاريّ.
٣ - (ومنها): أنه مسلسلٌ بالكوفيين، سوى شيخيه: يحيى، فنيسابوريّ، وإسحاق، فمروزيّ.
٤ - (ومنها): أن فيه ثلاثةً من التابعين، روى بعضهم عن بعض، ورواية الابن عن أبيه، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) -﵄-.
[فائدة]: إنما دخلت "أل" على "نعمان" مع كونه علمًا، والأعلام لا تدخل عليه؛ لكونه معرفة بنفسه؛ للمح الأصل، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْضُ الاعْلَامِ عَلَيْهِ دَخَلَا … لِلَمْحِ مَا قَدْكَانَ عَنْهُ نُقِلَا
كَالْفَضْلِ وَالْحَارِثِ وَالنُّعْمَانِ … فَذِكْرُ ذَا وَحَذْفُهُ سِيَّانِ
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي) صلاة (الْعِيدَيْنِ، وَفِي) صلاة (الْجُمُعَةِ، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾) أي: في الركعة الأولى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾) أي: في الركعة الثانية (قَالَ) النعمان -﵁- (وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، يَقْرَأُ بِهِمَا أَيْضًا فِي الصَّلَاتَيْنِ) قال النوويّ ﵀: فيه استحباب القراءة فيهما بهما، وفي الحديث الآخر القراءة في العيد بـ ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ﴾، وكلاهما صحيح، فكان النبيّ -ﷺ- في وقت يقرأ في الجمعة
[ ١٧ / ٣٧١ ]
"الجمعة"، و"المنافقين"، وفي وقت ﴿سَبِّحِ﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ﴾. انتهى (^١).
وقال القرطبيِّ ﵀: قوله: "وإذا اجتمع العيد والجمعة … إلخ" هذا يدلّ على أنه لا يُكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا في يوم واحد، وهو المشهور من مذاهب العلماء؛ خلافًا لمن ذهب إلى أن الجمعة تسقط يومئذ، وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عبّاس -﵃-، وقالا: هي السنّة، وذهب غيرهما إلى أن أنهما يُصلِّيان، غير أنه يُرخّص لمن أتى العيد من أهل البافى ية في ترك إتيان الجمعة، وإلى هذا ذهب عثمان -﵁-، والذي استمرّ العمل عليه ما دلّ عليه ظاهر الحديث المتقدّم. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: القول بسقوط الجمعة عمن حضر العيد هو الحقّ؛ لصحّة الأدلِّة على ذلك، وقد استوفيت بحثه في "شرح النسائيّ" (^٣)، فراجعه تستفد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث النعمان بن بشير -﵄- هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٩/ ٢٠٢٨ و٢٠٢٩ و٢٠٣٠] (٨٧٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (١١٢٢ و١١٢٣)، و(الترمذيّ) في "الصلاة" (٥٣٣)، و(النسائيِّ) في "الجمعة" (١٤٢٣ و١٥٦٨) و"الكبرى" (١٧٣٧ و١٧٣٨ و١٧٧٥)، و(ابن ماجه) في إقامة "الصلاة" (١١١٩ و١٢٨١)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٢١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٧٠ و٢٧٣ و٢٧٧)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (١٤٦٣ و١٨٤٥)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (١٩٧٣ و١٩٧٤)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ٦/ ١٦٧.
(٢) "المفهم" ٢/ ٥١٧.
(٣) راجع: "ذخيرة العقبى في شرح المجتبى" ١٧/ ٢٣٦ - ٢٣٧.
[ ١٧ / ٣٧٢ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٢٩] (…) - (وَحَدَّثَنَاه قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو عَوَانَةَ) الوضّاح بن عبد الله اليشكريّ، تقدّم قبل بابين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) يعني: أن أبا عوانة حدّث عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، بسنده الماضي، وهو: عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير -﵄-.
[تنبيه]: رواية أبي عوانة، عن إبراهيم بن محمد هذه ساقها الترمذيّ، والنسائيّ بسند المصنّف، فقالا:
حدّثنا قتيبة، قال: حدّثنا أبو عوانة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير: "أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ في العيدين، ويوم الجمعة، بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾، وربما اجتمعا في يوم واحد، فيقرأ بهما".
قال الترمذيّ ﵀: حديث النعمان بن بشير -﵄- حديث حسن صحيح، وهكذا رَوَى سفيان الثوريّ، ومِسْعَرٌ، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو حديث أبي عوانة، وأما سفيان بن عيينة، فيُخْتَلف عليه في الرواية، يُرْوَى عنه، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، ولا نَعْرِف لحبيب بن سالم روايةً عن أبيه، وحبيب بن سالم هو مولى النعمان بن بشير، ورَوَى عن النعمان بن بشير أحاديثَ، وقد رُوي عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، نحو رواية هؤلاء.
ورُوِي عن النبيّ -ﷺ- أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بـ ﴿ق﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾، وبه يقول الشافعيّ. انتهى.
وقال الترمذيّ في "العلل": سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: هو
[ ١٧ / ٣٧٣ ]
حديث صحيحٌ، وكان ابن عيينة يروي هذا الحديث، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، فيَضْطِرب في روايته، قال مرةً: حبيب بن سالم، عن أبيه، عن النعمان بن بشير، وهو وَهَمٌ، والصحيح حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير. انتهى كلام الترمذيّ ﵀ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج ﵀ المذكور أولَ الكتاب قال:
[٢٠٣٠] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، يَسْأَلُهُ، أَيَّ شَيْءٍ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ، سِوَى "سُورَة الْجُمُعَةِ"، فَقَالَ: كَانَ يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾) (^٢).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل بابين أيضًا.
٣ - (ضَمْرَةُ بْنُ سَعِيدٍ) بن أبي حَنّة -بالنون، وقيل: بالباء الموحدة- واسمه عمرو بن غَزِيّة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن غَنْم بن مازن بن النجار الأنصاريّ المازنيّ، ثقةٌ [٤].
رَوَى عن عمة الحجاج بن عمرو بن غَزِيّة، وأبي سعيد الخدريّ، وأنس، وأبان بن عثمان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي بشر المازنيّ.
وروى عنه ابنه موسى، ومالك، وابن عيينة، وفُليح بن سليمان، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، وأبو حاتم، والنسائيّ، والعجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
_________________
(١) "علل الترمذيّ الكبير" ١/ ٩٢.
(٢) وفي نسخة: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
[ ١٧ / ٣٧٤ ]
أخرج له المصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (٨٧٨)، وحديث (٨٩١) في "كتاب العيدين"، وأعاده بعده.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عُتبة بن مسعود الْهُذليّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٤) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
والصحابيّ ذُكر قبله.
وقوله: (كَتَبَ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ … إلخ) هو: الضحاك بن قيس بن خالد بن وهب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شَيْبان بن مُحارب بن فِهْر بن مالك الْفِهْريّ القرشيّ، أبوأنيس (^١)، ويقال: أبو أمية، أو أبو سعيد، أو أبو عبد الرحمن، أخو فاطمة بنت قيس، وهي أكبر منه، مختلف في صحبته.
رَوَى عن النبيّ -ﷺ-، وعن عمر، وحبيب بن مسلمة، وروى عنه معاوية بن أبي سفيان، وهو أكبر منه، وتميم بن طَرَفة، والحسن البصريّ، وسعيد بن جبير، وجماعة.
شَهِدَ فتح دِمَشق، وسكنها إلى حين وفاته، وشَهِد صِفِّين مع معاوية، وغَلَب على دمشق، ودعا إلى بيعة ابن الزبير، ثم دعا إلى نفسه، وقُتِل بِمَرْج راهط في قتاله لمروان بن الحكم سنة أربع أو خمس وستين (^٢)، وكان مولده قبل وفاة النبيّ -ﷺ- بنحو ست سنين، أو أقل. ذكره مسلم في حديث الباب فقط، ورَوَى له النسائيّ حديثًا واحدًا في الصلاة على الجنازة (^٣).
وقوله: (أَيَّ شَيْءٍ) بنصب "أَيَّ" مفعولًا مقدّمًا لـ"قرأ".
وقوله: (قَرَأَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ) أي: في صلاتها، لا في مطلق اليوم.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله فيما قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) صحح هذا ابن عساكر. اهـ. "تت" ٢/ ٢٢٤.
(٢) والصحيح أن وقعة مرج راهط كانت في ذي الحجة سنة (٦٤). اهـ. "تت" ٢/ ٢٢٤.
(٣) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٢٤.
[ ١٧ / ٣٧٥ ]